إسلام ويب

الحسد الوقاية والعلاج [1]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحسد هو أول معصية وقعت في الأرض، وهو مرض خطير، وشر مستطير، فكم من نعم أودى بها! وكم من نقم أبداها، ولكن المعتصم بالله المتوكل عليه يجد علاج ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد استنبط العلماء من الكتاب والسنة علاج الحسد قبل وقوعه وبعد وقوعه، مما يدل على أن الله قد جعل علاج هذه الأمراض في الالتزام بشرعه، والاستهداء بهداه، وطلب الشفاء منه سبحانه وتعالى.

    1.   

    وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    انتهينا في تفسير سورة الفلق إلى قوله عز وجل: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5]. وتكلمنا على تفاصيل كلما يتعلق بأمر الحسد، وذمه وأنواعه.. إلى آخره، وبقي ما يحترز به من الحسد، فهذا يكون قبل وقوعه، أو بعد وقوعه، فأما قبل وقوعه يحترز به بما يمكن أن نسميه: الوقاية، أو الحرز الذي يقي ويمنع وقوعه أصلاً، أما ما بعد ذلك فيكون العلاج، فالعلاج يتعلق بالحاسد نفسه أي: كيف يعالج نفسه من هذا الداء الخبيث، ثم بالمحسود وقد وقع به هذا الشر فكيف يعالج من هذا الشر؟!

    من وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه كتمان الأمور عن الحاسد

    مما يتوقى به شر الحاسد كتمان الأمور عنه قبل إنجازها، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه معاذ بن جبل رضي الله عنه: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود). وفي لفظ الطبراني : (استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان فإن ..).

    هذه فاء السببية وفاء العلة، (فإن كل ذي نعمة محسود). فالمقصود (إنجاح الحوائج). يعني: من جلب نفع، أو دفع ضرر.

    وقد سبق الكلام في معنى هذا الحديث، والجمع بينه وبين ما ثبت في القرآن من قوله سبحانه وتعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]. معلوم أن التحدث بالنعمة واجب على النبي صلى الله عليه وسلم، ومستحب أي: جائز في حق من خشي على نفسه العزة، والتكبر على عباد الله، فمن أمن من ذلك جاز له هذا الأمر.

    كذلك التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى لا يتعارض مع هذا الحديث؛ لأن هذا فيه إرشاد إلى إنجاح الحوائج والكتمان قبل إتمامها، فأي مجموعة من الناس أو فئة من الناس تتعاون على مصلحة من المصالح فينبغي أن تتكتم أمرها حتى يتم لها أمرها، فبعد ذلك يتحدث الإنسان بهذه النعمة.

    أو يكون المقصود الكتمان إذا خشي الحسد، فإذا أمن فلا بأس أن يظهر نعمة الله عليه، أما إذا خشيه أو خافه فليكتم أخذاً بهذا الحديث، فموضع القدر الوارد في التحدث بالنعمة ما بعد وقوعها، أو إذا أمن الحسد: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود).

    وقيل: (إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك) إذا عرفت هذا الإنسان بهذا الشر الخبيث فغم عليه أمرك واكتمه عنه اتقاء شره.

    من وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه اجتناب الحاسد والبعد عنه

    كذلك من وسائل الوقاية من هذا الشر والاحتراز منه: اجتناب الحاسد، والبعد عنه؛ لأنه لا يوجد أمان من الحسود أحرز من البعد عنه؛ لأنه مادام مشرفاً على ما خصصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة، وسوء ظن بالله، ونماءً للحسد فيه.

    فالعاقل يقوم على إماتة الحسد بما قدر عليه، وأحرص منه على تربيته، فإماتته تكون باجتناب الحسود، والبعد عنه، أما ملازمته، فيكون فيها تربية له، ونماء لسوء ظنه بالله، واعتراضه على قضائه، ولا يوجد لإماتة الحسد دواءً أحسن من البعاد، فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك، ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيك وبما ركب فيه هو من رد الرضا بالقضاء.

    كما قال العتبي :

    أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى لنفسي جرماً غير أنك حاسد

    لم يرتكب جرماً في حقه سوى أنه خبيث الطبع.

    وقال غيره:

    ليس للحاسد إلا ما حسد وله البغضاء من كل أحد

    وأرى الوحدة خيراً للفتى من جليس السوء فانهض إن قعد

    من وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه حبس العائن ومنعه من مخالطة الناس

    ومن وسائل الوقاية والاحتراز من شر الحاسد الخبيث: أن على الإمام المسلم أن يمنع العائن من مخالطة الناس، فإذا عرف الإنسان بتمكن هذه الخاصية القبيحة فيه، وهذه الصفة الرديئة، فللإمام أن يمنعه من مخالطة الناس، فقد نقل الإمام ابن بطال عن بعضهم أنه أفتى بمنع العائن من مداخلة الناس، وأمره بلزوم بيته؛ لأنه كالمجذوم، بل هو أولى، فإذا كان للحاكم أن يمنع الشخص الذي يصاب بداء الجذام من الاختلاط بالناس، فالحاسد أولى أن يمنعه الإمام من مخالطة الناس. فإن كان هذا الحاسد أو المجذوم فقيراً فإن الإمام يجري عليه النفقة من بيت المال مقابل حبسه في بيته. قال الإمام النووي معلقاً على هذا: وهو صحيح متعين لا يعرف عن غيره التصريح بخلافه. وقال الحافظ ابن حجر معلقاً أيضاً: فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور صلاة الجماعة. فإذا كان يمنع الشخص الذي يتعاطى الثوم -وربما يدخل في هذا الزمان ذلك الدخان الخبيث، كالسجائر التي يتعاطاها بعض الناس، ويأتون المساجد فيؤذون المصلين ويؤذون الملائكة بتلك الريح المنتنة- فالحاسد منعه أولى وأولى.

    من وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه أن على الإمام حبس العائن ومنعه من مخالطة الناس

    كذلك من وسائل الوقاية والاحتراز من شر الحاسد الخبيث: أن على الإمام المسلم أن يمنع العائن من مخالطة الناس، إذا عرف الإنسان بتمكن هذه الخاصية القبيحة فيه، وهذه الصفة الرديئة، فللإمام الحاكم أن يمنعه من مخالطة الناس، فقد نقل الإمام ابن بطال عن بعضهم، أنه أفتى بمنع العائن من مداخلة الناس، ولزوم بيته، أو كالمجذوم بل هو أولى، إذا كان الشخص الذي يصاب بداء الجذام أن للحاكم أن يمنعه من الاختلاط بالناس، فالحاسد أولى أن يمنعه الإمام من مخالطة الناس.

    فإن كان هذا الحاسد أو المجذوم فقيراً فإنه يجري عليه الإمام النفقة من بيت المال مقابل حبسه في بيته.

    قال الإمام النووي معلقاً على هذا: وهو صحيح متعين لا يعرف عن غيره التصريح بخلافه.

    وقال الحافظ ابن حجر معلقاً أيضاً: فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور صلاة الجماعة. فإذا كان ضرر الشخص الذي يتعاطى الثوم، وربما يدخل في هذا الزمان ذلك الدخان الخبيث، كالسجائر التي يتعاطاها بعض الناس، ويأتون المساجد فيؤذون المصلين، ويؤذون الملائكة بهذه الريح المنتنة، فالحاسد منعه أولى وأولى.

    1.   

    وسائل علاج الحاسد لنفسه

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه قمع الحاسد أسباب الحسد من داخله

    وعلاج الحسد كما ذكرنا ينقسم إلى قسمين: علاج الحاسد نفسه، وعلاج المحسود، أما علاج الحاسد فقل أن ينفع الحاسد دواء، ولا نقول: إنه ميئوس من شفائه؛ لأنه لا يأس من رحمة الله، ولكن من الصعب جداً أن هذا الشخص الذي يدمن على هذه الخاصية الخبيثة أن يوجد له دواء؛ لأنه مترسخ فيه داء الجهل والظلم، وليس يشكو علة سوى زوال النعمة من العباد، إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى، فإن كان الحاسد ذا فهم وذا عقل فدواؤه أن يقمع أسباب الحسد من داخله، سواء الكبر، أو عزة النفس، أو غيرها من الأسباب التي ذكرناها. يقول الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى: كل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسدِ فإن في القلب منها عقدة عقدت وليس يفتحها راقٍ إلى الأبدِ إلا الإله فإن يرحم فحل به وإن أباه فلا ترجوه من أحد فلا يرفع هذا الداء إلا برحمة الله سبحانه وتعالى. سئل بعضهم: أي أعدائك لا تحب أن يعود إليك صديقاً؟ أي: أن يتحول بعد ذلك صديقاً؟ فقال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلا زوال نعمتي.

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه المداواة لنفسه بأدوية نافعة

    كذلك الحاسد يداوي نفسه بأدوية نافعة، لكنها مرة، فأعنف الدواء النافع، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم).

    رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة .

