إسلام ويب

وقفات في العقيدةللشيخ : عمر الأشقر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دراسة العقيدة دراسة متأنية مستبصرة أمر مهم، حتى يبني المسلم عقيدته في الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله على أسس ثابتة متينة، وحتى ينال ثمرة ذلك رسوخاً ويقيناً في قلبه، فيجد لذة ذلك وحلاوته، فتثمر تلك العقيدة ثمرة عظيمة في سلوكه وعمله وتوجهه.

    1.   

    ضرورة اجتماع الجانب العقدي مع الجانب العملي في الإيمان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    موضوع حديثنا في هذه الليلة هو ذكر بعض التنبيهات الهامة في بعض قضايا العقيدة.

    فالجانب الاعتقادي هو جزء من الجانب الإيماني، والاعتقاد جزء من الإيمان، وهو المعرفة القلبية التي تتعلق بالقضايا الأصول من الإيمان، والقضايا الأصول من الإيمان هي: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، فمنها ما يتخذ جانباً عملياً، ومنها ما يتخذ جانباً اعتقادياً.

    والجانب الاعتقادي أمر هام بالنسبة للإيمان، ولكن ليس هو الإيمان كله، فليس كل الإيمان اعتقاداً، أو بمعنى آخر: إن الذي يأتي بالعقيدة الصحيحة وحدها لا تغني عنه عند الله سبحانه وتعالى، ولا تكفيه العقيدة السليمة أو العقيدة الصحيحة وحدها عند الله تعالى، فالاعتقاد هو معرفة علم، لذلك نسميه بالمعرفة والإثبات، فنثبت لله سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وننفي عن الله ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فنثبت له أسماءه وصفاته وأفعاله، وندلل على ربوبيته سبحانه وتعالى وقدرته.

    وهذا الجانب الاعتقادي أو العلمي لا ينجي عند الله سبحانه وتعالى وحده؛ بل لا بد معه من أمور عملية، ومن هذه الأمور العملية قصد القلب وإقراره، أي: أن يقر القلب ويرضى بالله سبحانه وتعالى رباً، فيقصده سبحانه وتعالى بحبه ورجائه وخوفه ورغبته ورهبته، فهذه أمور قلبية ولكنها ليست أموراً اعتقادية، فحب الله سبحانه وتعالى ليس أمراً اعتقادياً وإنما هو أمر عملي قلبي، ولذلك فالمعرفة وحدها أحياناً لا تساوي شيئاً عند الله سبحانه وتعالى، فإبليس مثلاً كان يقر ويعلم علماً يقينياً أن الله سبحانه وتعالى هو المعبود، ويعرفه بأسمائه وصفاته، وكثير من المشركين الذين أرسل إليهم الرسل كانوا يقرون ويعترفون بقلوبهم بالله سبحانه وتعالى، وبصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ذلك لا يغنيهم عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول موسى لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102]، وقال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، فقد وصل الأمر عندهم إلى درجة العقيدة اليقينية بأن هذه من عند الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك؛ لعدم وجود التصديق والإقرار، وهو الذي يقول فيه الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رضي الله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً)، فالرضا القلبي غير متوفر.

    ثم هناك مع الرضا القلبي أمور عملية قلبية، ومن جملتها حب الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مكمل وأساسي، والخوف منه، والرهبة منه، والرغبة إليه، ورجاؤه سبحانه وتعالى، ثم تأتي بعد ذلك الأمور العملية سواءً كانت قولية أو عملية.

    والإقرار باللسان هو الإقرار بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم العمل، وكل ذلك أيضاً لا بد منه حتى يكتمل الأمر الذي ينجي عند الله، ولذا لم ترد هذه البحوث في القرآن الكريم أو في السنة النبوية باسم العقيدة، أي: لم يأتِ أن الأمور التي تنجي عند الله هي الأمور الاعتقادية كذا وكذا وكذا وكذا، بل إن كل ما جاءنا في كتاب الله وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإيمان، ثم بيَّن الله سبحانه وتعالى أصول الإيمان وفصّلها.

