إسلام ويب

علو الهمة [18]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرف الله عز وجل الأمة الإسلامية على جميع الأمم، وإن أعظم ما شرفها الله عز وجل به هو القرآن الكريم، لذا كان الاعتناء بالقرآن الكريم حفظاً وتلاوة وفهماً وتفسيراً وتعليماً من أعظم الأعمال، ومن أحب أن يكلمه الله عز وجل فليقرأ كلامه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تشريف الله عز وجل للأمة الإسلامية بالقرآن الكريم

    لقد شرفنا الله تبارك وتعالى بأن بعث إلينا أشرف رسول، وجعلنا أشرف أمة في أشرف بقاع الأرض بسفارة أشرف الملائكة، وأنزل عليه صلى الله عليه وسلم أشرف الكتب بأشرف لغة في أشرف شهر في السنة، في أشرف ليلة من هذا الشهر، ألا وهو القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن:1-2]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم. صح عن أمير المؤمنين ذي النورين أمير البررة وقتيل الفجرة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، رواه البخاري والترمذي . والخطاب هنا موجه إلى خير أمة أخرجت للناس، فهؤلاء المذكورون في الحديث هم خيار الأخيار في خير أمة أخرجت للناس. فبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث الشريف أن خير المتعلمين وخير المعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن لا في غيره؛ إذ خير الكلام كلام الله، فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به، ولابد من تقييد التعلم والتعليم بشرط أن يكون خالصاً لوجه الله تبارك وتعالى. فلابد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص، وإرادة وجه الله تبارك وتعالى، فإن من أخلص التعلم والتعليم وتخلق بالإخلاص دخل في زمرة ورثة الأنبياء.

    1.   

    التنبيه على بعض العوائق والأخطاء في طلب العلم

    وبعد أن فرغنا من الكلام على علو الهمة لا شك أن هذا الكلام لم يكن المقصود به: أن نستمتع بالكلام في سيرة السلف ونتفرج عليهم، وأن نكون كحال الترجمان الذي يقف أمام الآثار يصف عظمة الماضي في زعمه، ثم لا يقدم شيئاً إلى الحاضر أو إلى المستقبل، خاصة وأن بنا من الآفات ومن مظاهر التقصير في طاعة الله سبحانه وتعالى ومن التقصير في حق الله عز وجل ما يوجب علينا أن نجدد إيماننا، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم) ، نسأل الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبنا أجمعين.

    ولا نقتصر أيضاً على مجرد الدعاء؛ فإن الدعاء وإن كان داخلاً في الكلم الطيب لكن الكلم الطيب يحتاج إلى ما يحمله ويرفعه إلى السماء، وهو العمل، قال عز وجل: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10].

    ولا شك أن مفتاح الهداية إلى الطريق القويم هو العلم والتشبع بالعلم؛ لأن العلم هو المخرج من الفتن التي يموج بها هذا الزمان.

    لكننا حينما نتوجه إلى طلب العلم نقع في كثير من الأخطاء التي تجعل السنوات تمر دون جدوى أو دون الحصيلة التي كان من المفترض أن نحصلها، فيوجد في بعض إخواننا -خاصة ممن ينتسبون إلى السلفية- ما نستصيغ أن نسميه بعض النتوءات الفكرية، نتوءات شاذة غير سوية؛ لأنها مخالفة للمنهج السلفي.

    ومظاهر هذه النتوءات الشاذة كثيرة، وسبق أن تكلمنا عنها في عدة مناسبات، لكننا محتاجون أن نعيد الكلام من جديد؛ لأننا تقريباً قد تكلمنا قبل على المنهج العلمي تحت عنوان: لمن تقرأ وماذا تقرأ؟ وفصلنا الكلام في هذا، ونحن بلا شك محتاجون إلى أن نعيد أو نجدد عهداً بما قلناه قبل.

    لكن أبدأ أولاً ببيان بعض العوائق التي تعيق طالب العلم عن المضي في الطريق الصحيح في طلب العلم، وهذه العوائق هي كثيرة، لكن أقتصر الآن على ما يمس موضوعنا:

    فمنها: عدم التدرج في العلم.

    فطلب العلم مثل السلم، ولا بد للإنسان أن يتدرج في الصعود عليه، ولذلك لا نرى أحداً من العلماء ينازع في أهمية مراعاة مبدأ التدرج في طلب العلم؛ لأن التدرج هو الوسيلة الناجحة لأخذ العلم وفهمه، وهذا المعنى -معنى التدرج والتمهل- ليس بدعاً من القول، وإنما هو مأخوذ من كتاب الله تبارك وتعالى؛ فقد قال الله عز وجل: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا [الإسراء:106] فقوله: (على مكث) يعني: على تمهل، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان:32] .