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انظروا) والمقصود هنا: أمور الدنيا، في الأرزاق والحظوظ وهذه الأشياء، (انظروا إلى من هو أسفل منكم) لكن في الدين تنظر إلى من هو أعلى منك، في قوله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    أما في الدنيا، (فانظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا -أي: لا تحتقروا- نعمة الله عليكم)

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يعلم أن الإمساك عن الشر صدقة

    كذلك على الحاسد أن يعلم أن الإمساك عن الشر صدقة، مجرد أن يكف شره عن أخيه المسلم، هذا في حد ذاته صدقة وفعل حسن، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قيل: أرأيت إن لم يستطع، قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة). متفق عليه.

    فمجرد إمساكه عن الشر، ومنعه الحسد، يكون صدقة على نفسه.

    وفي حديث آخر: (قال: فإن لم أفعل؟ قال: فدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك)، وفي رواية: (تتصدق بها عن نفسك)، وهذا أيضاً متفق عليه.

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يعلم أن الحسد يضره في الدين والدنيا

    كذلك من علاج الحاسد لنفسه: أن يعلم أن الحاسد الحسد يضره في الدين والدنيا، فيعلم أنه يضر نفسه هو في الدين، وفي الدنيا، ولا يتضرر بذلك المحسود؛ لأن هذه المعصية القبيحة -كما ذكرنا- من أقبح المعاصي، كما قال بعض العلماء: أي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة؟! أي: أن الإنسان يكره راحة أخيه المؤمن، دون أن يعود عليه هذا الأمر بمضره. كذلك المحسود ينتفع في الدين ولا ينضر؛ لأنه مظلوم من جهة هذا الحاسد، لاسيما إذا انضاف إلى حسده الغيبة، وهتك الستر، فهذه كلها تكون هدايا يهديها الحاسد إلى المحسود؛ حيث يأتي يوم القيامة مفلساً محروماً، فيؤخذ من حسناته، وتعطى لهذا المظلوم، فإن فنيت حسناته ولم يبق منها شيء أخذت من سيئات المظلوم، وطرحت عليه، ثم طرح في النار. أيضاً المحسود نفسه لا ينضر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـابن عباس رضي الله عنهما: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وقال عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22]. وقال عز وجل: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]، فالحاسد لا يغير من قضاء الله سبحانه وتعالى شيئاً، ولا ينفع، ولا يضر. أما ضرر الحسد على الحاسد نفسه فإنه سخط قضاء الله وقدره، فكره نعمته على عباده، وهذا عمى في بصر الإيمان، ويكفيه أنه شارك إبليس في الحسد، فالحاسد عدو نفسه، وصديق عدوه؛ لأن إبليس يحب زوال النعم عن العباد، ويحب وقوع البلايا فيهم، يقول بعض العلماء: دع الحسود وما يلقاه من كمدٍ يكفيك منه لهيب النار في جسده إن لمت ذا حسد نفست كربته وإن سكت فقد عذبته بيده

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه الزهد في الدنيا

    كذلك مما يعالج به الحاسد نفسه، الزهد في الدنيا قال صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).

    فالدنيا هموم متراكمة، وغموم متلاطمة، حلالها حساب، وحرامها عذاب، وهي خرق وتراب، وصور وخراب، فلا وجه للمنافسة فيها عند العقلاء، بل الذي ينافس ينافس في المقاصد العلية، فإن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها، فهذا الشخص يحسد على حطام الدنيا وزينتها، أما قوام الليل وصوام النهار فلا يلتفت إليه، ولا يعيره انتباهاً، ولا يحسده على هذه النعمة، لكن يحسد على ما يزول ويفنى.

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه الرضا بالقضاء

    كذلك مما يداوي به الحاسد نفسه: الرضا بالقضاء، فمن لم يرض بقضاء الله لم يحصل إلا على الندم؛ لأنه رضي أم لم يرض فإن قضاء الله نافذ، فإذا لم يرض لم يحصل له إلا على الندم، وفوات الثواب، وغضب رب الأرباب، فهي مصيبتان أو أكثر، وليس للعبد حيلة على دفع القضاء، فعليه بالرضا، قال عز وجل: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32].

    وقال عز وجل: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32]، أيضاً: عليه أن يعلم أن الحسد قدح في التوحيد؛ لأن الحسد والإيمان كما ذكرنا لا يجتمعان، يقول بعض العلماء:

    مالي على مر القضا من حيلة غير الرضا

    أنا في الهوى عبد وما للعبد أن يعترضا

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يصنف نفسه نقيض ما يقتضيه الحسد

    كذلك من أشق الأدوية التي يعالج بها الحاسد نفسه، أن يصنف نفسه نقيض ما يقتضيه الحسد، فإن كان الحسد يقتضي تمنيه زوال النعمة، وسعيه في ذلك لهتك الأستار، والغيبة والاحتيال بشتى الحيل حتى يزيل النعمة عن عباد الله، فأنفع الأدوية في ذلك أن يتطلب أو أن يكلف نفسه نقيض ما يقتضيه الحسد، وذلك بأن يتكلف مدح المحسود، ويتكلف أن يتواضع له كي يتواضع له، وأيضاً يحاول بأن يهدي إليه هدية، ويظهر السرور ما استطاع بنعمة الله على هذا العبد، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] قالت بلقيس : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [النمل:35].

    المقصود أن هذا علاج المحسود لنفسه، وإنما المقصود الإشارة إلى أن الهدية مما يظهر التواءم لذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (تهادوا تحابوا) فهذه من الأساليب التي تذهب عنه هذا الداء.

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يبرك إذا رأى في أخيه ما يعجبه

    كذلك من أهم ما ينبغي أن يراعيه من يرى من أخيه شيئاً أو من نفسه، أو من ماله أو من ولده شيئاً فيعجبه، فعليه أن يبرك إذا رآه، فتقول مثلاً: (اللهم بارك فيه ولا تضره) كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا الذكر ليس فقط خاصاً بالحاسد الذي يتيقن من نفسه أنه حاسد، بل من العائن الذي لا يقصد أن يحسد، وقد ذكرنا أن العائن قد يحسد ما لا يتمنى له الضرر، مجرد إعجابه بشيء قد يصيبه بضرر، سواء في نفسه، أو ماله أو ولده، أو إخوانه، أو أحبائه، فإذا رأى الإنسان ما يعجبه، فيقول: (اللهم بارك فيه ولا تضره) .

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه قمع الحاسد لأسباب الحسد من داخله

    أما علاج الحسد فكما ذكرنا ينقسم إلى قسمين: علاج الحاسد نفسه، وعلاج المحسود، أما علاج الحاسد فقل أن ينفع الحاسد دواء، لا نقول: ميئوس من شفائه؛ لأنه لا يأس من رحمة الله، ولكن من الصعب جداً أن هذا الشخص الذي يدمن على هذه الخاصية الخبيثة أن يوجد له دواء؛ لأنه مترسخ فيه داء الجهل والظلم، وليس يشكو علة سوى زوال النعمة من العباد إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى، فإن كان الحاسد ذا فهم وذا عقل فدواؤه أن يقمع أسباب الحسد من داخله، سواء الكبر، أو عزة النفس، أو غيرها من الأسباب التي ذكرناها.

    يقول الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى:

    كل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد

    فإن في القلب منها عقدة عقدت وليس يفتحها راق إلى الأبد

    إلا الإله فإن يرحم فحل به وإن أباه فلا ترجوه من أحد

    فلا يرفع هذا الداء إلا برحمة الله سبحانه وتعالى.

    سئل بعضهم: أي أعدائك لا تحب أن يعود إليك صديقاً؟ أي: يتحول بعد ذلك صديقاً؟ قال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلا زوال نعمتي.

    من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يعلم أن الحسد يضر الحاسد في الدين والدنيا

    كذلك من علاج الحاسد: أن يعلم أن الحسد يضر الحاسد في الدين والدنيا، يعلم أنه يضر نفسه هو في الدين، وفي الدنيا، ولا يستضر بذلك هذا المحسود؛ لأن هذه المعصية القبيحة -كما ذكرنا- من أقبح المعاصي، كما قال بعض العلماء: أي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة؟! أي: أن الإنسان يكره راحة أخيه المؤمن، دون أن يعود عليه هذا الأمر بمضره.

    كذلك المحسود ينتفع في الدين ولا ينضر؛ لأنه مظلوم من جهة هذا الحاسد، لاسيما إذا انضاف إلى حسده الغيبة، وهتك الستر، فهذه كلها تكون هدايا يهديها الحاسد إلى المحسود؛ حيث يأتي يوم القيامة مفلساً محروماً، فيؤخذ من حسناته، ويعطى لهذا المظلوم، فإن فنيت حسناته ولم يبق منها شيء أخذت من سيئات المظلوم، وطرحت عليه، ثم طرح في النار.

    أيضاً المحسود نفسه لا ينضر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـابن عباس رضي الله عنهما: {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف}، وقال عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22].

    وقال عز وجل: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]، فالحاسد لا يغير من قضاء الله سبحانه وتعالى شيئاً، ولا ينفع، ولا يضر.