    فهذه قضية أولى، وهي أن الأمور الاعتقادية جزء من الإيمان، وأنها لا تنفع ولا تغني وحدها عند الله سبحانه وتعالى، فلا بد معها من أمور أخرى: أمور قلبية، وأمور قولية، وأمور عملية.

    وهنا أيضاً أمر أساسي ننبه عليه، وهو أنه في كثير من الأحيان يصبح الاعتقاد عند الناس -إذا كان مجرد اعتراف ومعرفة أمراً باهتاً بارداً لا يؤثر في حياة الإنسان، ولا يؤثر في سلوكه، وقد يكثر بعضهم من البحث والدراسة والتنقيب ليتعرف على أمور العقيدة، ثم يبقى الأمر عنده محصوراً في جانب المعرفة والعلم فقط، ولا يتعداه إلى أطوار أخرى، فلا يتعداه إلى جانب الإقرار والتطبيق، ولا إلى جانب الأمور العملية: القلبية والقولية والجسدية، فيعيش في دائرة باهتة ويظن أنه قد وصل إلى القمة وهو لا يزال في أول الطريق.

    فالجانب العلمي جانب مهم وجانب خطير، لكن لا بد أنه تتبعه خطوات على الطريق حتى تكتمل الصورة التي يريدها الإسلام من المسلم الحق، فالجوانب العلمية وحدها لا تغني، فلابد أيضاً أن تتبعها أمور أخرى مهمة حتى يكون المرء من الذين يستحقون أن يكونوا رجالاً مسلمين مؤمنين كما سماهم الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الغرض من كتب العقيدة التي وضعها السلف وأهمية دراسة العقيدة ذاتها

    بحوث العقيدة التي كتبت في كتب العقيدة كثير منها إنما هي قواعد يراد منها أن يُحمى المسلمون من الانحراف في باب الاعتقاد؛ وذلك أنها كتبت في عصر كثرت فيه البدع والانحرافات الاعتقادية، فوُضعت قواعد تحمي من يسير عليها من أن ينحرف في هذه الطرق الملتوية التي انبثقت من هنا وهناك، وهذه القواعد ضرورية؛ حتى لا ينحرف المسلم ويزل، فلا بد من دراستها.

    وهذه القواعد في ذاتها إذا اقتصر عليها المسلم فإنها لا تعطيه العقيدة المتكاملة، ولا تعطيه التصور الضخم الواضح الذي يدفعه إلى العمل بالإسلام، فوضع العلماء القواعد في باب أسماء الله وصفاته حتى تفهم هذه الأسماء والصفات في ضوئها، ليست هذه القواعد هي العقيدة، وإنما هذه هي الضوابط التي تحكم هذه العقيدة، وتجعل الإنسان يفهم هذه العقيدة فهماً لا زلل فيه ولا زيغ ولا انحراف عن الطريق السوي، وأما العقيدة نفسها فتحتاج إلى خطوة أخرى متقدمة.

    فهذه القواعد هي الضوابط التي تفهم على أساسها العقيدة الصحيحة، ولكن نفس العقيدة تحتاج إلى أن تدرس دراسة أخرى من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

    إن بعض الناس يدرس هذه القواعد التي وضعها السلف في كتبهم، ولكنه يحس أن نفسه ما زالت عطشى، وأنها لم ترتو فعلاً، وهذا حق، ولقد قصر العلماء -حسب علمي- كثيراً في هذا الجانب؛ اعتماداً منهم على أن كتاب الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهما الغنية، فتعميق مفهوم العقيدة في الله، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الملائكة، وفي الرسل، وفي اليوم الآخر يحتاج إلى دراسة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبحث في هذا المجال، فتدرس تفاصيل الآيات التي تتحدث عن الله، وتتحدث عن اليوم الآخر، ويدرس ما فيها من علم، ويُكثَر من ترديدها والتدبر والتأمل فيها، فينشأ عند الإنسان التصور الاعتقادي السليم.

    وأما القواعد والضوابط التي وضعت في الاعتقاد لوحدها فإن العقيدة لا تزال غير متركزة في نفس الإنسان الذي لا يدرسها.

