إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [341]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحل الجدة في المواريث محل الأم فتأخذ فرضها إن عدمت الأم، والجد يحل محل الأب إن عدم، وقد بين العلماء الوارثين وغير الوارثين من الأجداد والجدات. وعند قسم الميراث يبدأ بأهل الفروض فيعطون حقوقهم ثم العصبات، فإذا لم يوجد أحد من أهل الفروض والعصبات أعطي المال لذوي الأرحام. والعصبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عصبة بالنفس وبالغير ومع الغير.

    1.   

    ما جاء في الجدة

    شرح حديث (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدة السدس ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الجدة.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب رضي الله عنه أنه قال: (جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما علمت لك في سنة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر : هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة ؛ فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت فهو لها) .

    حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة أخبرني أبي حدثنا عبيد الله أبو المنيب العتكي عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل للجدة السدس إذا لم تكن دونها أم) ].

    يقول أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب في ميراث الجدة ]، الجدة من النساء الوارثات، وهي ممن يرث بالفرض فقط، وليست من أهل التعصيب، وميراثها السدس سواء كانت واحدة أو أكثر من ذلك فإنهن يشتركن في السدس ولا يزدن عليه، والجدات اللاتي يرثن هن: أم الأم التي تدلي بالأم، وأم الأب التي تدلي بالأب، وأم الجد التي تدلي بأب الأب الذي هو الجد، فمن كانت منهن أقرب درجة انفردت بالسدس، وإن تساوين في الدرجة اشتركن به.

    ومن شرط إرث الجدة: ألا يوجد أم للميت؛ لأن الجدات إنما يرثن بالأمومة؛ لأنهن من أمهات الميت، فإذا وجدت الأم التي ولدت الميت فإنها تستقل بالميراث، ولا ترث الجدات معها شيء، وإن كانت غير موجودة فإن الجدات يرثن.

    والتي ترث من الجدات هي التي تدلي إلى الميت بأمه أو أبيه أو جده من قبل أبيه، وأما أم أبي الأم، فإنها لا ترث، وهي من ذوي الأرحام؛ لأن الجد أبا الأم لا يرث، وأمه لا ترث، وإنما ترث منهن من أدت بوارث سواء كانت أماً، أو أم أم، أو أم أب، أو أم جد، الذي هو أب الأب، ومن انفردت منهن استقلت بالسدس، وإن وجدن وكن متفاوتات في الدرجة فالأقرب منهن تنفرد بالسدس، وإن تساوين في الدرجة، بأن كن: أم أم أم، وأم أم أب، وأم أب أب، فإنهن يشتركن في السدس.

    مشاورة أهل العلم والتثبت في الأحاديث

    أورد أبو داود رحمه الله حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنهما، والحديث هو عن المغيرة بن شعبة، ويوافقه على ذلك محمد بن مسلمة، وذلك أن جدة واحدة من الجدات الوارثات سواء كانت أم الأم أو أم الأب جاءت إلى أبي بكر تسأله الميراث من حفيدها، فـأبو بكر رضي الله عنه قال: [ ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، ولكن انتظري حتى أسأل الناس ] يعني: يسأل الصحابة هل عند أحد منهم سنة يعلمها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، ومعلوم أن السنن قد تكون عند آحاد الصحابة، ولا يطلع عليها بعض كبار الصحابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث الحديث في المجلس، وقد يسأل في المجلس عن مسألة فيجيب عليها، فيحضر من يحضر ويغيب من يغيب، فمن حضر يكون عنده علم بها، والذي غاب ليس عنده علم.

    فسأل فجاء المغيرة بن شعبة وأخبره بأنه أعطاها السدس، قال: هل معك أحد يشاركك في التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وليس المقصود من ذلك التردد في قبول رواية الشخص الواحد من الصحابة، وإنما هو زيادة استثبات وتوثق واطمئنان، إذ كثير من الأحاديث إنما تكون عن شخص واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مقبولة ومعول عليها، وفي الصحيحين شيء كثير من هذا، وهذا هو الذي يسمونه الغريب، وهو الذي جاء من طريق واحد يرويه الصحابي، ويرويه عن الصحابي تابعي، وقد يرويه عن التابعي تابع التابعي، وقد يكثر بعد ذلك، وأوضح مثال على هذا حديث: (إنما الأعمال بالنيات) فهو أول حديث من صحيح البخاري، وكذلك آخر حديث في صحيح البخاري : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن) ، فإن حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، إنما جاء عن عمر، وعمر يروي عنه علقمة بن وقاص الليثي، وعلقمة بن وقاص الليثي يروي عنه محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إبراهيم التيمي يروي عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم بعد ذلك كثر الرواة له عن يحيى بن سعيد الأنصاري، فهو حديث غريب، ما جاء إلا من طريق واحد، والحديث الذي لا يأتي إلا من طريق واحد معتمد وحجة عند العلماء، وكذلك آخر حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن)، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه عنه أبو زرعة بن جرير بن عبد الله البجلي، ورواه عنه واحد، فهو من غرائب الصحيح، أي: مهما جاء من طريق واحد عن صحابي واحد، والصحابي روي عنه تابعي واحد، وهكذا .