    أما ضرر الحسد على الحاسد نفسه: أنه سخط قضاء الله وقدره، فكره نعمته على عباده، وهذا عمى في بصر الإيمان، ويكفيه أنه شارك إبليس في الحسد، فالحاسد عدو نفسه، وصديق عدوه؛ لأن إبليس يحب زوال النعم عن العباد، ويحب وقوع البلايا فيهم، يقول بعض العلماء:

    دع الحسود وما يلقاه من كمدٍ يكفيك منه لهيب النار في جسده

    إن لمت ذا حسد نفست كربته وإن سكت فقد عذبته بيده

    1.   

    وسائل علاج المحسود

    أما علاج المحسود فهناك أسباب كثيرة يستعان بها على هذا العلاج.

    من وسائل علاج المحسود طلب الاستغسال من العائن والرقية على المصاب

    مما يذكره العلماء في هذا الباب: مسألة الاستغسال ذكرنا فيما مضى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن شيئاً يسبق القدر، لسبقته العين)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن العين حق).

    روى الإمام مالك في موطئه حديث سهل بن حنيف ، وبوب البخاري أيضاً في صحيحه: باب رقية العين، وذكر حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسترقى من العين).

    وعقد مالك في الموطأ باباً بعنوان: الوضوء من العين، وباباً آخر بعده بعنوان: الرقية من العين، ساق حديث سهل بن حنيف بتمامه قال: عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: (اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه) يعني: أراد أن يغتسل في شعب من الشعاب، فنزع جبة كانت عليه (و عامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد؛ فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيتك اليوم ولا جلد عذراء، وفي لفظ آخر: ما رأيتك اليوم ولا جلد مخبأة -يعني: مخبأة التي تخبأ في الخدر- قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه) وفي بعض الروايات: (فلبط) أي: صرع وزناً ومعنى، أي: لبط سهل مكانه في الحال، واشتد وعكه، (فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلاً وعك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر بن ربيعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟! إن العين حق توضأ له، فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس).

    الحديث مرة ثانية: عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: (اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد، قال فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيتك اليوم ولا جلد عذراء في بعض الروايات ولا جلدة مخبأة قال: فوعك)، وفي رواية: (فلبط سهل مكانه واشتد وعكه، فأتي رسول الله فأخبر أن سهلاً وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علام يقتل أحدكم أخاه)، هذا فيه دليل على أن العين قد تقتل، فمصداقاً للحديث الآخر: (إن العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر).

    قال: (علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟!) أي: هلا قلت: بارك الله فيك، اللهم بارك فيه ولا تضره ، (إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر ، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس) ساق الحديث مرة أخرى وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تتهمون له أحداً؟

    لما بلغه أنه وعك سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تتهمون له أحداً ؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامراً فتغيض عليه، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟!) وفي رواية: (علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت؟! اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس)،

    هذا ما يسمى بالاستغسال، وفي الحديث: (وإن استغسلتم فاغسلوا) فهذه توصية بهذا الاستغسال، أن يطلب ممن عرف بأنه عائن، واشتهر عنه ذلك، وإذا اعتقد أنه تعين هذا علاجاً له فعليه أن يفعل ذلك فيغسل الوجه والكفين، ثم يغسل المرفقين فقط، يعني: نفس المرفق، ولا يدخل فيه الساعد، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم يصب على من أصابته العين، فيفرغ هذا الماء على المصاب من الخلف.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فيه: أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال. إذا عرف الشخص الذي وقع منه هذا يقضى ويحكم عليه بالاغتسال، لكن ليس الأمر متروك لكل إنسان عقله فيه خفة أن يقابل الناس ويطلب منهم هذا، لكن إذا عرف العائن الذي صدر منه هذا الشر فهو الذي يطلب منه الاستغسال.

    وفيه أيضاً: أن الاستغسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد؛ لأن هذا لما مدح أخاه بهذا لم يتمن زوال النعمة عنه، لكنه أعجب، ولم يبرك حين رآه.

    يقول الحافظ : وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه.

    أيضاً في قوله: (وإذا استغسلتم فاغسلوا) فيه إشارة إلى أن الاغتسال لهذا الأمر كان معلوماً وشائعاً بينهم، فأمرهم ألا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، فمتى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، قاسوه على أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر، قالوا: هو أولى من بذل الطعام للمضطر، يعني: إذا تعين هلاكه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها، ولا من شك فيها، ولا من فعلها مجرباً، غير معتقد فيها.

    وهذا كما يؤخذ ترياق سم الحية من لحمها، يعني: في بعض الأدوية تؤخذ من الداء نفسه، وكأن هذا الاغتسال بهذا الماء فيه إطفاء لشعلة نار الحسد في نفس هذا الحاسد الخبيث، قال المازري رحمه الله: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه، ربما لا يستطيع أن يدرك ما هو المعنى، يعني: ما هو سر العلاج بمثل هذا الاستغسال، فهذا لا يستطيع العقل أن يدركه، ولا ينبغي أن يرد لمجرد أن العقل لا يدرك أو لا يعقل معناه.

    قال الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: إن توقف فيه متسرع -إن توقف في هذا النوع من العلاج وهو الاستغسال- قلنا له: الله ورسوله أعلم، فقد عبرته التجربة، وصدقته المعاينة، وإن توقف فيه المتفلسف فالرد عليه أظهر، وأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون هذا بالخواص، خواص الأدوية.

    فهذا أولى أن يثبت من علم الوحي الشريف فيما يتعلق بالاستغسال.

    من وسائل علاج المحسود ذكر الله سبحانه وتعالى

    كذلك من الأدوية التي يعالج بها المحسود: ذكر الله سبحانه وتعالى، فعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها قال: وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى)، فهذا ذكر الله الحصن الحصين، وهو من أعظم الأدعية.

    كذلك هناك بعض الأذكار التي إذا حافظ الإنسان عليها -خاصة أذكار الصباح والمساء- كان في حصن حصين من هذه الشرور، فمنها مثلاً الحديث الذي رواه أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (إنه كان معه جرين تمر فكان يجده ينقص، فحرسه ليلة، فإذا مثل الغلام المحتلم، فسلم فرد عليه السلام فقال: أجني أم إنسي؟ قال: بل جني فقال: أرني يدك قال: فأراه فإذا يد كلب، وشعر كلب فقال: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجن أنه ليس فيهم رجل أشد مني قال: ما جاء بك؟ قال أنبئنا أنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامك، قال: ما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي من سورة البقرة اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255].. إلى آخر الآية ]).

    قال: تقرأ آية الكرسي من سورة البقرة وتلا عليه الآية، وتقرأ هنا المقصود بها: تحفظ (هل أنت تحفظها قال: نعم. قال: إذا قرأتها غدوة أجرت منا حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح قال: أبي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك فقال: صدق الخبيث .) .

    هذا الحديث أخرجه الحاكم في فضائل القرآن، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وقال الهيثمي : أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. وقال المنذري : رواه النسائي والطبراني بإسناد جيد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ويشهد له حديث أبي هريرة المعروف في قراءة آية الكرسي قبل النوم في قصة مماثلة لهذه القصة في حكم زكاة الفطر.

    المقصود أن آية الكرسي ينبغي أن تضاف إلى أذكار الصباح والمساء لهذا الحديث. كذلك من هذه الأحاديث النافعة، والأحراز التي تنجع في دفع هذه الشرور: حديث أبي عياش الزرقي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير كان له عدل عتق رقبة من ولد إسماعيل عليه السلام، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح) .

    قال حماد : (فرأى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا رسول الله! إن ابن عياش يحدثنا عنك بكذا وكذا، قال: صدق أبو عياش) رواه أبو داود ، وصححه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وذكر موضوع الرؤيا هنا هذا نوع من الاستظهار، وليس استدلالاً بها، وبالإجماع على أن رؤيا المنام لا يعمل بها، لكن المقصود الاستظهار والاستئناس بها، وإلا فالحديث صحيح.

    أن تقول في الصباح والمساء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، زاد ابن السني : (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)من قالها كأنه أعتق رقبة من ولد إسماعيل عليه السلام، وكتب له بها عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، فإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح، وهو من أذكار الصباح والمساء.

    كذلك من هذه الأذكار حديث أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات لا يضره شيء) .

    في لفظ في السنن من قال: (حين يصبح هذا الدعاء لم تصبه في يومه فجاءة بلاء، ومن قالها حين يمسي لم تصبه فجاءة بلاء في ليلته، ثم ابتلي أبان بالفالج -الشلل النصفي- فرأى رجلاً حدثه بهذا الحديث ينظر إليه فقال له: مالك تنظر إلي؟ فو الله ما كذبت على عثمان ، ولا كذب عثمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن نسيت اليوم الذي أصابني هذا، فلم أقله ليمضي الله قدره) فهذا حديث أبان في فضيلة قول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، تقال أيضاً في الصباح وفي المساء.

    من هذه الأحاديث أيضاً: حديث عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال (خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: أصليتم؟ فلم أقل شيئاً فقال: قل، فلم أقل شيئاً ثم قال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله ما أقول ؟ قال قل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء) .

