إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. مخالفات تقع فيها بعض النساء - حكم سفر المرأة بدون محرم

مخالفات تقع فيها بعض النساء - حكم سفر المرأة بدون محرمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للمرأة مكانة عظيمة في الإسلام، فهي جوهرة ثمينة، ودرة مصونة، ولذلك حرص على حمايتها، وحفظ كرامتها، فحرم عليها أموراً لأجل ذلك، منها: الخلوة بالرجال الأجانب، والاختلاط بهم، والسفر بدون محرم، ونحو ذلك.

    1.   

    مكانة المرأة في الإسلام

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فالمرأة درة ثمينة، جاء الإسلام بصيانتها ورفعتها، وبيان قدرها وكرامتها، وحفظ حيائها، ففرض عليها فروضاً يحفظ لها كرامتها، وحياءها وقدرها وقد بينا كثيراً بأن الدنيا زينة، وأم الزينة في الدنيا النساء، كما قال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ [آل عمران:14] فصدر الباب بالنساء.

    وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا حلوة خضرة، والله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تفعلون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن ول أوأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).

    والمرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) . فمنعها من أمور معينة، ووقع كثير من النساء في هذه المخالفات، فاستحقت المرأة العقوبة بهذه المخالفات.

    ونحن الآن على مشارف باب الكلام عن المخالفات، فأصدر الباب بحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تفعل المرأة الآن - يعني في القرون الخيرية - لمنعن كما منعت نساء بني إسرائيل).

    ولذلك كان هناك بعض الحق عند بلال بن عبد الله بن عمر عندما قال له ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه حديث: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) يعني يأمره بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: (والذي نفسي بيده لنمنعهن، إذاً لاتخذنه دغلاً) يعني: مكاناً لقضاء الحاجة، فكلما أرادت شيئاً من غيبة أو نميمة أو غير ذلك تذهب إلى المسجد، فضربه بصدره وقال له كلمة شديدة، وهي: لعنة الله عليك، أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله) وتقول: والله لنمنعهن، فوجهة نظر بلال بن عبد الله كانت صائبة، فكأنه يقول: إنهن إذا خرجن إلى المساجد جعلنهن كالأسواق، ففيها غيبة، ونميمة، وكلاماً لا ينفع في الآخرة، فهذه وجهة نظر صائبة، لكن ابن عمر اشتد عليه لظاهر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم.

    فنقول: المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان كما جاء في الحديث: (المرأة عورة -يعني: كل المرأة عورة- إذا خرجت استشرفها الشيطان).

    تكلمنا على أمور إذا خرجت المرأة وهي فاعلة لها فقد تعدت الشرع، كأن تخرج متعطرة، وقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرجت حتى للصلاة أن تكون غير المتعطرة، وقد بينا حكماً فقهياً مهماً جداً في صلاة متعطرة، أخذناه من حديث أبي هريرة حيث يقول فيه صلى الله علي وسلم: (لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة) والراوي أعلم بما روى بل قد طبقه عملياً إذ رأى أبو هريرة امرأة متعطرة تذهب للصلاة فقال لها بعد أن صلت: ارجعي فاغتسلي وأعيدي صلاتك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، وذكر الحديث.

    1.   

