إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مراتب الإيمان بالقضاء والقدر

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مراتب الإيمان بالقضاء والقدرللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القدر سر الله في الكون، لا يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وإن من الأهمية بمكان أن يتعلم الإنسان ما يحصن نفسه من شبه المؤولين، والمحرفين الزائغين حول القدر، كأن يعلم تعريفه وأهميته ومراتبه، وكيف يتعبد الإنسان ربه بالإيمان به.

    1.   

    المداومة على الطاعة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    فإن الله جل وعلا يحب من العبد الديمومة على العمل، وقد حث الله على ذلك، وحث رسوله صلى الله عليه وسلم فقال جل وعلا: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    وقال جل وعلا: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران:133].

    وقد أنكر الله جل وعلا على الذين قاموا بطاعات ثم نقضوا هذه الطاعات وتركوها وعزفوا عنها فقال جل وعلا: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92] أي: التي غزلت هذا الغزل وأتقنته ثم بعد ذلك تركته قطعاً، وما دامت عليه.

    وأنكر الله جل وعلا على بني إسرائيل النصارى خاصة الذين اجتهدوا في عبادة الله جل وعلا بابتداع لا بشرع من عند الله جل وعلا، ثم بعد ذلك ما أداموا الطاعة، قال الله تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27] حتى هذه تركوها.

    وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على بعض من أطاع الله جل وعلا ثم ترك هذه الطاعة، فقال لـعبد الله بن عمرو بن العاص : (يا عبد الله ! لا تكن كفلان كان يقيم من الليل ثم تركه).

    فعلى العبد الذي يبارك له في عمل طاعة من الطاعات أن ويلزمها، ويلزم نفسه عليها، قال عمر بن الخطاب : من بورك له في عمل فليلزم هذا العمل. يعني: من بارك الله له في الصدقة فليشد على نفسه وليكثر من الصدقة، ومن بارك الله له في الصيام فليكثر من الصيام وليلزمه، ومن بارك الله له في القيام فليداوم على القيام، وعليه باليسر فإن الله ييسر على العبد الذي يداوم على طاعته.

    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله الدائم وإن قل). إذ أن الديمومة أحب إلى الله جل وعلا،

    وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا ترك من الليل شيئاً من القيام لوجع أو تعب أو ضيق وقت فإنه يستدرك ذلك بالنهار، فيصلي ثنتي عشرة ركعة لله جل وعلا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقام طاعة ثبت عليها ولم يتركها، وقد صح عنه أنه شغل عن السنة البعدية للظهر بأموال الصدقة ينفقها يميناً ويساراً ويوزعها على مستحقيها فلما قرب وقت العصر صلى العصر ثم بعد ذلك أعقب صلاة العصر بركعتي الظهر التي لم يصلها في وقتها، لذلك قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (ما عبد النبي صلى الله عليه وسلم عبادة أو صلى لله صلاة إلا وثبت عليها).

    فإذا بورك للإنسان في عمل فلا بد أن يثبت عليه، وخاصة أهمها وهو طلب العلم، إذ أن الأمة ضاعت بضياع علمائها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من ورائكم أياماً يرفع فيها العلم ويظهر فيها الجهل ويكثر الهرج)، وما ضاعت الأمة إلا بضياع العلماء.

    وقد قسم علي بن أبي طالب الناس على ثلاثة أصناف فقال: عالم رباني: وهو العالم الذي يستضيء بنور العلم، فلا يتعبد لله بعبادة إلا بعلم، ولا يسير على نهج إلا وله نور من العلم يسير عليه.

    والعالم الرباني هو أرفع هذه المنازل على الإطلاق، وكما قال ابن عيينة : أفضل الخلق على الإطلاق الوسائط بين الخالق وبين المخلوق.