    إذاً: ليس المقصود من قول أبي بكر للمغيرة : هل معك أحد؟ عدم قبول روايته إلا إذا وجد له متابع، أو وجد آخر معه، وإنما المقصود بذلك: طلب المزيد من العلم، ومن الآخذين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس الذي حدث فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان محمد بن مسلمة ممن حضر وشهد ذلك.

    ميراث الجدات إن اجتمعن

    قوله: [ عن قبيصة بن ذؤيب رضي الله عنه قال: (جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما علمت لك في سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس، وسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، وقال أبو بكر هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة ، فأنفذه لها أبو بكر ، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو ذلك السدس فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها) ].

    الشاهد: قول المغيرة : (حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس) يعني: أعطى الجدة، فقد كان في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم حينما أعطى الجدة السدس، فسأل: هل معك أحد؟ فقال محمد بن مسلمة مثل ما قال المغيرة ، وكل منهما يروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أعطاها السدس.

    وقوله: وبعد ذلك: [جاءت الجدة الأخرى] إذا كانت التي جاءت أولاً هي أم الأم، فالتي جاءت أخيراً هي أم الأب، وإن كانت التي جاءت أم الأب، فالتي جاءت الأخرى هي أم الأم، يعني: أن واحدة من الجدات الوارثات قضى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسدس، وكذلك قضى لها أبو بكر بناءً على ما رواه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، وأما عمر رضي الله عنه فلما جاءت الأخرى قال: [ ما لك في كتاب الله شيء، والقضاء الذي قضي به إنما هو لغيرك ] يعني: لجدة أخرى.

    قوله: [ وما أنا بزائد في الفرائض ] يعني: أنه لن يجعل لها نصيباً معيناً خارجاً عن ميراث الجدة الأولى وهو السدس.

    قوله: [ ولكن هو السدس، فإن اجتمعتما اشتركتما به، وإن انفردت واحدة منكما أخذته واستقلت به ] فيكون هذا من جنس ميراث الزوجات: إذا كانت واحدة انفردت بالثمن، وإن كن ثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً يشتركن في الثمن، فكذلك الجدات، إن انفردت واحدة استقلت به، وإن كن عدداً اشتركن فيه، سواء كانت واحدة أو ثلاثاً.

    والحديث من رواية قبيصة بن ذؤيب رضي الله عنه، وهو من صغار الصحابة، وله رؤية، وقيل: إنه ولد عام الفتح، ومعنى ذلك أنه في زمن خلافة أبي بكر رضي الله عنه لم يكن مدركاً وليس مميزاً؛ لأن عمره سيكون حينها أربع سنوات أو قريباً من ذلك، ولكن يحتمل أن يكون أخذه عن المغيرة بن شعبة أو عن محمد بن مسلمة، وأنه علم ذلك فيما بعد، وصورة الحديث صورة المرسل الذي لم يحضره ولم يتحمله، فتكلم فيه بعض أهل العلم وضعفه الألباني، ولكن يحتمل أنه يكون سمعه حكاية من أحد الصحابيين اللذين رويا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وحديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه: أنه أعطى الجدة السدس إذا لم يكن دونها أم يدل على إثبات ميراث الجدة، ويدل أيضاً على أن ميراث الجدة أو الجدات مقيد ومشترط فيه ألا تكون الأم موجودة؛ لأنها إن وجدت فهي التي ترث بالأمومة، وإن كانت غير موجودة فهن يدلين إلى الميت بأنهن من أمهاته، وإن لم يكن من الأمهات المباشرات، وإنما هن أمهات لأمه أو لأبيه أو جده، فيكون الميراث لهن عند فقد الأم، فإن كانت موجودة فإنهن لا يرثن؛ لأنهن يرثن بالأمومة البعيدة التي ليست مباشرة، فإذا وجدت الأمومة القريبة فإنها تمنعهن وتحجبهن.

    وحديث بريدة يدل على ذلك، وهذا مثل الجد والأب، فإن الجد لا ميراث له مع وجود الأب، وإنما يرث ميراث الأب عند فقده، وإلا فإنه مع وجوده لا ميراث له.

    فكذلك الجدات مع وجود الأم لا ميراث لهن؛ لأنهن يدلين بالأمومة، والأمومة القريبة للأم المباشرة تحجبهن.

    تراجم رجال إسناد حديث (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدة السدس ...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عثمان بن إسحاق بن خرشة ]

    عثمان بن إسحاق بن خرشة وثقه ابن معين ، وأخرج له أصحاب السنن .

    [ عن قبيصة بن ذؤيب ].

    قبيصة بن ذؤيب له رؤية، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المغيرة بن شعبة ].

    المغيرة بن شعبة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ومحمد بن مسلمة ].

    و محمد بن مسلمة أيضاً أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [ حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ].

    محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ثقة، أخرجه له البخاري وأصحاب السنن .