    مخالفات النساء

    الاختلاط

    هناك أمور مهمة بالنسبة للنساء، لابد لها من معرفتها: أولاً: منع الشرع النساء من الاختلاط، والاختلاط هو الذي به تفسد الأمة، وبه ينتشر الفساد، وتنتشر الرذيلة وترفع الفضيلة، ولذلك المستشرقون ما أرادوا الفساد للأمة إلا بالاختلاط، وجعلوا لنا مثلاً في الروضة، إذ لا بد للطفل الصغير أن يأتي بباقة ورد وزهور ويقدمها للطفلة الصغيرة، ويقبل الصغير الصغيرة، أو تجد صورة عريضة جداً في مكان محترم فيها طفل صغير يقبل طفلة صغيرة، وإذا أنكرت ذلك قيل لك: هذا غير مكلف وليس فيها شيء، ففتح الباب لمسألة الاختلاط، ثم بعد ذلك المدارس المختلطة، ثم الجامعات، بل هناك اقتراحات بضرورة الاختلاط؛ حتى لا يكبر الصغير وهو جاهل بكيفية الجماع، أو مجانسة المرأة، وكأن الإنسان إذا كان على ذلك سيصعد إلى مرحلة الجامعة أو الكلية وقد أصبح فحلاً، رجلاً، عظيماً، مفكراً، مدركاً لما هو أمامه، وليس الأمر كذلك، بل إنه أفسد ما يكون في الجامعات، فترى البنت تخرج حبلى وهم يقولون لها: ليس بحرام، بناء على الزواج العرفي المشتهر الآن، فأكثر الجامعات فيها هذا الفساد.

    وترى الأفسد من ذلك أن الطالبة تكون جالسة مع الطالب في الكرسي نفسه، ووالله! لو كان بينه وبينها مسافة لمات هو قبل أن تموت هي، وتراه يتحرك وتتحرك، وتمس اليد اليد، والبشرة والبشرة، فالاختلاط هو الذي يضيع الأمة بحق؛ لأنه الذي ينشر الرذيلة ويجعل في القلب الزنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة. ... والقلب يزني وزناه الهوى) أي: يعشق ويرغب في الزنا، فترى قلب الطالب يتحدث بذلك، وقلب الطالبة يتحدث بذلك، ثم يقع المحذور، ولذلك جاء الشرع بالمنع البات من مسألة الاختلاط، وألوان منع الاختلاط جاءت في أكثر من آية وحديث، ونبدأ أولاً بالكتاب ثم بالسنة.

    أما الكتاب فقال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53] وهنا يبين لنا خطاً عريضاً لمسألة الاختلاط، وأيضاً عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالرجال والنساء فكانت النساء يتأخرن والرجال يتقدمون، قالت أم سلمة: فكان الرجال بأمر رسول الله ينتظرون خروج النساء، فكن يخرجن أولاً ثم بعد ذلك يخرج الرجال؛ منعاً للاختلاط، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا أصافح النساء) وذلك لما جئن ليبايعنه، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن في ذلك ذريعة؛ لأن المصافحة لا تكون إلا بعد المخالطة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك منع الباب الأصلي ومنع الوسائل، والقاعدة عند العلماء هي: الوسائل لها أحكام المقاصد.

    الجلوس مع أقارب الزوج

    وألوان الاختلاط في زمننا هذا كثير جداً، منها أولاً: الجلوس مع الحمو وأقرباء الزوج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما سألوه عن دخول أقرباء الزوج، فقال: (أرأيت الحمو يا رسول الله، فقال: الحمو الموت، الحمو الموت) ومع ذلك تجد بعضاً من الإخوة الملتزمين يجتمع بزوجته مع أخيه ومع زوجة أخيه، وتكون هذه منتقبة وهذه منتقبة، فالعائلة تكون موجودة والمرأة منتقبة بينهم وتتأدب بالآداب، فتأكل بالملعقة من تحت النقاب، ولما تتكلم لا تفتتن كثيراً، بل قد تضحك مرة أو مرتين، وترد على أخي الزوج، وهذا الكلام من الفساد بمكان، وهو داع إلى ميول القلب، فيمكن أن يكون في زوجها عيب وترى هذا العيب منسد عند أخيه فتشتاق لسمات شخصية أخيه وتعير الزوج بذلك، فتقوم بذلك الفتن والمشاكل.

