إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [003]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جمع أبو داود رحمه الله تعالى في سننه أحاديث مشتهرة عند أهل الحديث، وجانب الغريب منها، ولم يلجأ إلى المراسيل إلا إذا لم يجد في الصحاح ما يغني عنها.

    1.   

    تابع رسالة أبي داود إلى أهل مكة لبيان منهجه في السنن

    شهرة أحاديث سنن أبي داود

    قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: [والأحاديث التي وضعتها في كتابي السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم].

    تقدم ذكر جملة مما اشتملت عليه رسالة أبي داود رحمه الله التي فيها وصفه لكتابه السنن، ثم قال: [ إن الأحاديث التي في سننه مشاهير عند الناس، والمشهور في اصطلاح المحدثين أنه ما روي من أكثر من طريقين ولم يصل إلى حد التواتر، والعزيز: ما روي من طريقين، والغريب: ما جاء من طريق واحد ].

    والإمام أبو داود رحمه الله يقول: إن الأحاديث أكثرها مشاهير، وإنها عند الناس الذين ألفوا في الحديث، وكون الحديث تتعدد موارده ويوجد عند المحدثين بطرق مختلفة؛ فإن يدل على شهرته، وعلى تعدد المخارج له، وإذا كانت تلك الطرق فيها ضعف يسير يمكن أن يجبر بعضها ببعض، وأن يعضد بعضها بعضاً.

    قبول الحديث الغريب إذا كان الراوي ممن يحتمل تفرده

    الحديث الغريب: هو الذي جاء من طريق واحد، ولكن الغريب منه ما هو مقبول، وذلك فيما إذا كان تفرد صاحبه يحتمل، وبعض الأحاديث في الصحيحين وفي غير الصحيحين جاءت من طريق واحد وهي معتبرة عند العلماء ولا يتكلم في ردها أحد، ومنها أول حديث في صحيح البخاري ، وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنما الأعمال بالنيات).

    فإنه ما رواه عمر رضي الله عنه، ورواه عن عمر : علقمة بن وقاص الليثي ، ورواه عن علقمة : محمد بن إبراهيم التيمي ، ورواه عن محمد بن إبراهيم التيمي : يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم كثر رواته عن يحيى بن سعيد ، واتسع.

    وقد اعتبره العلماء.

    كذلك الحديث الذي ختم به البخاري صحيحه، وهو حديث أبي هريرة : (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).

    فإنه ما جاء إلا من طريق أبي هريرة ، ثم يرويه عن أبي هريرة أبو زرعة ابن جرير ويرويه عنه واحد بعد واحد، ثم بعد ذلك تتعدد رواته وطرقه، وهو حديث غريب.

    فأول وآخر حديث في صحيح البخاري حديث غريب ولكن رجالها ثقات، ويحتج بتفرد الواحد منهم، فهي حجة عند العلماء.

    رد الحديث الغريب إذا كان في رواته من لا يحتمل تفرده أو كان شاذاً

    إذا كان الحديث الغريب في رجاله من لا يحتمل تفرده فإنه لا يفيد شيئاً، وكذلك إذا جاء شاذاً، وذلك بأن يأتي من طريق واحدة مخالفة للطرق الأخرى الصحيحة، فهو صحيح لولم يخالف، لكن الإشكال جاءه من المخالفة للثقات حيث لا يمكن الجمع، ولا يمكن النسخ، ولا يمكن الترجيح.

    أما إذا أمكن أن يجمع بين الأحاديث، وأن يحمل هذا على شيء وهذا على شيء، فإعمال النصوص أولى من إهمال شيء منها، ولكن إذا لم يمكن إلا أن يرجح بعضها على بعض؛ لأن الراوي روى شيئاً خالف فيه الثقات فيصار إلى الترجيح، وذلك مثل الحديث الذي في صحيح مسلم في قصة صلاة الكسوف: أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلاها بثلاث ركوعات.

    جاء عن الثقات عند البخاري وغيره: أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان وليس فيها أكثر من سجودين؛ لكن جاء في بعض الروايات في مسلم ثلاثة ركوعات، والقصة واحدة كلها تتحدث عن موت إبراهيم وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم صلاة الكسوف، فلا يمكن أن يجمع بينها ولا يقال بالنسخ لأن القصة واحدة، ولم يبق إلا الترجيح، وهو أن ترجح رواية الثقات على رواية الثقة الذي خالف الثقات.

