إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [044]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاستحاضة شيء جعله الله عز وجل على بعض بنات حواء؛ وله أحكام تخصه، فينبغي على من ابتليت بالاستحاضة أن تعرف أحكامها؛ حتى لا تترك الصلاة والصيام وغيرها من العبادات في وقت هي مطالبة بها؛ فإن المستحاضة تصوم وتصلي وتعمل كل العبادات، إلا في الأيام التي تعتبرها حيضاً، إما بالعادة أو التمييز.

    1.   

    (تابع) من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة

    شرح حديث حمنة في الاستحاضة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب وغيره قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم؟! فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوباً. فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم. قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي؛ فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي، وتغتسلين مع الفجر؛ فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذا أعجب الأمرين إلي).

    قال أبو داود : ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل قال: فقالت حمنة رضي الله عنها: فقلت: (هذا أعجب الأمرين إلي) لم يجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ جعله كلام حمنة .

    قال أبو داود : وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء، ولكنه كان صدوقاً في الحديث، وثابت بن المقدام رجل ثقة، وذكره عن يحيى بن معين .

    قال أبو داود : سمعت أحمد يقول : حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء ].

    سبق أن مر أن المستحاضة إما أن تكون عارفة بحيضها في إقباله وإدباره بلونه الأسود وأنه غليظ، وكذلك برائحته، فعند بداية إقبال الحيضة تترك الصلاة، وإذا انتهت -وذلك بإدبارها وذهاب ذلك اللون الأسود الغليظ الذي له رائحة خاصة تعرفها النساء- فإنها تغتسل عند نهاية قرئها وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ لأن ما زاد على الحيض ليس بحيض وإنما هو استحاضة، وهو دم فساد وليس بدم حيض، فيكون حكمها حكم الطاهرات: تصلي وتصوم وتقرأ القرآن ويباشرها زوجها، وكل شيء تفعله الطاهرات تفعله إلا أنها يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة، وتغتسل لكل صلاة استحباباً، وأما الوضوء فإنه واجب عليها لكل صلاة، فإذا كانت مميزة لحيضها بمعرفتها للونه ورائحته وإقباله وإدباره فإنها تمكث تلك المدة التي عرفت بها أنها حائض من أجل اللون والرائحة، وما زاد على ذلك أو ما بين الحيضتين فإنها تكون طاهراً تفعل ما يفعل النساء الطاهرات.

    هذا إذا كانت مميزة لحيضها في حال استحاضتها، فإن كانت غير مميزة للحيض بمعرفة لونه ورائحته فإنها إذا كانت تعرف الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تأتيها الاستحاضة وقبل أن تطرأ عليها الاستحاضة فإنها تمكث في تلك الأيام لا تصلي ولا تصوم، وهي خمسة أيام أو أربعة أيام أو ستة أيام من أول الشهر أو من وسط الشهر أو من آخر الشهر فتبني على ما كانت تعرفه من قبل، وتعتد بتلك الأيام التي كانت تأتيها من الشهر قبل أن تأتيها الاستحاضة، فإن لم تكن تعرف اللون والرائحة ولم تعرف الأيام لكونها مبتدأة، يعني: لم يسبق لها أن تحيض، ولكن جاءها هذا الدم واستمر معها بصفة دائمة، أو كانت تحيض من قبل ولكنها نسيت عدد الأيام التي كانت تجلسها أو نسيت في أي وقت كانت من الشهر؛ فإنها تأخذ بما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أورده أبو داود رحمه الله هنا، وهو حديث حمنة بنت جحش رضي الله تعالى عنها أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أنها جاءت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة) فأشارت بقولها: (كثيرة) إلى كميتها، وبقولها: (شديدة) إلى كيفيتها، فهي كثيرة وشديدة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لها (أنعت لك الكرسف) وهو القطن، أي: أن تجعله في فرجها وتشده عليه حتى يمسك الدم، فقالت: هو أكثر من ذلك، قال: (ضعي عليه ثوباً) يعني: أضيفي إلى الكرسف شيئاً آخر زيادة. قالت: (هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجاً)، يعني: أنه يصب منها الدم بغزارة وبكثرة، ولا يمسكه لا القطن ولا الثياب؛ لأنه يسيل منها بغزارة وبكثرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: (سآمرك بأمرين إن أخذت بأي واحد منهما أجزأك) ثم ذكر لها الأمرين، وهما: أن تجلس ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله عز وجل، فتجتهد وتختار لها ستة أيام أو سبعة أيام من الشهر فتجلسها وتترك الصلاة فيها، وهذا باعتبار أن غالب عادة النساء ستة أيام أو سبعة أيام، وأقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أناط الحكم بما هو الغالب على النساء وهو: ست أو سبعة أيام، والستة أو السبعة هي على اعتبار مثيلاتها من النساء ممن يماثلها، فتجعل حيضها إما ستة أيام وإما سبعة أيام، وتغتسل عند انتهاء الأيام الستة أو السبعة، وما زاد على ذلك وهو إما ثلاثة وعشرون يوماً أو أربعة وعشرون يوماً يكون حكمها حكم الطاهرات، وتتوضأ لكل صلاة وجوباً، وتغتسل لكل صلاة استحباباً، وأرشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنها إذا قويت على أن تجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وتغتسل لكل صلاتين من هاتين الصلاتين المجموعتين غسلاً واحداً وتغتسل للفجر، فإنها تفعل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهذا أعجب الأمرين إلي) يعني: كونها تجمع بين الصلاتين وتغتسل ثلاث مرات للظهر والعصر غسلاً واحداً، وللمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وللفجر غسلاً واحداً.