    ركوب التاكسي بانفراد مع السائق الأجنبي

    ومن ألوان الاختلاط أيضاً: ركوب التاكسي، مع أني أرى أنه ليس بخلوة، لكن كثيراً من أهل العلم يرون أن التاكسي بالذات إذا انفردت المرأة المنتقبة -أو أي امرأة- مع الرجل أصبحت خلوة فلا يجوز، وضابط الخلوة عندهم: أنه يستطيع أن يميل قلبها بالكلام المعسول منه دون أي تحرج، فلا يخاف من أحد يسمعه؛ لأنها هي التي تسمعه، فقالوا: هذه من دواعي الخلوة، أو من دواعي الخلطة فجعلوها خلطة، فالمرأة لا يجوز لها أن تدخل نفسها في هذه المسائل، فإذا أرادت أن تذهب إلى مكان بعيد لا بد أن يكون معها أخت أو اختان أو ثلاثة، أو معها أخ من إخوانها، فالمهم: أن يكون هناك أكثر من امرأة؛ لقطع الخلوة، أو يوجد محرم.

    السفر بدون محرم

    ومن المخالفات التي تقع فيها النساء: السفر بدون محارم، وهذه المسألة هي أم المسائل؛ لأن الفتاوى كلها في الفضائيات تبيح ذلك، وهذه المسألة لا بد أن نقف عندها وقفة فقهية.

    أقوال العلماء في سفر المرأة بدون محرم

    هذه المسألة مسألة عظيمة جداً، ترددت فيها أربعة أحاديث، هي التي أنشأت خلاف الفقهاء.

    الحديث الأول: حديث في الصحيح وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) فهنا أناط النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالسفر مع المحرم.

    الحديث الثاني: قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الذي يحتج به الأحناف-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن إلا مع ذي محرم).

    وعندنا حديث يرد على من يخالفنا، وهو حديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم). وهذا الحديث مطلق وليس بمقيد.

    والحديث الرابع: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتمرن الظعينة) والظعينة: المرأة التي على الهودج، (من حضرموت إلى مكة) يعني: تطوف بالبيت. (لتطوفن بالبيت لا تخش إلا الله والذئب على الغنم) .

    فعندنا الآن أربعة أحاديث تتكلم عن سفر المرأة بدون محرم، نظر إليها العلماء نظرات ممحصة فاختلفت الأقوال كالآتي:

    القول الأول: يحرم على المرأة تحريماً باتاً أن تسافر مع غير ذي محرم على العموم في مسافة القصر. ومسافة القصر: هي أربعة برد على الراجح الصحيح، والأربعة برد تساوي: ثمانين كيلو، أو واحداً وثمانين كيلو، أو بضعاً وسبعين كيلو، ولنجعلها تجوزاً ثمانين كيلو، وقولي على العموم أي: يحرم على المرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة بدون محرم، سواء كان السفر بالطائرة، أو بالسيارة، أو بالجمل أو بالبعير أو بغير ذلك، وسواء سافرت للحج أو للدراسة، أو للطب أو للجراحة أو غير ذلك، وهذا قول الجمهور.

    القول الثاني: يصح سفر المرأة مع صحبة آمنة في الحج دون غيره، وهذا قول المالكية والشافعية.

    القول الثالث: إذا سافرت سفراً طويلاً أو قصيراً ولم يبلغ يوماً وليلة مع غير ذي محرم جاز، بمعنى: لو سافرت إلى باريس -والمسافة إلى باريس سبع ساعات بالطائرة- فلها أن تسافر وحدها؛ لأن المحرم سفر يوم وليلة بنص الحديث، وهذا قول نسبوه لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو ما يرجحه الشيخ ابن جبرين .

    القول الرابع: مدار سفر المرأة على الأمان وهذا الذي رجحه القرضاوي ، فإن أمنت على نفسها بالسفر إلى لندن صح أن تسافر، وهذا قال به أيضاً ابن كج من الشافعية.

    أدلة أقوال العلماء في سفر المرأة بدون محرم

    ونأتي الآن إلى الأدلة، أدلة القول الأول وهو قول الجماهير: مفهوم المخالفة، والتصريح في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة) وهذا نهي، والأصل في النهي التحريم.