    [ أخبرني أبي ].

    عبد العزيز بن أبي رزمة ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن عبيد الله العتكي أبو المنيب ].

    هو صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن ابن بريدة ].

    ابن بريدة هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    الجدات الوارثات

    الجدات الوارثات هن اللاتي يدلين بالأم وبالأب وبالجد أب الأب، فمن كانت منهن موجودة بمفردها انفردت بالسدس، وإن كن موجودات فإن القربى تحجب البعدى، مثلاً: أم الأم تحجب أم الجد؛ لأنها أقرب منها، وإذا كن في درجة واحدة اشتركن فيه، فأم أم، وأم أم أب، وأم أب أب، في درجة واحدة، فيشتركن في السدس، وأما المدلية بالجد الغير وارث وهو الجد من الأم فإنه لا ميراث لها؛ لأن ابنها غير وارث وهو أبو الأم؛ لأنه من ذوي الأرحام أفأمه كذلك لا ترث, ولكن اللاتي يرثن هن اللاتي يدلين بوارثين.

    ومن أهل العلم من قال: إن أم الأب لا ترث مع وجود الأب؛ لأن الأب يحجبها إذا كان موجوداً، ولكن الصحيح أن الذي يحجب الجدات هو وجود الأم وحدها؛ لأنهن يدلين بالأمومة، والأم القربى هي التي تحجبهن، وإذا لم توجد الأم القربى فإنهن يرثن. هذا هو القول الصحيح.

    فأم الأم المراد بها الجدة من جهة الأم وإن علت، مثل أم أم أم، أي المدلية بمحض الإناث، والثانية أم الأب المدلية بمحض الإناث إليه، مثل أم أم أم أب، والثالثة المدلية بمحض الإناث وفي النهاية أب أب، أي: يكون هناك جد, مثل: أم أم أم أب أب، وإن علون وهذا غالباً لا يكون؛ لأنه لا يكون هناك بقاء لتلك الجدات البعيدات، مثل: أم أم أب أب، وأم أم أم أم وأم أم أم أب.

    أعني: أن وجود جدة الجدة من أندر النوادر؛ لأن هذا قليل في الناس، أن تكون المرأة جدة جدة، أو الرجل جد جد، ويمكن أن يوجد جد أب فيكون ابن ابنه أباً، ولكن كون ابن ابنه يكون جداً فيكون هو جد الجد هذا نادر.

    أما حديث بريدة فإن الألباني ضعفه، ولكن الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام قال: صححه ابن خزيمة وابن الجارود وقواه ابن عدي ، وفي إسناده أيضاً هذا الرجل الذي هو صدوق يخطئ، ومعناه: أنه محتمل، وأيضاً الحديث الذي مر يدل عليه.

    أما قبيصة فهو من صغار الصحابة الذين لهم رؤية، وليس لهم رواية، وهو من حيث الصحبة معدود في الصحابة، ولكن من حيث الرواية معدود في كبار التابعين.

    1.   

    ما جاء في ميراث الجد

    شرح حديث (إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه فقال لك السدس ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في ميراث الجد.

    حدثنا محمد بن كثير أخبرنا همام عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فقال: لك السدس، فلما أدبر دعاه فقال: لك سدس آخر، فلما أدبر دعاه فقال: إن السدس الآخر طعمة).

    قال قتادة : فلا يدرون مع أي شيء ورثه، قال قتادة : أقل شيء ورث الجد السدس ].

    المراد بالجد هو أبو الأب وإن علا بمحض الذكور، وأما الجد من جهة الأم فإنه ليس من الورثة، وإنما هو من ذوي الأرحام فلا ميراث له، وإنما الذي يرث هو الذي يدلي بالأب، وميراثه كميراث الأب في الغالب، وإذا كان الأب موجوداً فليس له شيء.

    وإن كان الأب غير موجود فإن الجد يرث في الغالب ميراث ابنه، فإن كان معه أصحاب فروض يفرض له، وإن كان معه أصحاب تعصيب -الأبناء وأبناء الأبناء- يفرض له أيضاً، وإن كان معه أصحاب فروض وبقي شيء في التركة يفرض له السدس، والباقي يأخذه تعصيباً.

    أورد أبو داود حديث عمران بن حصين الذي فيه : [ أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فقال: لك السدس. فلما أدبر دعاه فقال: لك سدس آخر، ثم بعد ذلك قال له: إنه طعمة)، فقيل: إن هذه الصورة إنما تتحقق في وجود ابنتين فأكثر حيث يفرض لهما الثلثان، وليس هناك ابن عاصب للميت لا من أبنائه ولا من بني أبنائه، فترث البنتين الثلثين، والجد له السدس فرضاً، والسدس الباقي يأخذه تعصيباً، ولا يعطى الثلث على أنه فرض ولا على أنه تعصيب.

    والتعصيب قد يذهب وقد يتلاشى، لكن السدس هو المستقر.

