إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - رؤية المؤمنين ربهمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل السنة والجماعة مع غيرهم من أهل البدع والضلالات في كثير من المسائل الاعتقادية، وقد صنفت في ذلك المصنفات الكثيرة، ومن هذه المسائل: مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في هذه المادة أقوال الفرق فيها مع ذكر حجج كل قول، وبين الحق فيها مؤيداً بالحجة والبرهان.

    1.   

    أنواع نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    لا زلنا مع كتاب (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للعلامة اللالكائي ، وقد انتهينا إلى صفة من صفات الله جل وعلا الفعلية وهي صفة نزوله سبحانه وتعالى، وبينا أن الله جل وعلا ينزل نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله إلى السماء الدنيا، فينزل نزولاً عاماً ونزولاً خاصاً، فالنزول العام هو في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر على خلاف سنبينه.

    وينزل نزولاً خاصاً يوم عرفة فيباهي ملائكته بالحجيج، فهذا النزول خاص بالحجيج فقط، وهذه فرحة كبرى لأهل الحج الذين يقفون في عرفات، فإن الله جل وعلا ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بهم الملائكة، فقد أتوا شعثاً غبراً خاضعين متذللين لله جل وعلا.

    وينزل نزولاً خاصاً أيضاً في ليلة النصف من شعبان، وهذا النزول لا يحتاج من العبد أن يكون صائماً ولا مستغفراً ولا متقرباً بطاعة، بل هذه محض رحمة من الرب الكريم الجليل، ينزل في هذه الليلة فيغفر لكل عباده المسلمين إلا المشرك والمشاحن.

    وأما النزول العام في كل ليلة فيحتاج من العبد إلى القيام، فإن الله ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر فيغفر لمن يستغفر، ويعطي من سأل، ويجيب من دعا، ويشفي من استشفى، وأما الذي لا يستشفي ولا يدعو ولا يسأل فليس له هذا الثواب، فيا حسرتا ثم يا حسرتا على من ضيع ثلث الليل الآخر ولم يقم يدع الله متذللاً خاضعاً ممتثلاً لربه جل وعلا! يستغفره فيغفر له، أو يدعوه فيجيبه، أو يسأله فيعطيه، أو يستشفي الله جل وعلا فيشفيه.

    فهذا النزول يليق بجلال الله وكماله جل وعلا، وهو يعم المؤمنين والكافرين.

    بقي هنا إشكال تكلمنا عنه في المرة السابقة وهو: إذا قلنا: إن الله جل وعلا ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، ففي مصر مثلاً ثلث الليل وفي أمريكا في نفس الوقت ليس كذلك، وفي المشرق ثلث الليل في وقت وفي المغرب ثلث الليل في وقت آخر، فيبقى الله جل وعلا طيلة الليل نازلاً، فهذا الإشكال هو الذي أورده أهل البدع في هذه المسألة.

    والجواب عليه: أن الخطأ الذي وقع فيه أهل البدع أنهم قاسوا نزول الحق على نزول الخلق، وقاسوا نزول الخالق على نزول المخلوق، وهذا هو الذي جعلهم يقعون في هذه الأباطيل، فنقول: إنه حين يكون ثلث الليل الآخر فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فهو ثلث الليل هنا أو هناك، فالنزول مرتبط بثلث الليل الآخر.

    1.   

    الجمع بين الروايات الواردة في وقت النزول

    قسم بعض العلماء النزول إلى ثلاثة بمقتضى الأحاديث، فالحديث الأول في الكتاب: أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل الله عز وجل كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر).

    وجاء في رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (يمهل الله عز وجل حتى إذا ذهب ثلث الليل نزل إلى السماء الدنيا)، وفي رواية أخرى قال: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول، فإذا مضى ثلث الليل الأول هبط -يعني الله جل وعلا- إلى السماء الدنيا، فلم يزل بها حتى يطلع الفجر يقول: ألا سائل فأعطي)، ففي هذا دلالة على أن الله ينزل بعد ثلث الليل الأول، لكن في حديث أبي هريرة قال: (ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر)، وهذا إشكال.

