إسلام ويب

رسالة إلى كل مسلمللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المسلمين اليوم يعانون من ذل وهوان وتسلط عدوهم عليهم، فجروحهم نازفة وما أن يلتئم جرح حتى يفتح آخر، وكلها أحداث تدمي فؤاد كل مسلم غيور، ولا شك أن كل محب للمسلمين يبحث عن السبيل لإخراج الأمة مما هي فيه، ومن بذل ولو جهداً يسيراً في البحث فسيجد أن الطريق إلى المجد هو تحقيق الإيمان، والعيش في ظله الوارف، والتنعم بحلاوته، والتزين بزينته، واكتساء حلته.

    1.   

    رسالة إلى المسلمين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    يقول الشاعر:

    يا من يعاتب مذبوحاً على دمه ونزف شريانه ما أسهل العتبى

    من جرب الكي لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا

    أنا قبيلة آلام بأحزنها ومن جراحي سقيت المزن والسحبا

    يا ابن الوليد ألا سيف نؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا

    فرب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا

    يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا

    فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا

    إن الأحداث أبلغ من أي كلام، وأعظم من أي دموع، وأكبر من أي دماء تسكب من العيون.

    فكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه رسم الصليب

    دم الخنزير فيه لهم خلوف وتحريق المصاحف فيه طيب

    أما آن للمسلمين الغفل النيام أن يعرفوا عدوهم، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً [الممتحنة:2]، ويقول الله تبارك وتعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118].

    والمطالع للتاريخ الإسلامي، ولمحاكم التفتيش التي نصبها النصارى، ولما فعله فرديناند وإيزابيلا بالمسلمين وإجبارهم على التنصر في أسبانيا، وما فعله عباد البقر وعباد الفئران في كشمير، وما فعلوه في الفلبين، وما فعلوه في معرة النعمان في بلاد الشام أيام الحملات الصليبية، وما فعلوه في بيت المقدس. يعلم إنها مآسي أبلغ من أي كلام، وهذه قصاصات من التاريخ تبين حجم وهول الأحداث على المسلمين.

    يقول مؤرخو الغرب لا مؤرخو المسلمين في وصف الحملات الصليبية ضد السلاجقة الأتراك: كان جنودنا يكرهون أولئك الكلاب القذرين -يعنون بذلك المسلمين- فتبعثرت أشلاء الكفرة -أي المسلمين- في كل مكان، وانتشر الكرب وعويل النسوة، وقد جرى ذبح آباء الأسر مع جميع أبنائهم، وجرى تدمير محتويات المنازل، وتملكت المنتصرين شهوة قتل جنونية وجشع ونهب، ولهذا لم يستثنوا من القتل لا الجنس ولا المنزلة الاجتماعية، ولم يقيموا للسن أدنى قيمة، ووضعوا السيوف على رقاب الأمهات وأبنائهن، ثم اقتسموا أثاث المنازل والذهب والثياب النفيسة، ويروى أنه قتل في اليوم الأول من احتلال أنطاكية أكثر من 15000 من أهاليها، وانتشرت جثث القتلى غير المدفونة على طول الطرقات.

    ويقول المؤرخ الغربي راءول دوكايين في أثناء الاحتلال الصليبي لمعرة النعمان -بلد أبي العلاء المعري في الشام -: إن جماعاتنا كانوا يقلون الكفار في القدور -أي: كانوا يأتون بالمسلم وهو حي ويضعونه في القدر- بل أفظع من هذا كانوا يأكلون جثث العرب المسلمين، وهذا ثابت في كل الروايات الأوربية التي تعرضت للغزوات الصليبية.

    وهناك دكتورة غربية مسلمة حاصلة على دكتوراه في التاريخ الصليبي، لما سألتها عن ذلك أخبرتني بصدق ذلك في كل الروايات الأوربية التي تعرضت للغزو الصليبي لبلاد المسلمين، حيث كانوا يتجمعون حول النار مساء من أجل التهام فرائسهم وهم يشوونها على تلك النيران، وأيام فتح بيت المقدس جعلوا من مسجد الصخرة مشتى لخنازيرهم، وجعلوا من الصخرة مذبحاً لهم، وعلقوا صليباً على قبة الصخرة، ثم قتلوا المسلمين الذين احتموا بالمسجد الأقصى، وبلغ عدد القتلى في المسجد الأقصى سبعين ألف قتيل، حتى إن القائد الصليبي حين دخوله لبيت المقدس في المسجد الأقصى غاص في قتلى المسلمين، وفي دماء المسلمين حتى ركبتيه.

