إسلام ويب

الرد على المفوضةللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت الكثير من الشبه حول مسألة التفويض في آيات الصفات، ونسبتها إلى أهل السنة، وعقيدة السلف في هذه ذلك هو الإيمان بالمعنى وتفويض الكيف، أما المعطلة فيظهر فساد مذهبهم في ذلك وتأثرهم بعلم المنطق. وعلى هذا فقد بين الشيخ هذه القضية في معرض الرد على بعض الأسئلة، مفنداً بعض هذه الشبه.

    1.   

    فهم الصحابة للنصوص على الحقيقة لا على المجاز

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    نفتتح الليلة مباشرة بتلقي الأسئلة المتوفرة عند بعض إخواننا، ونجيب عليها -إن شاء الله- بما يسر الله لنا، ثم نختصر الجلسة بقدر الإمكان لظروف عارضة، وهي وإن كانت عارضة فليس فيها ما يزعج، وإنما نحن معكم إلى الساعة العاشرة والنصف، وبالكثير إلى الحادية عشرة، فتوكلوا على الله، وهاتوا ما عندكم.

    السؤال: هل العقيدة التي يحملها السلفيون هي عقيدة الصحابة؟ فإن من الناس من يزعم ويقول: إن كانت هي عقيدة الصحابة؛ فأتونا ولو بصحابي واحد يقول في الصفات: نؤمن بالمعنى ونفوض الكيف، فما هو قولكم؟

    الجواب: نحن نعكس السؤال، ثم نجيب عن هذا السؤال فنقول: هل هناك صحابيٌ تأول تأويل الخلف؟ ونريد على ذلك مثالاً أو مثالين؟

    السائل: يذكرون أحياناً عن ابن عباس رضي الله عنه أنه تأول آية من كتاب الله تبارك وتعالى.

    الشيخ: إذا كان قد تأول، فما الذي حمله على التأويل؟ وهل كان ذلك هو منهج الصحابة الأولين؟

    فجواباً على السؤال الأول نقول: إن السلف الصالح لم يكونوا بحاجة إلى أن يشرحوا ما هو واضح لديهم وضوح الشمس في رابعة النهار، والمثال السابق يشبه تماماً ما لو قال قائل: أعطونا مثالاً واحداً على أن أحد الصحابة قال: هذا فاعل، وهذا مفعول به، وهذا مفعول للتمييز، وهذا للحال.. إلى آخر ما هنالك من مصطلحات وضعت بعد الصحابة، وبعد السلف؛ لضبط فهم النصوص على الأسلوب القرآني والعربي الأصيل؛ فلن نستطيع أن نأتيهم بنص من مثل هذه النصوص التي اصطلح عليها العلماء الذين وضعوا قواعد النحو، ووضعوا قواعد الصرف، وكذلك سائر العلوم التي منها أصول الفقه، ومنها أصول الحديث.. إلى آخره؛ ذلك لأن الصحابة الأولين كانوا عرباً أقحاحاً، فلم يكونوا بحاجة إلى أن يفسروا ما يفسره اليوم السلفيون الذين ينتمون إلى السلف الصالح؛ ذلك لأنهم يفهمون النصوص المتعلقة بآيات الصفات، وأحاديث الصفات كما فهمها السلف.

    المهم أن الأصل ليس هو التأويل، بل الأصل هو عدم التأويل، وهذا الأصل أمر متفق عليه عند جميع العلماء، حتى الذين يؤولون أي كلام عربي سواءً أكان متعلقاً بآيات الصفات، أو أحاديث الصفات، أو متعلقاً بأي خبرٍ عربي، فكلهم يتفقون فيقولون مثلاً: الأصل في كل جملة عربية أن تحمل على الحقيقة، وليس على المجاز، فإذا تعذرت الحقيقة حينئذٍ يقولون: نصير إلى المجاز. ففي هذه القاعدة المتفق عليها بين السلف والخلف، نحن نقول: إن العرب الأولين -الصحابة الذين قصد السائل فهمهم لتلك النصوص- سائرون على هذه القاعدة التي عليها الخلف فضلاً عن السلف.