    وهناك حديث فيه تحديد النزول في آخر ثلاث ساعات تبقى -وهذا إشكال آخر- وهو حديث أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينزل الله في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، ينظر في الساعة الأولى منهن الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره ..) إلى آخر الحديث، فكيف نجمع بين هذه الروايات.

    الجمع بين هذه الروايات: أن الحديث الأول أظهر لنا وقت نزول الله جل وعلا وهو حين يبقى الثلث الأخير، ونحن لا نعرف الثلث الأخير هل هو حين تبقى ثلاث ساعات أو أربع ساعات أو ساعتان؟ فجاء حديث أبي الدرداء وجعله ثلاث ساعات، فهذا ضابط لهذا، ويبقى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا) ولم يبين هل ينزل بعد ثلث الليل الأول بدقيقة، أو بعده بساعة، أو ساعتين أو ثلاث، أو حين يبقى الثلث الأخير؟ فهذه مطلقة ومجملة، والروايات الأخرى بينت الوقت وهو: حين يبقى ثلاث ساعات.

    إذاً فأرجح الأقوال: أن الله جل وعلا ينزل حين يبقى الثلث الآخر، أي: قبل الفجر بثلاث ساعات.

    وأما الذين قسموه إلى أول وأوسط فهو تقسيم ليس بجيد؛ لأنه يمكن الجمع بين الروايات، ولأن هذه الروايات كلها مطلقة قيدت بحديث: (ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر).

    1.   

    رؤية الله جل وعلا في الآخرة

    قبل أن ندخل في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة لابد من التفريق بين قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم : (خلق الله آدم على صورته)، والحديث الضعيف الذي رواه النسائي : (خلق الله آدم على صورة الرحمن)، فالأول صحيح، والثاني مختلف فيه: والشيخ ابن باز رحمة الله عليه يصححه، ويقول في معناه: إن الله له وجه كما أن آدم له وجه، وله يد كما أن آدم له يد، وله رجل كما أن آدم له رجل، فلله جل وعلا يد وعين وساق ورجل، لكنها تليق بكمال الله وجلاله، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

    أما بالنسبة لرؤية المؤمنين لربهم فهل منا أحد درب نفسه ليرى الله جل وعلا؟ وهل منا من نقى بصره لينظر إلى المليك المقتدر؟ وهل منا من لم يقع بصره على حرام؛ حتى لا يغار الله جل وعلا إذا انتهكت محارمه؟ نسأل الله أن يحفظ أبصارنا حتى نراه جل وعلا.

    1.   

    الأدلة على رؤية المؤمنين لله

    ورؤية المؤمنين لله المليك المقتدر ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل.

    الأدلة من القرآن الكريم

    فأما الكتاب ففيه الآيات الباهرة التي تثبت رؤية المؤمنين لله جل وعلا.

    أولها: قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] فـ(ناضرة) من النضارة، وهو نور يشع من وجوههم بالنظر إلى وجه الله الكريم كما فسره ابن عباس ، فهذه الآية صريحة ونص قاطع بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وذلك لعدة أمور:

    أولها: أن النظر: فعله نَظَر، وهذا الفعل إما أن يتعدى بنفسه، أو يتعدى بـ(إلى)، أو يتعدى بـ(في)، فإذا تعدى هذا الفعل بـ(إلى) يكون معناه النظر بالعين والإبصار، أي: يبصرون الله جل وعلا بأعينهم، والذي يؤكد ذلك أنه أتى بمحل النظر وهو الوجه الذي فيه العين التي ينظرون بها إلى الله جل وعلا.