    دراسة أمور العقائد تقوي العقيدة عند المسلم

    وهذا يجعلنا نتبين السبل التي ينمي بها المسلم عقيدته، وقد ذكرت جانباً واحداً منها وهو الدراسة، وهذا هو أعظم جانب في ذلك، وهو أن يتبين المسلم ذلك من خلال الآيات والأحاديث، فليس هناك سبيل أربح من هذا السبيل، ولا أكثر عطاءً وخيراً منه، وهو أن يدرس المسلم العقيدة من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وذلك بعد أن يلم إلمامة كافية بالضوابط التي تحكم الاعتقاد؛ حتى لا يزل ولا يزيغ فيما بعد.

    وهذه الآيات بما تعطيه من علم وعاطفة، وما تعطيه من نظرات، ثم ما ينتج عنها من تأثيرات؛ تسكب في نفس المسلم العقيدة سكباً، بحيث تتوارد على قلبه معانٍ وعلوم لا تحتاج إلى أدلة وبراهين؛ لأن الآيات في ذاتها تتضمن الأدلة والبراهين والعلم؛ فتسيل المعاني، ويسيل العلم، ويسيل النور من خلال هذه الآيات والأحاديث إلى نفس المتدبر المتأمل فيها، فكأن هذا العلم يُلقى في قلبه إلقاءً، فعند ذلك يحس بانشراح نفس، ويحس بطمأنينة قلب وبراحة، ويحس بأن إيمانه ينمو.

    وهذا موافق لما يعتقده أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته تكون بالطاعة، ومن جملة الطاعات أن يصدق بكتاب الله، وأن يتدبر كتاب الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فيزداد بذلك إيماناً، ويزداد بذلك هدىً ويقيناً، وهذا أعظم وأهم سبيل: أن تدرك العقيدة من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

    توفيق الله تعالى ينمي عقيدة المسلم

    السبيل الثاني: توفيق الله سبحانه وتعالى، فهذا أمر لا يجوز أن يهمله المسلم، فالله سبحانه وتعالى يوفق عبده بل ويهبه من علمه؛ لقصده الهداية والخير، ولبحثه عن الهداية والخير، وإرادته لذلك دائماً وباستمرار.

    فلابد من دعاء الله سبحانه وتعالى والتذلل والخضوع بين يديه، ورجائه والاستغاثة به؛ لِيهبنا الهداية والتوفيق، ويوفقنا للسير في الطريق المستقيم، وهذا أمرٌ لا بد أن يسعى المسلم فيه سعياً حثيثاً، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم -كما تعلمون- يقوم الليل فيدعو ربه، ومن أوائل ما يدعو به: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، وأعظم ما اختُلف فيه قديماً وحديثاً أمور العقائد، فقد وقع الخلاف في ذلك منذ فجر البشرية وإلى اليوم.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه سبحانه وتعالى أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ولقد كان الصالحون إذا عرضت عليهم مشكلة عويصة وحارت بهم السبل لجئوا إلى الله سبحانه وتعالى يسألونه أن يلهمهم الرشاد، وأن يوفقهم إلى الخير، وأن يبين لهم الحق.

    التأمل في ملك الله ينمي عقيدة المسلم

    ومن المهمات أيضاً في جانب الاعتقاد ما وجهنا إليه الكتاب الكريم من التأمل في ملكوت السماوات والأرض وفي مخلوقات الله سبحانه، فقد وجه الله سبحانه وتعالى أنظارنا لنتأمل ونتفكر في السماء؛ نجومها وشمسها وقمرها وقوتها واتساع بنائها، وفي الأرض وما فيها من جبال وسهول وأنهار وبحار وحيوان وجماد ونبات؛ لأن مزيداً من النظر والتأمل في هذه القضايا يزيد المؤمن إيماناً، فهذه المخلوقات صنعت بعلم وحكمة وقدرة عظيمة، فمن تأمل فيها فلابد أن تدله على أن وراءها خالق مبدع عليم خبير.