    والثاني: متعلم على سبيل النجاة، فهو يسعى في طلب العلم فلا يترك جلسة علم إلا ويجلس فيها ليتعلم ويتبصر أمور دينه، فيتعلم كيف يتعبد لله جل وعلا، ويتعلم كيف يتعامل مع الناس، ويتعلم الحلال ليعمل به، والحرام ليتجنبه ويبتعد عنه، ويسعى جاهداً لتطبيق ذلك في حياته.

    فهو كما وصفه الإمام علي رضي الله عنه متعلم على سبيل النجاة، فهو ينجو بتعلمه، (وإن الملائكة -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم بما يعمل).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كما في الصحيح: (من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة).

    والثالث: همج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، فإذا قال أحدهم: يميناً اتجهوا يميناً، أو إذا قال: يساراً اتجهوا يساراً؛ لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم، فقد شغلتهم الدنيا عن الدين، فالتهوا بلذات فانية وتركوا اللذات الباقية، ولأنهم لم يستضيئوا بنور العلم تراهم يتخبطون دائماً قد فقدوا البصيرة، وحتى إذا دعوا إلى الله جل وعلا لم يدعوا إلى الله على بصيرة، وإن تعبدوا تعبدوا على جهل، والذي يتعبد على جهل أبعد من الله جل وعلا من الذي يعصيه، لأن الذي يعصيه وهو على علم له أن يتوب ويرجع ثم يتعبد على علم، أما الذي يتعبد على جهل فهو أحب إلى الشيطان كما قال سفيان الثوري : البدع أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن الذي يتعبد على جهل لا بد أن يبتدع في دين الله جل وعلا، والمبتدع لا توبة له، كما جاء في بعض الآثار: الذي يبتدع في دين الله جل وعلا لا يوفق إلى توبة أبداً.

    1.   

    الإيمان بالقدر

    إن سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عز وجل، وما روي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم يدل دلالة تامة لا مراء فيها ولا جدال على إثبات القدر، كما يدل على ذلك ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة؛ ومما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله عز وجل طاعتها ومعصيتها.

    وقبل البدء في سرد الآيات التي تفسر القدر: لا بد أن نذكر جملة من مباحث القدر، كتعريفه لغة، ثم شرعاً ثم أهميته، ثم بعد ذلك الأدلة عليه، ومراتبه، وكيف يتعبد لله جل وعلا بالإيمان بالقدر؟

    تعريف القدر

    القدر لغة: مأخوذ من التقدير، قال ابن تيمية : يجوز أن يكون قد أخذ من القضاء والقدر، أو أخذ من المداومة والمساواة، وقيل: أخذ من القدرة.

    وشرعاً: هو أن تعلم يقيناً أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.

    أو: هو أن تعلم يقيناً أن الله علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فهو يعلم أحوال العباد، وأرزاق العباد، وأخلاق العباد، وآجالهم، وأهل الجنة منهم وأهل النار وأهل السعادة منهم وأهل الشقاوة، وأن الله قدر ذلك قبل أن يخلق الخلق أجمعين بخمسين ألف عام.

    فما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ لأنه كتب في علم الله السابق، وما أصابك لم يكن ليخطئك؛ لأنه كتب في علم الله السابق.

    وعرف القدر أنه قدرة الله، وهو: أوجز ما يطالب فيه، كما قال الإمام أحمد : أجمل ما قيل فيه: القدر هو قدرة الله، واستحسن ذلك ابن عقيل قال: هذا من دقة فهم الإمام، فالقدر من لوازم ربوبية الله جل وعلا، ومن آمن بربوبية الله علم أن القدر هو قدرة الله جل وعلا، إذ هو سر مكتوم، من أسرار الله جل وعلا لم يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، هذا القدر هو الذي أعجز الناس إذ لا قياس فيه ولا عقل، بل من أدخل عقله في أمر القدر تاه في بحر الحيرة، ودائماً يتساءل الناس: الإنسان مخير أم مسير؟ وهل هو مجبر أم له اختيار؟

    أهمية الإيمان بالقدر

    تكمن أهمية الإيمان بالقدر؛ في الركن السادس من أركان الإيمان، ومن نفاه أو تركه أو لم يعتقد بأن الله جل وعلا كتب كل شيء قبل أن يخلق كل شيء فهو كافر بالله العظيم، خارج من ملة الإسلام.

    ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: (أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه وسأله وكان مما سأله أن قال: أخبرني عن الإيمان؟ -يريد: أركان الإيمان- فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، فهو الركن السادس من أركان الإيمان، والركن كما عرفه علماء الأصول: هو ماهية الشيء، وهو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.

    ومعنى يلزم من وجوده الوجود: أنه إذا وجد هذا الركن وجد الأمر، وإذا نفي نفي الأمر. مثال ذلك: الركوع فهو ركن من أركان الصلاة، فإن وجد الركوع صحت الصلاة، وإن لم يوجد الركوع فالصلاة باطلة، فلو أن رجلاً كبر تكبيرة الإحرام ثم قرأ الفاتحة ثم سجد دون أن يركع فلا تصح ركعته بالإجماع؛ لأنه لم يأت بركن من أركان الصلاة، وكذلك الأمر بالنسبة للقدر فهو ركن من أركان الإيمان فالذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ثم لا يؤمن بالقدر فإنه لم يأت بالإيمان كله، فهو خارج من ملة الإسلام، ولذلك قال ابن القيم عن عوف بن مالك : قال عوف : من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام.

    وفي المسند عن عبادة بن الصامت لما دخل عليه ابنه وسأله عن القدر أو قال: أوصني أوصاه، ثم قال: إن لم تؤمن بالقدر دخلت النار. وفي رواية: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء منك، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يبرأ إلا من الكافر.

    وقد بين اللالكائي أن طاوس قال ]: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: إن الأمر بقضاء وقدر. قال الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، وقال جل وعلا: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر:53] أي: مكتوب في اللوح المحفوظ.

    وقال جل وعلا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22].

    اختلف العلماء: في عود الضمير في قوله: نبرأها، فقيل: على النفس، والمعنى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا في كتاب من قبل أن نبرأ النفس، وقيل: على الأرض، والمعنى: من قبل أن نبرأ الأرض، وقيل: إن الهاء عائدة على المصيبة، والتحقيق: أنها عائدة على كل ذلك: قبل أن يخلق الله النفس، وقبل أن يخلق الأرض، وقبل أن يخلق المصيبة التي تنزل على النفس، فقد كتبها الله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال الله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22] أي: من قبل أن نبينها ونظهرها ونوجدها.

    وقال جل وعلا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] قال العلماء: ومن يؤمن بأن هذه المصيبة كتبت عليه قبل أن يخلق هدى الله قلبه للإيمان، وجعله يستسلم لقضاء الله، وكان برداً وسلاماً عليه وأجر على ذلك.

    فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط.

    وأيضاً في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كراهة النذر فقال: (إن النذر يستخرج الله به من البخيل)، وقال أيضاً: (النذر لا يأتي بخير)أي أنه لا يرد قدر الله جل وعلا، بل إن الله قدر الأمر ويستخرج من البخيل ما نظر على نفسه.

    وفي الصحيحين أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها -يعني: تأخذ رزقها- ولتنكح -أي: تنكح من زوجها- فإن لها ما قدر لها) والمعنى: أن الذي كتب لها سيأتيها ولا يستطيع أحد رده، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين خطر عدم الإيمان بالقدر ويقول: (أخوف ما أخاف على أمتي حيف الأئمة -المضلين- وتكذيباً بالقدر، وإيماناً بالنجوم)، وفي رواية: (أخاف على أمتي تكذيباً بالقدر وإيماناً بالنجوم)، نعوذ بالله من الإيمان بالنجوم أو التكذيب بالقدر.