    وأما إذا تعدى بنفسه فمعناه: الانتظار، فأقول: أنا ناظرك في المكان الفلاني الساعة الفلانية، أي: أنا منتظرك، ودلالة ذلك من كتاب الله جل وعلا، فقد قال الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون عندما يلتمسون النور من المؤمنين على الصراط: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13] أي: انتظرونا حتى نقتبس من نوركم؛ لنستهدي ونمر على الصراط.

    وإذا تعدى بـ(في) يكون بمعنى التدبر والتفكر، قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ [الأعراف:185].

    إذاً: إذا تعدى بـ(في) فمعناه التفكر والتدبر، أما إذا تعدى بـ(إلى) فهو نص قاطع على رؤية الله جل وعلا بالعين المجردة.

    فقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، فيه أن هذه النظرة كما قال ابن عباس وأنس : من النظر إلى وجه الله الكريم.

    هذه أول آية تدل على رؤية المؤمنين لله جل وعلا.

    الآية الثانية: قول الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، وتفسير القرآن بالقرآن أولى التفاسير، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسير القرآن بأقوال الصحابة، والنبي صلى الله عليه وسلم فصل لنا هذه الآية بأبلغ بيان؛ وقد أمره الله جل وعلا بقوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فتعالوا إلى بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس في صحيح مسلم : (الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم) اللهم ارزقنا ذلك يا أرحم الراحمين.

    الآية الثالثة التي تثبت ذلك: قول الله تعالى عن المؤمنين: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين:22-24].

    فاستدل العلماء على الرؤية بقول الله تعالى: عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ أي: ينظرون إلى وجه الله تعالى، فـ(ينظرون) هذا الفعل، والفاعل: المؤمنون، والمفعول به محذوف، والقاعدة تقول: نفي المعمول يؤذن بالعموم، أي: أن الأبرار ينظرون، لكن لا ينظرون إلى ثمار الجنة فقط، أو إلى الحور العين، أو إلى أشجار الموز أو التفاح، فالله تعالى لم يقل ذلك، بل ترك الآية عامة، والمنضور إليه غير مصرح به، فيدل على الإطلاق، أي: أنهم ينظرون إلى الحور العين، وإلى ثمار الجنة، وإلى أنهارها، وينظرون إلى ما هو أرقى من ذلك وأعلى وأنعم ألا وهو: وجه الله الكريم.

    إذاً وجه الدلالة: أن حذف المنظور إليه فيه دلالة على العموم، أي: أنهم ينظرون إلى الله جل وعلا، وينظرون إلى النعم التي أعدها الله لهم في الجنة، وينظرون إلى كل خير وبر، وإلى كل ما يمتعهم، وأشد ما يتمتعون به: النظر إلى وجه الله الكريم.

    أيضاً من الآيات الدالة على النظر إلى وجه الله الكريم ورؤية المؤمنين الله بأبصارهم يوم القيامة قول الله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا [ق:35] أي: في الجنة وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]، قال أنس وعلي بن أبي طالب : لهم فيها ما يشاءون: من الحور العين، ومن اللبن والخمر، ومن العسل المصفى، ومن كل ما يشتهون، حتى الذي يحب الأموال أو الجمال أو الأغنام -وكل هذا يكون تراباً يوم القيامة- فإنه إذا تمنى ذلك على الله أنشأ الله له الغنم من الذهب، أو الجو ذأوة أو مال من الذهب، وجاء في بعض الآثار: أن المؤمن ينظر إلى أمامه في الجنة فهو لا يريد، وإنما يريد الناحية الأخرى، فيشير إليها بأصبعه فتمشي معه حيثما سار، فللمؤمن في الجنة ما يشتهي، يقول صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وأعلى من ذلك المزيد، وهو: رؤية الله جل وعلا، وهذه لصاحب الحس المرهف، والقلب الواسع، الذي أحسن في عبادة الله جل وعلا فيجازى بالإحسان كما قال الله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، فالذي أحسن في عبادته لله جل وعلا يجازى بملء بصره من النظر إلى وجه الله الكريم، كما قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فكان جزاء وفاقاً، فمن عبد الله كأنه يراه كان جزاؤه أن يراه حقاً وحقيقة بعين اليقين في الآخرة.

