إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض
  5. رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - هل للحائض الذكر والتسبيح وقراءة القرآن

رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - هل للحائض الذكر والتسبيح وقراءة القرآنللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ديننا الإسلامي واسع شامل، جاء لربط الناس برب العالمين، وتتجلى عظمته كلما درسه الإنسان وتأمل فيه، وغاص في حكمه وتعمق في أسراره، فمع أنه حرم على المرأة الحائض الصوم والصلاة ودخول المسجد، إلا أنه أباح لها ذكر ربها بأنواع الذكر والتسبيح، بل وقراءة الآية والآيتين في كتب التفسير والفقه، وذلك رحمة بها؛ وحتى لا تحرم الأجر، ولتظل مرتبطة بخالقها طوال عمرها، كما أنها مأجورة بامتناعها عن العبادات طيلة فترة حيضها.

    1.   

    حكم الذكر للحائض

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإننا الآن على مشارف مسألة هي من أهم المسائل، إذ البحث فيها شاق، وقال عنها كثير من علماء الأمة وكثير من أساطين أهل العلم: بأن هذه المسألة من مضايق الخلاف، ولا يعلمها إلا الأفراد، ونحن سنقدم بين يدي هذه المسألة فنقول:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه.

    وسننظر أقرب الأقوال إلى السنة، ونبين الراجح بالدليل، والمسألة هي: هل للحائض الذكر والتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل حال حيضها؟

    هذه مسألة من أهم المسائل في هذا الباب الذي نتكلم عليه بإذن الله، ونوضح مسائله بالدليل والتعليل والتمثيل، وأيضاً نبين الخلاف بإنصاف، ثم نبين ما يوافق السنة وما يكون أبعد من السنة، فنرجح ما هو أقرب للسنة، فقد قال الله تعالى يرسي لنا قاعدة، ويشكك في إيمان من لم يأخذ بهذه القاعدة، ألا وهي: قول الله جل في علاه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وقال الله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، وقال جل في علاه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، وقال جل في علاه: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ [النساء:83] أي: أولي العلم، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، بل أناط الله محبته وعلامة محبته بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الحسن البصري : زعم أناس حب الله وحب رسوله، فامتحنهم الله بآية المحنة. قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، وفي السنن والمسند عن العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).

    وفي رواية أخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر).

    ونحن الآن على نثرة الطريق، وسنفصل في هذه المسألة بقال الله، قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل لبيب بالإشارة يفهم، وكل طالب علم يرى الحق أين هو، وسآتي به، وقبل أن أبدأ أقول: إن الخلاف المعتبر لا إنكار فيه، لكن لا يسعى الإنسان أن يقول: اختلاف أمتي رحمة!

    والخلاف المعتبر على أنه خلاف معتبر، ولكن نقول: هناك راجح وهناك مرجوح، فلابد أن نبين الراجح من المرجوح.

    جواز الذكر للحائض وقراءة الآية والآيتين في كتب أهل العلم

    المسألة الأولى: هل يصح للمرأة الحائض الذكر والتسبيح وقراءة الآية والآيتين في كتب التفسير، أو كتب الفقه، وقراءة الآية عندما تركب الدابة على أنه دعاء؟

    نقول: إن الذكر والتسبيح، وقراءة الآية على أنها ذكر في الفقه وغيره، يجوز بالاتفاق دون أدنى خلاف.

    والأدلة على ذلك كثيرة ومنها:

    أولاً: قول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحواله. وهذا على العموم.

    ثانياً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، وهذا أيضاً على العموم.

    ثالثاً: الآيات والأحاديث التي تثبت فضل الذكر، دون التفريق بين حائض أو جنب أو غيرهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، أي: اجعل لسانك رطباً بذكر الله، وهذا على العموم في كل أحوالك، سواءً كنت جنباً أو لست بجنب، أو كنت امرأة حائضاً أو لست بحائض، فلك أن تجعلي لسانك رطباً بالذكر، فهذا العموم يبين لنا بالاتفاق: أنه يجوز للمرأة التسبيح والذكر، وقراءة الآية في كتب الفقه، وأنها لو قرأت الآية في كتب الفقه على أنها من الأدلة وليست من تلاوة القرآن لها ذلك، وقد رخص فيه بعض العلماء الذين يقولون بالمنع، فقالوا: لها أن تقرأ آية أو آيتين.

    1.   

    حكم قراءة الحائض للقرآن

    أما قراءة القرآن: فهذا المعترك الدامي بين العلماء، وبإنصاف أريد آذاناً صاغية، وهذه المسألة بدقة النظر في الأقوال نجد أن العلماء فيها على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: المنع مطلقاً.

    القول الثاني: الجواز مطلقاً.

    القول الثالث: الجواز للحاجة فقط.

    القول بمنع قراءة القرآن للحائض مطلقاً

    القول الأول: المنع مطلقاً، وهم الجمهور: الشافعية والحنابلة والأحناف، قالوا: يحرم على المرأة الحائض قراءة القرآن، وتأثم إن قرأت القرآن، فقد تتلو القرآن وتحسب أنها تحسن صنعاً، وهي في الحقيقة تسيء لنفسها؛ لأنها آثمة عند الله، وقد تكون من الكبائر إذا علمت الحق فأصرت على خلافه، وإن لم تعلم فهي من الصغائر، والله أعلى وأعلم.