    أما ما فعلوه في الأندلس فهو أكثر من أن يقال، حتى إن خير الدين بربوس عندما استغاث به نساء الأندلس أرسل الرسول الجزائري ثلاث مرات يحمل الأطفال ويحمل النساء الذين يريدون إجبارهم على التنصر، وأنقذ بمفرده سبعين ألف امرأة وطفل أسباني.

    فماذا يفعل المسلمون الآن؟ لا شيء سوى الشجب والاستنكار والإدانة، مع أن بمقدورهم أن يقاطعوا صربيا، وبمقدورهم أن يطردوا السفراء من كل الدول الإسلامية، وبمقدورهم أن يفعلوا الكثير، فإن كان الشعب لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال ما يجري، وإن كانت الحكومات عاجزة لا أقل من أن الإنسان يعرف ابنه من عدوه، ويصحح القصد، ويرفع يده إلى السماء أن يجير الله عز وجل لهؤلاء الأطفال والنساء والرجال الذين يقتلون، ونقول للناس: واإسلاماه! عودوا إلى ربكم، واعرفوا من عدوكم، وصححوا القصد مع الله عز وجل، فاليوم كوسوفو ولا تعلمون الدائرة على من في الغد، فإن لم تحس بجرح المسلمين اليوم فمتى؟

    ولو قيل لك: قتل أخوك في القاهرة فإنك ستبكي العبرات، وهؤلاء إخوتنا نساءً وأطفالاً رضع أجبروا على ترك بيوتهم، وهجروا من بلادهم حتى بلغ عدد المهجرين ثلثي كوسوفو، بل إنهم لا يسلمون من القتل في طريق هجرتهم، ومع ذلك كله تجد أن الترف قتل المسلمين في كل مكان؛ في دول الخليج وفي غيرها.

    نعم تجد رجالاً صالحين مؤمنين ناسكين، ولكن تجد على الطريق الآخر مسابقة لاختيار أجمل خروف كما نشرت ذلك جريدة الوطن الكويتية! وتعقد هذه المسابقة ويقع اختيارهم على خروف سموه عندهم الزعيم، وقد بيع بمائتين وخمسين ألف جنيه مصري، أي: ما يعادل خمسة وعشرين ألف دينار كويتي، ومسابقة أخرى لاختيار أجمل حمامة، وقد رفض صاحبها أن يبيعها بسيارة مرسيدس آخر موديل في هذا العام.

    هذه حال المسلمين، وفي مصر ينشغل الناس بمباراة كرة القدم!

    يقول الشاعر:

    من حر قلب الشاعر الهدار تهمي الدموع فتكتوي أشعاري

    أبكي ألوف المسلمين بكوسفا تحيا مروعة بغير ديار

    باتوا كراماً آمنين فأصبحوا شعباً شريداً حف بالأخطار

    الصرب عادوا كالذئاب ضراوة جوعى أصيبوا كلهم بسعار

    في البوسنه اغتالوا الحياة ودنسوا عرض النساء وعفة الأبكار

    داسوا على وجه الزهور وأخرسوا همس النسيم ورنة الأطيار

    ثم استداروا كي يبيدوا مسلمي الـ ألبان في حنق وفي إصرار

    في كل شبر قد أقاموا مجزراً للمسلمين العزل الأحرار

    سالت دماء المسلمين شهيدة تجري من الأعناق كالأنهار

    عادوا لتكرار المآسي نفسها لم يسأموا من كثرة التكرار

    والهاربون إلى الجبال تلفحوا بالثلج يلسعهم.....

    ليل من الأحزان خيم فوقهم يمتد مسوداً بغير نهار

    قد هوجموا لكن بغير جريرة قد هاجروا لكن بلا أنصار

    والجوع يفترس البطون بنابه والجوع كالوحش الهصور الضاري

    يبكي الصغار فيطعمون صغارهم عشباً وأوراقاً من الأشجار

    ومن العجيب أن أمريكا تريد أن تأخذ 20.000 لاجئ من الألبان، وكندا 5000، والنرويج 10.000، وألمانيا 40.000، وأما المسلمون فكأن الأمر لا يعنيهم، ولذا أقول لأخي المسلم: إن لم تستطع أن تفعل شيئاً فكن رجلاً يقدر أن أخاه يذبح، وأن أخته ينتهك عرضها، وأن أطفاله الرضع ربما شابوا من هول ما هم فيه، وليتذكر أنه على مسافة خمسة وعشرين كيلو متر يقف مئات الآلاف من أجل أن يدخلوا مقدونيا فراراً من الصرب.