    إذاً: هذا أيضاً من أذكار الصباح والمساء وكلها أحاديث صحيحة، فتقرأ المعوذات الثلاث، كما روينا في فضيلة قراءة المعوذات ثلاث مرات حين تصبح وحين تمسي، تكفيك من كل شيء.

    كذلك من هذه الأذكار حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال وهو في أرض الروم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال غدوة لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات؛ كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكن له قدر عشر رقاب، وأجاره الله من الشيطان، ومن قالها عشية فمثل ذلك) يعني: من الأجر.

    إذاً: من أذكار الصباح والمساء قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن أحدكم إذا نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم يضره في ذلك المنزل شيء حتى يرتحل منه) رواه مسلم .

    من وسائل علاج المحسود الصبر على الحاسد

    كذلك من الأدوية التي يعالج بها المحسود: الصبر على عدوه، فلا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً. يقول الله عز وجل: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج:60] فإذا كان هذا في حق من انتصر، فكيف بحق من لم ينتصر؟! وأسرع الذنوب عقوبة البغي وقطيعة الرحم، وهذا الحسد من البغي ومن الظلم الذي يعجل الله عز وجل عقوبة من خالفه.

    من وسائل علاج المحسود التوكل على الله

    كذلك من هذه الأدوية: التوكل على الله سبحانه وتعالى، فإن لكل عمل جزاءً من جنسه، وجزاء التوكل على الله أن يكون الله عز وجل حسيب الإنسان وكافيه، قال عز وجل: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق:3]

    من وسائل علاج المحسود فراغ القلب من الاشتغال بالحاسد

    كذلك فراغ القلب من الاشتغال بالحاسد وإعمال الفكر فيه، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه.

    من وسائل علاج المحسود الإقبال على الله سبحانه

    كذلك من العلاج أيضاً: الإقبال على الله سبحانه وتعالى، والإخلاص له، ولزوم ذكره، قال تعالى حاكياً عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82] * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:40]، وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42].

    وقال سبحانه وتعالى في حق يوسف عليه السلام: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، فصرف عنه السوء بإخلاصه لله عز وجل.

    من وسائل علاج المحسود التوبة من الذنوب

    كذلك من هذه الأسباب أيضاً التوبة من الذنوب، فقد قال الله عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، وقال سبحانه وتعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]، وفي حديث: (وأستغفرك لما لا أعلم) .

    وقد لقي بعض السلف رجلاً فأغلظ له ونال منه، فقال له: حش حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك، فدخل، فسجد لله وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه، ثم خرج إليه، فقال له: ما صنعت؟ قال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي!

    من وسائل علاج المحسود الصدقة والإحسان

    كذلك من هذه الأسباب أيضاً الصدقة والإحسان، فإن الشكر حارس للنعمة من كل ما فيه سبب لزوالها، سواءً كان سبب زوال النعمة كفرانها، أو الحسد والعين.

    ومنها أيضاً: الإحسان إلى الحاكم والنصح له، والشفقة عليه، حكى النبي صلى الله عليه وسلم نبياً من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وقال عز وجل: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون:96]، وقال عز وجل في مدح المؤمنين: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد:22].

    وقال سبحانه وتعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]وحينما أتى رجل يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم قرابة له يصلهم ويقطعونه، ويحسن إليهم، ويسيئون إليه، فواساه صلى الله عليه وسلم بقوله: (كأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك) ، فالله سبحانه وتعالى مع من يحسن إلى من أساء إليه.

    من وسائل علاج المحسود الصبر على عدوه

    كذلك من الأدوية التي يعالج بها المحسود: الصبر على عدوه، فلا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً.

    يقول الله عز وجل: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج:60] فإذا كان هذا في حق من انتصر، فكيف بحق من لم ينتصر؟! وأسرع الذنوب عقوبة البغي وقطيعة الرحم، وهذا الحسد من البغي، ومن الظلم الذي يعجل الله عز وجل عقوبة من خالفه.

    1.   

    بعض الأذكار والأحراز الواردة في حفظ الإنسان

    وأخيراً: فهذا قول جامع في بعض الأذكار والأحراز التي يقولها الإنسان إذا رأى من نفسه أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك شيئاً فأعجبه، وخاف أن يصيبه العين، أو يتضرر بذلك، فعليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

    وفي الحديث: (من رأى شيئاً فأعجبه، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره) ، وقال سبحانه وتعالى حاكياً عن العبد الصالح: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [الكهف:39].

    الذكر الثاني: أن يقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، (وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئاً فأعجبه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى شيئاً يكرهه قال: الحمد لله على كل حال).

    كذلك أن يقرأالمعوذتين سورتي الفلق والناس.

    كذلك أن يقول وهو من أهم هذه الأدعية: (اللهم بارك فيه ولا تضره) .

    ومنها أن يقول: (أعيذك بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، وإذا رأى من أخيه ما يعجبه قال: (اللهم بارك فيه).

    وأخيراً: إذا رأى الشخص رجلاً آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، أو آتاه الله عز وجل المال الذي ينفق منه في سبيل الله، ويسلطه على هلكته في الحق، فيجوز له حينئذ أن يحسده حسداً شرعياً، وهو بمعنى المنافسة المحمودة التي تقدم بيانها، ويشرع له حينئذ أن يقول: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثلما يعمل.

    1.   

    أقسام الحسد في الشرع

    بيان الحسد المذموم

    والحسد نوعان: مذموم ومكروه. أما الحسد المذموم فهو حرام بكل حال، فحرام أن يحسد الإنسان غيره بمعنى: أن يتمني زوال نعمة الله عن الغير، إلا إذا كانت هذه النعمة قد وقعت في يد فاجر أو فاسد يستعين بها على محرم، ويستعين بها على تهييج الفتن، أو الصد عن سبيل الله عز وجل، فلا يضر المؤمن محبته زوالها عنه؛ لأنه لا يبغضها من حيث هي نعمة الله سبحانه وتعالى، ولكنه يبغضها من حيث هي آلة للفساد والشر لا غير، ولو أمن المؤمن فساد هذه العطية لم يتمن زوالها عنه، فهذه هي الحالة المستثناه من تمني زوال النعمة. والحسد المذموم نوعان: النوع الأول: حسد على شيء محقق، أو نعمة موجودة، وذلك كما قال عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109]، فحسدوا المسلمين على نعمة الإسلام كما قال عز وجل: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، ولذلك حسد المشركون محمداً صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي. فالحسد المذموم: أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تزول عنه وتعود إليه أم تمنيت أن تزول عنه ولا تعود إليه. وقد ذم الله سبحانه وتعالى هذا النوع في كتابه بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]. وإنما كان مذموماً لأن فيه ظن أن الله سبحانه وتعالى أنعم على من لا يستحق، وفيه اعتراض على فضل الله سبحانه وتعالى الذي قال: (( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68] وقال: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]. فقوله: (ما كان لهم الخيرة) أي: الاختيار والتقدير، والإنعام على هذا، حرمان هذا، بل هذا من فعل الله سبحانه وتعالى، فهذا فيه اعتراض ونسبة العبث إلى الله سبحانه وتعالى، وعدم الحكمة في أفعاله، وفيه ظن أن الله أنعم حيث لا يستحق صاحبها الخيرة، وكأنه أنعم على من لا يستحق، كما قال المشركون: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:31-32] وقال عز وجل: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32]. فهذا بالنسبة للحسد على نعمة محققة بالفعل. أما النوع الثاني من الحسد المذموم: فهو حسد على شيء مقدر، يعني: حسد على نعمة متوقعة، فيحسد الشخص من أن يلبسه الله نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من الجهد أو الفقر أو الضعف، أو فساد قلبه عن الله، أو قلة دينه. فهو يتمنى عدم زوال ما هو فيه من نقص وعيب. فهذا فيما يتعلق بالحسد على نعمة مقدرة، أو نعمة متوقعة، وكلا الأمرين -الحسد على نعمة محققة، أو على نعمة متوقعة- مذموم، والحاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، ممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبداً، ولذلك اشتهر بين الناس أن (الحقود لا يسود) فالناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه أبداً إلا قهراً، فلا يمكن أن يمكنوه من رقابهم، ولا أن يسودوه عليهم إلا قهراً، فإذا غلب عليهم قهراً وغصباً فإنهم يعدونه من البلايا والمصائب التي ابتلاهم الله بها، فهم يبغضونه وهو يبغضهم.