    ولهم أدلة على ذلك، منها:

    الدليل الأول: حديث ابن عمر في السنن أن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن)، وجاء هذا الحديث من طريق آخر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه بمنع الحائض من قراءة القرآن أيضاً، وجاء من طريق أنس أيضاً، والروايات كلها ضعيفة كما سأبين.

    الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل أحواله سوى الجنابة). والحائض عند العلماء ملحقة بالجنب، وهي أشد منه وأولى منه.

    الدليل الثالث: جاء في سنن البيهقي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن)، وقد جاء من طريق آخر عن عمر أنه منع، وهو طريق مجود، لكن الطريق الأصح إسناداً، والطريق الذي هو أقوى الموافق فيه لـعلي أنه قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن).

    الدليل الرابع: جاء عن علي بن أبي طالب بسند صحيح أنه قال: (لا يقرأ الجنب القرآن -والحائض طبعاً معه- قالوا: يا أمير المؤمنين! ولا حرفاً واحداً! قال: ولا حرفاً واحداً)، فهذا جزم بالتحريم، وصريح بالتحريم، فهنا قال: (ولا حرفاً واحداً).

    الدليل الخامس: عن عائشة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها كما في صحيح البخاري أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض)، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: يقرأ القرآن في حجري. وصفتي: أني حائض، وكنت أعلم كما فهمت من رسول الله صلى الله عليه وسلم -هذا توضيح منها-: أن الحائض لا تقرأ القرآن، فكيف يقرأ القرآن وهو في حجري! فكأن النبي بلسان حاله يعلمها: يا ابنة الصديق! إن المرأة الحائض لا تقرأ القرآن لحيضها، أما القارئ الذي لم تصبه جنابة ولا حيض، فإن له أن يقرأ القرآن، ولا يؤثر فيه أن تكون هذه القراءة بجانب الحائض، بل لو كانت في حجر حائض يجوز؛ لأن المنع بوصف الحيض، والحيض لا يتصف به إلا النساء، وكأن عائشة فهمت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فاحتاجت للتنصيص: بأن القراءة في حجر الحائض جائزة؛ وكأنها تقول: إن النساء يقلن: بأن الحائض لا تقرأ القرآن ولا يقرأ بجانبها القرآن، فقالت: فأما الأولى: فقد فهمن ذلك، وأما الثانية: فقد احتجن أن أصرح لهن بجواز قراءة القرآن بجانب الحائض، بل وفي حجر الحائض، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    الدليل السادس لهؤلاء من جهة التصريح: أنه جاء في سنن أبي داود بسند صحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يبول فمر عليه رجل، فقال: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام، ثم ضرب بيده الحائط فتيمم، ثم رد عليه السلام، ثم قال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، وهذا الحديث وإن كان لا يساعدهم على التحريم، لكن يساعدهم على الكراهة؛ لأنهم يقولون: بجواز الذكر للحائض، وقوله: (كرهت أن أرد عليك، أو كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، هذه اللفظة: (كرهت) لا تدل على التحريم، وإن كان بعض العلماء يقول: إنها أصل في التحريم، والصحيح الراجح أنها ليست دلالة في التصريح على التحريم، لكن يستأنس بها.

    وانظروا إلى جيوش الأدلة، وهي تجعل حتى خفيف العقل يخشى على نفسه، ويقول: أخرج من الخلاف أفضل لي.

    الدليل السابع: يستدل لهم بالقياس على فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي مسند أحمد بسند صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يبول -متلبس بالنجاسة- فمر عليه رجل فقال: يا رسول الله! السلام عليك ورحمة الله، أو قال: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد عليه، فلما قضى حاجته ذهب إليه، فقال له: إذا وجدتني على هذه الحال، فلا تسلم عليّ، فإن فعلت فلن أرد عليك)، ورد السلام واجب، والدليل قوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا [النساء:86]، ووجه الدلالة قوله: (فحيوا) وهو أمر، وظاهر الأمر الوجوب، ولا يسقط النبي صلى الله عليه وسلم ما يجب إلا من أجل أمر محرم، وهنا محرمان:

    المحرم الأول: ألا يرد.

    المحرم الثاني: أن يرد وهو متلبس بالنجاسة، فدفع الكبرى بارتكاب الصغرى، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول بفعله: إن رد السلام وهو متلبس بالنجاسة كبيرة، وأصغر منه أن أمتنع عن رد السلام، فأفعل الأصغر وأدفع بهذا الفعل الأكبر، فيكون وجه الدلالة هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط واجباً؛ لأنه كان متلبساً بالنجاسة.

    فالمرأة لا تسقط مستحباً من أجل التلبس بالنجاسة، إذا قلنا: بوجوب القراءة عليها لا للاستحباب، والراجح أنه للاستحباب كما سأبين، فإننا نقول: التلبس بالنجاسة يمنعها، والمانع الأكبر يدفع الأصغر، فافعلي ما فعل رسول الله، ادفعي الكبرى بالصغرى، فلا تقرئي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وقال: (إن فعلت -أي: إن كلمت، وإن كان رد السلام من الوجوب بمكان- فلن أرد عليك)؛ لأنه كان متلبساً بالنجاسة، والمرأة متلبسة بالنجاسة في الحيض، وهذا وجه الدلالة.