    فالحالة الأولى ليس فيها ذكر الاغتسال لكل صلاة، وفي الحالة الثانية وهي كونها تجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء تغتسل ثلاث مرات، لكن جاء في بعض الروايات أنها تغتسل لكل صلاة من الصلوات الخمس، وإذا أرادت أن تجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيكفيها ثلاثة أغسال: تغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وللمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وللفجر غسلاً واحداً.

    وهذا الحديث في حق من تكون غير مميزة لا باللون والرائحة ولا بالأيام التي كانت تحيضها من قبل؛ لأنها إما أن تكون مبتدئه أو ناسية أيام حيضها وعددها، فتعمل بما جاء في هذا الحديث.

    فللنساء ثلاث حالات: من تعرف الحيض باللون والرائحة وهذا هو الأصل، ومن لا تعرف لوناً ولا رائحة للحيض، ولكنها تعرف مقدار الأيام التي كانت تحيضها قبل أن يحصل لها المرض، ومن لا تعرف هذا ولا هذا فإنها تأخذ بما جاء في حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها.

    قوله: [ عن حمنة بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته) ] قولها: (أستفتيه وأخبره) الواو هنا ليست للترتيب، والمعنى: أخبره وأستفتيه، فالإخبار عن حالها هو الأول، والمقصود من الإخبار هو الاستفتاء عما تصنع في صومها وصيامها، ويمكن أن نقول: إنها جاءت لتستفتي، والفتوى تأتي نتيجة الإخبار.

    قوله: (فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش رضي الله عنها، فقلت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها؛ قد منعتني الصلاة والصوم؟! فقال: أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم) الكرسف هو القطن، وهو يذهب الدم، بمعنى: أنه إذا جعل على الفرج فإنه يعلق به الدم ويمنعه من السيلان، لكن إذا كان الدم كثيفاً كثيراً فلا ينفع فيه الكرسف ولا الثياب إذا كان يصب صباً ويثج ثجاً كما جاء عن حمنة في وصفها لاستحاضتها.

    قوله: [ (قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوباً. فقالت: هو أكثر من ذلك؛ إنما أثج ثجاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم، قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام) ] الركض في الأصل ضرب الرجل في الأرض، ومنه الجري ووقوع الرَجل على الأرض بشدة وبقوة عند الركض، والمقصود من هذا أن الشيطان يشوش على النساء في حال حصول هذا الفساد في دمائهن بحيث يشوش عليهن فيجعلهن في قلق، والرسول صلى الله عليه وسلم بين لها ماذا تصنع وما عليها أن تسلك، فقال: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله) ؛ لأنها لا تعلم العادة باللون والرائحة، ولا تعلم العادة بالأيام التي كانت موجودة من قبل، فهذه تعتبر نفسها حائضاً ستة أيام أو سبعة أيام على الغالب على النساء، وفيهن من يزيد حيضها وفيهن من ينقص عن هذا المقدار، واختيار هذه الستة الأيام أو السبعة يرجع إلى اختيارها؛ لأنه قال: (تحيضي ستة أيام أو سبعة) يعني: من الشهر، فإذا اختارت ستة أيام من أول الشهر تستمر عليها، وإذا اختارتها من وسط الشهر تستمر عليها، وإذا اختارتها من آخر الشهر تستمر عليها.

    قوله: (ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي) يعني: تغتسل قبل الأيام الستة أو السبعة غسل الحيض، فإذا طهرت من الحيض الذي اعتبرت أيامه ستة أو سبعة، واستنقأت -من النقاء وهو النظافة والنزاهة- وسلمت من ذلك الحيض فإنها تصلي.

