إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [074]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي للمؤذن ألا يأخذ أجراً على الأذان إلا لحاجة، وأن يتحرى وقت الصلاة، فلا يؤذن قبل الوقت، ولا يتأخر عن وقت الأذان، ويجوز للأعمى أن يكون مؤذناً إذا كان هناك من يعلمه بأوقات الصلوات، ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا للضرورة.

    1.   

    أخذ الأجر على التأذين

    شرح حديث (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب أخذ الأجر على التأذين.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد قال: أخبرنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن عبد الله عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: قلت -وقال موسى في موضع آخر: إن عثمان بن أبي العاص قال-: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي. قال: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجراً) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب أخذ الأجر على التأذين ] أي: حكم ذلك، وهل تؤخذ الأجرة على الأذان، أو أنها لا تؤخذ؟

    والأذان أو التأذين والإمامة، وتعليم القرآن، وغير ذلك هي من القربات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، فهل يُؤخَذُ على ذلك أجر، أو لا يؤخذ؟

    للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: منهم من قال: يجوز أن يأخذ. واستدلوا على ذلك بما جاء في قصة اللديغ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما علم أنهم أخذوا الأجرة على رقيته قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله).

    وبعض أهل العلم قال: إن ذلك لا يجوز مطلقاً -أي: أخذ الأجرة-، ولكن يجوز أخذ الجُعْل، وهو: المبلغ الذي يرصد في أوقاف المسلمين، أو من متبرع في ذلك، أو ما يرصد من بيت المال لمن يقوم بهذه المهمة، فهذا جعل لا بأس به، وهو بخلاف الأجرة؛ لأن الأجرة هي اتفاق وارتباط وأنه لا يحصل منه ذلك إلا بمقدار معلوم، وأما الجعل فهو شيء مرصود لمن يقوم بهذه المهمة، إما وقف وإما شيء من بيت المال، وإما تبرعات وإحسان من المحسنين.

    وبعض أهل العلم يقول: إن ذلك مثل ولي اليتيم: إن كان غنياً يستعفف وإن كان فقيراً يأكل بالمعروف.

    والذي يظهر أن أخذ الأجرة لا يجوز والمؤاجرة على ذلك لا تجوز، وأما الجعل وأخذ ما يرصد لذلك من أوقاف وتبرعات وشيء يخصص لذلك من بيت المال فإن لا بأس به، وإنما الذي به بأس أن الإنسان يؤدي العمل وهو في عمله يأخذ في مقابله الأجر كما يأخذ النجار والحداد وغيرهم من أصحاب المهن بأن يكون هذا صاحب مهنة، وأنه يأخذ عليها أجراً كما يأخذ أصحاب المهن أجراً على تلك المهن، وفرق بين أصحاب المهن وبين القُرَبْ التي تفعل من أجل الثواب ورجاء ما عند الله عز وجل مما هو خير وأبقى، وإذا حصل جُعْل لمن يقوم بهذا العمل، ولم يكن هو الدافع للإنسان على هذا العمل فذلك خير وسائغ أخذه ولا بأس به.

    وفد أورد أبو داود رحمه الله حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي رضي الله عنه أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله إمام قومه فقال: [( أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) ] فجعله إمامهم، وكان والياً على الطائف، وسبق أن مر بنا الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل المسجد حيث تكون الطواغيت أو أماكن طواغيتهم أو طاغوتهم.

    وقوله: [ (واقتدِ بأضعفهم) ] أي أنه عندما يصلي بهم يراعي حال الضعيف، وحال الكبير، وحال العاجز فيخفف ولا يطيل، لكنه التخفيف الذي لا يكون معه خلل ولا يكون معه نقص، ولكنه لا يطيل الطول الذي يشق، فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى أن يراعي حال من يكون ضعيفاً، ومن يكون عاجزاً بحيث لا يطيل إطالة تشق عليه، وإنما يأتي بالصلاة غير مطولة مع إتمامها.

    قال: [ (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) ] ومعناه أنه يجعل مؤذناً للوقت لكن لا يأخذ على أذانه أجراً، وقد كان السلف يكرهون مثل ذلك، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمة الله عليه أنه سئل عن إمام يقول لجماعته: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهماً. فقال الإمام أحمد : أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا؟! أي: الذي يكون هذا شأنه، وهمه الدنيا، ولا يفكر إلا في الدنيا، ويشارط الناس بمثل هذه العبارة، فهذا أمر غير سائغ.