    الدليل الثامن: اتفق المجيزون والمانعون على حرمة مس المصحف، ويستدلون بحديث مرسل، لكنه صريح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر)، فمنعوا من مس المصحف، وقالوا: اتفقنا نحن وأنتم على حرمة مس المصحف، فبالله عليكم! مس المصحف أغلظ أم قراءة كلام الله الذي تكلم به وسمعه جبريل ونزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ أيهما أغلظ: مس الأوراق والجلادة أم قراءة كلام الله الذي تكلم به وسمعه منه جبريل؟

    لا شك أن القراءة أغلظ، فنقول لكم: كثرتم القواعد الفقهية، كيف تمنعون الأدنى وتجيزون الأغلظ؟! وهذا مخالف لكل القواعد والتأصيلات العامة، ومخالف للتقعيد الفقهي، وأنتم تجيزون الأدنى وتمنعون الأعلى، ونحن معكم في ذلك، ولكم في ذلك أدلة، وحريٌ بكم أن تقولوا: مس المصحف على الجواز، لكن قراءة القرآن ليست على الجواز، نقول: هذا هو الحق، وهو قياس جلي، وقياس الأولى.

    فهذه أدلة الذين قالوا بالمنع، وهم جمهور أهل العلم، والكلام هذا ليس بدعاً من القول، فلِم تريدون أن تغطوا عين الشمس؟ ولن تستطيعوا؛ لأن هذا قول الشافعي، وهو رأس الفقهاء، وهو الفقيه المحدث، وقول أحمد إمام أهل السنة الذي قيل فيه: أحمد نصر الله به الدين، وقد قيل: حفظ الله الدين باثنين: بـأبي بكر في حرب الردة، وبالإمام أحمد في الفتنة، وقول أبي حنيفة الذي قال فيه الشافعي : الفقهاء عيال على أبي حنيفة.

    إذاً: فالمسألة ليست بدعاً من القول، وهو قول جمهور أهل العلم، والجمهور هم الأكثرية والأغلب الذين قالوا ذلك، وعندهم جيوش من الأدلة.

    القول بجواز القراءة للحائض مطلقاً

    القول الثاني: قول ابن حزم الذي قال بالجواز مطلقاً، فتقرأ إذا خافت النسيان وإن لم تخف، سواء كانت نائمة، قائمة، جالسة، قاعدة، فتقرأ القرآن، وقول ابن حزم هذا يستدل له: بأن الأصل عدم المنع، والأصل الجواز، ولا دليل يمنع من ذلك، لأن ابن حزم قصف الأقلام كلها، وقطع دابر كل من يستدل بحديث ضعيف، وبين صراحة أسانيد هذه الأحاديث التي استدل بها المانعون، بأنها أحاديث كلها باطلة؛ لأن أسانيدها ضعيفة، وسأبين القول الفصل في الأسانيد إن شاء الله.

    القول بجواز القراءة للحاجة فقط، وأدلة ذلك

    القول الثالث: قول الإمام مالك، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو: جواز القراءة للحاجة، ويدخل فيه الصنعاني، الذي يقول: بالكراهة ولا يقول بالجواز، وأدلة من قال بذلك أربعة:

    الدليل الأول: أن الأصل عدم المنع؛ فلا يوجد دليل يمنع، والأدلة التي جاءت بالمنع أدلة ضعيفة.

    لكن أقول: أجازوا القراءة للحاجة لا للضرورة، لأن القاعدة عند العلماء: أن الحاجيات تبيح المكروهات، أما الضرورات فتبيح المحظورات، وإلا فإني أقول: بأن المرأة الحائض تقرأ للضرورة، أي: إن كانت ستمتحن وستختبر وسترسب، فلها أن تقرأ، والضرورة تقدر بقدرها، وبعدما تقرأ، لا تقرأ مرة ثانية.

    الدليل الثاني: عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت).

    ووجه الدلالة: قوله: افعلي ما يفعل الحاج. والحاج يذكر الله، ويسبح، ويستغفر، ويقرأ القرآن، فدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (افعلي ما يفعل الحاج)، وقد خصص الطواف فقط.

    ولو كان القرآن ممنوع لخصصه كما خصص الطواف، وهذا قول وجيه جداً، إذ لو كانت القراءة ممنوعة لخصها كما خص الطواف، فلما لم يبين ذلك دل على الجواز.

    الدليل الثالث: ما استدل به ابن عباس -كما في البخاري- أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى كسرى وقيصر كتباً فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ... إلى أن ذكر قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ .. [آل عمران:64] إلى آخر الآيات، قال: والكافر جنب؛ لأن الكافر سيجامع امرأته ثم لا يغتسل، فهو جنب، قالوا: إذاً يقرأ القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم أقر على ذلك.

    الرابع: أن هناك أخباراً وأحاديث تذم من نسي القرآن، ولهم أدلة صحيحة في ذلك، وعمومات أدلة تثبت أن القرآن يتفلت، فلا بد من المحافظة عليه، وفيها إشعار على أن الذي يتفلت منه القرآن بغفلته يأثم، بل يدخل في قول الله تعالى: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30].