    ولهذا عندما يعرفون الحديث الصحيح، يقولون: ما روي بنقل عدد تام الضبط، متصل السند، غير معلل شاذ. فليس مجرد ثقة الرجال واتصال الإسناد كافياً، بل لابد مع ذلك أن يسلم من الشذوذ والعلة، والشذوذ هو مخالفة الثقة للثقات.

    بعض العلماء قال: من شرط الصحيح: أن يكون له طريقان فأكثر. ولكن هذا رده أكثر العلماء وأنكروه على من قاله؛ لوجود أحاديث معتبرة وصحيحة جاءت من طريق واحد.

    يقول أبو داود رحمه الله: [ الأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس ].

    أي: أن معرفة الحديث المشهور والحديث الغريب لا يتأتى إلا بجمع الطرق، وأما مجرد أن يقف الإنسان على حديث ولا يفتش عن الشواهد والمتابعات؛ فإن هذا لا يميزه كل أحد ولا يقدر عليه كل أحد، ولا يستطيع أن يحكم على غرابته إلا من عنده اطلاع واستيعاب.

    مذهب أبي داود في الحديث الغريب

    قال: [ والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم ].

    يعني: أن الإنسان يفتخر بهذا، ويطمئن إلى سلامتها وإلى تعدد طرقها ومصادرها وكونها مشهورة.

    أما قوله: (فإنه لا يحتج بالغريب ولو كان من طريق مالك أو يحيى بن سعيد ) فلا أدري ما يقصده بقوله بهذا، وهل يرى أن التفرد لا يعتبر ولو كان رجاله ثقات، أو أنه إذا كان من طريقهم ولكن روى عنهم من لا يحتمل تفرده؟

    فإذا كان الأمر كذلك فوجود بعض الثقات في الإسناد لا ينفع إذا وجد فيه شخص ضعيف ولم تأت طرق أخرى تقويه وتؤيده، أما إذا كانوا كلهم ثقات وليس فيهم من لا يحتمل تفرده، فإن حديثهم معتبر ومعول عليه، والصحيحان قد اشتملا على ذلك، والعلماء اعتبروا تلك الأحاديث التي جاءت من مثل هذه الطرق صحيحة وثابتة.

    قال: [ ولو احتج رجل بحديث غريب ودس من يطعن فيه ].

    أي: بكونه ما جاء إلا من طريق واحد، وليس معروفاً عند الناس كلهم، يعني: أن هناك مجالاً للطعن؛ لكن ليس كل حديث غريب يكون فيه مجال كما أسلفت.

    قال رحمه الله: [ ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً ].

    هنا إضافة الشذوذ إلى الغرابة، لكن الشذوذ إذا كان سببه الغرابة فلا إشكال في الحديث؛ لأن مخالفة الثقة للثقات إنما ترد بها رواية الثقة حيث لا يمكن الجمع بين رواية الثقات ولا معرفة الناسخ والمنسوخ.

    فإذا كانت القضية ليس فيها إلا الترجيح؛ فإن الحديث يكون شاذاً ولو كان إسناده صحيحاً، ولا يعول على ذلك الشاذ بل يعول على المحفوظ الذي هو في مقابلة الشاذ.

    قال: [ فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد ].

    الحديث المشهور التي تعددت مخارجه، وهو متصل لا انقطاع فيه، ليس يقدر أحد على أن يرده.

    ولعل هذا يوضح أن مراد أبي داود فيما تقدم من ذكر يحيى بن سعيد ومالك وروايتهم الحديث الغريب: أنه إذا كان في الإسناد من يقدح فيه من أجله، أما حيث يوجد الإسناد المتصل المشهور الذي تعددت مصادره ومخارجه فليس يقدر أحد أن يرده.

    كراهة بعض العلماء للحديث الغريب

    قال رحمه الله: [ وقال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الغريب من الحديث ].

    (كانوا) أي: العلماء (يكرهون الغريب من الحديث)، يعني: الذي لا يعرف إلا من طريق واحد، ويفضلون الذي جاء من طرق متعددة؛ لأن الحديث إذا تعددت طرقه كان ذلك أقرب إلى سلامته من أن يكون فيه وهن أو خطأ.

    الملقي: [ وقال يزيد بن أبي حبيب : إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة؛ فإن عرف وإلا فدعه ].