    وقوله: [ (يا رسول الله! اجعلني إمام قومي) ] طلب منه أن يسند إليه الإمامة، فهل يجوز طلب الإمامة؟

    والجواب: إذا كان يترتب على ذلك مصلحة فلا بأس به؛ لأن الإمامة قربة وعبادة وفيها محافظة على الوقت، وهي تدفع الإنسان إلى أن يصلي الجماعة دائماً وأبداً، ولا تفوته الجماعة؛ لأنه هو الإمام، وكونه أيضاً يتعاهد القرآن، ويحرص على أن يقرأ القرآن ويتعاهده، إلى غير ذلك من المصالح التي تكون في الإمامة.

    ومع ذلك فإن فيها مسئولية وفيها تبعة، وقد مر بنا الحديث: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن).

    تراجم رجال إسناد حديث (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل هو: التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حماد ].

    حماد هو: ابن سلمة ، وإذا جاء حماد يروي عنه موسى بن إسماعيل فهو: ابن سلمة ، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سعيد الجريري ].

    هو سعيد بن إياس الجريري ، ثقة، أخرج له الكتب الستة.

    [ عن أبي العلاء ].

    أبو العلاء هو: يزيد بن عبد الله بن الشخير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مطرف ].

    هو مطرف بن عبد الله بن الشخير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أخو يزيد بن عبد الله المذكور سابقاً.

    [ عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه ].

    هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان والياً على الطائف، وهو من ثقيف من أهل الطائف، وقد أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    1.   

    الأذان قبل دخول الوقت

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الأذان قبل دخول الوقت.

    حدثنا موسى بن إسماعيل و داود بن شبيب المعنى، قالا: حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن بلالاً رضي الله عنه أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: (ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام) زاد موسى : فرجع فنادى: ألا إن العبد قد نام. قال أبو داود : وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة ].

    أورد أبو داود رحمه الله: [باب في الأذان قبل دخول الوقت] والأذان يكون عند دخول الوقت، وإذا حصل الأذان فمعناه أنه جاء وقت الصلاة ليتجه المسلمون إلى المساجد، والنساء يصلين في البيوت، وأهل الأعذار يصلون في البيوت كمن يكون مريضاً أو عاجزاً لا يستطيع أن يصلي.

    والأذان فيه إشعار وإعلام بدخول الوقت، وحينما يحصل الأذان فمن صلى الصلاة فإنه يكون قد صلاها في وقتها، وعلى هذا فلا يجوز أن يكون الأذان قبل الوقت؛ لأن الأذان قبل الوقت يترتب عليه الصلاة قبل الوقت، والصلاة قبل وقتها غير صحيحة، ومن صلاها قبل وقتها نسياناً أو خطأً فيجب عليه إعادتها في الوقت؛ لأن الصلاة لوقتها، ويؤتى بها في وقتها، ولا تُقدم على وقتها، ولا تؤخر عن وقتها إلا إذا كان هناك نوم أو شيء لابد منه، وأما بالاختيار فلا تؤخر الصلاة عن وقتها ولا يجوز أن تقدم عن وقتها.

    وكل الصلوات ليس لها إلا أذان واحد يكون عند دخول الوقت إلا الفجر فإنه يشرع أذان آخر قبل الفجر، وليس المقصود منه أن يحضر الناس إلى الصلاة، أو أن يصلي من يسمع الأذان، وإنما كما جاء في الحديث: (يوقظ النائم ويرجع القائم) أي: من كان نائماً دعاه ذلك الأذان إلى أن يستعد ويتهيأ للصلاة قبل دخول وقتها، ومن كان يريد أن يصوم ويتسحر فإن الأذان الأول يكون سبباً في تحصيله وبلوغه ما يريد، هذا هو المراد من إيقاظ النائم.

    والأذان الثاني هو الذي يكون عند دخول الوقت، وهو المتعين، وهو الذي لابد منه، وكل صلاة لابد لها من أذان في أول وقتها حتى يصلي الناس بعد سماع الأذان، إلا الفجر فإنه يجوز أن يؤذن لها أذان آخر قبل الوقت، ومهمته -أي: الأذان الأول- إرجاع القائم الذي كان يصلي من الليل ليستريح شيئاً قليلاً من الوقت حتى يقوم إلى الصلاة، والذي كان نائماً يستيقظ ويتهيأ إذا كان الأمر يحتاج إلى تهيؤ للصلاة بغسل أو ما إلى ذلك، أو بسحور إذا كان يريد أن يصوم.

    وكذلك يوم الجمعة يكون أذان آخر قبل الوقت حتى يتهيأ الناس للصلاة، ويستعدوا للصلاة.