    فإذاً حينما قال الله عز وجل: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] ما الذي يفهمه العربي فيما يتعلق بالملائكة -مثلاً- من كلمة (جاء الملائكة)؟ هل يفهم المعنى المؤول، أم يفهم المعنى الحقيقي؟

    لاشك أن الجواب سيكون: إنه يفهم المعنى الحقيقي، سنقول له: أعطنا نصاً على أن الصحابة فسروا مجيء الملائكة بالمعنى الحقيقي، فلن يستطيع أن يصل إلى ذلك أبداً! لماذا؟ لأن الأمر واضح لديهم، فهم يسيرون على قاعدة علمية مجمع عليها ليس فقط بين السلف بل والخلف أيضاً، فما كان جوابهم عن هذا المثال السهل البسيط، فهو نفس جوابنا على السؤال الذي وجهته آنفاً.

    الحق أن نقول: إن هؤلاء المعطلة متأثرون بعلم المنطق الذي يخرج كثيراً أصحابه من دائرة الاتباع إلى دائرة الابتداع، فحينما يوردون هذا السؤال، معنى ذلك: أنه ليس هناك ضابطٌ لفهم نصوص الشريعة إطلاقاً؛ لأنه لا يمكننا أن نتصور إلا أن كل من يدعي العلم، سواءً كان سلفياً أو كان خلفياً لا بد له من أن يفسر نصاً في القرآن أو في السنة على القاعدة المذكورة آنفاً، وهي: الأصل الحقيقة، وليس المجاز، فحينما يأتينا أي خلفي من هؤلاء، ويفسر لنا تفسيراً ما لنصٍ ما، نسأله قائلين: ما هو مستندك في هذا التفسير؟ هل عندك نص عن الصحابة.. عن التابعين.. عن أتباع التابعين؟ فسيضطر إلى أن يعود إلى أصل اللغة، وحينئذ نقول: هذه حجتنا عليكم، لماذا تتأولون النصوص التي لا تعجبكم ظواهرها ولا إشكال فيها؟ إنما جاء الإشكال -كما هو الأصل- من التكييف والتشبيه.

    لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أصل المعطلة أنهم وقعوا في التشبيه، فلما أرادوا الخلاص من التشبيه لجئوا إلى التأويل، فلو أنهم أخذوا بمثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وكذلك سورة الصمد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] .. اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:2] .. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3] .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4] لو أنهم وقفوا عند هذا النص لما احتاجوا إلى التأويل؛ لأن الذي دفعهم إلى التأويل هو أنهم فهموا هذه الآيات على مقتضى التشبيه.

    فإذا قلنا: (جاء ربك) أي: كما يليق بجلاله، كذلك الملائكة خلقٌ من خلق الله، لكن لا شك ولا ريب أن مجيئهم لا يشبه مجيء البشر، بل الجن الذين خلقوا من نار، مجيئهم، وذهابهم، وإيابهم، لا يشبه بأي وجه من الوجوه مجيء البشر، فهل نؤول المجيء المتعلق بالجن، أو المجيء المتعلق بالملائكة، أم نقول: إن مجيء كل ذات تتناسب مع تلك الذات؟ هكذا ينبغي أن تفهم نصوص الكتاب والسنة، أي: على القاعدة العربية:

    الأصل في كل جملة الحقيقة وليس المجاز، فإذا تعذرت الحقيقة صير إلى المجاز، فهذا جواب ذلك السؤال.

    ثم يخطر في بالي شيءٌ آخر وهو: أن هذا السؤال يعني عدم الاعتداد بفهم الأئمة والذين يتظاهر هؤلاء بالتمسك بعلمهم وبفهمهم، بينما هنا لا يقيمون لفهمهم وزناً إطلاقاً، مع أن الأئمة هم الذين اقتدينا بمنهجهم وبأسلوبهم في تفسير الآيات، وتفسير الأحاديث.

    لذلك كان كثير من علماء السلف يحذرون عامة الناس من أن يجالسوا أهل الأهواء؛ لأنهم أهل شبهات، وطرح إشكالات، ومع الأسف لا يستطيع كثيرٌ من أهل العلم أن يجيبوا جواباً مقنعاً موافقاً للكتاب والسنة من جهة، ومتابعاً للعقل الصحيح من جهة أخرى، وكثير من الناس لا يستطيعون أن يقدموا الحجة والبيان لأولئك الذين تأثروا بالشبهات والإشكالات التي يطرحها أهل الأهواء والبدع؛ لذلك حسموا الأمر، ونهوا عن مخالطة أهل البدع والأهواء.

    1.   