    قالوا: ونحن نستدل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه القاعدة العظيمة: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب عدم النسيان، لحرمة النسيان، فلا يتم الواجب إلا بالقراءة، سواء كانت حائضاً أو غير حائض، فما يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    القول الراجح في حكم قراءة الحائض للقرآن

    والراجح من هذه الأقوال بإذن الله وبحوله وقوته: وقولي: الراجح، أي: أن غيري مرجوح؛ لأني أقول: الكلام في هذه المسألة على أني أرى أن الذي أتبناه هو الصواب، والذي يتبناه المخالف على خطأ، والصواب يحتمل الخطأ، والخطأ يحتمل الصواب، وهذا الذي أقوله هو ما قاله الشافعي أو قاله علماؤنا، فالراجح الصحيح هو قول الجمهور، من أن المرأة التي تقرأ القرآن وهي على حيض آثمة عاصية لله جل وعلا، وأنها تستحق العقاب بقراءتها للقرآن على هذه الحالة؛ لأن الأدلة واضحة ظاهرة جداً على التحريم، وسأناقش هذه الأدلة حتى أكون منصفاً.

    فالأدلة التي استدل بها الجمهور:

    أولاً: حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه الذي في السنن، وهو: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب القرآن)، فهذا الحديث عن ابن عمر قد رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي ، والدارقطني ، كلهم من طريق إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، وإسماعيل بن عياش ثقة في الشاميين، أي: هو ضابط عند علماء الجرح والتعديل، إلا أنهم يوهنون حفظه في غير الشاميين، أي: هو ضعيف في غير الشاميين، وهذه الرواية صراحة هي عن أهل الحجاز، وأهل العراق، فهو يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق مناكير، كما قال البخاري : يضعف في روايته عن غير الشاميين، وهذا الحديث أنكره أحمد. فالحديث في إسناده ضعف، وهو ضعيف، والحجة عند العلماء: أن الحكم فرع عن التصحيح، فهذا حديث ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن عياش ؛ ولأن إسماعيل بن عياش أتي من قبل حفظه في غير الشاميين، ويمكن أن نناوش في هذا الإسناد، ونبين أن هذا الإسناد يحتمل التحسين، وأن بعض العلماء صحح هذا الإسناد، فنقول: يحتمل التحسين لأدلة، منها:

    أولاً: أن إسماعيل بن عياش الذي يخشى منه الوهم والخطأ، وعدم الضبط، قد جاءتنا أدلة تدل على أن إسماعيل قد ضبط لنا هذه الرواية، وعند ذلك الإسناد يرتقي إلى الحسن لغيره، لا سيما وأنا سأبين لكم كلام الشيخ أحمد شاكر ، وهو كلام نفيس جداً، فالشيخ محدث المصريين المعاصر، ومفخرة المصريين المعاصرين، قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي بعدما سرد أن العلماء ضعفوا هذا الحديث من قبل إسماعيل بن عياش ، قال: وأكثر ما في رواية ابن عياش الخوف من الغلط فيه؛ لأنه يهم في غير الشاميين، فمتابعة مثل عبد الملك بن مسلمة -وهذا وهم من الشيخ أحمد شاكر ؛ لأن عبد الملك بن مسلمة ليس هو المتابع، وليس من نفس طبقة إسماعيل بن عياش، بل من طبقة سابقة عن طبقة إسماعيل بن عياش- قال: فمتابعة مثل عبد الملك بن مسلمة مع احتمال الخطأ ترفع خطأ إسماعيل بن عياش ، لا سيما وأن عبد الملك بن مسلمة وثقه الدارقطني، وهذا يؤخذ على الشيخ أحمد شاكر من وجهين:

    الوجه الأول: أنه وهم على الدارقطني ، فـالدارقطني لم يوثق هذا الرجل، ولذلك نرى أن الشيخ الألباني وتلاميذه تركوا مسألة الطبقات، وتركوا المتابعة، وكأنهم ظفروا بخطأ الشيخ أحمد شاكر، ونزلوا على الشيخ، وعلى وهم الشيخ على الدارقطني ، وأنا أقول: انظروا إلى صلب قول الشيخ، فالشيخ أحمد شاكر يقول كلاماً نفيساً جداً، يقول: الخوف في هذا الإسناد من وهم إسماعيل ، وإسماعيل يمكن أن يرتفع وهمه بالمتابعة التي توضح لنا أنه لم يخطئ في هذا الحديث، وضبط لنا هذا الحديث، وهذا الكلام نفيس جداً، لاسيما كما قلت: بأن الذي تابع هو المغيرة، والمغيرة مصري ثقة ثبت، وثقه علماء الجرح والتعديل، وهو الذي يتابع إسماعيل بن عياش ، فـعبد الملك بن مسلمة الضعيف ليس هو المتابع، بل المغيرة هو المتابع.

    ولذلك صحح ابن سيد الناس متابعة عبد الملك، وقال: إنه هو المتابع، وصحح المتابعة على أن هذا هو عبد الملك بن مسلمة القعنبي تلميذ مالك ، وهو الثقة الثبت، ومن أحفظ الناس الذين رووا الموطأ، وهذا وهم من ابن سيد الناس تابع فيه ابن عساكر، فـعبد الملك بن مسلمة ليس هو القعنبي، بل هو آخر، لكن أبى علينا المضعفون بهذه المتابعة، وقالوا: حتى بالطريق التي فيها عبد الملك بن مسلمة فالإسناد ضعيف.

    فنقول: يقوي بعضهم بعضاً، والإسناد ضعيف، لكن له شواهد، منها: حديث جابر بن عبد الله وأنس وعائشة ، ولكن هذه الشواهد -صراحة وإنصافاً- لا تصح أن تكون شواهد؛ لأن فيها أناساً اتهموا بالكذب، وأناساً متروكين، أي: فيها رواية متروكين فلا يصح أن نستشهد بهم على هذه الرواية.