    ولا يؤذن قبل الوقت، وإن أذن قبل الوقت فيلزم أن يعاد الأذان عند دخول الوقت، حتى من كان قد صلى فعليه أن يتنبه إلى أن المسألة فيها خطأ وأن فيها غلطاً، وعليه أن يعيد الصلاة بعد دخول الوقت.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن بلالاً أذن قبل الوقت في الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي [(ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام)]، ليبين أن فعله الذي قد حصل أولاً كان خطأ، وهذا -فيما يظهر كما ذكره بعض أهل العلم- كان قبل أن يوجد الأذان الأول الذي جاء ذكره في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم).

    وهذا يدل على أن بلالاً كان يؤذن الأذان الأول و ابن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني، وكان بلال هو الذي يؤذن قبل أن يشرع الأذان الأول للفجر، وبعدما شرع الأذان الأول صار بلال يؤذن الأول و ابن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني، وقبل ذلك كان بلال هو الذي يؤذن في جميع الأوقات.

    فهذا الذي حصل كان قبل أن يشرع الأذان الأول؛ لأن الأذان الثاني هو الذي يكون عند دخول الوقت كسائر الصلوات، ولكن الأول هو الذي يكون قبل دخول الوقت، والذي لو ترك لا يؤثر؛ لأنه ليس كالأذان الذي عند دخول الوقت، مع أن الإتيان به مطلوب وفيه فائدة، ولكن لو ترك لا يؤثر؛ لأن الذي يؤثر هو الذي عند دخول الوقت في جميع الصلوات، والذي تتحد فيه الصلوات جميعها وتتفق كلها على أنه يؤذن به عند دخول الوقت.

    وقوله: [ألا أن العبد قد نام] قيل: إن المراد به أنه قد حصل منه غفلة لم يتبين فيها الوقت، ولهذا أخطأ في كونه أذن قبل الوقت، ومعنى هذا أنه لا يبنى على هذا الأذان حكم ولا يبنى عليه شيء ولا يصلى من أجله؛ لأنه حصل خطأً.

    تراجم رجال إسناد حديث (ألا إن العبد قد نام)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب ].

    موسى بن إسماعيل مر ذكره، وداود بن شبيب صدوق أخرج له البخاري وأبو داود وابن ماجه .

    [ المعنى ].

    أي أن هذين الشيخين لـأبي داود روايتهما متفقة بالمعنى مع اختلاف في الألفاظ، هذا هو المقصود بكلمة (المعنى).

    [ قالا: حدثنا حماد .

    حماد هو: ابن سلمة ، مر ذكره.

    [عن أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    نافع هو: مولى ابن عمر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ قال أبو داود : وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة ].

    بعض أهل العلم تكلم في هذا الحديث وذكر أن فيه خطأ من حماد ، وأن الصواب هو ما جاء فيما يأتي أن الآمر للمؤذن بأن يعيد هو عمر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعض أهل العلم يقول: إنه صحيح.

    شرح أثر عمر (ألا إن العبد قد نام)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أيوب بن منصور ثنا شعيب بن حرب عن عبد العزيز بن رواد قال: أخبرنا نافع عن مؤذن لـعمر يقال له: مسروح أذن قبل الصبح فأمره عمر رضي الله عنه. فذكر نحوه.

    قال أبو داود : وقد رواه حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أو غيره أن مؤذناً لـعمر يقال له: مسروح أو غيره. قال أبو داود : ورواه الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: كان لـعمر رضي الله عنه مؤذن يقال له: مسعود . وذكر نحوه، وهذا أصح من ذاك ].

    أورد أبو داود رحمه الله الأثر عن عمر رضي الله عنه وأنه كان له مؤذن وقد حصل أنه أذن قبل الوقت فأمره أن يقول: (ألا إن العبد قد نام) أي أن الذي ذُكر في الحديث السابق إنما حصل لـعمر وأن الذي أمر بذلك هو عمر .

    وبعض العلماء يقول: إن الرفع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيه كلام، وأنه ما روي إلا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب ، وأن الذي جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حق بلال أنه قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، ولكن ما جاء في حديث ابن عمر في إضافة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو متفق مع ما جاء عن عمر في قصة مؤذنه الذي حصل منه خطأً، وأمره عمر رضي الله عنه أن ينادي بما جاء أن بلالاً نادى به، وهو قوله: (ألا إن العبد قد نام)، وأن المقصود بذلك هو أنه قد غفل، وأنه لم يتبين الصبح تماماً، وأنه حصل منه الخطأ، فينبه الناس حتى لا يعتمدوا على ذلك الأذان الأول فيصلوا الفجر، أو أنهم يأتون إلى المسجد وقد كان ذلك حصل بالليل، وحتى لا يكون لهم ذلك الإزعاج الذي قد حصل، فمن أراد أن يستريح فيمكنه أن يستريح ويمكنه أن ينام ولا يأتي إلا عند دخول الوقت.