    معناه: أن الإنسان يبحث عنه ويذكره، ويبحث عن شيء يساعده ويؤيده.

    1.   

    الإرسال والتدليس في سنن أبي داود

    قال رحمه الله: [ وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر ، و الحسن عن أبي هريرة ، و الحسن عن مقسم ، وسماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث ].

    الفرق بين المرسل والمدلس

    ذكر أبو داود رحمه الله بأن كتابه مشتمل على المرسل والمدلس، وقد سبق ذكر أن المرسل عند العلماء يطلق إطلاقين: إطلاقاً خاصاً وإطلاقاً عاماً.

    والإطلاق الخاص: هو قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وهذا هو المشهور عند المحدثين.

    ويطلق إطلاقاً أعم منه: وهو رواية الراوي عن شخص لم يدرك عصره، أو أدرك عصره ولم يسمع منه.

    وروايته عمن لم يدرك عصره يسمونه المرسل الجلي لأنه واضح، فإن كان عاصر ذلك الشخص الذي أضاف إليه الحديث ولكنه لم يلقه؛ فإن هذا يسمونه المرسل الخفي؛ لأنه لا يتفطن له، إذ مع المعاصرة يظن اللقاء.

    والمدلس: هو رواية التلميذ عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع كعن أو قال، والرواية بهذه الطريقة تسمى تدليساً؛ لأن فيها إيهاماً بالاتصال، والواقع أنه لا اتصال.

    ولهذا يقولون في الحديث إذا جاء من طريق فيها صيغة تحتمل التدليس كـ: (عن أو قال): يرتفع التدليس إذا صرح التلميذ عن شيخه بالتحديث في موضع آخر بأن قال: حدثني، أو قال: أخبرني، أو قال: سمعت فلاناً.

    والمدلس يذكره بعض المحدثين في أسانيدهم حيث لا يوجد غيره، وقد يصل إلى شخص بإسناد فيه تدليس، ثم يصل إلى شخص آخر بإسناد عند محدث آخر فيه التصريح بالسماع أو التحديث، وعند ذلك لا يضر التدليس في بعض الطرق؛ لأنه لزوال الاحتمال بوجوده من طريق آخر.

    تقوي المرسل والمدلس بغيره

    قال رحمه الله: [ وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث ].

    ما ليس بمتصل هو المرسل والمدلس؛ لأن المدلس على حسب الظاهر ليس بمتصل؛ لأن الراوي إذا كان معروفاً بالتدليس فمعناه: أنه يمكن أن تكون هناك واسطة، والمرسل فيه سقوط إن كان في أعلى الإسناد، وهو المشهور عند المحدثين، أنه قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا. وهذا فيه سقوط بلا شك؛ لأن التابعي ما أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم، والساقط يحتمل أن يكون صحابياً ويحتمل أن يكون تابعياً كما تقدم.

    فالمدلس والمرسل يذكرهما العلماء لأنه يمكن أن يتقوى بعضهما ببعض، فيمكن أن يتقوى المرسل بالمرسل، والمدلس بالمدلس، والمدلس بالمرسل؛ ما دام أنها في موضوع واحد وتعددت الطرق، فإن الأحاديث التي يتوقف فيها إذا انضم بعضها إلى بعض جبر بعضها بعضاً، وانتقل إلى أن يكون من قبيل الحسن لغيره.

    قوله: (وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل العلم على معنى أنه متصل).

    يعني: أن المدلس أو المرسل يذكره هو ويذكره غيره عندما لا يوجد غيره من الأحاديث المتصلة الصحيحة؛ لأن هذا هو الذي وجد، مثلما قال فيما مضى بالنسبة للمنكر.

    أمثلة للحديث المدلس

    قوله: (وهو مثل الحسن عن جابر ) لأن الحسن البصري رحمه الله معروف بالتدليس.

    كـالحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وكذلك الحسن عن أبي هريرة .

    قوله: والحكم عن مقسم )، هو الحكم بن عتيبة .

    قوله: (وسماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث) يعني: أن الأحاديث التي وقع فيها السماع أربعة، والبقية مدلسة، وهذا مثلما قالوا في سماع الحسن من سمرة ، فمنهم من تكلم فيه مطلقاً، ومنهم من اعتبره مطلقاً، ومنهم من فصل وقال: إن حديث العقيقة ثابت لأنه جاء ما يدل على سماعه من سمرة ، وغيره يكون من قبيل المدلس.