    بيان الحسد الممدوح

    القسم الثاني من أنواع الحسد: الحسد الشرعي المحمود، وكما قلنا: إن الحسد مذموم ومحمود، فالمذموم: حسد على نعمة حاصلة، أو على نعمة متوقعة، والحسد الشرعي المحمود هو ما يسمى أحياناً بالمنافسة في الخيرات أو ما يسمى بالغبطة، وهي: أن تتمنى أن يكون لك مثل حال هذا الشخص الذي تحسده من غير أن تزول النعمة عنه. فمن رأى الخير في أخيه، وتمنى التوفيق لمثله، أو الظفر بحاله، وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه من النعمة، فليس هذا بالحسد الذي ذُم ونهي عنه، وإنما هذا يسمى حسد الغبطة، وهذا قريب من المنافسة، وقد قال الله عز وجل: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا حسد إلا في اثنتين) يعني: لا حسد مشروع أو لا حسد مباح إلا في اثنتين (رجل أعطاه الله المال فسلطه على هلكته في الحق) أي: أنه ينفق ويتصدق بماله في أبواب الخير. ثم قال: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس). وترجم عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى بقوله: باب الاغتباط في العلم والحكمة. فهذا حسد غبطة، والحامل لصاحبه عليه أن له نفساً كبيرة، وهمة عالية، وعنده حب اكتساب الخير، وحرصاً على التشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأن يكون من سباقهم وعليتهم، فتحدث له من هذه الهمة العالية المنافسة والمصادقة، والمسارعة، مع محبته لمن يغبطه، فيحب هذا الرجل الغني المتصدق، ويحب ذلك الرجل العالم الذي يعلِّم الخير، فيتمنى له أيضاً دوام نعمة الله عليه، فهذا لا يدخل بوجه من الوجوه في قوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5] لأن فعله هذا لا تعلق له بالشر بوجه من الوجوه، فقد تسمى المنافسة حسداً، والحسد منافسة، فيدعى أحد اللفظين نيابة عن الآخر، ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني. عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل هذه الأمة مثل أربعة: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علماً، ولم يؤته مالاً، فيقول: لو أن لي مالاً مثل مال فلان لكنت أعمل فيه بمثل عمله، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً، فهو ينفقه في معاصي الله، ورجل لم يؤته علماً، ولم يؤته مالاً، فيقول: لو أن لي مثل مال فلان، لكنت أنفقه في مثل ما أنفقه فيه من المعاصي، فهما في الوزر سواء) . رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. فهذه المنافسة التي هي الغبطة أو الحسد الممدوح أو المشروع هي كما ذكرنا: إرادة مساواة المنعم عليه، واللحوق به في هذه النعمة بدون تمني زوالها عنه، فهي على ثلاثة أنحاء: واجبة، ومستحبة، ومباحة، أما المنافسة الواجبة فهي فيما إذا كانت النعمة ذات نية واجبة، كالإيمان، والصلاة، والزكاة، أو كان هناك رجل فقير رأى رجلاً قد أنعم الله عليه وأعانه مثلاً على فريضة الحج ، فهو يغبطه على هذه الفريضة، أو أن يحرص الشخص على أن يحصل مالاً يستطيع به أداء هذه الفريضة، فهذه غبطة ومنافسة في فعل واجب، فيزيد هذا الشعور محبة المؤمن أن يبلغ هذا العمل؛ وما أعان على واجب فهو واجب، فعلى كل مسلم أن ينوي بقلبه أنه إن توفرت له هذه الاستطاعة أن يعمل بها، فهذه النعمة إذا كانت دينية واجبة -كالإيمان والصلاة والزكاة وغير ذلك- فالمنافسة فيها واجبة. وقد تكون الغبطة مستحبة إذا كانت النعمة من القربات، كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات. وقد تكون الغبطة مباحة إذا كانت النعمة يتنعم بها على وجه مباح، فأي نعمة من المباحات تتمنى مثلها بدون أن تتمنى زوالها هذه أيضاً منافسة مباحة. وإذا أنعم الله سبحانه وتعالى على عبد بنعمة فإن تحت هذه النعمة أمران: الأمر الأول: راحة المنعم عليه، أي: أن المنعم عليه يستريح بهذه النعمة. الأمر الثاني: ظهور نقصان غيره وتخلفه عنه، فالمنافس هنا في هذه الحالة يكره أحد هذين الوجهين، وهو تخلف نفسه، ويحب مساواته له، لكن إذا أيس من أن ينال مثل تلك النعمة، وهو يكره أن يتخلف عنها ويكره نقصانه فلا محالة أنه يحب زوال هذا النقصان. فالنعمة إذا حضرت فإنه يستريح بها المنعم عليه، ويظهر نقصان أو حرمان الذي لم ينعم عليه، فالمنافس هنا يكره راحة أخيه المؤمن، لكن يكره أن يكون متخلفاً منافساً في هذه النعمة، لكن إذا أيس من حصول مثل تلك النعمة مادام يكره نقصانه وتخلفه فلا محالة أنه يحب زوال هذا النقصان، فإذا رأى هذا النقصان وتمنى زوال نعمة المحسود، حتى يحصل التساوي بينهما، وحتى ينزل أخوه إلى مساواته، إلى أن يقدر هو أن يرتقي إلى مساواته بإدراك النعمة فهذا الشعور أو هذا التصرف أو هذا التمني لا رخصة فيه أصلاً، فهذه هي المنافسة المحرمة، بل هذا حرام في مقاصد الدين، أو في مقاصد الدنيا. لكن صاحبه إذا لم يعمل بذلك تكون كرامته كونه يكره حصول هذه الصفة منه، ومجاهدته نفسه في دفع ذلك الشعور يكون هذا كفارة له، وأفضل الجهاد مجاهدة العبد نفسه وهواه.

    من أقسام الحسد: الحسد المذموم

    والحسد نوعان: مذموم ومكروه. أما الحسد المذموم -طبعاً نوع من الحسد- فهذا حرام بكل حال، حرام أن يحسد الإنسان بمعنى: تمني زوال نعمة الله عن الغير إلا إذا كانت هذه النعمة قد وقعت في يد فاجر أو فاسد يستعين بها على محرم، ويستعين بها على تهييج الفتن، أو الصد عن سبيل الله عز وجل، فلا يضر المؤمن محبته زوالها عنه؛ لأنه لا يبغضها من حيث هي نعمة الله سبحانه وتعالى، لكنه يبغضها من حيث هي آلة للفساد والشر لا غير.

    لو أمن المؤمن فساد هذه العطية لم يتمن زوالها عنه، فهذه هي الحالة المستثناه من تمني زوال النعمة

    فالحسد المذموم نوعان: حسد على شيء محقق، أو نعمة موجودة، وذلك كما قال عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109]، حسدوا المسلمين على نعمة الإسلام كما قال عز وجل: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، ولذلك حسد المشركون محمداً صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي.

    فهذا الحسد المذموم: أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تزول عنه ولا تعود إليه أم تمنيت أن تزول عنه ولا تعود إليه، وفي هذا الحديث ذم الله سبحانه وتعالى هذا النوع في كتابه بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ النساء:54].

    فإنما كان مذموماً لأن فيه ظن أن الله سبحانه وتعالى أنعم على من لا يستحق، وفيه اعتراض على فضل الله سبحانه وتعالى، الذي قال عز وجل: (( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، إذاً: (ما كان لهم الخيرة) أي: الاختيار والتقدير، والإنعام على هذا، يعني: حرمان هذا، هذا من فعل الله سبحانه وتعالى، فهذا فيه اغتراض ونسبة العبث إلى الله سبحانه وتعالى، وعدم الحكمة في أفعاله، فهذا فيه ظن أن الله أنعم حيث لا يستحق صاحبه الخيرة، كأنه أنعم على من لا يستحق.

    كما قال المشركون: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] وقال عز وجل: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32].

    فهذا بالنسبة للحسد على نعمة محققة بالفعل.

    أما النوع الثاني من الحسد المذموم: فهو حسد على شيء مقدر، يعني: حسد على نعمة متوقعة، يحسد الشخص من أن يلبسه الله نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من الجهد أو الفقر أو الضعف، أو فساد قلبه عن الله، أو قلة دينه.

    فهو يتمنى زوال ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا فيما يتعلق بالحسد على نعمة مقدرة، أو نعمة متوقعة، كلا الأمرين -الحسد على نعمة محققة، أو على نعمة متوقعة- مذموم، والحاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، ممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبداً، ولذلك اشتهر بين الناس أولاً: (الحقود لا يسود) الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه أبداً إلا قهراً فلا يمكن أن يمكنوه من رقابهم، ولا أن يسودوه عليهم إلا قهراً، فإذا غلب عليهم قهراً وغصباً فإنهم يعدونه لهم من البلايا والمصائب التي ابتلاهم الله بها، فهم يبغضونه وهو يبغضهم.

    من أقسام الحسد: الحسد الممدوح

    القسم الثاني من أنواع الحسد: الحسد الشرعي المحمود، وكما قلنا أن الحسد مذموم ومحمود، فالمذموم: حسد على نعمة حاصلة، أو على نعمة متوقعة، والحسد الشرعي المحمود هو ما يسمى أحياناً بالمنافسة في الخيرات أو ما يسمى بالغبطة، وهي: أن تتمنى أن يكون لك مثل حال هذا الشخص الذي تحسده من غير أن تزول النعمة عنه.