    تراجم رجال إسناد أثر عمر (ألا إن العبد قد نام)

    قوله: [ حدثنا أيوب بن منصور ].

    أيوب بن منصور صدوق يهم، أخرج حديثه أبو داود وحده.

    [ عن شعيب بن حرب ].

    شعيب بن حرب ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ عن عبد العزيز بن أبي رواد ].

    عبد العزيز بن أبي رواد صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن نافع عن مؤذن لـعمر ].

    نافع قد مر ذكره. عن مؤذن لـعمر يقال له: مسروح وفي الرواية الأخرى يقال له: مسعود ، وهو شخص واحد ذكر مرة أنه مسروح ومرة أنه مسعود ، وهو مقبول، أخرج حديثه أبو داود وحده.

    قوله: [ قال أبو داود : وقد رواه حماد بن زيد عن عبد الله بن عمر عن نافع أو غيره أن مؤذناً لـعمر يقال له: مسروح أو غيره ].

    قوله: [عن نافع أو غيره].

    أي: شك هل هو هذا أو هذا، والرواية الأولى ليس فيها شك، وكذلك الروايات التي ستأتي بعد هذا ليس فيها شك من جهة هل هو نافع أو غيره، وإنما هو نافع .

    [ قال أبو داود : وقد رواه حماد بن زيد ].

    حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن عمر ].

    هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري المصغر، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع أو غيره ].

    نافع مر ذكره.

    [ عن مسروق ].

    مسروق مر ذكره.

    [ قال أبو داود : ورواه الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال: كان لـعمر مؤذن يقال له: مسعود وذكر نحوه، وهذا أصح من ذاك ].

    وهذا مثل الذي تقدم أولاً إلا أن هناك قال: مسروح وهنا قال: مسعود ، ومسروح هو مسعود .

    [ قال أبو داود : ورواه الدراوردي ].

    الدراوردي هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ].

    قد مر ذكرهم جميعاً.

    وقوله: [ وهذا أصح من ذاك ].

    أي: الذي فيه: الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن مؤذناً لـعمر يقال له: مسعود أصح من الطريق المتقدم.

    لكن ابن حجر لما ترجم للدراوردي قال: حديثه عن عبيد الله العمري منكر. وهو هنا يروي عن عبيد الله ويصحح أبو داود حديثه على من تقدم، وهو حماد بن زيد الذي يروي عن عبيد الله بن عمر .

    وعلى كل فهذه الطرق كلها يشهد بعضها لبعض، وهي متفقة وغير مختلفة.

    شرح حديث ( لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع حدثنا جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا، ومد يديه عرضاً).

    قال أبو داود : شداد مولى عياض لم يدرك بلالاً ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: [ (لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا، ومد يديه عرضاً) ] أي: حتى يستبين لك الأفق الذي يأتي بالعرض، والذي يتزايد حتى تطلع الشمس؛ لأن الفجر فجران: فجر يظهر بظهور بياض في الأفق مستطيل رأسياً وليس بمعترض، وهذا يذهب، وهو الذي يسمونه الفجر الكاذب، والفجر الثاني: الذي يأتي بالعرض ممتداً في الأفق ويتزايد حتى تطلع الشمس، فهذا هو الذي يكون عنده الأذان الثاني ويكون عنده دخول الوقت، والذي تحل عنده صلاة الصبح ويحرم الأكل في حق الصائم؛ لأنه تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فخروج هذا الخط المعترض من الفجر هو الخيط الأبيض الذي يتزايد شيئاً فشيئاً حتى تطلع الشمس.

    وقوله: [ (ومد يديه عرضاً) ] أي: مدّ يديه أفقياً بالعرض توضيحاً وبياناً.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    زهير بن حرب هو: أبو خيثمة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جعفر بن برقان ].

    جعفر بن البرقان صدوق يهم في حديث الزهري ، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن شداد مولى عياض بن عامر ].

    شداد مولى عياض بن عامر مقبول يرسل، أخرج حديثه أبو داود .

    [ عن بلال ].

    هو بلال رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [ قال أبو داود : شداد مولى عياض لم يدرك بلال ].

    معنى هذا أن فيه انقطاعاً، أي أن فيه إرسالاً؛ لأن شداداً مقبول يرسل، ومعناه أنه يروي عمن لم يدركه، والحديث حسنه الألباني ، ولعل تحسينه من شواهد وطرق أخرى، وإلا فإن فيه انقطاعاً كما هو معلوم.

    1.   

    الأذان للأعمى

    شرح حديث (أن ابن أم مكتوم كان مؤذناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعمى)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الأذان للأعمى.

    حدثنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر وسعيد بن عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه كان مؤذشناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعمى) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: [باب الأذان للأعمى] يعني أنه لا بأس به إذا كان معه من يخبره بدخول الوقت وينبهه على ذلك، ولا يقدم على ذلك إلا بعدما يخبره من هو ثقة بدخول الوقت، فلا بأس بذلك؛ لأنه أعمى لا يرى الزوال، ولا يرى الغروب، ولا يرى طلوع الفجر، فلا بد من أن يكون معه من ينبهه ويبصره ويخبره.

    فلا بأس بأن يكون المؤذن أعمى بشرط أن يكون معه من ينبهه ويخبره بدخول الوقت، وهذا على اعتبار أن الأعمى لا يرى، والمسألة متعلقة تعلقاً رئيساً بالرؤية، مثل رؤية الزوال، وطلوع الفجر، وغروب الشمس، والأعمى لا يرى، فكونه يؤذن مع أنه يعتمد على من يخبره بدخول الوقت لا بأس به.

    وليست هنا القضية قضية تقليد، وإنما هي قضية إخبار واعتماد على كلام من يوثق به، وكذلك في جهة القبلة، فإن وجد من يرشده إليها فلا يلزمه أن يجتهد، وإنما يجتهد حيث لا يكون عنده من يخبره، أما إن كان عنده أحد يخبره مثل أناس ساكنين في البرية وعندهم علم ومعرفة، أو هو نفسه معه ناس لهم خبرة ومعرفة فيسألهم؛ لأنه لو أراد أن يجتهد فسوف يصححون ما يفعله ويرشدونه إلى الصواب.

    وأما ما ذكره بعض الفقهاء من أنه لو كانوا جماعة في سفر فلا يجوز أخذ أحدهم قول غيره، بل كل واحد منهم يجتهد ويصلي إلى القبلة التي توصل إليها اجتهاده فنقول: هذا إذا اختلفوا، وأما إذا كان هناك من ليس عنده خبرة وسأل من عنده خبرة فلا بأس بذلك، وهذا شيء مطلوب، وما أكثر ما يحتاج الناس إلى السؤال عن القبلة وهم في سفر؛ لأنه ليس كل إنسان يعرف، وبعض الناس يعرف اتجاه القبلة عن طريق النجوم أو عن طريق المشارق والمغارب، وهكذا.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن ابن أم مكتوم كان مؤذناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعمى)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سلمة ].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري ، ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن ابن وهب ].

    ابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر ].

    يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر صدوق، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ وسعيد بن عبد الرحمن ].

    سعيد بن عبد الرحمن هو الجمحي ، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه: عروة بن الزبير ].

    وهو ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق ، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الخروج من المسجد بعد الأذان

    شرح أثر أبي هريرة في خروج المرء من المسجد بعد الأذان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: الخروج من المسجد بعد الأذان.

    حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن إبراهيم بن المهاجر عن أبي الشعثاء قال: (كنا مع أبي هريرة رضي الله عنه في المسجد، فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر، فقال أبو هريرة : أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة: [ (باب: الخروج من المسجد بعد الأذان) ] أي: ما حكمه؟

    والجواب أنه يجوز إذا كان لحاجة ولأمر يقتضيه، كمن يريد أن يتوضأ، أو كان حاقناً أو حاقباً يحتاج إلى الخلاء، أو يكون إمام مسجد فأذن المؤذن وهو في مسجد من المساجد والناس ينتظرونه في مسجده ليصلي بهم، فإذا كان هناك أمر يقتضي خروجه فلا بأس، وأما إذا كان لغير حاجة فإنه لا يجوز.

    وقد سبق أن مر بنا في الحديث أن الشيطان يفر عندما يسمع الأذان، فالإنسان عندما يخرج من المسجد وهو غير مضطر لذلك يكون فيه مشابهة للشيطان في كونه يخرج بعد الأذان، حيث يخرج والناس يُدعون إلى أن يأتوا إلى المساجد، فإذا لم يكن خروجه لضرورة فإن ذلك معصية.

    ولهذا أورد أبو داود رحمه الله هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان في المسجد فخرج رجل بعد الأذان فنظر إليه أبو هريرة وقال: [ أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ]، وقول الصحابي عن فعل من الأفعال بأنه معصية للرسول صلى الله عليه وسلم له حكم الرفع، ومعنى هذا أن الرسول نهى عن ذلك، والذي حصل منه ذلك قد خالف ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيكون قد عصاه، ولهذا قال: [أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ].

    وإذا كان الإنسان مسافراً وقد صلى فله أن يخرج، فإذا جمع بين الصلاتين في وقت إحداهما وخرج من المسجد فلا بأس بذلك؛ لأنه قد أدى ما عليه، لكن من كان جالساً في المسجد ثم سمع الأذان ثم خرج من غير ضرورة فهذا هو الخطأ.