    وقد يفرض للجد وتعول المسألة بالفرض، وأما التعصيب فهو أن يأخذ ما أبقت الفروض، وإذا لم يكن هناك معصب أولى منه فإنه يفرض له والباقي يأخذه بالتعصيب، وهو ممن يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب تارة، ويجمع بينهما تارة؛ مثل هذه الصورة التي معنا، فإنها من قبيل كون ميراثه جمع فيه بين الفرض والتعصيب، كما قال (فلما أدبر دعاه، فقال: إن السدس الآخر طعمة).

    يعني: أخذه عن طريق التعصيب, ولم يأخذه على أساس أنه فرض؛ لأنه لو قيل هذا فإن الثلث يكون له على سبيل الفرض، وهو لا يفرض له إلا السدس كالأب، أو الاستقلال بالميراث، أو يأخذ ما أبقت الفروض والأب يرث السدس إذا وجد فرع للميت، والباقي لأولاد الميت للذكر مثل حظ الإنثيين، إذا كانوا ذكوراً وإناثاً, وإن كن إناثاً فقط مثل حالة الجد التي جاءت في الحديث؛ يفرض له السدس والباقي يأخذه تعصيباً، فقد ميز له بين السدس الأول والسدس الثاني: أن السدس الأول على سبيل الفرض، والسدس الثاني على سبيل التعصيب.

    فالفرض مستقر ثابت للجد ولا يمنعه منه إلا وجود الأب، وأما التعصيب فقد يحصل له وقد لا يحصل، وكما قلت: هو يرث بالفرض تارة وبالتعصيب تارة، ويجمع بينهما تارة كالأب.

    [ قال قتادة : فلا يدرون مع أي شيء ورثه ].

    يعني: من كان معه من الورثة، ولكن معلوم أن صورتها تكون بوجود جمع من البنات وليس معهن أخ؛ لأنه لو وجد معهن أخ فإن الجد له السدس والباقي للبنات والابن للذكر مثل حظ الأنثيين، لكن لما كان معه من يرث بالفرض فقط, فرض له السدس، والباقي يأخذه تعصيباً، وهو يتصور في: أن يكون معه ابنتان أو أكثر من الميت، أو بنت وعدد من بنات الابن؛ لأن بنات الابن مع البنت يأخذن السدس تكملة الثلثين؛ لأن ميراث البنات ثلثين، فلما كن متفاوتات في القرب من الميت أخذت القريبة النصف، وللتي أنزل منها درجة ما بقي من الثلثين وهو السدس.

    [ قال قتادة : أقل شيء ورث الجد السدس ].

    يعني: ليس هناك شيء أقل من السدس يحصل للجد, بل ليس هناك في المواريث أقل من السدس إلا الثمن، والثمن خاص بالزوجات، فأقل شيء يعطاه الجد السدس وهذا على سبيل الفرض، وقد يحصل أكثر من ذلك بالفرض والتعصيب كما في الصورة التي معنا حيث حصل على أكثر من السدس بالفرض والتعصيب.

    تراجم رجال إسناد حديث ( إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه فقال لك السدس ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا همام ].

    همام بن يحيى العوذي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ].

    الحسن بن أبي الحسن البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمران بن حصين ].

    عمران بن الحصين صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    والحديث فيه الحسن بن أبي الحسن وهو يروي عن عمران وهو مدلس، وقد روى بالعنعنة، وقيل: إنه لم يسمع منه، فيكون منقطعاً، ولكن جاء عن عدد من الصحابة منهم أبو بكر وغيره أنهم اعتبروه أباً، ومعنى ذلك: أنه يرث ميراث الأب ويقوم مقام الأب عند فقد الأب.

    شرح حديث (ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن يونس عن الحسن أن عمر رضي الله عنه قال: (أيكم يعلم ما ورث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجد؟ فقال معقل بن يسار رضي الله عنه: أنا. ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت! فما تغني إذاً؟) ].

    أورد أبو داود حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه أن عمر قال: [ أيكم يعلم ما ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد؟ فقال معقل بن يسار : أنا. أعطاه السدس، قال: مع من؟ -يعني: مع مَن من الورثة؟- فقال: لا أدري، قال: لا دريت! فما تغني إذاً؟ ].

    هذا مثل ما سبق أن أقل شيء ورثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجد السدس، ومعناه: أن ميراثه السدس، وهذا إنما يكون مع وجود من يحوز المال كالأبناء وأبناء الأبناء سواء كانوا منفردين أو معهم أخواتهم، وحاله كحال الأب ومنزلته كمنزلة الأب، ولذا اعتبره بعض الصحابة ومنهم أبو بكر أباً، وأنه يرث ميراث الأب، ويقوم مقام الأب عند فقده إلا في بعض المسائل اليسيرة التي فرقوا فيها بين الأب والجد، مثل مسألة الجد والإخوة؛ فإن الأب يحجبهم بالإجماع، وأما الجد فإنه لا يحجبهم على خلاف, وإن كان الصحيح أنه يحجبهم؛ لأنه بمنزلة الأب، وكما أن ابنَ الابنِ ابنٌ وإن نزل فأبو الأب أبٌ وإن علا، والحكم في هذا واحد.