    فهذه ثلاث طرق ذكرتها الآن، فلابد للمسلم لكي ينمي عقيدته وإيمانه أن يتأملها وأن يسلكها؛ لعل الله سبحانه وتعالى أن يهبه العقيدة الصحيحة، وأن يزيد في إيمانه، وعلى العبد أن ينمي هذا الإيمان حتى يكون حافزاً له على فعل الخير، فيقربه ذلك إلى الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الاهتمام بدراسة وتأمل توحيد الربوبية

    توحيد الربوبية يؤدي إلى توحيد الألوهية

    التنبيه الثالث الذي أحب أن أشير إليه: أننا نقرأ في كتب العقيدة أن الكفار الذين بُعث إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ولكنهم كانوا ينكرون توحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية هو الأمر الذي حدث فيه الصراع بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الذين دعاهم، بل بين الرسل والذين دعوهم جميعاً.

    وهذا أمر حق، وقد دلت عليه آيات القرآن، لكن الذي أريد أن أنبه إليه: أن هذا المعنى كانت له آثار سلبية سيئة نوعاً ما عند بعضنا، مع أنه في ذاته حق لا ينكر، فنريد أن نبتعد عن الأمر السلبي الذي أثره هذا المعنى، فبعضنا أصبح لا يهتم بدراسة الجانب الأول، ويقول: ما دام أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وهو أمر فطري لا تختلف فيه العقول فسأوجه غالبية همي إلى دراسة الجانب العبادي (توحيد الألوهية)، وليس هناك حاجة إلى أن أدرس توحيد الربوبية، وهذا خطأ عظيم.

    فالقرآن مليء بالحديث عن قضايا توحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، وهو البارئ، وهو الذي أنشأ هذا الكون بما فيه، وهو الذي يقوم عليه فيدبر قضاياه، ويصرف شئونه.. إلى غير ذلك، فعندما يستمع المسلم إلى الآيات التي تتحدث عن هذا الجانب تخشع نفسه، أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:30-34].

    فهذا نموذج من الحديث عن بعض أفعال الله سبحانه وتعالى، وهو من جملة معاني توحيد الربوبية، فأفعال الله سبحانه وتعالى من خلقه لهذا الكون وتدبيره وإنشائه بعض ما يتضمنه توحيد الربوبية.

    فالحديث عن هذا الأمر يقر في النفس الإنسانية عظمة الله سبحانه وتعالى وخشيته، ولذلك فعلماء التوحيد يقولون: إن توحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية، فالذي يقر بتوحيد الربوبية يلزم منه أن يقر بتوحيد الألوهية، بمعنى: أن إقرار هذا التوحيد في نفس الإنسان يدفعه ويحثه إلى أن يعبد الواحد الأحد الفرد الصمد، لذلك فالله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ، لماذا نعبده؟ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].

    سبب الاهتمام بتوحيد الربوبية

    ومرة أخرى أقول: إن هذه القاعدة حق في ذاتها، فالمشركون كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا شريك لله سبحانه وتعالى في ربوبيته، فهو رب السماوات والأرض، ويخالفون في توحيد الألوهية؛ وأن العبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

    لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نتغاضى عن دراسة توحيد الربوبية، فينبغي أن يعتنى به وأن يدرس، خاصة وأنه قد أصبح هناك صراع في العصر الحاضر حول هذه القضية الأولى التي لم يكن هناك صراع حولها في الماضي، فأصبحت هناك فئات كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها تنكر أن يكون لهذا الخلق خالقاً، وأن يكون لهذا الوجود موجِداً، فهذه المشكلة لم يعانها السلف رضوان الله عليهم كما نعانيها نحن اليوم، لذلك فلا بد من دراسة أبعاد هذه المسألة الأولى لأمرين:

    الأمر الأول: لإقرارها في نفس المسلم، فالمسلم بحاجة إلى أن تقر معاني توحيد الربوبية في نفسه، لا أن يكون هناك مجرد اعتراف، ولكن كما يثيرها القرآن في النفس الإنسانية.