    وهنا قال: إن سماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث.

    قال رحمه الله: [ وأما أبو إسحاق عن الحارث عن علي فلم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد ].

    وأبو إسحاق مدلس، فإذا جاء غير هذه الأربعة باللفظ الذي فيه العنعنة فإنه يعتبر من قبيل المدلس.

    قوله: (ليس فيها مسند واحد) يعني ليس منها حديث مسند متصل، بل تلك الأحاديث الأربعة التي سمعها والتي لا تدليس فيها ليس فيها شيء مسند.

    قال رحمه الله: [ وأما ما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل، ولعله ليس للحارث الأعور في كتاب السنن إلا حديث واحد، فإنما كتبته بآخرة ].

    يقول: وهذا الذي ذكره وفي السنن وأشار إليه فهو قليل، قال: ولعله ليس للحارث الأعور في كتابه إلا حديث واحد كتبه بآخرة، ومعناه: أنه ليس شيء من هذا عندي، والذي عندي للحارث هو حديث واحد كتبته مؤخراً.

    1.   

    توقف أبي داود عن ذكر بعض الأحاديث

    قال رحمه الله: [ وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى علي، فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، وربما لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا ].

    قوله: (وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى علي).

    هذه العبارة غير واضحة؛ لأن الحديث يمكن أن يكون فيه ما يدل على صحته ويقويه من حيث الرواية، أو من حيث الراوي، أو من حيث التقديم والتأخير، لكن قوله: (إذا كان يخفى ذلك علي) فيه غموض.

    وقوله: (وربما تركت الحديث)، يعني: فلا يذكره إذا لم يفقهه، وهذا يدل على أنهم يعنون بالفقه، وأنهم يفقهون ويفهمون الأحاديث ويعرفون معانيها، وأنهم لا يثبتونها وهي موهمة أو خفية أو لا يتضح معناها، فإنهم يصيرون إلى الواضح ويتركون الشيء الذي فيه الخفاء.

    قوله: (وربما كتبته وبينته وربما لم أقف عليه)، أشار به إلى هذا الذي حصل له؛ لكن قوله: (وربما لم أقف عليه) لا أدري ما معنى: (لم أقف عليه)، وهل معناه: لم أقف على شيء يوضحه، أو أنه ما وقف على الحديث؟

    وقوله: (وربما أتوقف عن مثل هذه؛ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا) معناه: أنه ربما يتوقف عن ذكر كل شيء فيه إشكال؛ لأنه قد يؤثر على الذين لا يفقهون ولا يفهمون، ولا يعرفون عيوب الحديث.

    ومن الأشياء التي كانوا يتركونها لأن فيها إشكالاً على الناس: أنهم لا يحدثون بكل حديث في كل مناسبة وفي كل مجال؛ لأن بعض العامة يقصر فهمهم عن مثل ذلك، مثلما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي فيه: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟) ثم بين له ذلك فقال معاذ رضي الله عنه: (أفلا أبشر الناس يا رسول الله؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا) ؛ لأن بعض الناس إذا حدث بحديث فيه ترغيب بشيء، أو فيه ذكر سعة جود الله وفضله وإحسانه قد يجره ذلك إلى التساهل، فلا يحدث بالأحاديث في كل مكان أو كل مجال إذا كان يترتب على ذلك ضرر.

    ولهذا ما حدث به معاذ رضي الله عنه إلا عند موته تأثماً، يعني: خشية أن يلحقه إثم إذا لم يحدث بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا ذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تبشرهم فيتكلوا).

    وكذلك ما جاء في بعض الأحاديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى حائط وافتقده أصحابه وخشوا أن يكون حصل له مكروه، فذهبوا يبحثون عنه، وكان الذي سبق إليه أبو هريرة رضي الله عنه، فلقيه وأخبره أن الناس انزعجوا، وأنهم لا يعرفون ماذا حصل له، فأمره بأن يرجع وأن يبشر من لقي بالجنة، فلقيه عمر وطعن في صدره، وقال: اسكت، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره وقال لعمر : لماذا فعلت هكذا؟ قال: خلهم يعملون، فقال الرسول: خلهم.