    وهناك فروق يسيرة بين الأب والجد، مثل مسألة العمريتين؛ فوجود الأب يجعل الأم لها ثلث الباقي سواء أخذ الزوج النصف أو الزوجة الربع، وأما إذا كان بدل الأب جدٌّ فإن الأم تأخذ الثلث كاملاً.

    والمسألتان العمريتان مثالان للجد عندما يرث بالتعصيب فقط.

    تراجم رجال إسناد حديث (ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ...)

    قوله: [ حدثنا وهب بن بقية ].

    وهب بن بقية ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.

    [ عن خالد ].

    خالد بن عبد الله الطحان الواسطي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يونس ].

    يونس بن عبيد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن عن عمر ].

    الحسن مر ذكره، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر ذكره.

    و عمر هو الذي سأل ومعقل بن يسار هو الذي حدث بذلك، والحسن لم يدرك زمن عمر، ولكن روايته عن معقل بن يسار ثابتة وموجودة في الصحيحين في غير هذا الحديث، وهذا الحديث ليس في الصحيحين، ومعقل بن يسار أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ما جاء في ميراث العصبة

    شرح حديث: (اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:[ باب في ميراث العصبة.

    حدثنا أحمد بن صالح ومخلد بن خالد -وهذا حديث مخلد وهو الأشبع- قالا: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله؛ فما تركت الفرائض فلأولى ذكر) ].

    أقسام العصبة وتعريفها

    أورد أبو داود باباً في ميراث العصبة.

    العصبة هم الذين يرثون بالتعصيب بالنفس، فهم بأنفسهم عصبة، ويرثون بالتعصيب ولا يفرض لهم، مثل: الأبناء وأبناء الأبناء، ومثل الإخوة الأشقاء والإخوة لأب، ومثل الأعمام وأبناء الأعمام، فهؤلاء لا يرثون إلا تعصيباً ولا فرض لهم، ومعناه: إن كان هناك أصحاب فروض أخذوا ما أبقت الفروض، وإن لم يكن هناك أصحاب فروض استقلوا بالمال ولا يفرض لهم، هؤلاء هم العصبة بالنفس.

    والعصبة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: عصبة بالنفس، وعصبة بالغير، وعصبة مع الغير.

    فالعصبة بالنفس: هم الذين يرثون عصوبة بأنفسهم وليسوا تبعاً لغيرهم ولا مع غيرهم، وهم ورثة الميت من أصوله وفروعه الذكور؛ لأن الأب والجد من العصبة، إلا أنه يفرض لهما إذا وجد أبناء، وإذا لم يكن هناك ورثة استقل الموجود منهما بالمال، وإن كان هناك أصحاب فروض أخذ ما أبقت الفروض.

    فالعصبة بالنفس، هم: الأب، والجد، والابن، وابن الابن، والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب، والعم الشقيق، والعم لأب، وابن العم الشقيق وابن العم لأب، والمعتق، وعصبته المتعصبون بأنفسهم، كل هؤلاء يعتبرون عصبة بالنفس، يعني: أنهم يدلون بأنفسهم ويرثون عصوبة بأنفسهم لا تبعاً لغيرهم ولا مع غيرهم.

    والعصبة بالغير هن: البنات مع البنين، وبنات الابن مع أبناء الابن، والأخوات الشقيقات مع الإخوة الأشقاء، والأخوات لأب مع الإخوة لأب، فإنهن يرثن معهم عصوبة لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ.

    وإن كن مستقلات لا ذكور معهن فالواحدة تأخذ النصف، وأكثر من واحدة يأخذن الثلثين، ولكن حيث وجد إخوانهن معهن صرن من أصحاب التعصيب، ولكن يقال له تعصب بالغير.

    وأما العصبة مع الغير: فإنها تكون في ميراث الأخوات مع البنات، وذلك حيث لا يوجد معهن ذكور من جنسهن، فإذا وجد بنات فقط وأخوات شقيقات أو لأب فقط، فإن الشقيقات يرثن ما بقي بعد أخذ البنات نصيبهن، إن كانت البنت واحدة أخذت النصف، وتأخذ الأخت أو الأخوات الشقيقات أو الأخوات لأب النصف الباقي تعصيباً، وإن كن اثنتين فأكثر أخذن الثلثين والثلث الباقي تأخذه الأخت أو الأخوات تعصيباً، وهذا يقال له: تعصيب مع الغير؛ وهذا خاص بالأخوات مع البنات.

    فإن الذين يرثون بالتعصيب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: عصبة بالنفس، وعصبة بالغير، وعصبة مع الغير.

    الفرائض المقدرة في المواريث

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله)، الفرائض أي: المقدرة، وهي النصف والسدس والثمن والربع والثلثان والثلث، والثلثان هما أعلى شيء، ثم النصف، ثم الثلث، ثم الربع، ثم السدس، ثم الثمن، هذه الفروض المقدرة في كتاب الله، ويقولون عنها اختصاراً: الثلثان والنصف ونصفهما ونصف نصفهما، ومعناه: فالنصف نصفه الربع، ونصف الربع الثمن، والثلثان نصفهما الثلث، ونصف الثلث السدس، أو بالعكس يقال: السدس والثمن وضعفهما وضعف ضعفهما. هذه هي الفروض المقدرة في كتاب الله .