    قوله: [ (حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) ] وغالب النساء يحضن في كل شهر مرة، لكن قد تحيض المرأة في الشهر مرتين، فيأتيها الحيض في أوله وفي آخره، وقد لا تأتيها في شهرين أو أكثر من ذلك، لكن غالب النساء يحضن كل شهر، وغالب الحيض يكون ستة أو سبعة أيام من الشهر، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدها إلى أن تعمل بما هو الغالب في النساء من حيث الشهر ومن حيث عدة الأيام، وهو أنها تحيض كل شهر ستة أيام أو سبعة، فما زاد على الستة الأيام أو السبعة تعتبر نفسها في حكم الطاهرات، فتصلي في تلك الأيام كلها، ولا بد أن تتوضأ لكل صلاة، وتغتسل لكل صلاة استحباباً، لكن هذه الرواية التي أوردها أبو داود رحمه الله ليس فيها ذكر الاغتسال لكل صلاة.

    قوله: [ (وإن قويت على أن تأخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك) ] أرشدها صلى الله عليه وسلم أنها إذا قويت أن تعجل العشاء وتؤخر المغرب أو تعجل العصر وتؤخر الظهر فتفعل ذلك، يعني: تقدم إحدى الصلاتين إلى وقت الأولى أو تؤخر إحدى الصلاتين إلى وقت الثانية، وهذا فيه دليل على أن المستحاضة تجمع من أجل هذا المرض الذي أصابها، وهو حجة في أن المريض له أن يجمع بين الصلاتين، فإذا كان المرض يشق عليه فله أن يصلي كل صلاة في وقتها، وله أن يجمع، لكن لا يقصر الصلاة عندما يجمع، فالذي جاءت به السنة هو الجمع بدون القصر، فالمريض إذا احتاج إلى الجمع جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ولكنه لا يقصر.

    والمستحاضة تجمع بين الظهر والعصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتجمع بين المغرب والعشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وعند الفجر تغتسل غسلاً واحداً، فتكون اغتسلت ثلاث مرات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهذا أعجب الأمرين إلي) قيل في كونه أعجب الأمرين إليه: لأن فيه الاغتسال ثلاث مرات بخلاف الأول فإنه ليس فيه ذكر الاغتسال، ومعنى هذا: أن العمل الذي حصل فيه زيادة في العمل يكون فيه زيادة في الأجر، لكن هذا الاغتسال هو على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، وإنما الواجب هو الوضوء لكل صلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث حمنة في الاستحاضة

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    هو زهير بن حرب أبو خيثمة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ وغيره ].

    يعني: وحدثه شخص، لكنه لم يسمه، ولهذا قال: قالا، وهذا يفيد أن ذلك الغير واحد، وهو أحياناً يقول: وغيره أو وجماعة أو ناس آخرون ثم يقول: قالوا، لكنه هنا قال: قالا، وهذا يدل على أن هذا الذي أبهمه شخص واحد.

    [ قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو ].

    عبد الملك بن عمرو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زهير بن محمد ].

    زهير بن محمد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة.

    [ عن عبد الله بن محمد بن عقيل ].

    عبد الله بن محمد بن عقيل صدوق في حديثه لين ، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن إبراهيم بن محمد بن طلحة ].

    إبراهيم بن محمد بن طلحة ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن .

    [ عن عمه عمران بن طلحة ].

    عمران بن طلحة ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن حمنة بنت جحش ].

    حمنة بنت جحش رضي الله عنها صحابية، وحديثها أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    رواية عمرو بن ثابت لحديث حمنة في الاستحاضة، وذكر ترجمته

    [ قال أبو داود : ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل قال: فقالت حمنة : فقلت: (هذا أعجب الأمرين إلي). لم يجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم، جعله كلام حمنة ].

    ذكر أبو داود رحمه الله رواية الحديث من طريق عمرو بن ثابت ، وهو ضعيف الحديث، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة في التفسير ، وقد قال عنه أبو داود : إنه رافضي رجل سوء، ولكنه صدوق في الرواية، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه ضعيف، يعني: فلا يحتج بحديثه.

    [ قال أبو داود : ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل قال: قالت حمنة : فقلت: (هذا أعجب الأمرين إلي) ].

    يعني أن هذا الكلام من كلامها وليس من كلام الرسول، والذي مر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: (وهذا أعجب الأمرين إلي) .

    [ قال أبو داود : وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء، ولكنه كان صدوقاً في الحديث، وثابت بن المقدام رجل ثقة ].

    أبوه هو ثابت بن المقدام ثقة، وليس له رواية هنا، وإنما جاء ذكره عرضاً أو استطراداً، وفي التقريب قال: هو ابن أبي المقدام ، وأبو داود سمى أباه ثابت بن المقدام ، فـالمقدام هو جده، وفي التقريب قال: ابن أبي المقدام ، فيحتمل أن يكون أبو المقدام كنية لـثابت ، ويحتمل أن يكون قوله ابن أبي المقدام نسبة إلى جده.

    ترجمة ابن عقيل

    [ قال أبو داود : سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء].