    ودليلهم في مسافة القصر: أن مسافة القصر هي التي تسمى سفراً، وهذا مستنبط من اللفظ، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة) يدل على أن التحريم لا يكون إلا فيما يسمى سفراً والعرف الحاكم في هذه المسألة هو عرف الأولين، والسفر كان يحسب سفراً إذا تجاوز مسافة القصر.

    واستدلوا أيضاً بحديث: (لا تسافر المرأة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) . وقالوا: اليوم والليلة تمثيل، فعندنا أمران: مسافة، ووقت، فالحكم تذبذب بين علتين فأيهما يغلب يحكم به، فإن اختلف الأمر في السفر على الطول كأن سافرت يوماً وليلة إلى أمريكا فنقول: لا يحل لكِ أن تسافري بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فإن سافرت أقل من يوم وليلة لكن المسافة طويلة جداً، كأن تسافر بالطائرة أو بالسيارة فنقول: يصير ننظر هنا للمسافة وليس للوقت فأيهما يغلب يحكم، فإن غلبت المسافة قلنا: يحكم بها؛ لأن الأصل أن المرأة لا يجوز أن تخرج أصالة، فهذا هو الأصل العام في التقعيد الشرعي، قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33].

    القول الثاني: قول الذين قالوا بصحة سفر المرأة إن كان معها صحبة آمنة للحج فقط، وقالوا: عندنا دليل ظاهر، فأدلتكم عامة ودليلنا خاص. قلنا: ما هو الدليل الظاهر؟ قالوا: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لتمرن الظعينة... -قال-: ولتطوفن بالبيت لا تخش إلا الله والذئب على الغنم) وهذا تخصيص ولا يعارض خاص بعام، فالخاص قوله: (تطوف بالبيت) فجعلها في الحج، فقلنا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم) إلا في حالة واحدة وهي الحج، وبشرط وجود الصحبة الآمنة، وهذا الدليل من القوة بمكان، فوجه الشاهد هو قوله: (لا تخاف إلا الله والذئب على الغنم)، أي: لا تخاف وهي وحدها إلا الله والذئب على الغنم. فالمكان آمن بالنسبة لها.

    القول الثالث: أن العبرة باليوم والليلة، فلو قطعت كل المسافات في أقل من يوم وليلة لصح أن تسافر وحدها، واستدلوا بمفهوم المخالفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسافر المرأة يوماً وليلة إلا مع ذي محرم)، فقالوا: مفهوم المخالفة أن لها السفر في أقل من يوم وليلة مع غير ذي محرم.

    القول الرابع: حجة أصحابه أن مدار المسألة على النظر. وفي هذا أيضاً قوة؛ لأنك تنظر للأثر والنظر، فنظرنا في العلة والحكمة التي من أجلها منعت المرأة من السفر وحدها، فوجدناها الخوف على المرأة من أن يطمع فيها الطامعون، والرعاع السفهاء فيخدشون حيائها، أو يغتصبون كرامتها.

    إذاً: فالمسألة تدور على الأمان وعدم الخوف، فإذا أمنت المرأة مع صحبة آمنة سواء في سفر حج أو غيره فإننا نقول بسفرها، وهذا نظر دقيق؛ لأن القاعدة عند الفقهاء هي: الحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً. وهذه وجهة نظرية محضة، واستقوا هذا النظر من حديث: (لتمرن الظعينة ...).

    والقول الصحيح الراجح في ذلك هو قول الجمهور: وهو أنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر غير ذي محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أناط الإيمان بذلك، ومعنى ذلك: أنها لو سافرت مع غير ذي محرم فهي منزوعة الإيمان، ولا يعنى بهذا أنها كافرة، بل المعنى أنها خرجت من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام. فلما وجدنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجد امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسافة قصر مع غير ذي محرم) ونفي الإيمان يدل على أن الفعل المنهي عنه من الكبائر، فلما أناط النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بعدم السفر، وأناط الكبيرة بالسفر من غير ذي محرم، قلنا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) وقيدناها بمسافة القصر؛ لأن العلماء نظروا في السفر عرفاً فوجدوه لا يسمى سفراً إلا إذا كان مسافة القصر وهي أربعة برد.