    قوله: (اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله) يعني: على ما جاء في كتاب الله فمن يستحق الفرض يعطاه.

    (وما بقي فلأولى ذكر)، وهذه هي العصوبة، وكونهم يرثون بالتعصيب، يعني: يأخذون ما أبقت الفروض، وهذا من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، فالكلمات قليلة ولكن المعنى واسع؛ لأنه يدخل تحتها كل وارث.

    ويضاف إلى قوله: (فلأولى رجل ذكر).

    من ترث من النساء بالتعصيب وهي المعتقة، ولا يوجد من يرث بالتعصيب بالنفس من النساء إلا المعتقة، فإنها تحوز الميراث من عتيقها، والرحبي في الرحبية يقول:

    وليس في النساء طراً عصبه

    إلا التي منت بعتق الرقبه

    إذاً: العصبة بالنفس كلهم ذكور وليس فيهم من الإناث إلا المعتقة، ومعلوم أنها تأتي في الآخر، أي عندما لا يوجد العصبة من ذوي النسب يصار إلى الولاء، فيرث المعتق أو المعتقة الميراث كله إذا لم يكن للميت أصحاب فروض، وإن كان له أصحاب فروض فإنهم يأخذون ما أبقت الفروض.

    والحافظ ابن رجب رحمه الله لما أضاف إلى الأربعين النووية أحاديث كمل بها الخمسين جعل هذا الحديث من الزيادات التي زادها على الأربعين؛ لكونه من الجوامع، والأحاديث التي جمعها النووي اثنان وأربعون وليست أربعين، لكن يقال لها: أربعون مع حذف الكسر، وابن رجب زاد ثمانية فصارت خمسين، وشرحها في كتاب سماه: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم.

    ترتيب العصبات في الميراث

    قوله: (فلأولى ذكر)، المقصود به أقرب ذكر، ومعنى هذا: أنه إذا وجد أب وابن فالأب يأخذ فرضه والباقي لأولى رجل ذكر، وأقرب رجل ذكر للميت هو ابنه، فإن لم يوجد الابن ولكن وجد ابن الابن فإنه يأخذ الباقي وهو أولى رجل ذكر.

    وإن كان لا يوجد في نسله من الذكور وإن نزلوا ينتقل إلى جهة الأب والجد فإنه يكون الأولى به الأب، وإذا لم يوجد الأب فإنه يكون الجد أولى به.

    وإذا لم يوجد الذكور لا من الأصول ولا من الفروع الذين يكونون أولى من غيرهم في عصوبة الميت وفي أخذ ما خلفه ينتقل إلى الإخوة، وهم الذين يدلون إلى الميت بأبيهم ويشاركونه في أبيه، فهم أقرب الناس إلى الميت بعد الأصول والفروع، وهم الإخوة الأشقاء، وإذا لم يوجد أشقاء ووجد إخوة لأب فإن الأمر ينتقل إليهم.

    وإذا لم يوجد الإخوة الأشقاء ولا الإخوة لأب ينتقل لأبنائهم، فأبناء الإخوة الأشقاء وإن نزلوا هم المقدمون على أبناء الإخوة لأب.

    وإذا لم يوجد أبناء الإخوة الأشقاء انتقل إلى أبناء الإخوة لأب.

    وإذا لم يوجد إخوة أشقاء ولا إخوة لأب ولا أبناؤهم ينتقل إلى من شاركوا الميت في جده، وهم الأعمام، لأن الإخوة يشاركونه في أبيه، والأعمام يشاركونه في جده، لأنهم أولاد جده، فيرثه الأعمام الأشقاء، فإذا لم يوجد عم شقيق ينتقل إلى العم لأب.

    وإذا لم يوجد أعمام أشقاء ولا لأب فإنه ينتقل إلى أبناء الأعمام الأشقاء، ثم أبناء الأعمام لأب.

    إذاً: قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى ذكر) أولى معناه: أقرب، والقرب يكون بالفروع، ثم بالأصول، ثم بالحواشي، وأقرب الحواشي هم الإخوة الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم أبناء الإخوة الأشقاء، ثم أبناء الإخوة لأب، وإذا لم يوجد لا هؤلاء ولا هؤلاء انتقل إلى الأعمام الأشقاء، ثم الأعمام لأب، وإذا لم يوجد لا هؤلاء ولا هؤلاء صير إلى أبناء الأعمام الأشقاء، ثم أبناء الأعمام لأب.

    وجاء في غير هذه الرواية: (فلأولى رجل ذكر)، فجمع بين الوصفين، والذكورة والرجولة متلازمان، فهذه زيادة وصف، والمقصود من ذلك: أن من يكون أقرب من الرجال الذكور فإنه الذي يستحق الميراث، ولا يراد بذكر الرجل التقييد بالبلوغ وإنما المقصود به الذكورية فقط، فيرث الذكر ولو كان صغيراً جداً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج له البخاري وأبي داود والترمذي في الشمائل.