    إذاً: الرواية الأولى ضعيفة، لكنها تحتمل التحسين، لا سيما أن المغيرة قد تابع إسماعيل بن عياش ، لكن يبقى الإسناد ضعيفاً.

    الرواية الثانية: حديث علي بن أبي طالب ، وهذه الرواية بفضل الله صحيحة، خلافاً لمن ضعفها، فقد صححها الأكابر من أهل العلم بالحديث، فهذا الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه الذي قال فيه: (لم يكن يحجب النبي صلى الله عليه وسلم عن القرآن سوى الجنابة)، وقد رواه أحمد في مسنده، ورواه أبو داود ، والترمذي ، والبيهقي ، والدارقطني من طريق شعبة عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وصحح هذا الحديث الترمذي ، والترمذي وإن قال بعضهم: إنه متساهل في التصحيح، لكنه من المتقدمين في عصر الرواية، والترمذي صاعقة في الحفظ، كان أعمى، وكان أحفظ الناس في زمانه، بل من أنجب تلاميذ البخاري ، ومن أنجب علماء العلل، وهو ليس بالهين في علم الحديث، فـالترمذي صحح هذا الحديث، وابن السكن وعبد الحق ، والبغوي ، وروى ابن خزيمة في إسناده عن شعبة أنه قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، أي: حديث علي بن أبي طالب ثلث رأس مالي، يبين صحة هذا الحديث، وقال الدارقطني : قال شعبة : ما أحدث بحديث أحسن من هذا، أي: في الباب، وهذا يدل على صحة الحديث.

    ولذلك لم ير الحافظ ابن حجر في الفتح -فتح الباري- إلا أن يحسن هذا الحديث، وقال: هو من قبيل الصحيح الذي يحتج به، وهذا الإسناد حسن لم يؤخذ عليه إلا عبد الله بن سلمة، وهو رجل اختلف علماء الجرح والتعديل فيه توثيقاً وتجريحاً، والعلماء الذين ينظرون في هذه المسألة ينظرون في المجرح، وينظرون في الموثق، والمجرح والموثق له قواعد في علم الحديث حتى يرجح قولاً على قول، وسأبين لكم المجرح والموثق، وكيف نرجح بين القولين، فهذا الراوي عبد الله تغير بآخره، قاله الحافظ ابن حجر ، قال الشافعي : إن كان هذا الحديث ثابتاً ففيه دلالة تحريم القرآن على الجنب، وكذلك على الحائض، لكن هذا الحديث لا يثبتونه.

    قال البيهقي : إنما قال الشافعي ذلك؛ لأن عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير بآخره، وعند المحدثين فرق بين تغير واختلط، فالاختلاط أعم، وكل مختلط متغير ولا عكس، والتغير أول درجات الاختلاط، فلا يضعف الراوي بالتغير، بل في الصحيح روايات عمن قيل فيه: قد تغير بآخره.

    قال: وأكثر ما قيل في عبد الله بن سلمة أنه تغير بآخره، وإنما يروي الحديث بعدما كبر، قاله شعبة .

    و عبد الله بن سلمة المرادي الكوفي عدله أقوام، وتكلم فيه آخرون، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة، لاسيما وأن الراوي عنه شعبة، الذي كان ينتقي ممن يروي عنه، وقال يعقوب بن شيبة : ثقة، قال ابن عدي : أرجو أن يكون لا بأس به، وهذا أيضاً توثيق.

    إذاً: الموثقون ابن حبان والعجلي ، وأيضاً يعقوب بن شيبة ، وابن عدي صاحب كتاب (الكامل) وهو من أنفع الكتب التي روت الأحاديث المختلف في رواتها.

    أما المجرحون: قال البخاري : لا يتابع على حديثه، أي: كأنه ينفرد، وانفراده فيه نكارة، قال أبو حاتم : تعرف وتنكر، أي: تنكر منه بعض الأحاديث، وتعرف أي: يوافق ويخالف، وقال شعبة : كان يحدثنا فنعرف وننكر، أي: يوافق الثقات ويخالف، وكان قد تغير بآخره.

    فهذه أقوال المجرحين والموثقين، فالموثقون قد بينوا أنه ضابط، تقي، ثقة، وأما المجرحون فقد جرحوا في ضبطه، وأنه قد تغير في آخره.

    إذاً: كل الجرح مداره على التغيير، والتغيير لا يكون قدحاً في الراوي، حتى نطرح حديثه بهذه الطريقة، لاسيما وأن شعبة يقول: ثلث رأس مالي، ولاسيما وأن الحافظ يقول: صدوق -بعدما يجتهد الحافظ في ترقية الصدوق- قد تغير بآخره، فما قال: صدوق يهم، أو صدوق فيه لين، بل قال: صدوق قد تغير، بدلالة على أننا لا نطرح حديث هذا الرجل إن كان مدار الضعف الذي عند المجرحين هو التغير، وأن التغير يخالف الاختلاط.

    إذاً: فالإسناد يكون صحيحاً، أو أقل درجات هذا الإسناد أنه من الحسن بمكان، ويحتج به، لاسيما وأن في الصحيح من تغير بآخره، وقد روى عنه العلماء وهو في الصحيح، مثل حماد بن سلمة تغير بآخره، وقد روى عنه مسلم ، وامتنع البخاري عن روايته، فانتقد الدارقطني البخاري ؛ لأنه امتنع من وضع أحاديث ابن سلمة في صحيحة، أي: عاتب على البخاري كيف يطرح حديث ابن سلمة ، فهو قد قيل فيه: قد تغير في آخره.