    حتى ولو أذن المؤذن وهو في مسجد قريب من المسجد النبوي، وأراد الذهاب إلى المسجد النبوي فلا يفعل؛ لأنه ليس إماماً للمسجد النبوي وليس حاقباً وليس له حاجة تضطره للخروج، والأولى جلوسه في المسجد الذي هو فيه لكيلا يُتهم ويساء به الظن، وقد يقتدي به غيره ممن لا يفهم.

    تراجم رجال إسناد أثر أبي هريرة في خروج المرء من المسجد بعد الأذان

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم المهاجر ].

    هو صدوق لين الحفظ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي الشعثاء ].

    هو: سليم بن أسود المحاربي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.

    1.   

    في المؤذن ينتظر الإمام

    شرح حديث (كان بلال يؤذن ثم يمهل..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في المؤذن ينتظر الإمام.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا شبابة عن إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (كان بلال رضي الله عنه يؤذن ثم يمهل، فإذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج أقام الصلاة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله: [ باب في المؤذن ينتظر الإمام ] أي: ينتظره للإقامة؛ لأن الإقامة هي للإمام، وهو الذي يملك الإقامة، وتقام الصلاة عندما يأتي أو عندما يأمر بإقامتها، والمؤذن مسئول عن الأذان، وليس للمؤذن أن يقيم من تلقاء نفسه إلا بإذن الإمام أو باتفاق معه على أنه إذا رآه قد أقبل فإنه يقيم.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن بلالاً كان يؤذن ثم يمهل -يعني: ينتظر بين الأذان والإقامة-، حتى إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم خرج -يعني: من حجرته- متجهاً أقام، فيقوم الناس، ثم إذا وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانه وأمرهم بتسوية الصفوف صلى بهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان بلال يؤذن ثم يمهل..)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن شبابة ].

    هو شبابة بن سوار ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إسرائيل ].

    هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك ].

    هو سماك بن حرب ، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن جابر بن سمرة ].

    هو جابر بن سمرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ما جاء في التثويب

    شرح أثر إنكار ابن عمر على من ثوب بالصلاة في الظهر أو العصر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في التثويب.

    حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان حدثنا أبو يحيى القتات عن مجاهد أنه قال: كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما فثوب رجل في الظهر أو العصر قال: أخرج بنا فإن هذه بدعة ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: [باب التثويب] والتثويب يراد به ثلاثة أمور:

    أحدها: الإقامة؛ فإن الإقامة يقال لها: تثويب، وقد سبق أن مر بنا الحديث الذي فيه هروب الشيطان عندما يسمع الأذان، فإذا فرغ قضي الأذان رجع، فإذا ثوب للصلاة -أي: نودي إلى الصلاة مرة أخرى بالإقامة- هرب، فأطلق على الإقامة أنها تثويب، وذلك أن التثويب هو رجوع إلى النداء وإلى الدعاء للصلاة؛ لأنه حصل أولاً الأذان ثم رجع إليه وثوب إليه، أي: رُجع إليه، من: (ثاب) إذا رجع، يقال: ثاب إلى رشده: إذا رجع إلى ما كان عليه من قبل من الرشد، فالإقامة يقال لها: تثويب.

    الثاني: قول: (>الصلاة خير من النوم) في أذان الصبح، فيقال له: تثويب، وقيل له: تثويب لأنه عود إلى الدعوة، يعني: إلى المجيء إلى الصلاة؛ لأن قوله: (حي على الصلاة حي على الفلاح) دعوة، ثم إذا قال: الصلاة خير من النوم كان ذلك -أيضاً- عوداً إلى الدعوة مرة أخرى، ولكن بلفظ آخر، وهو أن ما تدعون إليه خير مما أنتم فيه وإن كان قد طاب لكم ولذ لكم الفراش.

    ويطلق إطلاقاً ثالثاً: وهو ما أحدثه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن المؤذن إذا استبطأ الناس بعد الأذان ينادي بين الأذان والإقامة فيقول: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح. فهذا تثويب أيضاً، ولكنه تثويب محدث ومبتدع، ولعل هذا هو الذي أنكره ابن عمر كما في الأثر الذي ذكره أبو داود هنا، فإنه ذكر تحت هذه الترجمة عن ابن عمر أنه كان في مسجد، قال مجاهد بن جبر : [كنت مع ابن عمر -يعني في مسجد- فثوب رجل بالظهر أو العصر] قيل: إن المقصود بالتثويب هو الذي أحدثه الناس من كون المؤذن بعد الأذان بمدة وقبل إقامة الصلاة ينادي نداءً بينهما ويقول: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، أو أنه يقول: (الصلاة خير من النوم) في الظهر أو العصر؛ لأن هذه لا تقال إلا في الفجر، وهذا من الأمور المبتدعة.