    لأن بعض الناس يعتمد على الأحاديث التي فيها ترغيب، وهذا هو الذي بنى عليه المرجئة عقيدتهم الفاسدة حيث قالوا: (لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة)، فعولوا على أحاديث الوعد وأغفلوا أحاديث الوعيد، وعكسهم الخوارج الذين عولوا على أحاديث الوعيد وأغفلوا أحاديث الوعد، وأهل السنة والجماعة أعملوا أحاديث الوعد وأحاديث الوعيد، فأخذوا بهذا وبهذا.

    فهم لا يعولون على أحاديث الوعد ويقعون في المعاصي، ولا يغفلون أحاديث الوعد ويعتبرون من أتى كبيرة أنه كفر أو ارتد أو خرج من الإسلام، بل يعتبرون من حصل له ذلك مؤمناً بإيمانه فاسقاً بكبيرته، ولا يعطونه الإيمان المطلق ولا يسلبونه مطلق الإيمان، فهم متوسطون بين طرفي الإفراط والتفريط.

    ومن الأشياء التي كانوا لا يحدثون بها ما لا يفهمه السامع أو لا يعقله، وقد جاء: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) فكون الإنسان يُحدَّث بشيء لا يعقله ولا يطيقه فهمه قد يترتب عليه مضرة.

    1.   

    عدد كتب وأحاديث سنن أبي داود

    قال رحمه الله: [ وعدد كتب هذه السنن ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل ].

    أي: وعدد الكتب التي اشتمل عليها كتابه ثمانية عشر جزءاً، جزء منها يعتبر مراسيل، يعني: أجزاء حديثية.

    قال رحمه الله: [ وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من المراسيل منها ما لا يصح، ومنها ما هو مسند عن غيره وهو متصل صحيح ].

    والمراسيل منها ما لا يصح لأنه ما جاء إلا من طريق وعر، ومنها ما هو مستند على غير هذا المرسل وهو متصل صحيح، والمعنى أنه مرسل من طريق ولكن يأتي طريق آخر يكون فيها متصلاًً.

    قال رحمه الله: [ ولعل عدد الذي في كتابي من الأحاديث قدر أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل ].

    والمراسيل كما هو معلوم: كتاب مستقل لـأبي داود جمع فيه المراسيل.

    قال رحمه الله: [ فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ فربما يجيء حديث من طريق وهو عند العامة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلبت اللفظة التي تكون لها معان كثيرة، وممن عرفت نقل من جميع هذه الكتب ].

    هذه العبارة فيها خفاء.

    قال: [ وربما يجيء الإسناد فيعلم من حديث غيره أنه غير متصل، ولا يتبينه السامع إلا بأن يعلم الأحاديث وتكون له فيه معرفة فيقف عليه، مثلما يروى عن جريج قال: أخبرت عن الزهري ، ويرويه البرساني عن ابن جريج عن الزهري ، فالذي يسمع يظن أنه متصل ولا يصح بتة، فإنما تركناه لذلك، هذا لأن أصل الحديث غير متصل ولا يصح، وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير ].

    يعني: أن من الأحاديث ما يأتي من طريق غير متصل، ثم يجيء من طريق أخرى وفيه ما يفيد أو ما يحتمل الاتصال فيظن أنه متصل.

    ثم ضرب لذلك مثلاً وهو أن ابن جريج قال: أخبرت عن الزهري . فكلمة (أخبرت عن الزهري ) واضحة بأن فيها انقطاعاً، وأن بينه وبين الزهري واسطة ولم يذكر المخبر، وقد جاء الحديث من طريق البرساني عن ابن جريج عن الزهري هكذا.

    فالذي يطلع على هذا الإسناد الذي فيه: عن فلان عن فلان، يظن أنه متصل، وهذا لا يفيد شيئاً لأنه ما دام الراوي مدلساً روى بالعنعنة فهو غير متصل؛ لكن عبارة: أخبرت عن الزهري واضحة في أنه لا اتصال، وأن هذا محتمل لأنه مدلس.

    فمن لا يعرف الحديث قد يجد الإسناد من طريق البرساني عن ابن جريج عن الزهري فيظن أنه متصل، وذلك لا يصح لأنه مدلس.

    قال رحمه الله: [ والذي لا يعلم يقول: قد ترك حديثاً صحيحاً من هذا وجاء بحديث معلول ].