    ومن الأدلة أيضاً: قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، هذه الآية استدل بها الشافعي على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا، حيث قال: إذا حجب الله نفسه عن الكفار في السخط أو في الغضب، ففي الرضا لا بد أن يراه المؤمنون، فإن حجب نفسه عن الكافرين فإنه يتجلى للمؤمنين؛ رضاً عنهم.

    الآية السادسة التي تثبت رؤية الله جل وعلا -وهي ليست بصريحة في ذلك ولكن بدلالة اللزوم- وهي قول الله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46] فاللقي لغة يلزم منه المعاينة، فإذا التقيت بشخص فلا بد أن تعاينه إلا إذا منع من ذلك مانع كالعمى، ويوم القيامة ليس فيه عمى، وإنما يكون الأمر كما قال الله تعالى: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] أي: قوي؛ حتى تنظر إلى الله جل وعلا.

    فهذه الأدلة من الكتاب.

    الأدلة من السنة النبوية

    وأما السنة فقد بلغت الأحاديث الدالة على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، حد التواتر، وسوف نذكر طائفة يسيرة منها تبين المقصود.

    ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال -وهذا فيه تشويق لرؤية الله جل وعلا، فقد كان صلى الله عليه وسلم دائماً يدعو: (اللهم! إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم)، فهذا النعيم ليس بعده نعيم-: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر هل تضارون برؤيته؟ قالوا: لا، قال صلى الله عليه وسلم: سترون ربكم كذلك) فالكاف هنا: تشبيه رؤية برؤية، لا تشبيه مرئي بمرئي؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، وفي رواية أخرى عن أبي موسى وصهيب وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عندما سئل: (هل نرى ربنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أترون القمر ليلة أربع عشرة؟ قالوا: نعم، قال: أترون الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: نعم، قال: سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، لا تضامّون في رؤيته)، وفي رواية: (لا تَضَامَون) بدون التشديد، ومعنى (تضامّون) أي: ينضم بعضكم إلى بعض، أي: لا يتزاحمون عند النظر، كما لا يتزاحمون عندما يرون القمر، فمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنكم سترون الله دون مزاحمة ودون أي تضام فيما بينكم.

    ومعنى: (لا تضامون) بالتخفيف: من الضيم والظلم، أي: لا يحدث لكم أي ضرر، فيكون تفسير الحديث: أنكم ستنظرون إلى الله جل وعلا وترونه كما ترون القمر لا يلحقكم ضرر في ذلك.

    وفي حديث أبي موسى في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء يكشفه الله جل وعلا، فينظرون إلى الله جل وعلا)، وفي حديث صهيب : (أن الله جل وعلا يخاطب أهل الجنة بعد أن يدخلوا الجنة: هل تريدون شيئاً أزيدكم؟ فقالوا: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ فيكشف الله جل وعلا الحجاب فينظرون إلى ربهم من فوقهم، فما تنعموا بشيء كالنظر إلى وجه الله الكريم)، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم.

    دليل الإجماع والعقل

    وأما الإجماع فقد أجمع السلف والصحابة الكرام أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة.

    أما العقل: فإننا نستطيع بالعقل أن نثبت أن المؤمن سيرى ربه، وذلك أن العدم لا يرى، والعدم نقص وليس بكمال، ولا يرى إلا الموجود، فالذي يرى أكمل من الذي لا يرى، والله جل وعلا متصف بالكمال، فهذا يدل على أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا.

    إذاً فرؤية المؤمنين لله جل وعلا ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل.