    روى أبو داود كلام أحمد في ابن عقيل، وقد سأل الترمذي البخاري عنه فقال: حديث حسن، يعني: حديث ابن عقيل هذا، وكذلك الإمام أحمد جاء عنه أنه قال: حديث حسن ، وهذا يدل على أن الإمام أحمد جاء عنه خلاف ما جاء في هذه الرواية، ويمكن أن يقال -كما قال في عون المعبود-: كان في نفسه منه شيء ثم تبين له أنه حسن، وفي نقل الترمذي عن الإمام أحمد وعن البخاري أنه حديث حسن دليل على أن التحسين موجود عند المتقدمين قبل الترمذي ، ولكن الذي اشتهر عنه ذكر الحسن وأظهره وأبرزه وأكثر من استعماله هو الترمذي رحمه الله في جامعه؛ لأنه كان يستعمل ذلك بكثرة بعد الأحاديث، فيقول: حسن، حسن صحيح، حسن غريب، حسن صحيح غريب، وهكذا، ولكن ليس الترمذي هو الذي ابتدأ ذكره، ولكنه موجود من قبله كما نقله الترمذي عن البخاري وعن الإمام أحمد .

    والجمع الذي في هذا الحديث ليس جمعاً صورياً، فالجمع الصوري فيه مشقة، فكونها تتحين آخر هذا وأول هذا فيه من المشقة ما فيه، لكن المقصود: أنها إما أن تعجل فيكون جمع تقديم، أو تؤخر فيكون جمع تأخير.

    1.   

    كلمة حول الإسراء والمعراج

    حكم تخصيص ليلة سبع وعشرين من رجب باحتفال أو عبادة

    نتكلم كلمة بمناسبة ليلة سبع وعشرين من رجب على ما يتعلق بليلة الإسراء والمعراج، فنقول:

    إن الليالي والأيام لا يعتبر لها فضائل ولا ميزات إلا بنص جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه جاء عنه تخصيص بعض الأيام وبعض الليالي وتمييزها على غيرها، كليلة القدر التي جاء في القرآن أنها خير من ألف شهر، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضلها وفي تحريها أحاديث كثيرة. وكذلك جاء في يوم عرفة أنه يصام لغير الحجاج، وأن صومه يكفر السنة الماضية والسنة الآتية.

    وجاء في يوم عاشوراء أنه يكفر السنة الماضية.

    فالمعتبر في تخصيص الليالي والأيام إنما هو السنة الثابتة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وقد شاع عند كثير من الناس أن ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة سبع وعشرين من رجب، ولهذا يختصونها بالاحتفاء بها وتمييزها على غيرها بالعبادة وبما يميزونها به، ومن المعلوم أنه لم يثبت أن ليلة المعراج هي ليلة سبع وعشرين من رجب، ولو كان ذلك ثابتاً في الصحيحين وفي غيرهما فليس لأحد أن يخصها بعبادة أو يميزها على غيرها بشيء؛ لأن التخصيص والتمييز لليالي والأيام إنما يكون طبقاً للدليل وطبقاً لما تأتي به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولم يحصل شيء من ذلك.

    والنبي صلى الله عليه وسلم بعدما عُرج به إلى السماء مكث ثلاثة عشر عاماً ولم يحصل منه احتفال بهذه الليلة، ولا أمر بالاحتفال بهذه الليلة، فالمعراج حصل قبل الهجرة بثلاث سنين، وبعد الهجرة مكث صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنين، ومع ذلك ما جاء عنه من فعله أنه ميزها بشيء، ولم يثبت من طرق صحيحة ثابتة أنها في ليلة معينة لا في ليلة سبع وعشرين ولا غير سبع وعشرين، ولو ثبت لم يكن لأحد أن يخصها بعبادة؛ لأن التخصيص إنما يكون وفقاً للدليل ووفقاً لما ثبتت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    ومن المعلوم أن الخير كل الخير في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، واتباع أصحابه من بعده، وقد جاء بعده الخلفاء الراشدون: أبو بكر تولى سنتين وأشهراً، وعمر تولى عشر سنوات وأشهراً، ومدة عثمان اثنتا عشرة سنة وأشهر، وعلي أربع سنين وأشهر، ومدة خلافة الخلفاء الراشدين ثلاثون سنة ولم يأت عن أحد منهم أنه خص هذه الليلة بشيء أو ميزها على غيرها بشيء.

    إذاً: تمييزها على غيرها وعمل عبادة فيها دون غيرها من الأيام ومن الليالي لم تأت به سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ما يدل على أن التخصيص بالفضائل والتمييز بالعبادات إنما يكون وفقاً لما تأتي به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال في الحديث المتفق على صحته من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وفي لفظ لـمسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث العرباض بن سارية : (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) فهو عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث رغّب في اتباع السنة وحذر من الوقوع في محدثات الأمور، رغّب بقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ورهّب وحذر بقوله: (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) فأخبر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن كل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، ولا يقال: إن في الإسلام بدعة حسنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (كل بدعة ضلالة) فكيف يقال: إن في الإسلام بدعة حسنة والنبي صلى الله عليه وسلم وصف البدع كلها بأنها ضلالة؟!