    وقوله: [ اخرج بنا فإن هذه بدعة ] يعني: هذا العمل الذي عمله بدعة، وإذا كان قد صح أن ابن عمر خرج وقال: إنه بدعة فهذا يعني الإنكار بالقول وبالفعل، والحديث في سنده راوٍ تكلموا فيه، وهو أبو يحيى القتات ، والألباني صحح الحديث أو حسنه، وعلى كلٍ فإن صح فهو إنكار بالقول وبالفعل.

    تراجم إسناد أثر إنكار ابن عمر على من ثوب بالصلاة في الظهر والعصر

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير عن سفيان عن أبي يحيى القتات ].

    محمد بن كثير وسفيان مر ذكرهما، أبو يحيى القتات قالوا عنه: لين الحديث. وأخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجه .

    [ عن مجاهد ].

    هو مجاهد بن جبر المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و ابن عمر رضي الله عنهما قد مر ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    حكم المرور بين يدي المصلي الذي ليس له سترة

    السؤال: هل من حق المصلي الذي ليس له سترة أن يمنع المرور بين يديه؟

    الجواب: نعم، له أن يمنع المرور فيما بينه وبين موضع سجوده، وإذا كان المار بمسافة تزيد على ثلاثة أذرع فلا يمنعه.

    حكم أخذ الداعية للمال من المحسنين

    السؤال: هل يجوز أن يعطى الداعية أجراً من المحسنين الذين يرسلون أموالهم لبعض الدول للدعاة؟ وإن كان جائزاً فما هو الدليل على أنه يجوز له أن يأخذ ذلك من غير بيت المال؟

    الجواب: وأي مانع يمنع من ذلك؟! ومن قال: إنه لا يجوز إلا من بيت المال؟! بل يجوز من بيت المال، ويجوز من الأوقاف، ويجوز من تبرعات المحسنين، فالأصل هو الجواز، وكون المحسن يساعد داعية أو يخصص داعية يقوم بالدعوة، وينفق عليه ويجعله يتفرغ لهذه المهمة لا بأس بذلك، وهذا عمل طيب ولا مانع منه.

    توصيف مكافأة طلاب الجامعة

    السؤال: هل مكافأة الطلاب في الجامعة من باب الجعل أو هو من باب الأجرة؟

    الجواب: هي من باب الجعل، فهذه أشياء رصدت لهم من بيت المال، وهي جعل لهم.

    حكم زيارة المقابر التي عليها الأبنية

    السؤال: ما حكم زيارة المقابر التي عليها الأبنية؟

    الجواب: لا بأس بأن تزار المقابر ولو كان عليها أبنية، فيزورها الإنسان وينكر المنكر، ويبين أن هذا البناء منكر، والمقبرة إذا كان فيها بنيان لا تترك فلا تزار لأن عليها بنياناً محدثاً، وكون الأموات أسيء إليهم بأمر لا يجوز فلا يحرمون من الزيارة والدعاء لهم بسبب ذلك، فأقول: لا بأس بزيارة تلك المقبرة، ويدعى للأموات فيها، وينكر المنكر.

    حكم أخذ الخطيب للأجرة على خطبته

    السؤال: ما حكم أخذ الخطيب الأجرة على خطبته؟

    الجواب: إذا خصص له شيء أو أعطي شيئاً فليس في ذلك بأس.

    حكم تخفيف الصلاة إلى حد الإخلال بها

    السؤال: بعض الأئمة يخففون الصلاة حتى لا يستطيع الإنسان أن يقرأ الفاتحة، فهل من نصيحة لهم؟ وهل الأفضل للإنسان أن يبحث عن مسجد آخر؟

    الجواب: الإمام إذا كان يخفف تخفيفاً زائداً لا يمكن المؤتم معه من الإتيان بالأمور المطلوبة ينبغي أن يُنبه، وأما إذا كان ذلك التخفيف تخفيفاً يحصل معه المطلوب فلا بأس بذلك، ولكن إذا تبين أن هناك أمراً يقتضي التنبيه فينبه الإمام حتى يتدارك التقصير.

    من فاته الترديد مع المؤذن

    السؤال: إذا فات الإنسان الترديد مع المؤذن لبعض ألفاظ الأذان، فهل يردد ما فاته ثم يكمل معه؟

    الجواب: الذي يبدو أنه يفعل ذلك؛ لأنه ما دام يستطيع أن يتدارك بهذه الطريقة فلا بأس بذلك إن شاء الله.