    والذي لا يعرف الحديث إذا وجد هذا الذي فيه (أخبرت عن الزهري ) والانقطاع فيه واضح ويجد المؤلف لم يذكر الحديث أنه متصل؛ الذي لا يعرف الحديث يظن أنه متصل ولا يعلم أن وجود هذا الإسناد الثاني كعدمه لأنه مدلس، والمدلس كما هو معلوم محتمل الاتصال ومحتمل الانقطاع، محتمل الواسطة ومحتمل عدم الواسطة.

    1.   

    تصنيف سنن أبي داود على الأحكام

    قال رحمه الله: [ وإنما لم أصنف في كتابي السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها ].

    أخبر أبو داود رحمة الله عليه بأن كتابه اعتنى بأحاديث الأحكام، ولم يجعل فيه شيئاً من الزهد والفضائل، وإنما أراد أن يكون كتاب أحكام.

    وله في الزهد كتاب مستقل ومؤلفات أخرى، ولكنه أراد أن يكون هذا الكتاب كتاب أحكام، ولهذا يعتبر كتاب أبي داود رحمة الله عليه من الأصول التي يعول عليها في الأحكام، بخلاف بعض العلماء الذين يدخلون في مؤلفاتهم الزهد والرقائق وما إلى ذلك، فهو يقول: إنه ما أراد أن يكون كتابه في الزهد والفضائل، وإنما أراد أن تكون عنايته بالأحكام التي يعول عليها الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، وكذلك في عقائدهم؛ لأنه ذكر في كتابه كتاب السنة الذي اشتمل على أحاديث كثيرة كلها في العقيدة.

    قال رحمه الله: [ فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها من غيرها من غير هذا لم أخرجه، والسلام عليكم ورحمة والله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل ].

    هذا هو آخر رسالته التي وصف فيها سننه، ولاشك أنها مشتملة على أمور كثيرة، كما قلت سابقاً: صاحب البيت أدرى بما فيه، فالمؤلف إذا بين خطته ومنهجه وطريقته فهو أدرى وأخبر.

    وبعض المؤلفين لا يوجد عنده شيء يوضح منهجه وطريقته، ولهذا يحتاج العلماء إلى أن يبحثوا عن شيء يكشف المنهج والطريقة، مثلما حصل للبخاري رحمة الله عليه في صحيحه فإنه ما ذكر منهجه؛ ولكن العلماء استخلصوا منهجه وطريقته بالاستقراء والتتبع كما فعل الحافظ ابن حجر في فتح الباري، حيث ذكر جملة كبيرة من الأمور التي توصل إليها بالاستقراء والتتبع من منهج البخاري وطريقته في إخراجه للأحاديث التي أوردها في كتابه الجامع الصحيح، وبهذا انتهت تلك الرسالة.

    1.   

    شروح سنن أبي داود

    قبل أن نبدأ بالسنن أحب أن أذكر بعض الكتب التي صنفها العلماء حول هذا الكتاب.

    فالكتاب قد اختصر وشرح، ومن اختصاره تهذيب الحافظ المنذري له، فإنه هذبه وحذف أسانيده، وبعد إيراد الحديث يذكر من خرجه من أصحاب الكتب الأخرى، فكتاب المنذري رحمة الله عليه تهذيب السنن هو اختصار لسنن أبي داود ، وفيه مع الاختصار الإشارة إلى التخريج في بقية الكتب الخمسة من الكتب الستة.

    وللعلامة ابن القيم تعليقات على مختصر المنذري في بعض الأحاديث وليس كلها، ولكنه أثنى عليه ثناء عظيماً، وقال: إنه قد أحسن في تهذيبه حتى لم يدع للإحسان موضعاً، أي ما ترك مجالاً؛ لأنه في انتقائه واختصاره وعنايته أحسن إحساناً عظيماً وقام بعمل جليل.

    وله حاشية عليه فيها شرح لبعض الأحاديث، يطيل في بعض الأحيان حتى يكون كلامه على الحديث بمثابة جزء، فإنه يقوم باستيعاب وبيان الفقه والأحكام وأقوال العلماء، ويتوسع في بعض المواضع، وفي بعضها يختصر، وكثير منها لا يعلق عليها شيئاً، وقد طبع.

    وكذلك معالم السنن للخطابي ، فإنه يذكر الكتاب، ويذكر الباب، ولكنه لا يستوعب حيث يقول: من باب كذا ثم يذكر بعض الأحاديث ويشرحها، فهو بمثابة الاختصار، ولكنه يشرح تلك الأحاديث التي يوردها وكلامه في التبويب يشير إلى انتقائه واختصاره حيث يقول: من باب كذا، ثم يذكر بعض الأحاديث التي انتقاها ويشرحها.