    آمل أن هذه المأساة تجعل من الشباب المسلم يقول: تبت إلى الله عز وجل.. أنبت إلى الله عز وجل.. وأن يستدرك ما فاته حتى لا يأتي الدور عليه.

    1.   

    حلاوة الإيمان

    إن للإيمان حلاوة وزينة ونعيماً ونوراً لا يدركها إلا من عايشها سلوكاً ومنهجاً، فمن عاشها سيدرك أن للإيمان حلاوة تباشرها القلوب أكثر من مباشرة اللسان لحلاوة الطعام الحسية، وهي ما عبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم مرة بالطعام، ومرة بالذوق، ومرة بحلاوة الإيمان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً)، وهو من حديث العباس بن عبد المطلب.

    وروى الإمامان البخاري ومسلم من حديث أنس قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).

    كما أن للإيمان زينة وحلة يرتديها المؤمنون، ولذا كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)، وهذه الزينة إذا كست القلب بدت آثارها على الجسد والجوارح، قال تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    ومما لابد أن يعلم أن للقلب نعيماً مثل نعيم الأبدان، وهو الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقرة العين، قال الإمام ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان): قوله: (وأسألك نعيماً) هذا نعيم الأبدان، ثم قال: (وقرة عين لا تنقطع)، هذا نعيم القلوب.

    إن أجمل شيء يلقاه العبد في دار الدنيا هو لذة الأنس بالله عز وجل، والمعرفة بالله عز وجل، والفرار منه إليه، وهو يقابل لذة النظر إلى وجه الله الكريم في الدار الآخرة، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم)، فجمع بين لذة الدنيا ولذة الآخرة، فوالله ما طابت الدنيا إلا بذكره، وما طابت الآخرة إلا برؤيته.

    مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها؛ المعرفة بالله عز وجل، والأنس به، والمحبة له.

    يقول يحيى بن معاذ الرازي: من سر بخدمة الله عز وجل سرت بخدمته الأشياء، ومن قرت عينه بالله عز وجل قرت به كل عين.

    1.   

    الأسباب التي تجعل المسلم يذوق حلاوة الإيمان

    وهنالك أكثر من عشرين سبباً يجد بها العبد حلاوة الإيمان سنحاول أن نتتبعها سبباً سبباً.

    الرضا بالله رباً

    السبب الأول: الرضا بالله رباً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً)، ومعنى: الرضا بالله رباً: أن ترضى بالله عز وجل وكيلاً مدبراً ولياً ناصراً، وأن تبغض إلى نفسك عبادة كل شيء سوى الله عز وجل، وأن يكون الله عز وجل أولى الأشياء عندك بالتعظيم، وأن تكون محبة الله عز وجل سابقة لكل محبة، وأن تكون كل محبة للبشر محبة إضافية ومحبة الله عز وجل محبة ذاتية، ولذلك عندما أمر المولى عز وجل سيدنا إبراهيم بذبح ابنه هم بالذبح؛ لأنه لا يحب إسماعيل ابنه لذات إسماعيل، وإنما يحبه لأن الله عز وجل أمره بحبه، فإذا دعاه الله تبارك وتعالى إلى ذبح ولده هم بذلك وسارع.

    فهذه غاية المحبة، وهي أن تكون محبة الله عز وجل هي المحبة الذاتية الأصلية، وكل محبة تابعة لها، وأن تقهر محبة الله عز وجل كل محبة، قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].

    فلابد أن تكون محبة الله عز وجل أولى من كل محبة، سابقة لكل محبة، قاهرة لكل محبة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، وهذا عين الرضا بالله.

    وأما الرضا عن الله: فهو الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لن يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه).

    والرضا بالله رباً أفضل من الرضا عنه رباً؛ لأن الرضا بالله رباً متعلق بأسماء الله عز وجل وبصفاته، وأما الرضا عن الله عز وجل فهو متعلق بثواب الله عز وجل، فالرضا بالله رباً فرض آكد على القلوب، وأما الرضا عن الله عز وجل فاختلف العلماء فيه هل هو واجب أم مستحب على قولين، كما أن الرضا عن الله رباً لازم للرضا بالله رباً.