    فمن رأى الخير في أخيه، وتمنى التوفيق لمثله، أو الظفر بحاله، وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه من النعمة، فليس هذا بالحسد الذي ذم ونهي عنه، وإنما هذا يسمى حسد الغبطة، وهذا قريب من المنافسة، وقد قال الله عز وجل: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا حسد إلا في اثنتين} يعني: لا حسد مشروع أو لا حسد مباح إلا في اثنتين {رجل أعطاه الله المال وسلطه على هلكته في الحق .} .

    يتفق في أبواب الخير ويتصدق بما له.

    ثم قال: {ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس}.

    وترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب الاغتباط في العلم والحكمة. فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه أن له نفساً كبيرة، وهمة عالية، وعنده حب اكتساب الخير، وحرصه على التشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأن يكون من سباقهم وعليتهم، فتحدث له من هذه الهمة العالية المنافسة والمصادقة، والمسارعة، مع محبته لمن يغبطه، يحب هذا الرجل الغني المتصدق، ويحب ذلك الرجل العالم الذي يعلم الخير فيتمنى له أيضاً دوام نعمة الله عليه، فهذا لا يدخل في الآية بوجه من الوجوه.

    يعني: هذا لا يدخل بوجه من الوجوه في قوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5]. وأن فعله هذا لا تعلق فيه بالشر بوجه من الوجوه، فقد تسمى المنافسة حسداً، والحسد منافسة، فيدعى أحد اللفظين نيابة عن الآخر، ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني.

    عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مثل هذه الأمة مثل أربعة: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علماً، ولم يؤته مالاً، فيقول: لو أن لي مالاً مثل مال فلان لكنت أعمل فيه بمثل عمله، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً، فهو ينفقه في معاصي الله، ورجل لم يؤته علماً، ولم يؤته مالاً، فيقول: لو أن لي مثل مال فلان، لكنت أنفقه في مثل ما أنفقه فيه من المعاصي، فهما في الوزر سواء} .

    رواه ابن ماجة وقال الترمذي : حديث حسن صحيح.

    فهذه المنافسة التي هي الغبطة، أو الحسد الممدوح، أو المشروع هي كما ذكرنا: إرادة مساواة المنعم عليه، واللحوق به في هذه النعمة بدون تمني زوالها عنه، فهي على ثلاثة أفكار: واجبة، ومستحبة، ومباحة، أما المنافسة الواجبة فهي فيما إذا كانت النعمة ذو نية واجبة، كالإيمان، والصلاة، والزكاة، أو رجل فقير رأى رجلاً قد أنعم الله عليه مثلاً وأعانه على فريضة الحج ، فهو يغبطه على هذه الفريضة.

    فهذه الغبطة واجبة، أن يحرص الشخص على أن يحصل مالاً يستطيع به أداء هذه الفريضة، فهذه غبطة ومنافسة في فعل واجب، فيزيد هذا الشعور محبة المؤمن أن يبلغ هذا العمل؛ ما أعان على واجب فهو واجب، على كل مسلم أن ينوي بقلبه إن لم تتوفر لهم هذه الاستطاعة، فهذه النعمة إذا كانت دينية واجبة، كالإيمان والصلاة والزكاة وغير ذلك فالمنافسة فيها واجبة.

    وقد تكون المنافسة مستحبة إذا كانت النعمة من القربات كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات، وقد تكون الغبطة مباحة إذا كانت النعمة يتنعم بها على وجه مباح، أي شيء من المباحات تتمنى مثل هذه النعمة بدون أن تتمنى زوالها فهذه أيضاً منافسة مباحة.

    هذه النعمة إذا أنعم الله سبحانه وتعالى على عبد بها فإن تحت هذه النعمة أمران:

    الأمر الأول: راحة المنعم عليه، أن المنعم عليه يستريح بهذه النعمة.

    الأمر الثاني: ظهور نقصان غيره وتخلفه عنه، فالمنافس هنا في هذه الحالة يكره أحد هذين الوجهين، وهو تخلف نفسه، ويحب أن يكون لهم، لكن إذا أيس من أن ينال مثل تلك النعمة، وهو يكره أن يتخلف عنها ويكره نقصانه فلا محالة أنه يحب زوال هذا النقصان.

    النعمة إذا حضرت الإنسان فإنه يستريح بها المنعم عليه، ويظهر نقصان أو حرمان الذي لم ينعم عليه، فالمنافس هنا يكره راحة أخيه المؤمن، لكن يكره أن يكون متخلفاً منافساً في هذه النعمة، لكن إذا أيس من حصول مثل تلك النعمة مادام يكره نقصانه وتخلفه فلا محالة أنه يحب زوال هذا النقصان، فإذا رأى هذا النقصان إما بأن ما رآه هو مثل ذلك، وإما بأن يتمنى زوال نعمة المحسود، حتى يحصل التساوي بينهما، وحتى ينزل أخوه إلى مساواته، إلى أن يقدر هو أن يرتقي إلى مساواته بإدراك النعمة، فهذا الشعور أو هذا التصرف، أو هذا التمني لا رخصة فيه أصلاً، فهذه هي المنافسة المحرمة، بل هذا حرام في مقاصد الدين، أو في مقاصد الدنيا.

    لكن صاحبه ما لم يعمل به بإذن الله، هذا تكون كرامته كونه يكره حصول هذه الصفة منه، ومجاهدته نفسه في دفع ذلك الشعور يكون هذا كفارة له، ولأفضل الجهاد مجاهدة العبد نفسه وهواه.

    1.   

    أقسام الحاسدين

    حساد يحبون زوال النعم عن المحسود وتحولها إليهم

    لا زلنا نتكلم في أنواع الحسد وأقسام الحاسدين، أقسام الحاسد ثلاثة: أقسام قسم من الحساد يحب زوال النعم عن المحسود وتحولها إليه، أن تتحول عن الشخص المحسود إليه هو، وهذا قبيح، وهو بالفعل نوع من الأنانية في ظل الاعتراض على فعل الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32]، وقال عز وجل: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ [الزخرف:32].

    وقال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد:26]، فهذا فعل الله سبحانه وتعالى، هذا تصرف فيه الإيثار لنفسه على أخيه، وفيه اعتراض على حكم الله سبحانه وتعالى.

    حساد يحبون زوال النعمة عن المحسود وتحولها إلى غيرهم

    القسم الثاني: أن يطلب زوال النعمة عن المحسود وأن تحصل إلى غيره، هذا أقبح من الأول، وأقبح من الاثنين أن يطلب زوال النعم عن المحسود مطلقاً، يكره النعمة ذاتها، ليس لأنها في يد فلاناً، ولكن يكرهها لا تكون في يد فلان، ولا في يد نفسه، ولا في يد غيره، هو يكره نعم الله مطلقاً، فهذا عدو نعم الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    أسباب الحسد المذموم

    الحسد المذموم له مداخل كثيرة، وأسباب عديدة:

    من أسباب الحسد المذموم العداوة والبغضاء

    أولها وأخطرها: العداوة والبغضاء، فإن آذاه شخص بسبب من الأسباب أو خالفه بوجه من الوجوه أبغضه قلبه، وغضب عليه, ورسخ في نفسه الحسد، والحسد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، وذلك بأن تقع مصائب لأخيه، فربما إذا حصلت خصومة شديدة واشتد الحقد، فإذا حصلت بأخيه مصيبة حتى البيت نفسه إذا مات له ولد أو قرين يستدل على أن ذلك لكرامته هو على الله، وأن الله يصيب عدوه ببلية فيفرح بهذه البلية، فيظنها مكافأة له من جهة الله على أخيه وأنها لأجله.

    وإذا أصابت أخاه نعمة ساءه ذلك ، أن الله سبحانه وتعالى إذا أنعم على أخيه، أو إذا أنعم على عدوه بتعبير آخر، فهذا لأن ذلك الحاسد لا منزلة له عند الله، حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه، بل أنعم عليه، فالحسد يلزم منه البغض والعداوة، وإنما غاية التقي ألا يبغي، وأن يكره ذلك من نفسه، الصالح المؤمن التقي إذا بادره قلبه إلى ذلك فإنه يمسك بلجام نفسه ولا يتعدى إلى الأذى، قال عز وجل: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:119] * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [آل عمران:120].

    وقال عز وجل: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118].

    إذاً الحسد يؤثر البغض والبغض، يسبب التنازع والتخاصم، والتنازع والتخاصم يؤدي إلى استغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل، والدعاية وهتك الستر.

    من أسباب الحسد المذموم التعزز

    من أسباب الحسد أيضاً التعزز، والتعزز: هو أن يثقل عليه أن يرتفع عليه غيره بنعمة تحدث له، يعني: يكون شخصاً متكبراً مثلاً فلا يضره غيره في شيء، لكن هذا الشخص يكون أقل منه، فيخشى أنه إذا حصلت له نعمة لا يستطيع أن يتكبرعليه كما كان من ذي قبل، فهذا أيضاً من أسباب هذا الحسد، ذكرها العلماء.

    من أسباب الحسد المذموم حب الرئاسة والجاه

    كذلك من أسباب الحسد: حب الرئاسة والجاه، فيتمنى أن يكون منفرداً عديم النظير في هذا الشأن، غير مشارك في المنزلة، يضره وجود مضاه له في المنزلة، فهذا أيضاً من الأسباب.