    وعندنا أدلة أخرى تبين لنا وتعضد وتقوي صحة هذا الحديث، أولاً: أنه قد جاء هذا المعنى بسند حسن عن علي، وأنا لا أصحح المرفوع بالموقوف، فهذا لا يصح عند المحدثين، لكن أنا أقول: كل هذه شواهد تبين لنا أن هذا الرجل ضبط لنا هذه الرواية، ولم يهم فيها، فقد روي عن علي بن أبي طالب بسند صحيح أنه قال لرجل سأله: قد أصابتني جنابة، أأقرأ القرآن؟ قال: لا، قال: ولا حرفاً واحداً؟ قال: ولا حرفاً واحداً.

    وهذا فيه رد على من يأخذ بحديث علي بن أبي طالب كما أخذ به الصنعاني وابن حجر ، وقالوا: بالكراهة؛ قالوا؛ لأن رواية علي فعل، والفعل بمجرده لا يدل على التحريم.

    والآن أقول: هو التصعيد العلمي: أن الفعل لا يستلزم الوجوب، ولا يستلزم التحريم، وهنا عن علي في هذا الحديث يحكي فعلاً، فليس بمجرده التحريم، قلنا: نوافقكم أصولياً، وأن الفعل بذاته لا يدل على التحريم، لكن جاءنا ما يدل على التحريم، وهو دليل صحيح كالشمس: عن علي بن أبي طالب -وهو الذي روى هذا الفعل- أنه سئل: أيقرأ المرء القرآن وهو جنب؟ قال: لا، قال: ولا حرفاً واحداً؟ قال: ولا حرفاً واحداً. وهذا يدل على التحريم.

    إذاً: نقول لهم: تتفقون معنا أن علياً حرم القراءة؟ فيقولون: نعم، فنقول لهم: القاعدة عند المحدثين: أن الراوي أعلم بما روى، وراوي هذه الرواية -حكاية الفعل- هو علي ، فلذلك تبنى هذا المذهب وحرم قراءة القرآن؛ لأنه يعلم أن هذه الحكاية على التحريم، وليست على الكراهة، وتبقى أن هذه قد خالفت التأصيل والتقعيد في أن الفعل لا يستلزم التحريم، وبهذا الدليل بأن علياً الذي هو الراوي، وهو أعلم بما روى، تبين أن هذه الرواية على التحريم.

    ومما يعضد ذلك وهو أقوى منه، قول عمر بن الخطاب الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، حيث يقول: لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن، أي: يحرم، وحتى ولو قال عمر : أكره، فمعناه: التحريم، للأدلة المتعاضدة على ذلك، فهذه أدلة تثبت لنا بأن هذا الحديث سنده صحيح.

    والبينة الثالثة التي تثبت صحة هذا الحديث: قول شعبة فيما رواه ابن خزيمة بسند صحيح عنه أنه قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، فهذه إشارة إلى ضبط الراوي لهذا الحديث، فيسلم لنا هذا الحديث، ويكون نص في النزاع، ويحرم على الجنب قراءة القرآن لحديث علي بن أبي طالب، فإن أبى المضعفون، فتسلم لنا أدلة القياس، فإن قالوا لنا: هذا الحديث ضعيف، قلنا: لا يهم أنه ضعيف، وإذا تنزلنا معكم أنه ضعيف، فماذا تفعلون بقياس الأولى في المس، وأنتم تقولون بحرمة المس، وما من أحد حتى شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال: تقرأ للحاجة حتى لا تنسى، قال: لا تمس المصحف، وقالوا: تفرق ورق المصحف بقلم أو بسواك، ونحن وأنتم متفقون على أن المس حرام، فما بالكم بالقراءة، والقراءة أغلظ، فامنعوا الأغلظ وأجيزوا الأدنى، لكن أن تمنعوا الأدنى وتجيزوا الأغلظ فهذا ليس تصعيداً فقهياً.

    وماذا تقولون أيضاً في هذا القياس الجلي؟! بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع نفسه من أمر واجب، وهو الرد على السلام؛ لأنه تلبس بالنجاسة، فنقول للمرأة المتلبسة بالنجاسة: أنت الآن عرض لك أمران:

    الأمر الأول: القراءة خشية النسيان.

    الأمر الثاني: أن تذكري الله وأنت متلبسة بالنجاسة، فالواجب الأول والواجب الثاني، خذي بالواجب الأعظم وائت به، والواجب الأدنى ابتعدي عنه بفعل الواجب الأكبر، كما قعد علماؤنا في القواعد الفقهية: أن المفاسد الكبرى تدفع بارتكاب الصغرى، ولذلك دفع النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى، أي: ذكر الله وهو متلبس بالنجاسة بارتكاب الصغرى وهو عدم الرد على السلام، وقال: (لا تفعل، فإن فعلت فلن أرد عليك)، لأنه متلبس بالنجاسة.

    وماذا تفعلون أيضاً في قياس كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)؟ وإن كان هذا استئناساً، وليس نصاً في الباب أو المقام.

    الرد على من قال بالجواز

    فإن أثبتنا ذلك بالدليل فلابد أن نرد على المخالف، وردنا على الإمام ابن حزم سيدخل تحت الرد على الإمام مالك ؛ لأن أدلة الإمام مالك أقوى من أدلة الإمام ابن حزم، وأنا اجتهدت رأيي أن أستدل لهم بما لهم من أدلة حتى نصل إلى الحق.