    الرضا بالإسلام ديناً

    السبب الثاني: الرضا بالإسلام ديناً، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، وقال عز وجل: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:130-133].

    إن أعداء الله لا يبغضون منا إلا الإسلام، فإذا تركنا ديننا كنا أحباء خلصاً لهم، فهم لا يبغضون إلا دين الله عز وجل الذي أسلم له من في السماوات ومن في الأرض، ونحن نوقن أن هذا الإسلام عزنا وشعارنا وفخرنا.

    قالها أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب لـأبي عبيدة رضي الله عنهما حين قال له أبو عبيدة وهو يفد ليستلم مفاتيح القدس: لو أصلحت من شأنك يا أمير المؤمنين؛ فإنك تلقى وجهاء الناس وكبراءهم؟ فضرب في صدره وقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. فليس الأمر هاهنا، وإنما الأمر هاهنا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .

    يقول أبو حازم الأعرج : قد رضينا من أحدكم أن يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله، حينما يتسع خرق النعل تصلحه. ونحن:

    نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

    فلابد أن نعلم أنه إذا ضاع الإسلام ضاع كل شيء، تضيع الأعراض وتغتصب النساء، وتسفك الدماء، وتنتهب الأموال، وتسلب الأراضي وغيرها، والواقع خير شاهد، فحلف الناتو عند غزو الصرب لكوسوفو لم يعمل شيئاً للمسلمين، وإنما ضرب بعض المواقع تاركاً جنود الصرب يذبحون المسلمين، وكأنها مؤامرة الكل يتفقون عليها.

    لقد دك الصرب الناس دكاً، فماذا فعل حلف الناتو؟ لا شيء، فرغم أن عندهم جيوشاً برية وبحرية وجوية، لكن ليس عندهم استعداد أن يقتل قتيل واحد فقط من أجل مسلم، ونحن عندنا قلامة ظفر أصغر طفل من البوسنة أو من ألبانيا أو من كوسوفو برقاب كل الكافرين الذين على وجه الأرض.

    الرضا بمحمد رسولاً

    والرضا برسول الله رسولاً هو عين الشهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، وقال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:1-2].

    وقال الله تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    قال سيدنا عمر يوماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين، قال: الآن يا رسول الله، قال: الآن يا عمر).

    وكونك ترضى به رسولاً يعني: ألا تتحاكم إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تطبق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تهاجر إلى سننه: في حركاته وسكناته وكلامه وصمته وأفعاله، وأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدك وشيخك، فتفزع إلى آرائه، وتترك كل الآراء لآرائه، وتترك زبالات الأذهان ونتائج الأفكار العفنة وأقوال العقول وهدايات الأفكار لهديه وشرعه، فتترك علم الكلام والمنطق لهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، ولتكن قاعدتنا دوماً: النقل مقدماً على العقل، والكتاب والسنة مقدم على غيره من عقول البشر، وعلى غيره من أذواق ومواجيد الصوفية، وأن يكون الذوق عند المسلم ذوقاً شرعياً مرتبطاً بالكتاب والسنة.

    لقد أعزنا الله بالإسلام والجهاد، ثم لما أغمدت السيوف أتت الهزيمة والذل والعار والوحل والسقوط والدناءة على يد من ابتعدوا عن دين الله عز وجل.

    إذا أنت غمت عليك السماء وظلت حواسك عن صبحها

    فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها

    عبادة الله وحده

    السبب الرابع: عبادة الله وحده، وهناك ثلاث أخرى من فعلهن يحبه الله ورسوله، ويذوق طعم الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده)، والعبودية: هي الذل التام والحب التام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.

    إخراج زكاة المال

    السبب الخامس: أن يؤدي المسلم زكاة المال، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط: اللئيمة، ولكن من أواسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولا يأمركم بشره).

    ولو أن حكومات وأثرياء المسلمين بعثوا زكاة الأموال لفقراء المسلمين النازحين من بلادهم لاغتنوا وما عاد يسمع في المسلمين فقير.

    تزكية النفس

    السبب السادس: تزكية النفس.

    قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (ويعطي زكاة ماله طيبة بها نفسه، وزكى نفسه، قالوا: وما تزكية النفس يا رسول الله؟ قال: أن يعلم أن الله معه حيث كان).

    قال أحد السلف: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من واجهته بها.

    إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني

    وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيات تأتيني

    فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني

    وقال الآخر:

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب

    ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

    فعلى العبد حينما يباشر أي معصية أن يتذكر أن الله عز وجل ناظر إليه من فوق سبع سماوات، عالم بحاله وأمره؛ مطلع على معصيته وظلمه.

    وقد ذكر أن رجلاً راود امرأة على الفاحشة فقالت بعد أن خلا بها: انظر هل يرانا من أحد، قال: ما يرانا إلا الكواكب، قالت له: فأين مكوكبها؟!

    ويذكر أن امرأة أخرى راودها رجل على الزنا، فقالت له: هل نام أهل القافلة جميعاً؟ قال: نعم، قالت له: فهل نام الله؟! أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14].

    فأمرك حين تقترف أي ذنب دائر بين أمرين: إما أن تقول إن الله عز وجل حين أباشر هذه المعصية الصغيرة لم يرني ولم يطلع علي ولم يعلم بحالي، وأنت لو تيقنت هذا خرجت من الإسلام بالكلية ولو في فعل صغيرة، وأما إذا قلت: إني أباشر المعصية وأعلم أن الله يراني ومطلع علي، فهذا يدل على قلة الحياء. قال صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت).

    والمراقبة منزلة عظيمة من منازل الإحسان، وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ولو أن تعظم أمر الله عز وجل كما تعظم الرجل الصالح من قومك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تجعل الله عز وجل أجل الناظرين إليك).

    إقامة الصلاة

    السبب الثامن: قال أهل العلم عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة): إن قرة عينه هي نعيم القلب.

    قال الإمام ابن القيم في (إغاثة اللهفان): الصلاة عبارة عن حركات تباشرها الجوارح، وأساسها الخشوع، والخشوع من أعمال القلوب.

    كان علي زين العابدين إذا توضأ اصفر وجهه، فإذا وقف للصلاة بين يدي الله عز وجل يرتعد، ولما يسأل عن ذلك يقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟!

    فما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة في الصلاة، ولا بمثل الذل والتضرع ومد اليد إلى الله عز وجل، فهو والله النعيم الذي يحسه أهل الليل في ليلهم، فهم في لذة أعظم من أهل اللهو بلهوهم.

    قال ثابت البناني : كابدت الصلاة عشرين سنة واستمتعت بها عشرين سنة.

    قم في الدجى بين يدي الله عز وجل، وتحرى في قيامك الثلث الأخير؛ علك أن تصادف ساعة الإجابة فتسعد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مؤمن يسأل الله عز وجل شيئاً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة)، فقم واسجد لله عز وجل واغسل بدموعك خدودك، وسل الله عز وجل أن يفك أسرى المأسورين من المسلمين، وأن يفرج الكرب عن المسلمين.

    يذكر عن صلاح الدين الأيوبي لما حاصر الصليبيين أنه كان يطوف على الأمصار وعيناه تذرفان الدموع، ويقول: يا للإسلام! يا لعكا! وقالوا: كان يحمل الأحجار في حجره ليصلح من حصون عكا، ويحمل هماً كالجبال في صدره حزناً على الإسلام وغماً على حال المسلمين، مع أنه كان حينها قد أصيب بالدماميل في ظهره، وما كان يستطيع أن يأكل إلا وهو مستلق على بطنه من شدة الدماميل التي في ظهره، ولكن كان إذا ركب الخيل ينسى هذا كله، فكان يتعجب قاضيه ابن شداد ويقول: إنك لا تأكل إلا نائماً على بطنك، فكيف تركب الخيل؟ يقول: والله لا أحس بألمها حتى أعود مرة أخرى إلى الأرض، إنها معونة الله عز وجل.

    وظل يبني الأبراج ويبني الحصون إلى أن سلم أهل عكا، بعد أن ضيق عليهم النصارى الحصار من قبل البحر، وأتت السفن تضربهم كي يستسلموا، واشترطوا على النصارى الأمان، إلا أنهم غدروا فبعد أن سلم المسلمون لهم ذبحوا 3000 صبراً، جمعوهم وذبحوهم في الصحراء، ولم يوفوا للمسلمين بأي عهد، وبكى صلاح الدين في هذا اليوم بكاء لم يبك مثله في أي يوم آخر.