    الأمر الثاني: ففي مسائل الاعتقاد كانت هناك شبهات ترد على المسلمين في وقتهم، هذه الشبهات شبهات في العقيدة وردت إلى المسلمين من تقصيرهم فيما أنزل إليهم، أو وردت إليهم من خارج بلادهم من الميراث الذي ورثته الأمم التي دخلت في الإسلام، فقد ورثت عقائد وتصورات.

    فكثير من الناس دخلوا في الإسلام بعقائدهم وتصوراتهم، فتركوا بعضاً منها وبقي في أذهانهم بعضها، وبعضهم دخلوا في الإسلام مغرضين، ووجَد بعض المسلمين كتباً قرءوها عن تصورات الأمم لمعبوداتها، فاختلطت عليهم الأمور، فالمسلمون كانوا يتعرضون لمشاكل العقيدة التي حدثت ووُجِدت في عصرهم.

    1.   

    المشكلات العقدية في العصر الحاضر

    ونحن أيضاً تنشأ في عصرنا مشكلات بعضها هي تكرار لما حدث في الماضي، لذا فينبغي أن نعتني بالمشكلات الماضية؛ لأنها لا تزال تتكرر، وأقرب مثال على ذلك ما حدث في مصر في هذه الأيام وأثير حوله ضجة إعلامية ضخمة، فالذين يسمون جماعة التكفير والهجرة عقيدتهم شبيهة بعقيدة الخوارج إن لم تكن هي هي بل أكثر، فقد غلوا أكثر مما غلا الخوارج، فهم يرون أن الذي يرتكب الكبيرة كافر خارج من ملة الإسلام، بل إن كل من لا ينضم إلى جماعتهم فإنه ليس من المسلمين، فكل مسلم ينبغي أن ينضم إلى جماعتهم، وهذه القضية هي تكرار لقضية الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية رضي الله عنها في معركة صفين، فقد خرجوا من جيش علي وقالوا: يا علي ! لِمَ قبلت تحكيم الرجال؟ فقد كفرت وكفرنا معك، فنحن نعترف بكفرنا ونستغفر إلى الله ونتوب إليه، فاعترف بكفرك ثم آمن، وكل من رضي بهذا الفعل فهو كافر.

    ثم بعد ذلك أصلوا أصولهم: أن كل من ارتكب معصية فهو كافر يخرج من ملة الإسلام، ونشأ عن ذلك جماعة أخرى قالوا: ليس بمؤمن ولا بكافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وصارت هذه مشكلة اعتقادية، فوضع لها علماء السلف قواعد وضوابط حتى يعرف الناس أن هناك كفراً يخرج من ملة الإسلام، وهناك معاصي وذنوباً لا تخرج من ملة الإسلام.

    فهذا أمر مكرر، وليس شيئاً جديداً، ولو كان هؤلاء الذين قالوا بهذا القول درسوا مثل هذا الجانب ما وقعوا فيما وقعوا فيه إن شاء الله تعالى.

    فعندما ندرس المشكلات التي حدثت في التاريخ الإسلامي في هذا الجانب دراسة صحيحة فإن ذلك يكون لنا حماية ووقاية، فنعرف الخطأ ونعرف الإجابة عليه، لكن لا يصح أن نقتصر على دراسة هذه الجوانب وحدها، بل لا بد من دراسة المشكلات العقائدية التي تحدث اليوم، فالإسلام قادر على رد كل جوانب الانحراف في كل العصور، فلا بد للمسلم أن يدرس هذه الجوانب التي يحدث فيها الانحراف، خاصة هذه المذاهب الضالة؛ المادية والشيوعية والرأسمالية، فلها أصول عقائدية تقوم عليها، فلابد من دراستها وتبينها.

    والمسلمون اليوم على ثلاث فرق، فهناك فرقة تقول: يكفينا أن نعلم المشكلات العقائدية التي حدثت، ويقصرون أنفسهم على هذا الجانب.

    وفي مقابل هؤلاء فرقة أخرى عندها علم ضخم جداً في الأمور العقائدية الشيوعية أو الرأسمالية، فيتبينون ذلك ويفهمونه فهما جيداً، لكن عندما ترد عليهم قضية مثل قضية هؤلاء الذين قالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر إذا بهم يتلجلجون ولا يعرفون أين الحق.