    إذاً: الواجب هو اتباع الدليل، والحرص على متابعة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وإذا أراد الإنسان أن يخص بعض الليالي والأيام بشيء فليسأل عن الدليل، وليسأل عن السنة هل جاءت بذلك عن رسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في يوم عرفة أنه يصام، وصومه يكفر السنة الماضية والآتية.

    وكذلك تخصيص ست من شوال سواء كانت في أوله أو وسطه أو آخره مجتمعة أو متفرقة جاءت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنها تصام.

    وكذلك تخصيص يوم عيد الأضحى وثلاثة أيام بعده بالتقرب إلى الله عز وجل بذبح الهدايا وذبح النسك.

    إذاً: تفعل العبادات في الأيام وفي المواسم التي شرع الله عز وجل أن تفعل فيها تلك العبادات، أما إذا لمم يأت شيء في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم يأتي الإنسان إلى ليلة من الليالي أو يوم من الأيام أو شهر من الشهور ويخصه بعبادات يميزه بذلك على غيره؛ فإن هذا من الأمور المحدثة، ومن الأمور المبتدعة في دين الله عز وجل، والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام حث على اتباع السنن وحذر من الوقوع في البدع.

    شرط قبول الأعمال الصالحة

    أي عمل من الأعمال يعمله الإنسان ويتقرب به إلى الله عز وجل شرط قبوله وكونه نافعاً عند الله أن يجتمع فيه أمران:

    أحدهما: أن يكون ذلك العمل خالصاً لوجه الله.

    والثاني: أن يكون مطابقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلابد من توافر الإخلاص ولابد من توافر المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا فقدا معاً أو فقد واحد منهما فإن العمل مردود على صاحبه، فإذا فقد الإخلاص والمتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام فالعمل مردود، وإن وجد الإخلاص ولكن العمل مبني على بدعة فإنه مردود ولو كان الإنسان مخلصاً فيه لله عز وجل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وقد جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه بين للناس أن الأضحية من بعد صلاة العيد، فأحد الصحابة رضي الله عنه وأرضاه ذبح أضحيته قبل الصلاة وكان قصده طيباً، وكان يريد شيئاً حسناً، وهو أنه إذا فرغ الناس من صلاة العيد وهم محتاجون إلى اللحم يجدون أضحيته مطبوخة فتكون أول ما يأكل الناس من الأضاحي، فلما علم رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه ذبح قبل الصلاة قال له: (شاتك شاة لحم) يعني: ليست أضحية؛ وإنما هي مثل الذبيحة التي تذبحها في محرم وصفر وربيع من أجل أن تأكل، فهذه من جنسها؛ لأنها لم تقع في الوقت الذي شرع فيه ذبح الأضاحي وهو بعد الفراغ من صلاة العيد، وبعدما يصلي الناس صلاة العيد.

    قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن بعض أهل العلم أنه قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا وقع غير مطابق للسنة فإنه لا يعتبر، ولو كان قصد صاحبه حسناً.

    فالإخلاص إذا وجد لابد معه من متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا هو معنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ لأن قول: أشهد أن لا إله إلا الله، يعني: الإخلاص لله وحده، وأشهد أن محمداً رسول الله، يعني: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

    يقول شارح الطحاوية: هناك توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، وتوحيد المرسل -وهو الله- يكون بالإخلاص، وتوحيد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، فلا يعبد إلا الله، ولا يعبد الله إلا طبقاً لما شرع رسول الله، فالعبادة لله وحده، وكون العبادة لله وحده لابد أن تكون على وفق سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذا العمل الذي عمله ذلك الصحابي لم يعذره الرسول فيه، ولم يقل له: مادام أن قصدك حسن فشاتك أضحية، بل قال: (شاتك شاة لحم) .

    أيضاً أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جاء إلى أناس متحلقين في المسجد وبأيديهم حصى، وفي كل حلقة شخص يقول لهم: سبحوا مائة. فيسبحون ويعدون بالحصى: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، حتى يكملوا مائة، ثم يقول: كبروا مائة، فيكبرون: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ويكبرون مائة، فإذا قال: هللوا مائة، قالوا: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، وهكذا … فوقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: ما هذا يا هؤلاء؟! إما أنكم على طريقة أهدى من طريقة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو أنكم مفتتحو باب ضلالة، وهم فهموا أنهم لا يكونون على طريقة أهدى من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فبقيت الثانية وهي أنهم مفتتحو باب ضلالة، فقالوا: سبحان الله! يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخير. فقال رضي الله عنه: وكم من مريد للخير لم يصبه!