    وقد طبعت الثلاثة التي هي تهذيب المنذري أو مختصر المنذري ، ومعالم السنن للخطابي ، وحاشية ابن القيم على مختصر المنذري بمصر بعناية الشيخ محمد حامد الفقي رحمة الله عليه في ثمانية مجلدات.

    ولكن التمييز بين كلام ابن القيم وكلام المنذري وكلام الخطابي يحتاج إلى جهد، من جهة أن ابن القيم أحياناً يطول فيحتاج إلى أن يسوق صفحات كلها لابن القيم ، وأحياناً لا يذكر شيئاً.

    وقد طبعت معالم السنن للخطابي وحدها في مجلدين بعناية راغب الطباخ ، وطبع كتاب ابن القيم مع عون المعبود في بعض الطبعات، وعون المعبود للطيب الآبادي الهندي شرح مختصر ومفيد، وهناك شروح أطول منه، ولكن منها ما هو غير كامل، وإنما وجد أوله مثل غاية المقصود لأحد علماء الهند، وكذلك أيضاً ظهر في مصر المنهل العذب المورود للساعاتي وهو شرح فيه العدد القليل، ولكن الكتاب المشهور والموجود والذي هو كامل هو عون المعبود للطيب الهندي وهو في متناول الأيدي، وله شروح أخرى مذكورة في كشف الظنون وفي غيره من الكتب التي تذكر المؤلفين ومؤلفاتهم.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    أفعال النبي في الصلاة ليست كلها على الوجوب

    السؤال: هل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يدل على أن كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فهو واجب؟

    الجواب: الحديث لا يدل على أن كل فعل يكون واجباً؛ لأن مما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس بواجب وإنما هو من الأمور التي إذا وجدت في الصلاة لا تؤثر فيها ولا تبطلها، وإنما هي من الأمور المستحبة ومن السنن، والإنسان يحرص على الواجبات والمستحبات.

    لكن لا يقال: إن كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون من قبيل الواجب، وأنه إذا تركه فإنه يأثم، نعم يأثم إذا ترك ما علمه من السنة زهداً عنها ورغبة فيها، أما إذا صلى الإنسان صلاة وترك شيئاً فعله النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقال: إن صلاته غير صحيحة؛ لأنه ما وجد منه ذلك.

    وليس أيضاً كل ما جاء في قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) واجب، بل يستثنى من ذلك بالنسبة للمأمومين أنهم لا يقولون: سمع الله لمن حمده كما يقول الإمام، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس ويقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده.

    وبعض العلماء احتج بهذا الحديث على أنه يقول: سمع الله لمن حمده، فيجمع بين التسميع والتحميد، وبعض العلماء يقول: إن هذا الحديث يستثنى منه التسميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرشد الناس إلى أن يصلوا، قال: (وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد).

    احتجاج بعض المتصوفة بتقبيل لسان أبي داود على بدعهم

    السؤال: استغل بعض الصوفية المعاصرين قصة الذي طلب من أبي داود أن يخرج له لسانه ليقبله على جواز التقبيل المعروف لديهم مما هو مخالف للشرع، فنرجو منكم توضيح المسألة؟

    الجواب: التقبيل الذي يقوم به بعض الناس، والذي فيه ذل من المقبِّل واغتراراً من المقبِّل ليس هو منهج السلف وطريقتهم، بعض العلماء قد يتواضع ويبتعد عن أن يغتر وهذا مطلوب منه، وقصة الذي قال: أخرج لسانك، إنما فعل ذلك مع إمام لسانه مشتغل بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما الصوفية فبماذا اشتغلوا؟ ما اشتغلوا إلا بالبدع والخرافات.

    فعلى أي أساس يقاس هذا بهذا؟ فهذا مُحَدِّث ولسانه مشتغل بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولسانه طري بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه بيان عظم قدر اللسان الذي حصل منه هذا.

    وأما الصوفية فماذا حصل لهم مما يدعو إلى تعظيمهم؟ أهو كونهم يأتون بالبدع وألسنتهم لا تشتغل إلا بالبدع؟ فرق بين هذا وهذا، ولا يلحق هذا بهذا.