    فكلا الجانبين معه حق ومعه باطل، فالذي درس القضايا القديمة معه حق في هذا، فهذه لا بد من دراستها؛ لأنها تتكرر دائماً، والذين قاموا بدراسة القضايا العقائدية التي وجدت الآن محقون في ذلك؛ فهي مهمة، بل هي أهم من الأمور العقائدية الماضية؛ لذلك لابد من دراستها، فهي مهمة في ذاتها؛ لأنها مشكلات حاضرة موجودة، والأمر الصحيح هو أنه لا بد من دراسة القضيتين، وكلا الدراستين لها أهمية كبيرة.

    فحتى نستطيع أن نعيش في وسط نعرفه وندركه ونعرف مشاكله وقضاياه لا يجوز أن نغلق أعيننا، ولقد رأينا بعض إخواننا من الذين كانوا يلتزمون بمنهج الكتاب والسنة في مصر لا يعرف إلا قضايا الشرك القديم، وقضايا البدع التي وجدت في القديم، ولكنه لا يعرف من أمور هذه الحياة وقضاياها ومشكلاتها الاعتقادية كبير شيء، فهو يعيش في القرون الماضية وليس عنده إلا كيف أنه يناقش القبوريين والمخرفين فقط، وهذا جانب لا اعتراض لنا عليه، فهو جانب مهم وخطير، لكن الجانب الآخر أيضاً مهم وخطير.

    ونجد في المقابل بعض الناس اليوم يدعون إلى الإسلام في بقاع الأرض وليس لهم حظ ونصيب من دراسات السلف رضوان الله عنهم، فقصروا أنفسهم على مشكلات الحكم ودراسة العقائد المادية الموجودة الآن كالشيوعية والرأسمالية، ونبغوا في ذلك وبرعوا فيه، ولكن إذا اعترضت لهم مشكلات من قضايا العقيدة التي كانت قديماً تلجلجوا ولم يتضح لهم الحق فيها.

    والحق أن نجمع ما عند هؤلاء وما عند هؤلاء فنعتني بالأمرين سوياً، ولا نقلل من دراسة الجانب الأول ولا نقلل من دراسة الجانب الثاني، بل كلا الأمرين مهم، فلا بد من العناية بهما.

    1.   

    الأسئلة

    الحكم بغير ما أنزل الله

    السؤال: ما هو الراجح في الحكم بغير ما أنزل الله تعالى؟

    الجواب: الحكم بغير ما أنزل الله نصّ الله في كتابه على أنه كفر، فالقاضي أو الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله نص الله سبحانه وتعالى على أن فعله كفر.

    وبعض العلماء يفرق بين الإنسان الذي يعتقد والإنسان الذي لا يعتقد، ولكن من لم يطبق الشريعة، فالذي يظهر والله أعلم أنه يدخل في جملة النص وأنه ليس بمسلم، فالحكام والقضاة الذين يطبقون التشريع الوضعي بكليته وليس في مسألة جزئية فهؤلاء -وإن كانوا يدعون أنهم مسلمون- فالظاهر أن النص يشملهم.

    حكم الامتناع عن أداء الزكاة

    السؤال: من امتنع عن أداء الزكاة فهل يكون مرتداً؟

    الجواب: المرتدون كانوا أقساماً ولم يكونوا قسماً واحداً، فمن المرتدين من ارتد عن الإسلام كلية وقال: ذهب محمد وانتهى كل شيء، ومن المرتدين من انكر وجوب الزكاة، وهؤلاء هم الغالبية العظمى، وقد امتنعوا وأنكروا الوجوب، وهناك فرق بين القضيتين، فالإنكار قضية والمنع قضية، فمن أنكر كلمتين من آية يعتبر كافراً؛ لأنه أنكر أمراً اعتقادياً، وكذب الله سبحانه وتعالى، أما الذي يمتنع عن أمر من الأمور العملية فقط غير الصلاة وهو مقر به، فهذه معصية وليست كفراً.