    [ ومخلد بن خالد ].

    مخلد بن خالد الشعيري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ وهذا حديث مخلد وهو الأشبع ].

    يعني أنه ساق حديث شيخه الثاني مخلد وهو أشبع، يعني: أتم من حديث الشيخ الأول.

    [ عن عبد الرزاق ].

    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معمر ].

    معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن طاوس ].

    عبد الله بن طاوس بن كيسان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما جاء في ميراث ذوي الأرحام

    شرح حديث: (من ترك كلاً فإليَّ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في ميراث ذوي الأرحام.

    حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن بديل عن علي بن أبي طلحة عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهوزني عبد الله بن لحي عن المقدام رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم: (من ترك كلاً فإلي -وربما قال: إلى الله وإلى رسوله- ومن ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له؛ أعقل له وأرثه، والخال وارث من لا وارث له؛ يعقل عنه ويرثه) ].

    أورد أبو داود باباً في ميراث ذوي الأرحام.

    وذوو الأرحام عند الفرضيين هم الذين لا يرثون بفرض ولا بتعصيب، وليس لهم ميراث مقدر ولا غير مقدر، لأن الذين يرثون بالفرض نصيبهم مقدر، والذين يرثون بالتعصيب نصيبهم غير مقدر.

    فذوو الأرحام هم الذين لا يرثون لا فرضاً ولا تعصيباً، هذا في اصطلاح الفرضيين, وأما في الشرع وفي اللغة، فإن المقصود بذوي الأرحام الأقارب عموماً، فقول الله عز وجل: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75]، المقصود به عموم الأقارب وليس المقصود به ذوي الأرحام في اصطلاح الفرضيين، فالفرضيون يطلقون هذا على من ليس بوارث لا بالفرض ولا بالتعصيب، مثل الجد أبو الأم وبنت البنت والخال والعمة وهكذا.

    والعلماء اختلفوا في توريثهم: فمنهم من قال بتوريثهم، وقد قال بذلك عدد كبير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العلماء من قال بعدم توريثهم، وإذا وجد مال ليس له وارث بالفرض أو التعصيب فإنه يكون في بيت المال.

    ومما يتعلق بذوي الأرحام وتوريثهم: أن أكثر الصحابة على القول بتوريثهم، وممن قال بتوريثهم من الأئمة: أبو حنيفة وأحمد، والذين قالوا بعدم توريثهم: مالك والشافعي, ولما كان صاحب الرحبية على مذهب الشافعي ما أورد في أرجوزته ميراث ذوي الأرحام ولا الرد؛ لأن الشافعية لا يقولون بذلك، وكما هو معلوم فإن كثيراً من المسائل الفرضية متفقة بين الأئمة الأربعة، ولكن مسألتي الرد وذوي الأرحام لا يقول بها الشافعية، ولهذا خلت الرحبية من أبيات تبين ميراث الرد وذوي الأرحام، وكان شيخنا الشيخ عبد الله بن صالح الخليفي رحمة الله عليه قد نظم أبياتاً في الرد وذوي الأرحام تضاف إلى الرحبية، وقد أضيفت إليها في بعض الطبعات؛ لأن الرحبية مشهورة عند الناس، وكثير من طلبة العلم يحفظونها ويقرءونها ويبتدئون بها.

    1.   

    الأسئلة

    ميراث الأعمام من جهة الأم

    السؤال: الأعمام من جهة الأم هل يرثون بالتعصيب؟

    الجواب: لا يرث إلا الأعمام من جهة الأب، سواء الأشقاء أو لأب.

    الأخوات مع الشقيقات عصبة مع الإخوة الأشقاء

    السؤال: هل للأخوات لأب مع الأخوات الشقيقات تعصيب مع الغير؟

    الجواب: لا. الأخوات الشقيقات عصبة بالغير مع الإخوة الأشقاء، والأخوات لأب مع الإخوة لأب.

    ميراث الأبوين عند عدم وجود الفرع الوارث

    السؤال: كيف يكون ميراث الأبوين إن كان للميت زوج؟

    الجواب: أبواه تساويا في الميراث كل واحد له من السدس، قال الله: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]، فإذا لم يكن للميت ولد ولم يكن هناك جمع من الإخوة فإن الأم ترث الثلث، والأب يكون له الباقي، وهاتان المسألتان يقال لهما: العمريتان، وهي: إذا وجد زوج وأم وأب، فالزوج له النصف؛ لأنه لا يوجد فرع وارث، والأم لها الثلث في الأصل، لأنه لا يوجد فرع وارث ولا يوجد جمع من الإخوة، لكن لو قيل: لها الثلث لصار الأب له الباقي وهو السدس، فتكون الأم قد أخذت ضعفه، والمعهود أن أي امرأة تكون في طبقة رجل إما أن تساويه وإما أن يأخذ هو ضعفها، فرأى عمر وغيره من الصحابة أن يكون الأبوان مع الزوج كأنهما حازا الميراث، فيشتركان في النصف الباقي بعد نصف الزوج كأن لم يكن هناك أحد سواهما، فإذاً: يكون لها ثلث ما يبقى وهو سدس المال، والأب يكون له الباقي وهو الثلث؛ وكأن الزوج غير موجود.