    من أسباب الحسد المذموم خبث النفس

    كذلك خبث النفس، تكون نفس الحاسد خبيثة يشق عليها وجود الخير لعباد الله، بحيث يشق عليه ولا يتحمل قلبه أن يوقف عنده حب حال عبد أنعم الله عليه، ويفرح بذكر فوات مقاصده، واضطراب وجوده، وتنغص عيشه، فهو أبداً يحب الإكدار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه، وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس، ورذالة في الطباع، وهذا معالجته شديدة وصعبة؛ لأنه خبث في الجبلة لا عن عارض حتى يتصور زواله، يعني: ليس بسبب حصول النعمة لغيره مثلاً، وإنما هو يكره وقوع النعمة بذاتها، لا يريدها لنفسه، ولا لغيره، لكن يكرهها من حيث هي نعمة، فهذا معالجته شديدة؛ لأن هذا ليس رد فعل، لكنه أصل متأصل في نفسيته.

    فهذه الأسباب قد يجتمع بعضها مع بعض، فيقوى الحسد إذا اجتمعت الأسباب وتكاثرت، ويضعف إذا تفرقت، وبالطبع تقوى قوة الحسد بحيث لا يقدر هذا الحاسد على المجاملة، بل ينتهك حجاب المجاملة، ويظهر المعاداة بالمكاشفة، أعاذنا الله من ذلك.

    من أسباب الحسد المذموم حب الرياسة والجاه

    كذلك حب الرياسة والجاه بأن يتمنى أن يكون منفرداً عديم النظير في هذا الشأن، غير مشارك في المنزلة، يضره وجود مضاه له في المنزلة، فهذا أيضاً من الأسباب..

    1.   

    بيان متى يكثر الحسد ومتى ينعدم

    هنا تنبيه يتعلق بأسباب الحسد، وهو أن الحسد يكثر بين قوم تكثر بينهم هذه الأسباب من العداوة، أو التعزز أو خبث النفس، أو حب الرئاسة وطلب الجاه. وإذا كان شخص واحد يحسد شخصاً واحداً أو أكثر فهذا قد يكون يسيراً، لكن قوم تكثر بينهم الروابط ويجتمعون في المجالس ويتواردون على أغراضهم فهذا أقوى ما يكون، ولابد من مهنة رابطة بين الناس الذين يحسد بعضهم بعضاً، فإذا تجاور الناس في مكتب، أو في سوق، أو في عمل، فإنهم تتناقض أغراضهم، ويحصل تعارض بين الأغراض، فيقع التنافر الذي يورث الحسد؛ لأن الغرض الواحد لا يجمع متباعدين، بل يجمع متناسبين، فلذلك يكثر الحسد بينهما. كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري فقال: (مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا). أي: لأنهم لو تجاوروا ربما وقع من ذوي القرابات حسد أشد من الشخص البعيد؛ لأنهم في الغالب يتواردون على غرض واحد فتقع المنافسة والمنازعة. كما يقع أيضاً من أصحاب الحرفة الواحدة، فتجد صاحب حرفة معينة يكره الذي ينافسه على الزبائن -مثلاً- في نفس الحرفة، لكن لو كانت حرفة أخرى لا ينازعه فيها أحد ففي الغالب أنه لا يقع الحسد من هذا الجانب. فالتاجر يحسد التاجر، والمرأة تحسد ضرتها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته؛ لأن الضرتين يتنازعان على غرض واحد وهو الزوج، فتحسد المرأة ضرتها أكثر مما تحسد ابنة زوجها، والشجاع يحسد الشجاع، لكن الشجاع لا يحسد العالم؛ لأنه ليس هناك تنافس بينهما في صفة واحدة؛ لأن هذا الشجاع مقصده أن يذكر بالشجاعة، ويمتلك هذه الصفة، ويشتهر بها، والعالم لا يزاحمه على هذا الغرض. ومنشأ الحسد والسبب الحقيقي للحسد هو حب الدنيا؛ لأن الدنيا تضيق على المتزاحمين، أما الآخرة فلا ضيق فيها، إنما مثال الآخرة نعمة العلم ومعرفة الله سبحانه وتعالى، فلا جرم أن من يحب معرفة الله ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت سماواته وأرضه لن يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضاً؛ لأن هذا كله يتسع للجميع، فلو ذهب شخص إلى البحر أو أي مكان في الأرض ليتمتع بالنظر إلى السماء وما فيها من سحاب أو نجوم أو أي شيء من هذه المناظر، فهل يحسده الناس على ذلك؟ وهل سمعتم من يحسد آخر بأنه يتمتع بالنظر إلى النجوم في السماء؟ لكن يقع الحسد إذا كان الشخص له بستان جميل يتمتع وينتفع به، فيقع الحسد هنا؛ لأن الدنيا ضيقة، أما الآخرة فواسعة وفسيحة، فالمعرفة لا تضيق عن العارفين، لذلك المعلومة الواحدة يعلمها مليون شخص ويهتمون بها، ويفرحون بمشاركة غيرهم فيها، بل ربما يحصل بكثرة العارفين لهذه المعلومة زيادة الأنس وثمرة الاستفادة والإفادة، فالإنسان إذا كان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى ويدعو العباد إلى التوبة، أليس يحب كثرة السائلين وكثرة المستغفرين؟! فمن أجل ذلك لا يتصور أن يقع بين علماء الدين محاسدة؛ لأنهم يعملون لوجه الله سبحانه وتعالى، ومقصدهم معرفة الله، وهذا بحر واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق فيها أيضاً؛ لأن هذه المنزلة عند الله واسعة فسيحة جنة عرضها السماوات والأرض، لكن إذا قصد العالم بعلمه أو بدعوته الجاه أو المال أو أي شيء من أغراض الدنيا فقد خرج من كونه عالماً بالدين إلى صائد يصطاد الدنيا بالدين. فمن أجل ذلك طهر الله سبحانه وتعالى قلوب أهل الجنة من المحاسدة فلا يقع بين أهل الجنة محاسدة، كما قال عز وجل: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] لأن نعمة الجنة نعمة واسعة لا زحمة فيها، ولذة لا كدر فيها، أما الحسد فهو من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى ضيق سجين ولذلك وسم به الشيطان اللعين.

    1.   

    الفرق بين الحاسد والعائن

    ما هو الفرق بين العائن وبين الحاسد؟ الحديث ذكر كما قلنا من قبل (العين حق) فما هو الفرق بين الحاسد وبين العائن.

    يشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذيته، لكن الفرق في بعض الأمور الحاسد قد يحسد ما لم ير، فقد يحسد شيئاً يوصف له ولم يره، فالحاسد قد يحسد ما لم يره، فيحسد الحاسد عند غيبة المحسود وعند حضوره أيضاً.

    ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، أما العائن فلا يعين إلا ما يراه، لا يحسد إلا ما يراه بعينه؛ لذلك سمي العائن، تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته، وإذا كان الحاسد يحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه فإن العائن يحسد في الأمر الموجود بالفعل، هذا أول فرق.

    الحاسد مصدر حسده تحرك قلبه، واستكثار النعمة على المحسود، أما العائن فمصدر فعله انقداح نظرة العين، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه، العائن قد يعين شخصاً هو لا يحب أذيته كابنه مثلاً أو ماله أو نفسه أحياناً، فالعائن يصيب بعينه نعمة موجودة، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه كولده وماله، وقد يصيب من لا يقصده من جماد أو حيوان أو زرع أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه، يعني: هو يحسد صاحب المال لكن أيضاً يمكن أن يحسد نفس هذا المال، وربما أصابت عينه نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين، ونأتي بالحديث الذي يدل على ذلك إن شاء الله تعالى.

    أيضاً كما ذكرنا بالنسبة للحاسد مصدر حسده تحرك القلب واستكثار النعمة على المحسود، فهو يتمنى زوالها عنه، أو عدم حصولها له، وهذا غاية في حطة النفس.

    المقصود: أن العائن حاسد خاص، فالحسد كلمة أعم من العائن، فكل عائن حاسد، ولابد، وليس كل حاسد عائناً، فإذا استعاذ الإنسان من شر الحاسد دخل فيه العائن؛ لأن هذه الكلمة أعم؛ فهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته.

    قال غير واحد من المفسرين في قول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم:51]. قال بعض المفسرين: المقصود بهذه الآية الإصابة بالعين، فأرادوا أن يصيبوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه قوم من العائنين وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حجته، وكان طائفة منهم تمر به الناقة والبكرة السمينة، فيعينها مجرد أن ينظر إليها، يقول لخادمه: خذ المكتل والدرهم وائتنا بشيء من لحمها، فما تبرح حتى تقع فتنحر.

    والدليل على ذلك من السنة حديث ذكرناه في المرة السابقة: (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر).

    قال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل، ثم يرفع جانب خبائه -يرفع جانب الخيمة أو الخباء- فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلاً حتى يسقط منها طائفة. فيحكي المفسرون: أنه طلب الكفار من هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به كفعله في غيره؛ فعصم الله رسوله وحفظه وأنزل عليه: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ [القلم:51] وفي الآية كلام آخر كثير.