    وجاء في القدر أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـابن عباس مرشداً له -والحديث رواه أحمد في مسنده- : (يا غلام! إني أعلمك كلمات ... إلى أن: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فلو اجتمعت الأمة قاطبة على أن يجروا لك ربحاً أو يوقعوا بك خسارة فلن يأتيك إلا ما قدره الله لك.

    وجاء أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوا ضعف الباءة لديه، وهو يشتاق للنساء، فقال: (يا رسول الله! أأختصي -فإني لا أستطيع أن أتزوج-؟ فقال: يا أبا هريرة ! جف القلم على ما أنت لاق) أي أن الأمر مكتوب سواءً اختصيت أم لا فما كتب ستلقاه.

    كما أنه لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر العزل: وهو أن يجامع الرجل امرأته ثم إذا قرب الإنزال أنزل خارج الفرج؛ لأنه لا يريد أن تخصب البويضة فأجاب قائلاً: (إذا أرد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)؛ لأن الأمر إذا كتب وقضي فلا راد له، ولذلك طيب النبي صلى الله عليه وسلم قلوب الذين يلهثون وراء أطماع الدنيا، ويسارعون في كسب أكبر قدر منها -حتى أن جلهم ينطبق عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم (حمار بالليل جيفة بالنهار)، فلا هو ترك لنفسه وقتاً بالنهار ليتعلم، ولا بالليل ليقمه لربه- فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها فأجملوا الطلب).

    فلو أنك آمنت بالقدر وعلمت أن رزقك قد كَتِبَ وأنه لا شك آتيك، فلن تلهث وراء حطام هذه الدنيا الفانية، وقد كان الحسن البصري يَعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويطبقه فكان يأخذ التمر فيبيع تمرات قدر قوت يومه ثم يجمع حاجته ويذهب فيقول له الناس بع يا رجل فقد أتاك المشرتون فهذا رزق ساقه الله إليك فيقول: علمت أن رزقي بيد ربي ولن يصل إلى غيري فاطمأن قلبي؛ لأنه آمن بالله، وآمن أن الرزق قد كتب والأجل قد كتب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجملوا الطلب)؛ لأن المكتوب سيأتي.

    وكما أن الأجل سيأتي فالرزق يسعى إلى المرء أشد من سعي الأجل إليه، ولذلك جاء في بعض الآثار الإلهية: (عبدي انشغل بي أكفك الهموم كلها، وإن انشغلت بالدنيا وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ولن تأخذ إلا ما قسم لك) فلو رقيت إلى السماء أو غصت في أعماق المحيطات فلن تأخذ إلا ما كتب لك، فمن آمن بالقضاء والقدر ولم يوكل عقله وكان مستسلماً لربه فقد أراح واستراح، فتراه إن نزلت عليه البلايا والمصائب ضاحكاً مستبشراً يعلم أن الله حكيم ولم يقدر عليه إلا الخير، ولذلك قال بعض السلف: إذا نزلت المصيبة بالعبد فإنها تحمد على ثلاث: على أنها كانت مكتوبة في الأجل وقد وقع وانتهى الأمر، وعلى أنها لم تكن أكبر مما كانت، وعلى أن الله يرفق بالعبد إذا نزلت به المصيبة، فإنه حكيم عليم لطيف خبير.

    إذاً القدر: قدرة الله وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وهذه هي الأدلة على القضاء والقدر، ولن ينتظم إيمان عبد بالقضاء والقدر حتى يؤمن بكل ما تقدم لأن ذلك لازم من لوازم الإيمان بالقدر.

    مراتب الإيمان بالقدر

    إن إيمان العبد لن ينتظم ولن يستقيم حتى يؤمن بأربع مراتب، ومن لم يؤمن بمرتبة منها لم يؤمن بالقدر، وقد كان السلف لا يقسمون الإيمان بالقدر على أربع مراتب، بل كانوا يأتون بها مجملة، وكان شيخ الإسلام قدس الله روحه هو أول من قسم هذه التقسيمات، ولذلك بدعه أهل الجهالة والضلالات فقالوا: هذا مبتدع لا يتبع علم السلف، فالسلف لم يقولوا: الإيمان بالقدر أربع مراتب، وما أتى بها ابن تيمية إلا استنباطاً من أقوال السلف، وقسمها للتوضيح لا أنه أراد أن يبتدع، فجزاه الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.