    أولاً: الدليل الأول: الأصل عدم المنع، فنقول: نحن معكم في هذه القاعدة، والأصل عدم التحريم، ودليل ذلك قول الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116]، فالأصل عدم المنع، لكننا قد جاءنا الناقل، الذي نقلنا عن الأصل إلى التحريم، وهو حديث علي المرفوع رضي الله عنه وأرضاه، وكلام عمر بن الخطاب ناقل؛ لأن عمر بن الخطاب وإن خالفه ابن عباس فإن عمر في كفة والصحابة في كفة، وترجح كفته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وهناك خلاف بين الكثير من العلماء في مسألة حجية قول الصحابي، والراجح: أن قول الصحابي حجة، فإن اختلف الصحابة فالخلفاء الراشدين المهديين أربعة في كفة، والأمة بأسرها في كفة، وإن كان الأربعة اتفقوا على أمر، وخالف كل الصحابة فترجح كفة الأربعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).

    إذاً: الناقل قول علي ، وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهذان الناقلان للقياس الجلي.

    الدليل الثاني: عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (افعلي ما يفعل الحاج)، فهذا عام، وهو قوي صراحة، فقوله صلى الله عليه وسلم: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، والحاج يذكر الله، ويسبح، ويقرأ القرآن، وهذا سيكون استدلالاً قوياً إذا قلتم بأن النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التبيين، فقد بين المستثنى وهو الطواف، والرد على هذا الحديث من وجهين:

    الوجه الأول: أن هذا الحديث عام، مخصوص بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: (أن الجنابة هي التي كانت تحجز)، وأيضاً قول عمر بن الخطاب : لا تقرأ الحائض القرآن، وقول علي بن أبي طالب لا تقرأ الحائض القرآن، والقياس الجلي من المخصصات المنفصلة، فالقياس يخصص العموم.

    إذاً: فهذا عام مخصوص.

    الوجه الثاني: القوة في الاستدلال، حيث أنهم قالوا: لو كانت قراءة القرآن محرمة لخصصها النبي صلى الله عليه وسلم كما خصص الطواف.

    قلنا: إن المخصص نوعان: مخصص متصل، ومخصص منفصل.

    فالمخصص المنفصل جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (غير ألا أن تطوفي بالبيت)، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم لهم في المدينة، أي: أن مقامنا وحالنا: أنها داخلة على البيت الحرام تريد الطواف، فكان لا بد من تمام التبيين والتأكيد بقوله: لا تطوفي، أي: أنت ستذهبين فلا تطوفي بالبيت، وكنت قد نهيتك عن قراءة القرآن في المدينة فاستحضري ذلك، فهذا بالمخصص المنفصل، وهو على القول بتصحيح حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.

    فنقول: هذا مخصص منفصل، ويبقى الأمر على ما عهدوه، وعلموه وتعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم من أن المرأة الحائض لا تقرأ القرآن.

    الدليل الثالث: قول ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بالكتاب إلى كسرى وقيصر وفيه:

    بسم الله الرحمن الرحيم، وتلا الآية، وقال: إن ملوك الأعاجم على الكفر وهم على الجنابة؛ لأنهم يجامعون ولا يغتسلون بنية رفع الجنابة، فقلنا الرد على هذا الحديث من وجوه ثلاثة:

    الوجه الأول: أن هذا في غير محل النزاع، وهذا الحديث لا يصح الاستدلال به على هذا الباب؛ لأن مسألتنا في جواز قراءة الحائض لغير الضرورة بل للحاجة، والمسألة هذه على الضرورة، وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه بالآية، وبعث إليه بهذا الكلام ليدعوه إلى الإسلام، وهذه ضرورة، ومحل النزاع ليس في الضرورة.

    إذاً: هذا الحديث ليس في محل النزاع، إذ محل النزاع في باب غير الضرورة، وأنت أتيت بحديث في الضرورة؛ لأن الضرورة تبيح المحظور، وقلنا لك: ابعث بالمصحف نفسه للكافر كما قال بعض الفقهاء، وقال الثوري وغيره: ابعث به للنصراني أو الكافر أو أهل الكتاب ليقرأ القرآن لعله يدخل في الإسلام، وهذا جواز من العلماء الذين منعوا القراءة، وهو من باب: أن الضرورات تبيح المحظورات، فهذا الحديث ليس في محل النزاع.

    الوجه الثاني: أن هذا الحديث قد تطرق إليه الاحتمال، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل سقط به الاستدلال، والاحتمال هو: أن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ذهب إلى كسرى وقيصر ومعه الرسالة، فيحتمل أن يكون هذا الرسول هو القارئ، وهو ليس على جنابة، ولا يلزم أن يكون كسرى وقيصر هو الذي يقرأ، فلا وجه لكم في الاستدلال.

    أيضاً: قد تكون هذه الآية قد قرأها كسرى أو قيصر مع بعض الكلمات الأخرى التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي آية واحدة: بسم الله الرحمن الرحيم، كما تقرأ المرأة الآية في كتب الفقه، كاستدلال على مسألة الفقه.

    واحتمال آخر: أن يكون نائب كسرى أو نائب قيصر كان مسلماً يخفي إسلامه، فقرأ هذه الرسالة.

    إذاً: هذه احتمالات تسقط الاستدلال بهذا الحديث، وهي احتمالات قائمة.