    حكم من أنكر وجود الله لشبهة عرضت له

    السؤال: ما حكم الذي ينكر وجود الله سبحانه وتعالى لشبهة طرأت عليه؟

    الجواب: من أنكر وجود الله تعالى من أجل شبهة طرأت عليه لم يكفره علماء المسلمين، وحتى المعتزلة لم يقولوا: إنهم كفار، والذي ينكر بعض القضايا لشبهة عرضت له لا يكفر بذلك، ولو كان يعلم الحق ثم أنكره فهو كافر، وأما من أنكر الحق لأجل شبهة عرضت له فهذا لا يعتبر كافراً وإن كان ضالاً؛ لكنه لا يصل إلى درجة الكفر.

    هل مجتمعاتنا جاهلية؟

    السؤال: هل يقال عن مجتمعاتنا: إنها مجتمعات جاهلية؟

    الجواب: إذا كان المجتمع مثل مجتمع أمريكا أو مجتمع روسيا أو مجتمع فرنسا فهو مجتمع جاهلي وكافر، أما إذا كان كمجتمع الكويت فبالنسبة إلى نظمه وقوانينه فهو مجتمع جاهلي؛ لأنه لا يحكم بالإسلام، وأما بالنسبة لأفراده فمنهم المسلمون ومنهم الكفار، فلا نقول عن الأفراد: إنهم جاهليون، فهؤلاء الموجودون والحمد لله غالبهم ليس بجاهلي، ومن الناس من هم جاهليون، وأما النظم فهي نظم جاهلية في غالبيتها.

    عدم تكفير الخوارج

    السؤال: هل نقول بكفر الخرواج؟

    الجواب: لا نقول بكفر الخوارج، وأما الأحاديث التي فيها أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فهي من أحاديث الوعيد، فطريقة أهل السنة والجماعة عدم تكفيرهم.

    صحة ما ينسب إلى جماعة التكفير

    السؤال: هل حكمكم على جماعة التكفير التي في مصر أخذتموه من خلال ما ينشر في الجرائد؟

    الجواب: بالنسبة لجماعة التكفير والهجرة نحن لا نؤاخذهم من خلال الجرائد، فمعرفتنا بهم قبل ذلك، ونحن نعرفهم من قبل أن ينشر عنهم في الجرائد، فعندنا معلومات كافية عنهم، فنحن لم نحكم عليهم في القضية الأخيرة وهو قتلهم للشيخ الذهبي ، لأننا لا نعلم عن هذه القضية حتى الآن شيئاً، وأما عقيدتهم فنحن نعرفها، فنعلم علم اليقين أنهم يكفرونك ويكفروني ويكفرون أي شخص لم يدخل معهم، وأي إنسان ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفعل ما فعل من الطاعات، إذا ارتكب ذنباً كشرب خمر فإنه يكفر، فنحن نعرف عنهم هذه القضية، ولم نأخذها عن الجرائد.

    حكم مقولة إن الله تعالى في الأرض

    السؤال: ما حكم من قال: إن الله تعالى في الأرض؟

    الجواب: هذا الكلام كفر، وهناك فرق بين القضيتين، أعني بين قولنا: إن هذا القول كفر، وبين قولنا: إن قائل ذلك كافر، فهذه المقولة كفر، لكن الذي يقول بها أمره إلى الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نكفره.

    فالذي يقول: إن الله سبحانه وتعالى في الأرض، أو: إن الله في كل مكان أو: إن الله ليس في السماء، مقالته هذه ليست توحيداً وليست إيماناً، بل هي كفر، لكن هناك فرق بين أن نقول: هذه الكلمة كفر، وبين أن نكفر كل من قال بها، فالذي قال بها لا بد أن نقيم عليه الحجة والبرهان، فقد تعرض له شبهة، ولذلك لم يكفر العلماء المتكلمةَ، وحتى الخوارج لم يكفروهم ويخروجهم كلهم عن ملة الإسلام، وإنما قالوا: إن في أقوالهم كفراً.

    فإن استبان له الأمر ورد الأدلة على علم فإنه يكفر، وإذا ردها جهلاً لعدم تبينها له فلا نكفره.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963130

    عدد مرات الحفظ

    720601858