    حكم ما يعطى للأئمة والمؤذنين مقابل عملهم

    السؤال: هل الأجرة التي تعطى الآن للأئمة والمؤذنين أجرة أم جعل؟

    الجواب: هذا الذي يخصص من بيت المال لهؤلاء يقال له: جعل، وليس أجرة.

    حكم مصافحة خالة الزوجة أو عمتها

    السؤال: هل يجوز مصافحة خالة الزوجة أو عمتها؟

    الجواب: خالة الزوجة أجنبية، وعمة الزوجة أجنبية، ولهذا لو ترك الزوجة جاز له أن يتزوج عمتها، وأن يتزوج خالتها، وتحريمهما عليه ليس بدائم، بل هو تحريم مؤقت؛ لأنه لا يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، لكن لو ذهبت عنه المرأة جاز له أن يتزوج عمتها أو خالتها، ولهذا فمصافحتها مصافحة أجنبية، ولا يصافح إلا المحرم، وهي التي تحرم عليه على التأبيد، أما من تحرم عليه مؤقتاً فليس محرماً لها، ولا يجوز له أن يصافحها، فهي أجنبية، والأجنبية لا تصافَح.

    حكم تأخير الأذان عن وقته

    السؤال: هل يجوز تأخير الأذان عن وقته كما يفعل في صلاة العشاء في رمضان؟

    الجواب: لا بأس إذا اتفق الناس على أنهم يؤخرون من أجل مصلحة كما في رمضان، فإنهم يستعدون لصلاة التراويح، وأيضاً يذهبون إلى منازلهم بعد صلاة المغرب ويتناولون طعام العشاء، ثم يدركون الصلاة ويستعدون للصلاة، فلا بأس بذلك.

    حكم الأذان قبل دخول الوقت

    السؤال: يوجد في بعض البلاد الإسلامية من يؤذن لصلاة الصبح قبل دخول الوقت بعشرين دقيقة، فماذا نعمل؟

    الجواب: يوجدون أذاناً عند دخول الوقت ويبقى ذلك الأذان الذي قبل عشرين دقيقة في محله وفي وقته، ولكن يؤتى بأذان آخر عند دخول الوقت، وهو الذي يبنى عليه الصيام وتبنى عليه الصلاة.

    موقف الإمام الراتب حال وقوع الأذان قبل دخول الوقت

    السؤال: هناك إمام مسجد في بلد إسلامي، وفي تلك البلدة يؤذنون قبل دخول الوقت الشرعي، فهل يصلي بهم الصلاة التي يظنون أن وقتها دخل أم ماذا يفعل؟

    الجواب: عليه إن يصحح الوضع معهم، والأذان الذي كان يحصل منهم قبل دخول الوقت يبقونه على ما هو عليه ويكون للتنبيه، ويؤتى بأذان آخر يكون عند دخول الوقت، وهذا في الفجر خاصة، وبذلك يبقى الأذان الأول على ما كان، ولكن الخطأ يتدارك بإيجاد الأذان الثاني؛ لأن الأذان الثاني هو الأصل، وكان المفروض أن يكون عند دخول الوقت، والأذان الأول الذي قبل دخول الوقت يجوز، ويجوز أن يترك، ولكن الذي لا يجوز أن يترك هو الذي عند دخول الوقت، فيصححون الخطأ ويوجدون الأذان الثاني، ويتفق معهم، ويذكر لهم الحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، فالأذان يبقى على ما هو عليه ويؤتى بأذان آخر عند دخول الوقت.

    وإذا كانت وزارة الأوقاف لا تسمح لهم بإيجاد أذان آخر فيتم تأخير الأذان الذي قبل دخول الوقت إلى عند دخول الوقت، وأما الإمامة فلا يمتنع منها، وإذا كان الناس ينتظرون بعد هذا الأذان إلى أن يدخل الوقت ثم يصلون فالأمر أسهل، ولكن المحذور إذا كان الناس يصلون قبل دخول الوقت.

    والذي يقطع الإشكال أنهم إذا كانوا عازمين على بقاء هذا الأذان فعليهم أن يأتوا بأذان عند دخول الوقت، وعنده يعرف الناس أنه إذا وجد الأذان الثاني جاء وقت الصلاة، لكن لا يقال: يترك الإمامة، وبعض أهل العلم قال: إنه يجوز، لكن الذي يبدو أنه لا يجوز قبل دخول الوقت إلا إذا كان قد جُعِل أذانان: أذان سابق وأذان عند دخول الوقت، ففي الفجر لا يؤذن الأذان الثاني إلا إذا طلع الفجر وجاء وقت الصلاة وحرم الأكل والشرب على الصائم.