    عقيدة السلف في رؤية الله تعالى في الآخرة

    السؤال: بالنسبة لقوله تعالى: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين:23] والنظر الذي فسره بعض الأئمة بأنه النظر إلى الله تعالى، ثم هناك حديث: (إن أعلى أهل الجنة منزلة هو من ينظر إلى الله كل يومٍ مرتين) مع أن هذا الحديث قد أوردتموه في ضعيف الجامع، فهل هناك وصفٌ لرؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وقد جاء في حديث أن يوم الجمعة في الجنة ينظر فيه المؤمنون لربهم؟ وكيف يكون التفسير هنا بالنسبة للآية: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين:23] فهم متكئون على الأرائك ينظرون، ومع ذلك هناك يوم يخصص للنظر، والحديث الذي ورد في هذا أيضاً ضعيف، فكيف يوجه هذا؟

    الجواب: سامحك الله! هل تسأل عن أصل رؤية المؤمنين لربهم؟ أم تسأل عن عدد المرات التي ينظرون فيها إلى ربهم؟ سؤالك ذو شعب كثيرة، فلو أنك حددت سؤالاً أولاً، وثانياً، وثالثاً، إن كان الأمر كما نتصور، ليكون هذا أوضح للحاضرين سؤالاً وجواباً، فإن كان في سؤالك ثلاثة أسئلة؛ فابدأ إذاً بالأهم فالأهم.

    السائل: بالنسبة لقول الله تعالى: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ) [المطففين:23] هل هذا دائم في الجنة؟

    الشيخ: نعم.

    السائل: أقصد هل هذا دائم من حيث الوقت؟

    الشيخ: (رجعت حليمة إلى عادتها القديمة)، يا أخي! حدد سؤالك بارك الله فيك، هل أنت مؤمن بأصل الرؤية؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: إذاً ما هو سؤالك؟

    السائل: هل هذا النظر دائم في كل وقت في الجنة؟

    الشيخ: لا نعلم! لماذا مثل هذا السؤال؟ هلا سألت -مثلاً- عن حديث الجمعة، المسمى بـ (حديث يوم المزيد)، هل هو صحيح أم لا؟! نقول: نعم. فالحمد لله هو صحيح، إذاً المؤمنون يرون ربهم كل يوم جمعة، أما كل ساعة وكل لحظة، فما عندنا علم! ولماذا السؤال في الأمور الغيبية؟! وأنت بلا شك تعلم -في حدود ما علمت- أنك لم تقف على أن المؤمنين يرون ربهم في كل لحظة وفي كل ساعة، ولا غيرك يعلم ذلك إطلاقاً !

    إذاً الذي يجب على كل مؤمن هو أن يؤمن بأصل الرؤية التي ثبتت في الكتاب والسنة، ولذلك أنا استغربت أول الأمر حينما سألت عن قوله تعالى: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين:23] فهل معنى هذا: أنهم ينظرون إلى ربهم؟ الجواب: نعم. لكن هناك نصوص أوضح في إثبات أصل الرؤية من هذه الآية، ولسنا بحاجة إلى أن نذكر شيئاً من هذا الآن؛ لأني لا أعتقد أن أحداً من الحاضرين -على الأقل- عنده شكٌ في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، حتى الذين ينكرون الصفات بطريق تأويلها كـالأشاعرة والماتريدية -مثلاً- مما يحجون به وتقام عليهم الحجة به: أنهم يؤمنون برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، خلافاً للمعتزلة، وخلافاً للخوارج، فهؤلاء المعتزلة والخوارج ينكرون أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.

    أما الماتريدية والأشعرية فهم يشاركون أهل السنة -أهل الحديث- في إيمانهم بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.

    هنا تأتي الحجة القاصمة لظهر المنكرين لاستواء الله عز وجل على عرشه، واستعلائه على مخلوقاته؛ ذلك لأن هذه الرؤية التي اشترك الماتريدية والأشاعرة مع أهل الحديث في الإيمان بها، تستلزم إثبات العلو لله عز وجل، وهم ينكرون العلو، فيقال لهم: كيف تنكرون علو الله على خلقه، ومع ذلك تثبتون رؤية المؤمنين لربهم؟! فكيف تعتقدون رؤية المؤمنين لربهم وأنتم تنكرون علو الله عز وجل على خلقه؟! فهذا تنافر وتضاد؛ ولذلك الآن تجد ذاك الرجل الذي ملأت رائحته الكريهة أنوف المؤمنين جميعاً، لا يتعرض إطلاقاً لإثبات هذه العقيدة، وهي عقيدة رؤية المؤمنين لرب العالمين؛ مع أنها عقيدة الأشاعرة، وعقيدة الماتريدية، لماذا؟ لأن هذه العقيدة وحدها تكفي لإبطال قولهم: إن الله عز وجل ليس فوق العرش، وليس فوق المخلوقات كلها.