    رد الجمهور على من خالفهم

    ويمكن أن يُرد على أدلة الأقوال الأخرى بما يلي:

    فالقول الثاني الذي قيدها بالحج نقول له: هذا قول وجيه جداً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتمرن الظعينة ...) لكن الرد عليه: هو أننا نقول بالعموم، سواء في الحج أو في غيره، سواء أسافر يوماً وليلة، أم سافر بالطائرة، أم بالسيارة، أم بالبعير، فكله يحرم السفر فيه على المرأة مع ذي محرم، فجاءوا وقالوا: نحن نوافقكم على هذا، لكن في الحج فقط يصح لها أن تسافر لتخصيص الحديث بذلك.

    والرد عليهم في ذلك من وجهين:

    الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام في خطبة عن الحج -وقول النبي صلى الله عليه وسلم نص في المسألة- قال: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وامرأتي ذهبت حاجة. قال: ارجع فحج مع امرأتك) فلو كان الحج يغتفر فيه الأمان لاغتفر هنا.

    ووجه الدلالة يرجع إلى قاعدة مهمة جداً قعدها الشافعي وهي: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، بمعنى: عندما قام الرجل فقال: (يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وامرأتي ذهبت حاجة، فهل قال له النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا هذا! أذهبت مع صحبة آمنة؟ فقال الرجل: لا. قال: ارجع فحج مع امرأتك) فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصله أصحبة آمنة كانت معها أم لا؟ فأصبح الحكم عندنا سواء، أي: سواء كانت صحبة آمنة أم غير آمنة، فلا بد أن ترجع وتحج مع امرأتك، ولو كان في الاستفصال تغيير الحكم لقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أذهبت مع بعض النساء اللاتي تأمن على نفسها معهن؟ فلما لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قلنا بعموم الحرمة في الجميع.

    الوجه الثاني: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتمرن الظعينة ...) ليس لكم فيه حجة؛ لأن هذا الدليل ليس من باب الإنشاء وإنما من باب الخبر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يحكي خبراً سيحدث كما يقول: (بين يدي الساعة سنين خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن الخائن ويخون الأمين) فيخبر عن هذا، ويقول: (وينطق الرويبضة) فهذا خبر لا يحتمل الكذب فقط، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: مري بضعينتكِ إن أمنتِ على نفسكِ وطوفي بالبيت، بل أخبر أن في بعض الأزمنة سيحدث أن المرأة تخرج من حضرموت أو من صنعاء وتذهب إلى البيت لتطوف وحدها، وهذا ليس فيه دلالة على الإقرار ولا الإنكار، بل فيه السكوت، وعندنا القرائن الخارجية التي أثبتت الإنكار وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) ويكون بذلك قد قطعنا دابر هذه الأدلة.

    أما القول الثالث وهو الذي يقول باليوم والليلة فهو قول ضعيف، فإن الحكمة التي من أجلها منع النبي صلى الله عليه وسلم المرأة من السفر مع غير محرم هي طمع الرجال فيها، والحد من استشراء الفساد، فإن قيل: وإن كانت امرأة عجوزاً، قلنا: لكل ساقطة لاقطة يطمع فيها، لا سيما والرجل يتأثر بالنظر للمرأة، على أن المرأة لا تتأثر إلا باللمس، فإذا كان النظر يؤثر في الرجل ويثير الشهوة عنده، فلا بد أن نحجز المرأة ونمنع سفرها إلا مع ذي محرم.