    فالإنسان الذي قصده حسن ويخلص لله لابد أن يكون عمله مطابقاً لسنة رسول الله، ثم قال: عدوا سيئاتكم فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، فكونهم يفعلون الأمر المبتدع يأثمون، والمشروع أن كل واحد يسبح الله تعالى في نفسه ولا يخفى على الله خافية، ولا يكون ذلك بالعد بالحصى، ولا بغير الحصى، وإنما الإنسان يعد ما ورد عده، مثل التسبيح بعد الصلاة ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين، ويقول عند تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فهذا شيء جاءت به السنة، والإنسان يعد بأصابعه، ولكن كون الإنسان يسبح بحصى هذا شيء لم يأت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال أبو عبد الرحمن ما قال، ونبه إلى أن الصحابة هم القدوة وهم الأسوة وهم السابقون إلى كل خير، ولو كان خيراً لسبقوا إليه.

    بيان كيف صلح سلف الأمة، وبيان فضلهم

    يقول الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

    فالذي صلح به الصحابة هو الذي يصلح به من بعد الصحابة، ولا طريق ولا سبيل للآخرين أن يصلحوا غير الطريقة التي صلح بها الصحابة، وذلك بالإخلاص والمتابعة، الإخلاص لله وحده؛ فتكون العبادة خالصة لوجه الله لا شرك لغيره فيها، كما قال عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقال مالك رحمة الله عليه أيضاً: ما لم يكن ديناً في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإنه لا يكون ديناً إلى قيام الساعة.

    والمبتدع كأنه يقول: هناك حق أو عمل صالح غاب عن الصحابة، وخبئ لأناس يأتون بعدهم.

    فالواجب على كل مسلم قبل أن يعمل العمل وقبل أن يخص ليلة من الليالي بشيء أو يوم من الأيام بشيء أن يسأل عن الدليل، ويسأل عن السنة في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن كان في ذلك سنة ثابتة فعلى العين والرأس، وليقل: سمعنا وأطعنا، وإن كان ليس هناك شيء فيكفيه ما كفى خير هذه الأمة، وما كان عليه خير هذه الأمة، ولو كان ذلك خيراً لسبقونا إليه؛ لأنهم السباقون إلى كل خير، وهم الحريصون على كل خير، ما كان مثلهم أحد في الماضي ولا يكون أحد مثلهم في المستقبل، فهم خير الناس وأكمل الناس وأفضل الناس؛ فهم أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين؛ لأن أمة محمد عليه الصلاة والسلام خير أمة أخرجت للناس، وخير أمة هم محمد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    قال عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .

    وعلى هذا فتخصيص ليلة سبع وعشرين من رجب وتمييزها والاحتفاء بها والاحتفال بها لا يجوز، ولم يثبت أنها ليلة سبع وعشرين، ولو ثبت فليس هناك دليل على تخصيصها، فالواجب هو الوقوف عند الحدود التي حدت، والوقوف عند السنن، وعدم الوقوع في البدع، فإن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.

    1.   

    الأسئلة

    الحكمة من تسليط الكفار على المسلمين

    السؤال: فضيلة الشيخ! العلماء في بلدنا الآن يقتلون من قبل النصارى ، فهل هذه فتنة عظيمة؟! وما الحكمة في ذلك؟

    الجواب: لاشك أن هذه فتنة وشيء عظيم، نسأل الله عز وجل أن يخلص المسلمين علماءهم وعامتهم من كل شر، وأن يوفقهم لكل خير.

    والحكمة هي ابتلاء وامتحان، ولاشك أن كل ما يجري وكل ما يحصل فلله في ذلك حكم كثيرة.

    حكم الجمع بين رفع الجنابة وسنة الجمعة في غسل واحد

    السؤال: رجل أصابته الجنابة يوم الجمعة، فهل له أن يجمع بين غسل الجنابة وغسل الجمعة في غسل واحد؟

    الجواب: يمكن أن يجمع بينهما، لكن لابد أن ينويهما جميعاً، وإذا اغتسل يوم الجمعة وأراد به رفع الحدث فإن الحدث يرتفع، فبدلاً من أن يغتسل غسلين: غسلاً للجنابة وغسلاً للجمعة يغتسل للجنابة ويكون للجمعة أيضاً.

    حكم صلاة تحية المسجد في أوقات النهي

    السؤال: كيف التوفيق بين حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وبين حديث النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة؟

    الجواب: حديث الأوقات الثلاثة جاءت محددة عند طلوع الشمس وزوالها وغروبها، فلا يصلى فيها ولا يدفن فيها الموتى، وظاهرها يعارض حديث (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس) فهذان حديثان عامان متعارضان في الظاهر، ولهذا اختلف العلماء في عموم هذا وفي عموم هذا، فمنهم من أخذ بعموم: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، وقالوا: هو عام في جميع الصلوات، فيعم أي وقت سواء في وقت نهي أو غير وقت نهي، وقال بعض العلماء: حديث: (لا صلاة بعد العصر) عام في هذين الوقتين فلا يصلى أي صلاة إلا ما جاء نص على أنها من ذوات الأسباب، مثل قضاء الفوائت ومثل صلاة الجنازة وما إلى ذلك، وبعض أهل العلم يقول: إن تحية المسجد من ذوات الأسباب، وبعضهم يقول: إنها ليست من ذوات الأسباب، والذي نقوله: إن الأمر في ذلك واسع.