    المرتبة الأولى: العلم

    المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقدر: العلم، وهو أن تؤمن بعلم الله جل وعلا السابق لِكل شيء: ومما يدل على ثبوت علم الله السابق، أو علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون: قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] فالله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء.

    وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] قال المفسرون: أي: هذا الضال يعلم الله أنه ضال وراض بالضلال، تصديقاً لقول الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17].

    أما ابن عباس فقد قال في تفسير قوله تعالى: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] أضله الله لعلمه السابق فيه أنه محل للضلال، فلا يصح أن يكون مسلماً، قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35]، وقال جل وعلا: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28].

    كما أن الله جل وعلا لما اختار أنبياءه كان بعلمه السابق يعلم أن هذه القلوب طاهرة نقية، ولذلك قال الله تعالى عن إبراهيم: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء:51] والمعنى: نحن نعلم أن إبراهيم عليه السلام محل للهداية، ومحل للنبوة، ومحل لأن يكون خليلاً لله جل وعلا؛ لأنه شاكر لأنعم الله جل وعلا.

    ومما يدل على علم الله السابق أن الله لما فتن الكبراء بالعبيد وفضل العبيد عليهم؛ لعلمه السابق بما سيكون منهم قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ [الأنعام:53]، أي: الفقراء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا [الأنعام:53] فأجابهم الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53] فكان الله جل وعلا على علم سابق بهؤلاء أنهم سيشكرون نعمته جل وعلا، فأوضع فيهم هذه النعمة وهي نعمة الإسلام.

    كما أن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم واختيار صحابة رسول الله كان بعلم الله السابق، فمن وجد نفسه في خير وعلى خير فليستبشر؛ لأنه في علم الله السابق من أهل الخير، وليزدد من الخير الذي هو فيه، قال الله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا [الفتح:26] أي: أنهم كانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26] في علم الله السابق، فإن الله علم أن أبا بكر أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وعلم أن عمر هو الفاروق فأودع في قلوبهم هذا الخير وجعلهم صحبة لنبيه صلى الله عليه وسلم.

    المرتبة الثانية: الكتابة

    المرتبة الثانية من مراتب القدر والتي لا بد للمؤمن بالقدر أن يؤمن بها: الكتابة، وهي تلي العلم، إذ لا يكتب أحد شيئاً إلا وقد علم بهذا الشيء الذي يكتبه، فالله علم كل شيء قبل أن يخلق أي شيء، وكتب كل شيء قبل أن يخلق كل شيء.

    والكتابة لها خمسة مقادير:

    أولاً: كتابة أزلية، والكتابة الأزلية هي كتابة كل شيء إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ، قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]، والذكر: اسم جنس لأي كتاب ينزل، كالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور، وهو الكتاب الذي أنزل على داود، والمعنى: كتبنا في الذكر وهو اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

    وقال الله تعالى عن آثار الذين يعملون الصالحات إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12] والمعنى: أن كل شيء فعلوه من خير أحصاه في كتاب مبين، والإمام المبين هو اللوح المحفوظ.

    ومما كتب في اللوح المحفوظ: القرآن الكريم، قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:21-22].

    وميزة هذه الكتابة أنها لا تبدل ولا تغير، فما كتب في اللوح المحفوظ، من شقاوة العباد، أو سعادتهم، أو تصنيفهم من أهل الجنة، أو من أهل النار لا يتغير بحال من الأحوال، وما كتب فيها من أرزاق العباد، وتغير الأحوال، وأوقات الموت أو الحياة كل ذلك لا يتغير.