    أما إناطة السفر بيوم وليلة فهذا خطأ وليس بصحيح، والقول بتردد الحكم بين اليوم والليلة وبين المسافة فأيهما غلب يحكم به، فإن كانت المسافة قلنا بها وإن كان اليوم والليلة قلنا بهما، خطأ بين، وعندنا الإطلاق الذي يمنع كل هذه التطورات حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر) أي: لا يوم وليلة، ولا مسافة، إلا ما جاءت به القرائن من تحديد الثمانين كيلو كمسافة للقصر.

    أما الرد على من قال بالقول الرابع -وهو أن مدار المسألة على الأمان، والحكم يدور مع علته حيث دارت، فهذا يسمى قياساً صحيحاً- فهو أن يقال: هذا القياس الرد عليه من وجوه:

    الوجه الأول: أن هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه صادم نصاً.

    الوجه الثاني: نقول لصاحبه: قد خصصت عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة) بوجهة نظر غير موافق عليها.

    الوجه الثالث: أن في هذا القياس مخالفة لمقاصد الشريعة؛ إذ من مقاصد الشريعة سد الذرائع، فلو قلنا بجواز السفر دون محرم عند الأمان فجاءت امرأة متلاعبة تقول: أنا آمنة على نفسي مع هؤلاء، وتذهب لتتلاعب معهم، فنكون بهذا قد فتحنا الباب لمن يزعم أن هناك أمان وليس ثمة أمان، فإذا أحكمنا المدة، وأغلقنا الباب كلية، وقلنا: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقد احتطنا لديننا، واستبرأنا ذممنا.

    أما وهذه الأقوال إن كانت تنبئ عن شبهة فإن الله جل في علاه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم شرع لنا شرعاً قويماً لا بد من الأخذ به ألا وهو قوله: (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك) .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) فنقول: هذه الأقوال ولو نبع منها الشبهة فإننا نقطعها بقول النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم، وتسلم لنا الأدلة.

    إذاً: فيكون القول الصحيح الراجح: أن المرأة لا يجوز بحال من الأحوال، بأمان أو بغيره أن تسافر بدون محرم.

    وأشكلوا علينا بالنظر فقالوا: لو أن رجلاً أخذ زوجته إلى المطار وانتظر حتى ركبت الطائرة، فهي في أمان الآن؛ إذ لا يمكن لأي أحد أن يعتدي عليها، وليس هناك خلوة، وعند نزولها من الطائرة إلى المطار فستجد أخاها في انتظارها، فيأخذها ويكون محرماً لها، فهي الآن في أمان تام، وهذا مما يدل على الجواز.

    وهذا الكلام وإن كان سديداً، فهو عند تدقيق النظر من الضعف بمكان، فهب أن الطائرة انتهى منها الوقود، أو حدثت صاعقة في الجو، أو حدث في الطائرة خلل مما أدى إلى هبوط اضطراري، فهبطت في أدغال أفريقيا، والأشجار كثيرة، وإذا برجل كان بجانبها يتكلم معها بكلام معسول، وينظر إليها، ويرى في عينها الدفء والحنان، ويقول: ما رأيت هذا من زمن بعيد، ويتكلم معها بهذا الكلام الذي يؤثر في قلبها، ثم يستدرجها إلى أن يحدث المحظور، فأين الأمان هنا؟ وعليه لا بد أن تضع ذلك في اعتبارك؛ إذ لا أمان للمرأة إلا مع رجل يعلم أنها عرضه، وأنه يدافع وينافح عن عرضه، آخذاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون عرضه فهو شهيد) فإن قيل: هل الحرمة باقية إن أدى ذلك إلى وفاتها؟ فنقول: تستأجر محرماً وتأخذه معها للسفر، فالمرأة درة ثمينة في هذا الدين الحنيف، فهو يحافظ عليها؛ ولذلك منعها من السفر مع غير ذي محرم، ومنعها النبي صلى الله عليه وسلم أن تخلو بأحد إلا مع المحارم؛ حفظاً لكرامتها، وصيانة لعفتها وشرفها.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.