    إذاً يجب أن نؤمن بأصل هذه الرؤية، وبثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف، وإقرار الماتريدية والأشاعرة بها، أما الدخول في التفاصيل فيقف المؤمن عند ما علم منها، علمنا حديث يوم المزيد، وهو يوم الجمعة، وأن المؤمنين يرون ربهم في كل جمعة؛ فآمنا بذلك، ولسنا مكلفين، بل لا يجوز لنا أن نتعمق أكثر من ذلك.

    ويعجبني بهذه المناسبة قول أحد علماء الحنفية الماتريدية الذين -كما ذكرت آنفاً- يشتركون مع أهل الحديث في الإيمان بهذه النعمة العظمى، وهي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، قال هذا الرجل العالم الفاضل الحنفي الماتريدي:

    يراه المؤمنون بغير كيفٍ     وتشبيه وضربٍ بالمثال

    هذا ما يمكنني أن أتحدث به في هذه اللحظة جواباً عن تلك المسألة.

    1.   

    رد شبهة حول منهج السلف في إثبات الصفات

    السؤال: كثيراً ما يُزعم أن مذهب السلف هو التفويض في الصفات، ويستندون في ذلك على بعض الأقوال لأهل العلم، كالإمام أحمد في قوله: أمروها كما جاءت بلا تفسير. شيخنا! لو توضحون هذه الأقوال، خاصة وأنها ثابتة عن الإمام أحمد وغيره، نرجو منكم بيان هذه المسألة، وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: سبق أن تكلمنا عن هذه المسألة، وجواباً عنها نقول: إن السلف كما جاء في كتب أئمة الحديث، وكما جاء في بعض كتب الأشاعرة كالحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو من حيث الأصول والعقيدة أشعري -على علمه وفضله- وهو قد ذكر في أكثر من موضعٍ واحد في كتابه العظيم المسمى بـفتح الباري، أن عقيدة السلف تحمل آيات على ظاهرها دون تأويل ودون تشبيه، فقول الإمام أحمد : أمروها كما جاءت، أي: افهموها كما جاءت، دون أن تتعمقوا في محاولة معرفة الكيفية.

    والذين يقولون: إن مذهب السلف هو التفويض، يلزمهم أولاً أمران اثنان، وكما يقال: أحلاهما مر، فيلزمهم أن الآيات التي وصف الله عز وجل نفسه فيها، فضلاً عن الأحاديث الكثيرة التي وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه فيها؛ كل هذه النصوص معناها على مذهب التفويض: أننا لا نفهم هذه النصوص، بل ولا ندري لماذا أنزلها ربنا عز وجل في كتابه! ولا ندري لماذا وصف النبي ربه بهذه الصفات! والواجب علينا ألا نفهم هذه الصفات المذكورة في القرآن والسنة؛ علماً بأن الله عز وجل نعى على قومٍ أنهم لا يهتمون بفهم القرآن الكريم، حينما قال رب العالمين: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] فلا شك أن أعظم شيء يتعلق بهذا الإسلام هو: معرفة الرب الذي شرع هذا الدين على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، فحينما يقال في آيات الصفات، وفي أحاديث الصفات: لا نفهم منها شيئاً، إذاً هم لم يعتبروا بمثل قوله في الآية السابقة: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] ويشملهم أيضاً قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف:179]، وقوله: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، والآيات كلها إنما أنزلت لتعقل وتفهم عن الله عز وجل، فإن كانت متعلقة بالعقيدة تبناها عقيدة، وإن كانت متعلقة بالأحكام تبناها وعمل بها.