    ثانياً: كتابة أخذ الميثاق، وهي الكتابة التي أخذ الله جل وعلا فيها الميثاق على عباده عندما خلق آدم، فكانت الكتابة الأولى في اللوح المحفوظ قبل الخلق أجمعين، وكانت الكتابة الثانية بعد خلق آدم، فقد ورد في الحديث: (أن الله لما مسح على ظهر آدم وأخرج ذريته قبضة باليمين وقبضة بيده الأخرى فقال باليمين: هذه للجنة ولا أبالي، وقال في اليد الأخرى: هذه للنار ولا أبالي)، قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]، فإن الله مسح على ظهر آدم فأخرج كل ذريته، وأخذ عليهم الميثاق وكتب عليهم كل شيء.

    وفي الصحيحين أن: (النبي صلى الله عليه وسلم: لما سئل: يا رسول الله! أفرغ من الأمر وقضي أم نستقبل؟ -يعني: أكل الذي نعمله قد قضي وكتب، أم أننا نستقبله- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: قضي أو فرغ منه، فقالوا: ففيم نعمل؟ -أي: إذا كان كل شيء قد كتب، فكتب أصحاب الجنة وأصحاب النار ففيم العمل؟- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فمن يسر له شرب الخمر فهو من أهل الخمر، ومن يسر له الزنا والفاحشة والقتل والسرقة والكذب والزور فهو من أهل ذلك، ومن يسأل الله الطاعة والجهاد وطلب العلم والذكر والصلاة فهو من أهل ذلك، فكل ميسر لما خلق له.

    وجاء في المسند أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابان: كتاب في يده اليمنى وكتاب في يده الأخرى، فقالوا: يا رسول الله! ما هذان الكتابان؟ قال: هذا كتاب بيد ربي اليمنى فيه أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وأجمل عليه -أي: أغلق فلا يزاد ولا ينقص- وفي اليد الأخرى أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم وأجمل على ذلك، ثم قال صلى الله عليه وسلم: وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، ويكون من أهل النار فيختم عليه بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ويكون في الكتاب من أهل الجنة فيعمل بعمل أهل الجنة ويختم له بعمل أهل الجنة) وهذا مصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في السنن: (إن الله إذا أحب عبداً عسلة قالوا: يا رسول الله! وما عسلة؟ قال: إذا أحب الله عبداً وفقه لعمل الخير، فأماته عليه فختم له بعمل الخير، وإذا أبغض الله عبداً يسر له عمل أهل النار فختم عليه به) نعوذ بالله من ذلك.

    ثالثاً: الكتابة العمرية، وهي القدير العمري للإنسان في بطن أمه، كما قال ابن مسعود : الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، وكان إبراهيم بن أدهم أو غيره يبكي طيلة الليل والنهار فيطرقون عليه الباب ويقولون: علام تبكي وأنت المتزهد المتعبد؟ فيقول: والله ما أعلم كتبت وأنا في بطن أمي من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة!.

    وجاء في الصحيح عن ابن مسعود قال: (أخبرني الصادق المصدوق إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه نطفة أربعين ليلة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يأتي الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وعمله وأجله شقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بيه وبينها إلا ذراع -ويكون في الكتاب أنه من أهل النار- فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة). وقد ورد في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يجاهد فقال الصحابة: يا رسول الله! هذا من أشجع الصحابة، وهو من أهل الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من أهل النار)، وكان الرجل يجاهد شجاعة ويقاتل حمية ويثخن المشركين قتلاً فظن الصحابة أنه من أهل الجنة، ولكن لما كتب في علم الله السابق أنه من أهل النار قال رسول الله: (إنه من أهل النار)، فقال بعض أحد الصحابة: إن رسول الله لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فلا بد أن أتتبع الرجل، فتتبع الرجل فوجده يقاتل بشدة وشجاعة ثم جرح، فلما جرح لم يحتمل جرحه فأخذ ذبابة سيفه فوضعها في بطنه فاتكأ عليها حتى قتل نفسه، فقال الرجل: (يا رسول الله! رأيت الرجل الذي قلت فيه: أنه من أهل النار فعل كذا وكذا وكذا، فقال: أشهد أني رسول الله)، فهذا الرجل قاتل وجاهد وليس بينه وبين الجنة إلا ذراع، ولما كتب في علم الله السابق أنه من أهل النار سبق عليه الكتاب وختم عليه بعمل أهل النار فقتل نفسه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة).

    ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يوكل بالرحم ملكاً فيقول: رب نطفة رب علقة رب مضغة، فإذا أذن الله بخلقه أمره بنفخ الروح، فإذا نفخ الروح قال: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ متى أجله) فيكتب كل ذلك في صحيفة الملك، وهذه الصحيفة غير صحيفة اللوح المحفوظ، والفرق بين صحيفة اللوح المحفوظ وما كتب فيها وبين هذه الصحيفة: أن اللوح المحفوظ لا يغير فيه شيء ولا يبدل، أما صحائف الملائكة فيمكن أن يغير ما كتب فيها، ولذلك قال الله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] أي: يمحو ما يشاء في صحائف الملائكة ويثبت ما فيها وعنده الثابت في اللوح المحفوظ وهو في أم الكتاب، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يطوف بالكعبة ويقول: رب إن كنت قد كتبتني شقياً فامحها واكتبني عندك سعيداً، أي: إن كنت قد كتبتني في بطن أمي في صحيفة الملك شقياً فامحها وأثبتها عندك في اللوح المحفوظ سعيداً.

    رابعاً: -المرتبة الرابعة من مراتب الكتابة- الكتابة العامية، وهذه الكتابة جاءت استنباطاً من بعض الآيات كقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3] والليلة المباركة هي ليلة القدر، قال ابن عباس : في ليلة القدر يكتب من يموت هذا العام ومن يحيا ومن يولد، ورزقه وأجله، وشقي في هذا العام أم سعيد؟ ويكتب في ليلة القدر حتى الحجاج، قال مجاهد : يمشي الرجل في الأسواق وقد كتب مع الأموات، وقال آخر: يمشي في الأسواق وقد كتب في ليلة القدر أنه مع الحجيج، فهذه الكتابة هي كتابة عامية تكتب كل عام في ليلة القدر.

    خامساً: الكتابة اليومية، وهي من قول الله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، قال بعض السلف: يرفع أقواماً في نفس اليوم ويخفض آخرين، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويحيي ويميت ويعطي ويمنع وينفع ويضر سبحانه وتعالى، وكل ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى.

    وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل والنهار)، في الليل: أي: في الفجر، وفي النهار أي: في العصر، وعملهم أنهم يكتبون ما يفعل العباد في اليوم.

    المرتبة الثالثة: المشيئة

    والمشيئة تعني أن الله كتب فشاء سبحانه وتعالى، ولا بد أن يؤمن العبد أنه لا يمكن أن يحدث شيئ إلا بمشيئة الله، فهجوم الروس على المسلمين بمشيئة الله، وضرب الأمريكان لأفغانستان بمشيئة الله، واحتلال اليهود لبيت المقدس وإفسادهم فيها بمشيئته، وظهور الحبشي قبل يوم القيامة وهدمه للكعبة واستخراجه لكنزها بمشيئة الله، وموت الرسول بمشيئة الله، وظهور المهدي في آخر الزمان بمشيئة الله جل وعلا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فعلى العبد أن يعلم أن كل شيء بمشيئة الله، وأن ذلك من حكمة حكيم عليم .. إذا شاء شيئاً كان هذا الشيء خاضع لحكمته، قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان:30-31] فمشيئته خاضعة لحكمته سبحانه وتعالى، وهي نافذة في كل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

    قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا [البقرة:253]، فلو شاء الله ما اقتتل الأفغان بعضهم مع بعض، ولا قاتل صدام ودخل على الكويت، ولا اقتتل اليهود مع المصريين عام سبعة وستين، ولا اقتتل يهود خيبر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فالله يقول: َلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253].