    فائدة جمع الأحاديث الضعيفة والموضوعة

    السؤال: إن من طرق التأليف في الحديث كما هو معروف عند العلماء جمع الأحاديث الموضوعة والضعيفة، فهل لقائل أن يقول: إن هذه الطريقة فيها تسهيل وتيسير للناس حتى يرجعوا إلى الأحاديث الموضوعة والضعيفة، والأصل ألا يدل الناس على أماكنها حتى لا يغتروا بها؟

    الجواب: من العلماء من أفرد الأحاديث الموضوعة في مؤلفات خاصة، وكذلك الضعيفة جمعوا جملة كبيرة منها، والمقصود من ذلك: بيان ضعفها؛حتى لا يغتر بها، ولو ذكرها أحد فإنه يقال له: إن هذا لم يثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. ففي مثل هذا العمل خدمة للناس ولطلبة العلم بأن يقفوا على الأحاديث الموضوعة والأحاديث الضعيفة، ويعرفوا حالها؛ فإذا وجدوا من يحتج بحديث ضعيف قالوا: هذا حديث ضعيف ليس صحيح، أو ليس بحجة، ولا يعول عليه، ولا يعمل به، وكذلك إذا كان موضوعاً، والمؤلفات موجودة منذقديم الزمان في الأحاديث الضعيفة، وكذلك الأحاديث الدائرة على الألسنة.

    حكم جماع المستحاضة

    السؤال: هل يجوز جماع المستحاضة؟

    الجواب: نعم، يجوز جماعها في حال اعتبارها طاهرة، وذلك في غير مدة الحيض التي كانت تجلسها، وهي تعرف ذلك أما باللون والرائحة أو بالأيام التي كانت تعرفها من قبل أو بالأيام الستة أو السبعة التي اعتبرتها حيضاً كما جاء في حديث حمنة ، وما عدا ذلك فلزوجها أن يجامعها بعد أن تغتسل عند إدبار حيضها.

    حكم لبس الساعة المطلية بالذهب وحكم الاتجار بها

    السؤال: ما حكم لبس الساعة المطلية بالذهب؟ وما حكم التجارة فيها؟

    الجواب: الشيء الذي فيه الذهب لا يجوز للرجل أن يستعمله، وأما النساء فتستعمل الذهب الذي في الساعات، وفي الخواتم، وفي أي شيء، والرجال ليس لهم استعمال الذهب لا في قليل ولا في كثير، لا في خاتم، ولا في غير خاتم، إلا في أمر يضطر إليه كإنسان قطع أنفه، فيجعل مكانه شيء من الذهب أو سن من ذهب إذا انقلع، لا أن يلبسه من أجل أن يتجمل، أما كونه يتخذ خاتماً أو ساعة من ذهب أو مطلية بالذهب فكل ذلك ليس للرجل، والاتجار به فيما يتعلق باستعماله للنساء سائغ.

    حكم تكرار العمرة

    السؤال: أنا شاب من مصر، والظروف لا تسمح لي بالحضور إلى الأراضي المقدسة كل عام، فهل يمكن أن أقوم بعمل أكثر من عمرة في الفترة الزمنية التي أقيم فيها بمكة أم لا يجوز؟ وبماذا تنصحني من الأعمال التي يمكن أن أؤديها في خلال الثلاثة الأيام التي سوف أقضيها في مكة؟

    الجواب: الأيام التي تقضيها في مكة أكثر فيها من النوافل ومن قراءة القرآن، وأكثر من الطواف، وادع لنفسك ولمن تريد، هذا هو الذي يمكنك أن تفعله، وأما قضية تكرار العمرة، فإن تيسر لك أن تذهب إلى المدينة مرة أو مرتين وترجع إلى مكة، فلك أن تعتمر كلما ذهبت إلى مكة، أما كون الإنسان يكون بمكة ثم يتردد بين التنعيم والكعبة، ويأتي بعمرات فيقول: أنا اعتمرت في اليوم خمس مرات أو أربع مرات، فهذا لم تأت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في حق عائشة ولظرف خاص بها، فكون الإنسان يتردد بين الكعبة والتنعيم أو بين الكعبة والحل ويأتي بعمر متعددة لا نعلم شيئاً يدل عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الإنسان يكثر من الصلاة في المسجد الحرام، ويكثر من الطواف، ويكثر من قراءة القرآن، ويكثر من ذكر الله عز وجل، وهذا هو الذي يفعله الإنسان.