    إذاً: إذا كانت الآيات المتعلقة بصفة الله عز وجل لا تفهم؛ فإذاً نحن لا ندري عن ربنا شيئاً إلا أن له وجوداً، وعلى هذا فهناك صفات مجمع عليها بين العلماء حتى علماء الخلف: مثلاً: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] فهل نفهم من صفة السميع أن نفوض فنقول: لا ندري ما هي صفة السمع؟ كذلك البصير، لا ندري ما هي صفة البصر! والقدير.. والحكيم.. والعليم..إلخ، معنى ذلك التفويض المزعوم: أننا لا نفهم شيئاً من هذه الصفات!!

    إذاً: على هذا نكون قد آمنا بربٍ موجود، لكن لا نعرف له صفة من الصفات، وحينئذٍ كفرنا برب العباد حينما أنكرنا الصفات بزعم التفويض، وهذا هو الذي يرد -أولاً- على أولئك المفوضة زعموا.

    اللازم الثاني: إذا قال الإمام أحمد أو غيره: أمروها كما جاءت، فقبل الإمام أحمد كان هناك إمام دار الهجرة وهو الإمام مالك رحمه الله تعالى، فهل كان على هذا المذهب؟ حينما جاءه ذلك السائل فقال له: يا مالك ! الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، فلا يعني أن الاستواء مفوض معناه، بل إن الاستواء معلوم وهو العلو، ولكن الكيف مجهول، وهذا هو مذهب السلف؛ ولذلك كان تمام كلام الإمام مالك رحمه الله أن قال: أخرجوا الرجل فإنه مبتدع.

    فهذا الرجل السائل لم يكن مبتدعاً لأنه سأل عن معنى خفي عليه من قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5]، وإنما أخرج وبُدِّع لأنه سأل عن كيفية الاستواء، فكان قول الإمام مالك هذا هو الذي يمثل منهج السلف الصالح، والمتبعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وهو أن معاني آيات، وأحاديث الصفات مفهومة لغة، لكن كيفياتها مجهولة تماماً، فلا يعرف كيفية الذات إلا صاحب الذات! ولا يعرف كيفية الصفات إلا الذات نفسها! لكن الاستواء معلوم، والسمع معلوم، والبصر معلوم، والعلم معلوم و.. و.. إلخ.

    ولذلك فأنا أعتقد أن تفسير كلمة الإمام أحمد : أمروها كما جاءت، بأنها تعني عدم فهم الآيات، وأن نقول: الله أعلم بمراده -كما يزعم الخلف- فهذا هو أصل التعطيل المؤدي إلى جحد الخالق سبحانه وتعالى.

    لذلك فأنا يعجبني كلمة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأكررها على مسامعكم لتحفظوها؛ لأن فيها جماع هذه المسألة في كلمتين اثنتين، يقول رحمه الله: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً. فإذا قال الإنسان: إن الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا داخل العالم ولا خارجه؛ كما يقول بعض المبتدعة الضالين في هذا البلد خاصة؛ حيث يزعمون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا وصف للمعدوم الذي لا وجود له، ولو قيل لإنسان: هل العدم شيءٌ؟ ماذا تتصورون أن يكون الجواب؟! سيكون الجواب: العدم لا شيء. وإذا قيل: هذا العدم الذي هو لا شيء، هل هو داخل العالم أو خارجه؟ هل يصح هذا الوصف؟ لا يصح، فإذا كان هناك شيء له وجوده، وله كيانه، فهل يقال: إنه ليس داخل العالم ولا خارجه؟ كذلك هذا لا يقال.

    إذاً: من هنا قال ابن تيمية رحمه الله: والمعطل يعبد عدماً، أي: شيئاً لا وجود له، وقد قلنا في بعض المناسبات الكثيرة: إن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه المروي في صحيح البخاري : (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن العرش، وعما خلق الله بعد العرش، وعما كان قبل العرش، فقال عليه الصلاة والسلام: كان الله ولا شيء معه) أي: لا مخلوقات. فإذاً هو كان ولا مخلوق معه، ثم خلق العرش، ثم خلق السماوات والأرض.

    فإذاً: حينما خلق الله السماوات والأرض صارت هي الموجود بإيجاد الله إياها، فلا شك ولا ريب أن الله -والحالة هذه- ليس في المخلوقات، أما أن يقال: إنه ليس خارج المخلوقات، فهذا جحد لوجود الله عز وجل؛ لأنه كان ولا مخلوقات، ولا عرش، ولا كرسي، ولا سماء، ولا أرض، ولا ..إلخ.