    وممن حمل هم الإسلام محمود زنكي ، ومما يؤثر عنه أنه كان يروي الحديث بالسند، فجاء حديث أن رسول الله تبسم، وتبسم راوي الحديث الصحابي، ثم التابعي، فقالوا: تبسم حتى تكتمل السلسلة، فقال: والله إني أستحي من الله عز وجل أن يراني متبسماً والصليبيون يحاصرون دمياط، وكان الصليبيون وقتها محاصرين لدمياط، وما بنيت المنصورة إلا قلعة من قلاع الجهاد لوقف زحف الصليبيين على دمياط.

    إن مما ينبغي على المسلمين بعد أن يتعلموا دينهم أن يقرءوا التاريخ الإسلامي، وأخبار المعارك الإسلامية، فإن المسلم حين يجد أن المسلمين قد وصلوا إلى قرية سينس وهي تبعد عن باريس ثلاثين كيلو متراً من جهة الجنوب، ووصلوا إلى جبال الصين، ووصلوا إلى سيبريا، سيجد الفرق الهائل بين المجد القديم لأمة الإسلام والحاضر المزري الذي أبرز صورة عجز المسلمين عن الدفاع حتى عن القدس.

    حسن الخلق

    السبب التاسع: حسن الخلق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس أحسنهم خلقاً)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير ما أعطي الناس خلق حسن، ومن كمل إيمانه ذاق حلاوة الإيمان)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الإيمان الصبر والسماحة)، وأفضل الصبر الصبر على طاعة الله: من الإتيان لصلاة الجماعة في المسجد، والمواظبة على سماع دروس العلم، والإتيان لصلاة الفجر، والمداومة على قيام الليل، والحرص على صوم النافلة.

    ويلي الصبر على طاعة الله الصبر عن معاصي الله، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة. ولابد أن يعلم المسلم أن الله عز وجل أرحم بالمظلومين من المسلمين من كل المسلمين قاطبة، إن الله عز وجل اختص نفسه بتسع وتسعين من الرحمة، ثم أنزل إلى الأرض جزءاً يتراحم منه الجن والإنس والطير والهوام، والله عز وجل لا يريد للمسلمين إلا الخير، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، وما يصيب المسلمين من أزمات لا يريد الله للناس بإصابتهم بها إلا الخير، ولعلهم أن يعودوا تدريجياً إلى دينهم، فتمتلئ المساجد، ويظهر الحجاب والنقاب واللحية وغيرها من شعائر الإسلام.

    قال تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة -من شدد الله عز وجل عليهم في الدنيا- فيغمس في الجنة غمسة واحدة فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا).

    أن يحب المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه

    السبب العاشر: أن يحب المسلم لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمناً) أي: تكن مؤمناً كامل الإيمان كما فسره علماء الحديث.

    بغض الدنيا

    والسبب الحادي عشر: بغض الدنيا.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس ذو القلب المحموم، واللسان الصادق، قالوا: وما القلب المحموم يا رسول الله؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد، قالوا: فمن على أثره يا رسول الله؟ قال: الذي يشنأ الدنيا -الرجل الذي يبغض الدنيا-، قالوا: فمن على أثره يا رسول الله؟ قال: مؤمن في خلق حسن)، فالمؤمن الذي يبغض الدنيا هو الذي يذوق حلاوة الإيمان، ولذلك يقول: إبراهيم بن أدهم : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف.

    الرجوع إلى القرآن تلاوة وتدبراً وتفهماً

    السبب الثاني عشر: الرجوع إلى القرآن بتلاوته وتدبره وتفهمه، يقول الله عز وجل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58]، وهذا فرح القلب: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وفضل الله ورحمته هو الإسلام والقرآن، ففرح القلوب المؤمنة بالقرآن بتلاوته وتدبره هو نعيم القلب.

    يقول ابن تيمية: أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي. لسان حاله: إن معي كتاب الله وسنة نبيه، فجنتي وبستاني في صدري.

    ومن النعيم الذي يغمر قلوب المؤمنين نعيم الذكر، فما تلذذ المتنعمون بمثل ذكر الله عز وجل، ورحم الله أقواماً كان الذكر نعيمهم وعنوانهم، والقرآن نزهتهم وبستانهم وروحهم وريحانهم.

    الصدق

    السبب الثالث عشر: الصدق، فمن أراد طريقاً إلى الله عز وجل فعليه باليقين بوعد الله عز وجل، فلو كان لدى المؤمنين يقين بما وعد الله عز وجل به الصالحين من النعيم والخير لتنعموا بلذة الإيمان والتصديق، وستجد من أيقن بقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة)، ملازماً لتلك العبادة قد ذاق حلاوة التصديق بما وعد الله عز وجل.