    مقدار رؤية المؤمنين لربهم

    بقيت هنا مسألة وهي: مقدار رؤية المؤمنين لربهم، فقد جاء ذلك بأسانيد فيها مقال يعضد بعضها بعضاً، ففي السنن عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: مقدار رؤية المؤمنين لله جل وعلا كصلاة الجمعة. أي: كمقدار صلاة الجمعة.

    1.   

    مسألة: هل رؤية الله خاصة بالمؤمنين أو عامة للمؤمنين والكفار؟

    وهنا مسألة في الرؤية وهي: هل رؤية الله تعالى في عرصات يوم القيامة خاصة بالمؤمنين فقط أم يراه الكفار أيضاً؟

    اختلف العلماء في هذه على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: إن الكل يرى الله جل وعلا: المؤمن والكافر على الإطلاق.

    والقول الثاني: إنه لا يرى الله جل وعلا إلا المؤمن التقي النقي.

    والقول الثالث: إن الله جل وعلا يراه في عرصات يوم القيامة المؤمنون والمنافقون.

    ولكل قول دليل، فالذين قالوا بأن الكفار يرون الله جل وعلا يوم القيامة قالوا: إن هذه الرؤية ليست رؤية كرامة ولا رحمة ولا تشريف، ولكنها رؤية محاسبة، واستدلوا على ذلك بأدلة:

    منها: أولاً: قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] قالوا: فقد حجبوا بعدما رأوا، وهذه ذلة ومهانة وتحزين لهم.

    وأوضح دليل لهم في ذلك هو قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6]، فالملاقاة يلزم منها المعاينة.

    ثانياً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أنه بعدما سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: هل يرون ربهم؟ فقال: (يأتي الله جل وعلا بالعبد ليس بينه وبينه أحد فيقول: عبدي! ألم أكرمك؟ ألم أسودك؟ ألم أعطك كذا وكذا وكذا فيقرره بنعائمه، فيقر بهذه النعم، ثم يقول: ما ظننت أنك ملاقي؟ فيقول: رب لا! ما ظننت ذلك، فيقول الله جل وعلا: أنساك اليوم كما نسيتني)، فهذا فيه دلالة على أنه ستحدث بينه وبين الله جل وعلا محادثة، وأنه يلقى الله جل وعلا، والملاقاة يلزم منها المعاينة.

    ثالثاً: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، يذكره بكذا وكذا وكذا) أي: أن كل الناس سيحاسبهم الله جل وعلا.

    واستدل أصحاب القول الثاني على أنه لا يرى الله إلا المؤمنون بقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، فالمؤمن يرى الله جل وعلا في الرضا والكافر يحجب في السخط.

    ومن أدلتهم: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (أنه بعدما سأل المؤمنون النبي صلى الله عليه وسلم: هل يرون ربهم؟ قال: هل ترون القمر؟ .. -إلى آخر الحديث، ثم قال: فينادي مناد: من كان يعبد أحداً فليتبعه) فمن كان يعبد الصليب فيتبع الصليب حتى يتهاوى به إلى نار جهنم، ومن كان يعبد عيسى فإن الشيطان يتمثل له بعيسى عليه السلام ويتهاوى به إلى نار جهنم، ومن كان يعبد الشمس فإنها تصور وتلقى في نار جهنم ويلقى خلفها في نار جهنم، فوجه الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الكافرين بعد أن ذكر أن المؤمنين يرون ربهم: إن كل كافر سيتبع ما كان يعبد، ففيه دلالة على أن المؤمن فقط هو الذي سيرى الله جل وعلا.

    واستدل أصحاب القول الثالث بدليل واضح جلي وهو: حديث أبي هريرة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال: (وكل يتبع معبوده) قال: (ثم يبقى المؤمنون والمنافقون وطائفة من أهل الكتاب)، فيبقى المؤمنون، والمنافقون الذين يسجدون رياء ونفاقاً، وطائفة من اليهود الذين وحدوا الله جل وعلا، (فيأتيهم الله جل وعلا على غير الصورة التي يعرفونها، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله أحداً، فيقول الله جل وعلا لهم: هل بينكم وبينه آية؟ فيقولون: نعم، فيكشف الله جل وعلا عن ساق فيخرون جميعاً سجداً لله جل وعلا إلا المنافق) أي: المرائي الذي نافق وسجد نفاقاً ورياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً إياه: (إلا المنافق يرجع ظهره -أي: حلقات فقرات الظهر- طبقاً واحداً -أي: مستقيماً- فلا يستطيع السجود).