    لذلك نحن نقول: إن عاقبة التأويل هي التعطيل، لهذا يقول ابن تيمية : المجسم يعبد صنماً، وهذا حرام بلا شك؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] والمعطل يعبد عدماً، أي: يعبد شيئاً لا وجود له، فآمنوا بالله ورسوله على أساسٍ من الفهم للآيات، على الأسلوب العربي الذي كان عليه سلفنا الصالح أولاً، مع الاحتفاظ بأن حقائق هذه الصفات وهذه الأسماء لا يعرفها إلا الله تبارك وتعالى.

    السائل: كذلك مما يثبت أن الإمام أحمد رضي الله عنه ورحمه الله تعالى يعرف ويفهم معنى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، عندما أثبت أن الله عز وجل فوق السماوات بذاته، حيث سئل وقيل له: يا إمام! ماذا تقول في قول الله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]؟ قال: بعلمه. فهذا أيضاً يدل على أن الإمام أحمد يفهم ويعرف معنى قول الله تبارك وتعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] .

    الشيخ: أن يقال: إن السلف ما فسروا، فهذا جحد لحقيقةٍ تشبه جحد المنهجيات من الأمور، والله المستعان!

    1.   

    الرد على السقاف

    السؤال: هناك بدعة جديدة يا شيخ! ابتدعها السقاف في هذه الأيام بالنسبة لهذه المسألة، حيث تكلمت مع أحد تلامذته أو رواده، فعندما ناقشته في هذه المسألة قال: حين سئل شيخنا عن حديث الجارية، وهو في صحيح مسلم قال: الصحابة قالوا: إن الرحمن على العرش استوى، ولكنهم يريدون التأويل، فعندما ناقشت هذا الرجل، كنت كلما يأتي بشيء آتي له بشيء ينقضه، حتى قال في النهاية: أنا أثبت أن الله عز وجل فوق السماء كما أثبتته الجارية، وبقي مصراً على كلام شيخه، وأن الجارية أثبتته؛ ولكنها تريد التأويل.

    الشيخ: وما يدريه؟

    السائل: أنا قلت له: ما هي الحجة والبرهان؟ فهذا لا بد له من برهان ودليل؟

    الجواب: على كل حال أنا أعتقد أنها كلمة يقولونها بألسنتهم، ويقولونها هرباً من الحجة التي تقام عليهم؛ لأن الرجل يصرح في كتبه بأن القول بأن الله في السماء كفر، في مثل قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] قال في بعض كتبه، ونقلاً عن بعض المفسرين المؤولين -مع الأسف-: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] كما يقوله أهل الشرك، هكذا هو مطبوع في الكتاب، ولذلك إذا وصل معك إلى أن يقول: أنا أقول كما قالت الجارية؛ لكن مع التأويل، فهذا في اعتقادي أنه سيكون أحد شيئين، وذلك حتى ننصف هذا الرجل الذي تشير إليه: فإما أنه كفر بشيخه، أو تأول كلام الشيخ بتأويل لا يرضاه الشيخ، أو أن الشيخ علمهم: أن إذا قيل لكم كذا فقولوا كذا، لكن قولهم هذا يخالف المسطور في كتبهم؛ لأن الرجل يصرح بأنه لا يجوز للمسلم أن يقول: إن الله في السماء؛ لأن هذه قولة الكفار المشركين في العهد الجاهلي، وهو تلقاه عن الشيخ عبد الله الغماري المغربي، فهو يصرح -أيضاً- في بعض تعليقاته على كتاب التمهيد، هذا الكتاب العظيم الذي ابتلي ببعض المعلقين من أهل الأهواء وأهل التعطيل، ولا أقول: التأويل-.

    ولذلك إذا قال هذا القول حقيقة فهذه خطوة إلى الأمام، لكن الحقيقة أن السقاف لا يؤمن إلا أن كلمة: (الله في السماء) كفر؛ لأنه يفسر (في السماء) أي: (في جوف السماء)، وهذا كفر، لهذا يقول بأننا نحن نقول: إن الله عز وجل ليس في مكان، ومن قال: إن الله في مكان؛ فقد كفر، لذلك يتأولون (في) بمعنى (على) كما هو صريح الآيات الأخرى، ثم يقول: إن الله عز وجل ليس في مكان، وليس خارج المكان، أو إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، تلك هي شنشنة المعطلة، ومن عجائب أقوالهم أنهم يكفرون من يقول بقول الله ورسوله ويؤمنون بمن يقول بقولةٍ ما قالها رسول الله، ولا صحابي، ولا تابعي، ولا إمام من أئمة المسلمين!