    الوجه الثالث: أننا نقول: يقرؤها كما تقرأ المرأة الذكر على أنه ذكر، وتقرأ الآية على أنها ذكر عندما تركب الدابة، فتقول: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:13-14]، ولا تقرؤها على الناس للتلاوة، والعلماء أيضاً قالوا ذلك، قالوا: يقرؤها كسرى وقيصر ، ولا يقرؤها على الناس على أنها تتلى، والأوجه من ذلك أننا نقول: إن المحاسب هو المكلف، ونحن نمنع الجنب المكلف، وهذا غير مكلف، والخطاب للمكلف، وإن كانت هذه المسألة أصولية، وقد اختلف فيها العلماء، وهي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟

    فالراجح: أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن هنا نقول: إننا نحاسب المكلف الجنب، ولا نحاسب الذي يريد الإسلام بقراءة هذه الآيات.

    الدليل الرابع: وهو الدليل الذي استدل به مالك وتكلم به شيخ الإسلام في الفتاوى، ألا وهو: بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ووجه الدلالة من ذلك: أنه قال: يحرم على المرأة نسيان القرآن الذي حفظته، فلا بد من أن تحافظ على هذا القرآن، وتحافظ عليه بتلاوته؛ لأنها لو تركت التلاوة نسيت فوقعت في الحرام، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالواجب ألا تنسى، ولا يمكن ألا تنسى إلا بواجب آخر، وهو معاهدة الحفظ، فنقول: جزاكم الله خيراً، والرد على هذا من ثلاثة وجوه:

    الوجه الأول: أن نقول: إن هذا أيضاً في غير محل النزاع، فحرمة نسيان القرآن هو من غفلة الإنسان ونسيانه، وهو المخاطب بذلك، والتحذير من هذا بسبب غفلة الإنسان وكسيه، لا بسبب خارج عن إرادته، والمرأة التي تركت القراءة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم عليها القراءة، وعلي حرم عليها القراءة، وعمر حرم عليها القراءة، ليس هذا من كسبها، ولا من غفلتها ونسيانها بل هو طاعة لله، فإن كان طاعة لله فلا يدخل في ذلك، ولن تدخل تحت الوعيد، وكأنها تقول احتجاجاً: رب إني تركت القراءة لأمرك، وقرأت وحفظت لأمرك، فتركت لأمرك وحفظت لأمرك، فلا تذم عند الله، ولا تقع في محل هذا الحديث؛ لأن الحديث يختص بالتي تنسى وتفلت القرآن منها، بقصدها وبغفلة منها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشتكي في قوله تعالى: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، والمقصود: أن هذا ليس في محل النزاع.

    الوجه الثاني: نقول: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي: لا يمكن تنسى إلا بالقراءة، وهي ممنوعة من القراءة، ولنا آلات ووجهات أخرى يمكن ألا تنسى بها، كما أجمع العلماء، ونقل الإجماع النووي وإن كان في الإجماع هذا نظر! وبالاتفاق قالوا: بأن المرأة الحائض لها أن تقرأ القرآن في قلبها، وفي نفسها، فتمرر الآيات في خاطرها، وتجول في عقلها بالقراءة وفي قلبها، فيثبت ذلك في قلبها، فإن كانت لا تستطيع، وهي لو تدبرت القرآن في قلبها فإنها تردد في لسانها، قلنا لها: دعيك من هذا، وخذي سورة البقرة أو النساء أو السورة التي تحفظيها فاكتبيها في ورق، وأعيدي كتابتها أكثر من مرة طول النهار والليل، وهذه الكتابة ستثبت لك الحفظ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    فعليك بالكتابة؛ لأنه لم يرد النهي عن الكتابة، والأصل عدم المنع، ولا تقرئي؛ لأنه قد ورد النهي عن القراءة، فتأخذي الورق بعد ذلك وتحرقيه وتدفنيه، ويمكن أن تراجع عن طريق التسجيل، والحمد لله نعم الله علينا كثيرة، ومن النعم علينا هذا المسجل الأعجوبة في هذا الزمان، فلك أن تأخذي شريط سورة البقرة، أو سورة النساء، أو سورة الأحزاب، أو السورة التي تحفظيها وتضعيه في المسجل، وتسمعيها ليل نهار في أيام الحيض، فتثبت الحفظ عندك أكثر مما كنت تقرئينها، أو تذهبي إلى الدار أو إلى مجالس التحفيظ، أو إلى المكان الذي يحفظ فيه، كالمدرسة مثلاً، فتجلسي تستمعي إلى المحفظة التي تقرأ وهي طاهرة، وتسمعي منها، وتتقني منها الألفاظ دون أن ترددي، وترجعي إلى بيتك تكتبيها في ورقة وتختزنيها حتى تطهري ثم تقرئي.

    إذاً: خرجنا من مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ونقول: عندنا أكثر من آلة ليتم الواجب بها، وهو تمام الحفظ، وذلك إما بالقراءة في القلب، أو بالكتابة، أو بسماع من يقرأ من المحفظات أو المعلمات.

    فأنا أقول الآن: سلمت هذه الأدلة المانعة من القراءة من المعارضة، ولن تسلم أدلة المخالف من المعارضة، فنقول: الراجح والصحيح هو عدم قراءة المرأة للقرآن.

    أسأل ربي أن يجعل كل أعمالنا ابتغاء وجهه الكريم إنه على ذلك قدير.