    1.   

    الأدلة الواردة في ذم الحسد والتحذير منه

    ذم الحسد في القرآن الكريم

    ذكرنا أن الحسد ذكر في القرآن في قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54] ففي قوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة:109]، وقال عز وجل على لسان المنافقين: فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا [الفتح:15]، وقال عز وجل: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5].

    وورد ذكر الحسد بالمعنى وليس باللفظ، وذلك مثل قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، وقال عز وجل: وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2]، وقال سبحانه وتعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف:8] اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف:9]، وقال: وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف:67] مما قيل في الآية إنه خشي عليهم العين، وأيضاً هذه الآية: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم:51]، وقال عز وجل: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران:120]؛ وقوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة:213] قيل: حسداً بينهم. وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة:89].

    بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [البقرة:90] (بغياً) يعني: قالوا حسداً. وقيل في تفسير الآية: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ [فصلت:29] قيل في تفسير (اللذين أضلانا) يعني: إبليس من الجن وقابيل من الإنس، حيث هذا حسد آدم وذاك حسد أخاه هابيل.

    وأثنى الله على المؤمنين بعدم الحسد في قوله تعالى: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر:9].

    ذم الحسد في السنة النبوية

    وأما الأدلة من السنة فمنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سيصيب أمتي داء الأمم فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي)

    وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على ما تتحابون به أفشوا السلام بينكم) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (العين حق) أي: الضرر الحاصل عنها لا ينكره إلا معاند مكابر. وقال صلى الله عليه وسلم: (العين حق تستنزل الحالق) وقلنا الحالق: الجبل العالي.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا) وقال صلى الله عليه وسلم: (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر) (تدخل الرجل القبر) يعني: تقتله فيدفن في القبر. (والجمل القدر) يعني: إذا أصابته مات أو أشرف على الموت؛ فذبحه مالكه وطبخه في القدر، (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إن العين لتولع الرجل بإذن الله حتى يصعد حالقاً ثم يتردى منه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (العين حق تستنزل الحالق).

    وعن أسماء بنت عميس قالت: (يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين).

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استعيذوا بالله من العين؛ فإن العين حق)

    وعن أم سلمة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة -يعني: أثر سواد وتغير- فقال: استرقوا لها، فإن بها النظرة) أي: إصابة العين. (ودخل النبي صلى الله عليه وسلم -كما تحكي عائشة - فسمع صوت صبي يبكي فقال: ما لصبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين؟).

    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود).

    ذكرنا الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]:

    أن النهي عن التحديث بالنعمة في الحديث قبل إتمام النعمة وقبل إنجازها، لكن إذا تمت يحدث إذا أمن العين، أو يكتم عند خوف الحسد، فإن أمن ذلك فلا يكتم.

    (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان) هذا قبل وقوعها، وقبل قضاء الحوائج، أما بعد قضائها فلا بأس بالإخبار.

    وعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين).

    وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق) هذا دليل على أن الإنسان العائن قد .... قد يعين الشيء بدون قصد سواء في نفسه أو ماله أو ولده أو غيره، ويبين النبي صلى الله عليه وسلم دواء ذلك والاحتماء منه بأن تبرك وتقول: بارك الله فيك، كما أخبر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق) (ورقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك).

    ذم الحسد في كلام السلف

    ثم إن الحسد من أخلاق اللئام، وتركه من أفعال الكرام، ولكل حريق مطفئ لكن نار الحسد لا تطفأ.

    وآفات الحسد قذائف في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب.

    الحسد أول معصية وقعت من الخلق، فقد حسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل، يكفي الحاسد أنه شارك إبليس في الحسد، وفارق الأنبياء في حبهم الخير لكل أحد، الحاسد أيضاً قد سخط قضاء الله وقدره، فكره نعمته على عباده، لذلك الحسد سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى، وهذا قذى في بصر الإيمان، ولا يحصل صاحبه إلا الندم، وفوات الثواب، وغضب رب الأرباب.

    والحاسد ساخط على قضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض، وذلك لا عذر فيه ولا رخصة، وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة، يعني: يكره الحاسد نعمة الله على أخيه، وهذه النعمة لا تؤذيه هو، فيقول بعض العلماء: أي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة! ولذلك قال منصور الفقيه:

    ألا قل لمن ظل لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب

    أسأت على الله في حكمه إذا أنت لم ترض لي ما وهب

    فجازاك ربي بأن زادني وسد عليك وجوه الطلب

    الحسد تنافس في الدنيا، وهي لا تعدل عند الله جناح بعوضة.

    قال صلى الله عليه وسلم: لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء لكن لأنها أحقر عند الله من جناح بعوضة لذلك لم يأخذوا فقط شربة الماء، لكن أعطاهم ما تعلمون قال تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [البقرة:212] فلا وجه فيها للمنافسة عند العقلاء، والحاسد إنما يحسد الناس على الدنيا وحطامها، وأما قوام الليل وصوام النهار فلا يحسد، وهذه الدنيا ما هي إلا هموم وغموم متلاطمة، وحساب وعذاب، وهي ترة وتراب، وبوار وخراب.

    قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار، يعني: الإنسان أحد رجلين: إما مؤمن صائر إلى الجنة، وإما كافر صائر إلى النار، فإن كانت النعمة مع مؤمن وهذا المؤمن صائر إلى الجنة فكيف أحسده؟! كيف أتمنى زوال هذه النعمة؟! وهو سوف يحصل أعظم نعمة، وهي الجنة ورضوان الله سبحانه وتعالى، كيف يحسده وهو صائر إلى الجنة أعظم نعيم ولا يقدر أن يزيله عنه؟! وإن كان كافراً أعطي هذه النعمة فكيف يحسده على نعمة وهو صائر في النهاية إلى النار فلا يستحق أصلاً أن يحسد؟!

    أيضاً الحسد قد يحمل صاحبه على إطلاق لسانه في المحسود بالشتم والتحيل على أذاه.

    قال الحسن رحمه الله: يا ابن آدم! لم تحسد أخاك فإن كان الله أعطاه لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره النار؟!

    قال بعض العلماء:

    منافسة الفتى فيما يزول على نقصان همته دليل

    ومختار القليل أقل منه وكل فوائد الدنيا قليل

    أيضاً الحاسد لا يزال في غم وألم ونكد؛ لأن الحسد داعية النكد.

    قال بعض العلماء: الحسد جرح لا يبرأ، وحسب الحسود ما يلقى. حسبه من العذاب ما يعذب هو به نفسه.

    قال بعض العلماء:

    دع الحسود وما يلقاه من كمده كفاك منه لهيب النار في جسده

    إن لمت ذا حسد نفست كربته وإن سكت فقد عذبته بيده

    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك.

    وقال الأصمعي : سمعت أعرابياً يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، وتعس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي، وقال بعضهم: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد، فإنه يرى النعمة عليك نقمة عليه.

    قل للحسود إذا تنفس طعنة يا ظالماً وكأنه مظلوم

    أيضاً الحاسد يسميه العلماء عدو نعمة الله عز وجل، فهو جهول ظلوم، ليس يشفي غلة صدره ويزيل حرارة الحسد من قلبه إلا زوال النعمة، فحينئذ يتعذر الدواء أو يعز.

    وكل أداويه على قدر دائه سوى حاسدي فهي التي لا أنالها

    وكيف يداوي المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها

    وقال معاوية رضي الله عنه: كل الناس أقدر على رضاهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها.

    كل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد

    وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا تعادوا نعم الله. قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وفي بعض الكتب: الحقود عدو نعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي.

    كذلك يقولون: الحسد عدو عادل منصف، كما قال بعض الشعراء:

    لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله

    وهذا مثال يقول: (من حفر حفرة لأخيه وقع فيها).

    قيل لبعضهم: ما بال الحسود أشد غماً؟ قال: لأنه أخذ بنصيبه من هموم الدنيا يضاف إلى ذلك غمه لسرور الناس.

    وهنا قصة نشير إليها تجسد مبدأ من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، وهي محكية في الكتب. قال بكر بن عبد الله : كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر يعني: تصدر من فمه رائحة كريهة، فقال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعوه إليك فإن دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر، فقال له: انصرف حتى أنظر فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم فقام الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك على عادته فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته فقال له الملك: ادن مني فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم. فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا قد صدق. قال: وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة، فكتب له كتاباً إلى عامل من عماله: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبناً وابعث به إلي، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خط الملك لي بصلة فقال: هبه لي فقال: هو لك. فأخذه ومضى به إلى العامل فقال العامل: في كتابك أن أذبحك وأسلخك فقال: إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك. فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه، وحشا جلده تبناً وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك وقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له، فقال له الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال: ما قلت ذلك. قال: فلم وضعت يدك على فيك؟ قال: لأنه أطعمني طعاماً فيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال: صدقت.. ارجع إلى مكانك فقد كفى المسيء إساءته.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.