    فنقول لذلك السائل: من من العلماء الذين يعرفون بعلمهم وصلاحهم قال: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه؟ وهؤلاء المعطلة من أين جاءوا بهذه العقيدة؟ نقول: فهم مهما حاولوا أن يتأولوا مثل هذا الكلام؛ فإن هذا التأويل لا يقبل في شطره الثاني إلا إنكار وجود الله تبارك وتعالى، ونحن نعتقد أن كثيراً من المؤولة ليسوا زنادقة، لكن في الحقيقة إنهم يقولون قولة الزنادقة، فالزنديق المنكر لوجود الله هو الذي سيقول: لا شيء مما تزعمون يصح، فإن الله لا داخل العالم ولا خارجه، لكن هم بسبب تأثرهم بعلم الكلام وصلوا إلى أن يقولوا كلمة هي الزندقة بعينها، لكن مع ذلك فهم لا يعلمون، ويصدق فيهم قول رب العالمين: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً [الكهف:103] .. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104] .

    1.   

    بيان قول البخاري في تفسير: (كل شيء هالك إلا وجهه)

    السؤال: لي عدة أسئلة، ولكن قبل أن أبدأ أقول: أنا غفلت بالأمس عن ذكر هذه المسألة، وهي عندما قلت: إن الإمام البخاري ترجم في صحيحه في معنى قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] قال: إلا ملكه.

    صراحة أنا نقلت هذا الكلام عن كتاب اسمه: دراسة تحليلية لعقيدة ابن حجر، كتبه أحمد عصام الكاتب، وكنت معتقداً أن نقل هذا الرجل إن شاء الله صحيح، ولازلت أقول: يمكن أن يكون نقله صحيحاً، ولكن أقرأ عليك كلامه في هذا الكتاب.

    إذ يقول: قد تقدم ترجمة البخاري لسورة القصص في قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، أي: إلا ملكه، ويقال: (إلا) ما أريد به وجه الله، وقوله: إلا ملكه، قال الحافظ في رواية النسفي وقال معمر.. فذكره، ومعمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى، وهذا كلامه في كتابه مجاز القرآن، لكن بلفظ (إلا هو)، فأنا رجعت اليوم إلى الفتح نفسه فلم أجد ترجمة للبخاري بهذا الشيء، ورجعت لـصحيح البخاري دون الفتح، فلم أجد هذا الكلام للإمام البخاري، ولكنه هنا كأنه يشير إلى أن هذا الشيء موجود برواية النسفي عن الإمام البخاري، فما جوابكم؟

    الجواب: جوابي تقدم سلفاً.

    السائل: أنا أردت أن أبين هذا مخافة أن أقع في كلام على الإمام البخاري .

    الشيخ: أنت سمعت مني التشكيك في أن يقول البخاري هذه الكلمة؛ لأن تفسير قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:27] أي: ملكه، يا أخي! هذا لا يقوله مسلم مؤمن، وقلت أيضاً: إن كان هذا موجوداً فقد يكون في بعض النسخ، فإذاً الجواب تقدم سلفاً، وأنت جزاك الله خيراً الآن بهذا الكلام الذي ذكرته تؤكد أنه ليس في البخاري مثل هذا التأويل الذي هو عين التعطيل.

    السائل: يا شيخنا! على هذا كأن مثل هذا القول موجود في الفتح، وأنا أذكر أني مرة راجعت هذه العبارة باستدلال أحدهم، فكأني وجدت مثل نوع هذا الاستدلال، أي: أنه موجود وهو في بعض النسخ، لكن أنا قلت له: إنه لا يوجد إلا الله عز وجل، وإلا مخلوقات الله عز وجل، ولا شيء غيرها، فإذا كان كل شيء هالك إلا وجهه، أي: إلا ملكه، إذاً ما هو الشيء الهالك؟!!

    الشيخ: هذا يا أخي! لا يحتاج إلى تدليل على بطلانه، لكن المهم أن ننزه الإمام البخاري عن أن يؤول هذه الآية وهو إمام في الحديث وفي الصفات، وهو سلفي العقيدة والحمد لله.

    وسبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.