    كما أنه إن وصل إلى هذه الدرجة جعلت الآخرة منه على بال، وكان الموت أحب شيء إليه؛ لأنه يقربه من الله عز وجل، بينما اليوم أصبح دين أحدهم لعقة على لسانه، يقول: أؤمن بيوم القيامة، وكذب ومالك يوم الدين! فالموت أول وارد علينا من ربنا، فكلنا نؤمن بالموت ولا نرى له مستعداً، ونؤمن بالجنة ولا نرى لها مشتاقاً، ونؤمن بالنار ولا نرى منها خائفاً، ونؤمن بلقيا الله عز وجل ولا نستعد لهذا اللقاء.

    يقول الإمام العظيم ابن دقيق العيد : والله منذ أربعين سنة ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها موقفاً بين يدي الله عز وجل.

    الجهاد في سبيل الله

    السبب الرابع عشر: الجهاد في سبيل الله، فإن العبد يذوق حلاوة الإيمان إذا جاهد في سبيل الله عز وجل، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15]، والجهاد المراد هو الجهاد بكل أنواعه؛ جهاد الكلمة ضد الزنادقة والمارقين الذين يبغضون إلى الناس دينهم، ويزرعون الشكوك في أنفس العامة، وهذا جهاد الخاصة، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، وجهاد المنافين لا يكون إلا بالكلمة، قال الله عز وجل: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، فجهاد الخواص هو الدعوة إلى الله عز وجل.

    قال الإمام القرطبي: والدعاء إلى الإسلام أعلى مقامات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وهنا ينبغي الحذر من الممارسات اللامسئولة التي يمارسها بعض المتحمسين باسم الجهاد والجهاد منها براء.

    ويذكر عن شقيق البلخي أنه لما اصطف المسلمون مع أعدائهم للقتال قال لمن بجانبه: هذا اليوم مثل الليلة التي زفت إليك فيها امرأتك؟ قال: لا والله، هذا يوم تنزل فيه الروح، ثم قال له: أتجعل يوم بنائي على زوجتي مثل يوم الجهاد؟ قال: والله لهما سواء عندي، هذا اليوم مثل اليوم الذي زفت إلي فيه امرأتي.

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب

    من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب

    ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب

    ولنا أن نتساءل أين نحن من هؤلاء الرجال؟ أين نحن من يوم من أيامهم، إن ما نبذله للإسلام لا يقاس بحافر في خيل خالد، أو بذرة غبار على وجه ابن المبارك، ولا بيوم من أيام معاذ بن جبل، ولا بيوم من أيام أبي هريرة حافظ المؤمنين في الحديث، وقد كان ينادي في قبيلته دوس: أتفرون من الجنة؟ أتهربون من الحور العين؟! ولا بيوم من أيام أبي سفيان وهو يصيح في يوم اليرموك: يا نصر الله اقترب، أين نحن من نصر الله عز وجل، ولا بيوم من أيام عكرمة بن أبي جهل وهو يقول: من يبايع على الموت؟ فيقول له خالد: أبقنا لنفسك يا أبا عمرو ، يقول: إليك عني يا خالد ، لقد قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل مكان، أفأفر اليوم عن الجنة؟!

    اللهم أكرمنا بالشهادة في سبيلك..

    اللهم اهد حكام المسلمين، وارجعهم إلى دينك، اللهم ائذن لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين.

    وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.

    اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم ارحم موتى المسلمين.

    اللهم عليك بالظالمين من الكافرين والملحدين، اللهم وارحم شهداء المسلمين في كل مكان، واحم أعراض نساء المسلمين في كل مكان، وارحم أطفال المسلمين في كل مكان، واحفظ دماء المسلمين في كل مكان، ووفر الأمن لبلاد المسلمين في كل مكان.

    اللهم أقبل بشباب المسلمين على كتابك وعلى سنة نبيك، اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين.

    اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت فينا أعداء حاسدين.

    اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم إنك ملك الملوك تقدر ولا يقدر غيرك، وتملك ولا يملك غيرك، اللهم ارحمهم، اللهم احم أعراضهم، اللهم احفظ أموالهم، واحفظ أولادهم، واحفظ شيوخهم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله على محمد، وعلى آله الطاهرين.