    وجه الشاهد من الحديث: أن المؤمنين والمنافقين وطائفة من أهل الكتاب يرون الله جل وعلا.

    فإن قيل: إذا كان الكافر لا يرى الله جل وعلا فمن باب أولى ألا يراه المنافق .

    والجواب: أن رؤية المنافقين من باب التحزين وزيادة الحسرة عليهم، كما أنهم يرون الجنة كأنهم سيدخلونها، فيضرب بينهم بسور له باب، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]، فهم عندما يرون الله جل وعلا يستشعرون في أنفسهم أن الله حجب نفسه عن الكافرين وهم قد رأوه، فيستيقنون أنهم من أهل الجنة، ثم يخدعون، فلا يرون نوراً يمشون به إلى الجنة فيتساقطون في نار جهنم.

    ومن شدة حسرة أهل النار أيضاً أن الحجاب مكشوف بينهم وبين أهل الجنة، فأهل الجنة يرون ما يحدث لأهل النار؛ ليحمدوا الله جل وعلا على هذه النهاية، وأهل النار يرون أهل الجنة فيزدادون حسرة وحزناً شديداً أنهم لم يكونوا من أهل الجنة.

    القول الراجح في رؤية الكافرين لربهم

    القول الراجح في هذ المسألة هو أن الكافرين يرون الله جل وعلا رؤية محاسبة، فيقررهم بما كفروا به جل وعلا، ثم يتهاوون في نار جهنم ويتساقطون فيها، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يراه، كما نسأله أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم في غير ضراء مضرة.

    1.   

    إثبات رؤية الله جل وعلا

    في قول الله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] دليل على أن الذي عبد الله وأحسن في عبادته أنه يرى الله جل وعلا رؤية كاملة.

    ومن الأدلة على رؤية الله جل وعلا قوله تعالى: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، فهذه الآية من الأدلة على رؤية الله جل وعلا من وجوه:

    الأول: أن موسى عليه السلام هو من أعلم الخلق بالله جل وعلا فلو كان السؤال معاباً على موسى لما سأل الله جل وعلا، ولو كان سأله جهلاً لا تعدياً لما أقره الله جل وعلا على ذلك، فالله تعالى لم يقر نوحاً عليه السلام عندما قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] فقال الله له: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] ثم قال: فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46] فلم يقره على هذا الخطأ، ولو كان موسى عليه السلام مخطئاً في السؤال ما أقره الله جل وعلا، ولكنه هنا أقره فقال: انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143].

    ثانياً: أن الله جل وعلا لم يقل: أنا أرى، وإنما قال: لَنْ تَرَانِي أي في الدنيا؛ لأن بصرك لا يحتمل ذلك؛ ودليل ذلك أن الجبل الذي هو راسخ اشم شامخ دك عندما تجلى الله له.

    ثالثاً: أن الله جل وعلا علق الرؤية على أمر ممكن، ولم يعلقها على أمر مستحيل فقال: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ، وهذا أمر ممكن وليس بمستحيل، فلو استقر الجبل مكانة لرأى موسى ربه جل وعلا، فهذه دلالة على أنه سيرى.

    رابعاً: أن الله تجلى للجبل الجماد الذي ليس له ثواب ولا عليه عقاب، قال تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف:143]، فمن باب أولى أن يتجلى الله تعالى لمن هو أكرم من الجبل وهو الإنسان المؤمن.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618474

    عدد مرات الحفظ

    699202947