    وقال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس:99] إذ أن مشيئة الله نافذة إذا شاء شيئاً كان وإذا لم يشأ لم يكن.

    وقال جل وعلا: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112] فإنهم ما فعلوه إلا بمشيئة الله تبارك وتعالى، وكل ما سبق عن المشيئة فهو عن المشيئة الكونية، والإرادة الكونية غير الإرادة الشرعية التي هي المحبة.

    المرتبة الرابعة: الخلق

    علم أن مراتب القدر أربع: الأولى: أن تؤمن بعلم الله السابق وأن كل شيء نشأ عن علمه سبحانه.

    الثانية: الكتابة فالله كتب ما علمه جل وعلا.

    الثالثة: المشيئة والإرادة.

    الرابعة: التنفيذ، وهو ما عبرنا عنه بالخلق.

    فالله علم ثم كتب ثم شاء وأراد ثم خلق، قال الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62] ومن الأشياء التي خلقها: السماوات والأرض، والخلق وأفعال الخلائق وأرزاقهم، فـ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، وأظهر من ذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، فإنه دليل على أن الله خلق أفعال العباد.

    وجاء وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله كل صانع وصنعته)، وفيه دلالة على أن الله خلق كل شيء، حتى أفعال العباد.

    1.   

    هل الإنسان مسير أم مخير؟

    الناس في الإجابة على هذا السؤال فرق ثلاث: ففرقة غلت وفرقة جفت وفرقه وتوسطت، فكان في الأولى إفراط، وعند الثانية تفريط، أما الثالثة فوسط بين الإفراط والتفريط.

    أما الذين غلو فهم القدرية إذ قالوا: الإنسان مخير في كل شيء، حتى أفعال العباد، فالعباد -عندهم- يخلقون أفعال أنفسهم، وجل وعلا -بزعمهم- لا يعلم أفعال العباد حتى يعملها العامل، ومن القدرية من يثبت علم الله لعمل العبد وينفي عن الله خلق أفعال العباد، فلم ينفقوا عن الله صفة العلم.

    أما غلاة القدرية فقد نفوا العلم فقالوا: الله لا يعلم بعمل العبد حتى يعمله، فالإنسان عندهم مخير على الإطلاق.

    وبعكس قول القدرية قالت الجبرية إذ الإنسان عندهم مسير على الإطلاق، فلا خيار له ولا اختيار ولا مشيئة ولا إرادة كما قال بعضهم:

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء

    ولذلك كان متنطعهم قولهم: الشيطان أكبر عابد لله جل وعلا -لأنه مسير- فإن الله أجبره على ما فعل فرضي بما فعل وهو خاضع لله جل وعلا.

    أما أهل السنة والجماعة فهم وسط بين الفريقين إذ قالوا: الإنسان مسير مخير، فالإنسان مخير في فعله، فهو مخير في اختياره لزوجته، واختياره لعمله، واختياره لدينه، ألا ترى أن من شاء أن يدخل في النصرانية يدخل، ومن أراد الإسلام دخل في الإسلام، ومن أراد الكفر فعل الكفر، ومن أراد الزنا فعل الزنا ولا مجبر لهم، له، فالإنسان مخير في إرادته، ومخير في طلبه، وكفه، في منعه، وعطائه، وهو -أي الإنسان- مسير في موته، في طوله وقصره، في سواده وبياضه فلم يتحكم امرئ بلونه فقال: أريد أن أكون أبيض البشرة، بل ما خلقك الله عليه فأنت مسير به، كما أنه في اختيار في هذه ومسير من ناحية أخرى وهو أن مشيئته تابعة لمشيئة الله جل وعلا، قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] جل وعلا.