    حكم طواف الوداع لأهل مكة

    السؤال: إذا كنت من أهل مكة، ثم خرجت منها إلى المدينة أو إلى الرياض بدون طواف وداع لعذر ضيق الوقت أو لكثرة الزحام، فما الحكم؟

    الجواب: أهل مكة إذا أرادوا أن يخرجوا منها ليس عليهم طواف وداع.

    تقديم المستحاضة التمييز على العادة

    السؤال: إذا تعارضت العادة والتمييز للمرأة المستحاضة فأيهما تقدم؟

    الجواب: التمييز -وهو كونها تعرف اللون والرائحة- هو المقدم؛ لأن هذا شيء مشاهد ومعاين، وهو شيء حاصل، وأما العادة التي كانت تجلسها ستة أيام أو سبعة أيام قبل أن تأتيها الاستحاضة فهذه يصار إليها إذا لم يحصل تمييز للدم والرائحة؛ لأن هناك مكثاً بسبب معرفة اللون والرائحة، ومكثاً بسبب معرفة الأيام التي كانت قبل الاستحاضة، فوجود الدم بلونه ورائحته هو المعتبر، وإذا لم يوجد الدم بلونه ورائحته فيصار إلى معرفة الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تأتيها الاستحاضة.

    الجمع بين حديث السبتيتين وحديث سماع الميت لقرع النعال

    السؤال: كيف الجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يا صاحب السبتيتين اخلع نعليك فقد آذيت)، وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليسمع قرع نعالكم

    الجواب: لا يوجد تنافي بين هذا وهذا؛ لأن الناس في المقابر يبدءون بحفر القبور من مكان متأخر إلى أن يصلوا إلى الباب، فالناس يقبرون في أماكن متأخرة عن الباب، ثم بعد ذلك يمشون إلى أن يصلوا إلى الباب، ومن المعلوم أنهم إذا قبروا صاحب القبر ورجعوا في هذا المكان الذي ليس فيه قبور يمشون بنعالهم، أيضاً للإنسان أن يمشي بين المقابر إذا كان هناك طريق ليس فيه قبور، وأما المشي بين المقابر ولم يكن هناك ضرورة تلجئ إليه من رمضاء أو شوك أو حصى يلحق ضرراً بالإنسان فإن على الإنسان ألا يمشي بالنعال كما جاء في حديث صاحب السبتيتين.

    حكم من حكم بغير ما أنزل الله مع علمه بحرمة ذلك

    السؤال: يقول: ما حكم من حكم بغير ما أنزل الله مع أنه عالم بأن الحكم بغير ما أنزل الله حرام، لكنه يقول: أنا أعرف أن حكم الله هو الأفضل والأنفع لعباده؛ لكنه حكم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه أو انتقام من شخص؟

    الجواب: الحكم في مسألة أو في مسائل متعددة بغير ما أنزل الله مع معرفة الحاكم أنه مخطئ، وأنه مال من شخص إلى شخص؛ لا شك أن هذا كبيرة من الكبائر، وهو كفر دون كفر، وإنما يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً إذا استحله، وقال: إنه حلال، أو أن شريعة الله غير كافية أو شريعة الله لا تصلح لكل زمان، فهذا كفر مخرج من الملة، كمن لا يحكم بالشريعة لزعمه أن أحكامها لا تناسب هذا العصر، أو أن أحكامها فيها قسوة، وفيها شدة، ولا تلائم إلا الزمن الأول، فهذه ردة، وأما إذا اعتبر أنه مخطئ وأنه مذنب وأنه ظلم في قضية أو في قضايا لهوىً في نفسه على إنسان أو على أناس فهذا كفر دون كفر.

    حكم قصر الصلاة عند زيارة الأهل لمدة ثلاثة أيام في بلد الإقامة

    السؤال: إذا كنت في بلد ما ساكناً ثم أتيت إلى المدينة للدراسة، فهل عند ذهابي إلى بلدي الأول يحق لي أن أقصر الصلاة؟ علماً بأني أذهب إلى بلدي ثلاثة أيام أو أربعة فقط؟

    الجواب: بلدك الأول الذي هو موطنك إذا رجعت إليه ولو مكثت أدنى مدة فأنت مقيم فيه؛ لأنه بلدك وموطنك، وأنت ما هجرته، فما دام أنه لم يحصل هجران لذلك البلد فهو يعتبر بلدك، وما دام أهلك فيه وأنت تذهب إلى أهلك وتزورهم، فأنت من أهل ذلك البلد، وإذا ذهبت إلى الدراسة أو إلى أي مكان آخر غير بلدك، وجلست فيه مدة طويلة أو قصيرة تزيد على أربعة أيام فحكمك حكم المقيمين، وإن كانت إقامتك في غير بلدك أربعة أيام فأقل فلك أن تقصر، وأما الجمع فتركه أولى في حق من كان مقيماً في حدود أربعة أيام فأقل حال السفر.