    ولو كان الزوج غير موجود يكون لها ثلث المال، والأب له الباقي ثلثان، فإذا وجد الزوج يأخذ نصيبه ويبقى نصيب الأبوين، فتأخذ الأم ثلث الباقي وكأنه أصل المال، والأب يأخذ الباقي، فعند ذلك تكون المسألة متمشية مع قاعدة الفرائض، ومع ما هو معروف في الفرائض من أن المرأة إما أن تساويه وإما أن تكون أقل منه، ولا تكون أكثر منه.

    إذاً: قسمتها إذا كان فيها زوج وأم وأب: للزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وهو في الحقيقة سدس، وللأب الباقي وهو الثلث فالمسألة من ستة، للزوج ثلاثة، وللأم ثلث الباقي واحد، وللأب الباقي اثنان.

    وإذا كان في المسألة زوجة وأم وأب، فللزوجة الربع وللأبوين الباقي للأم ثلث الباقي وللأب الباقي، فالمسألة من أربعة، للزوجة الربع واحد، يبقى ثلاثة تأخذ الأم منها الثلث وهو واحد، ويأخذ الأب الباقي وهو اثنان، فتكون الأم قد أخذت الربع فقط.

    حكم إيجاب الوصية للوارث

    السؤال: قانون الأحوال الشخصية في بعض البلدان يفرض ما يسمى بالوصية الواجبة، وهي إعطاء ابن الابن مع الأبناء في حالة وفاة والده قبل جده، فهل لها مستند في الشرع؟

    الجواب: ليس لها مستند في الشرع، والوصية الواجبة نسخت، وقد كانت هناك وصية قبل أن توجد المواريث: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:180]، وبعد ما نزلت آية المواريث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)، فلا تجب الوصية لأحد، ولكن ينبغي للأب أن يوصي لشخص لا يرث في حدود الثلث ما هو أقل من الثلث، لكن لا يجب عليه ذلك، لأنه لا يوجد شيء يدل على الإيجاب.

    حد أبناء الأبناء الوارثين

    السؤال: ما هو الحد في الأبناء النازلين الذين يرثون؟

    الجواب: لا يوجد تحديد، فيرث ابن الابن وإن نزل.

    حجب الأعمام بالأبناء

    السؤال: إذا وجد الأبناء والأعمام والأجداد فهل يرثون بالسوية؟

    الجواب: إذا وجد الأبناء والأعمام والأجداد فالجد يرث السدس والباقي للأبناء، والأعمام محجوبون.

    حجب العم بالجد

    السؤال: إذا وجد الجد والعم فمن يرث منهما؟

    الجواب: الجد يحوز الميراث؛ لأنه أولى رجل ذكر؛ فإن وجد أصحاب فروض أخذوا نصيبهم والباقي للجد، وإن لم يوجد أصحاب فروض جاز الجد المال كله، ومعلوم أن الأعمام من الحواشي فلا يرثون إلا عند عدم أصول الميت وفروعه الذكور.

    حكم الاتصال على النساء من ذوي الأرحام بالهاتف

    السؤال: هل يجوز لي أن أسلم على بنت عمي أو بنت خالي بالتلفون، وأسأل عن حالها؟

    الجواب: إذا لم يكن هناك محذور وكانت كبيرة فلا بأس بأن تسأل عن حالها، وأما إذا كانت شابة وأنت شاب فينبغي لك الابتعاد عن ذلك.

    حكم الصلاة على الميت التارك للصلاة

    السؤال: هل يصلى على الميت التارك للصلاة كسلاً؟

    الجواب: لا يصلى على تارك الصلاة، ومثل هذا كافر خارج من الملة.

    حكم الاجتهاد مع وجود النص

    السؤال: إذا لم يبلغ الصحابي سنة وعمل بخلافها عن اجتهاد، فهل يجوز أن يقال: إنه وقع في بدعة؟

    الجواب: لا يقال ذلك؛ لأن الواجب عليه إذا لم يجد نصاً أن يجتهد، وإذا وجد النص فلا اجتهاد مع النص، لكن حيث لم يوجد النص فالاجتهاد لابد منه، وهذا شيء معروف عن الصحابة ومن بعدهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، لكن إذا وجد النص فلا اجتهاد، ولا يوجد سوى اتباع النص، لكن حيث لا نص فيلزم الاجتهاد، لهذا فإن المجتهد مأجور إن أصاب وإن أخطأ، فإن أصاب فله أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد على اجتهاده وخطؤه مغفور له، وهذا عند الاجتهاد حيث لا نص، أما إذا وجد النص فلا اجتهاد مع نص.