    قال الزبيدي نقلاً عن كتاب الذريعة في وظائف المتعلم، قال: يجب ألا يخوض في فن حتى يتناول من الفن الذي قبله على الترتيب بلغته، ويقضي منه حاجته؛ فازدحام العلم في السمع مضلة الفهم، وعلى هذا قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121] ، يعني: لا يتجاوزون فناً حتى يحكموه علماً وعملاً، فيجب أن يقدم الأهم فالأهم من غير إخلال في الترتيب، فكثير من الأمراض الموجودة فينا معشر طلبة العلم هو نتيجة عدم مراعاة هذا الترتيب، فكثيرون يقفزون إلى بعض الدرجات العلى دون أن يراعوا التدرج والترتيب، فتوجد هذه النتوءات الشاذة التي تنتسب زوراً إلى السلفيين.

    قال العلماء: من ترك الأصول حرم الوصول. يعني: أن الأصول هي الأساس الذي ينبغي أن يبنى عليه البنيان، فمن تركها يحرم من الوصول إلى الغاية والهدف الذي يرومه، فحق على طالب العلم أن يكون قصده من كل علم يتحراه هو أن يتبلغ به إلى ما فوقه، ويتهيأ به إلى الدرجة التي تليها.. إلى أن يبلغ النهاية.

    والتدرج يكون في أمرين: الأول: أن يتدرج بين الفنون نفسها.

    والثاني: أن يتدرج في الفن الواحد نفسه، وكلا الأمرين يخضع لاجتهاد المعلم الذي يوجه الطالب، وطبيعة المكان والظروف والملابسات، ولذا فإن إشارات العلماء في التدرج تختلف باختلاف مذاهبهم وأماكنهم.

    لكن يكاد العلماء والناصحون في هذا الباب والمصنفون في هذا الباب من أهل العلم يتفقون على أن أولى الخطوات هي: الاهتمام والحفظ لكتاب الله تبارك وتعالى.

    ورحم الله الإمام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى؛ إذ نعى طلاب العلم في زمنه، فقال: واعلم -رحمك الله- أن طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا قد حاد أهله عن طريق سلفهم، وسلكوا في ذلك ما لم يعرفه أئمتهم، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم.

    فإذاً: يقبح بنا ألا نقتدي بآثار من سبقنا من أهل العلم في طلب العلم والتدرج فيه.

    1.   

    جدول في طلب العلم من بدايته إلى منتهاه

    وقد رتب الإمام ابن الجوزي جدولاً للطالب يبلغ به منتهاه، فقال رحمه الله: وأول ما ينبغي أن يكلف -يعني: طالب العلم في صباه- حفظ القرآن متقناً؛ فإنه يثبت، ويختلط باللحم والدم، فمن اشتغل وبدأ البداية الصحيحة بحفظ القرآن الكريم خاصة منذ الصغر فإن القرآن الكريم سيختلط بلحمه ودمه، يصبح جزءاً من كيانه، وكما أن الدم يجري في عروقه وفي عضلاته وفي كل خلايا جسمه فكذلك القرآن الكريم يمتزج بروحه امتزاجاً كاملاً؛ حتى يكون جزءاً من كيانه ومن تكوينه.

    ولا شك أن من حفظ القرآن في الصغر أمكنه أن يتعبد به في الكبر، أما من تأخر في حفظ القرآن في الكبر فلا شك أن كثرة التمتع والاستمتاع والتعبد بالقرآن الكريم ستكون أقصر، فينبغي الاهتمام بأن نجتهد في إنقاذ الأجيال القادمة -إن شاء الله- مما وقع فيه الجيل الماضي من التقصير في حق القرآن الكريم والاشتغال عنه بغيره.

    فكل ما يشغل عن القرآن فهو في الغالب شؤم على صاحبه؛ لأنه سيحرمه من أن يضيء قلبه ويعمر جوارحه بكلام الله عز وجل، فكلام الملك ملك الكلام، فليس هناك كلام أفضل من كلام الله؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم دائماً يكرر على أصحابه هذه العبارة المهمة: (خير الكلام أو أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-) .

    وسيأتي بيان هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الاهتمام بالقرآن.

    يقول ابن الجوزي : وأول ما ينبغي أن يكلف-يعني: طالب العلم في صغره-: حفظ القرآن متقناً؛ فإنه يثبت فيختلط باللحم والدم، ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن في لسانه، ثم الفقه مذهباً وخلافاً، وما أمكن بعد هذا من العلوم فحفظه حسن.

    إذاً: طلب العلم سلم ذو درجات ومراتب لا ينبغي تعديها، فمن تعداها فقد تعدى سيرة السلف الصالح، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل، فلابد من المنهجية، ولابد من المرحلية، فالمنهجية هي: أن يكون هناك منهج محدد في كل علم من العلوم تدرسه على شيخ، ولا تنشغل بغيره، وتواصل فيه الليل بالنهار مجتهداً، والمرحلية هي: الجدول الزمني، يعني: لابد بجانب المهمة التي تريد أن تنجزها لا تعد ناجحاً إلا إذا أنجزتها في وقت مناسب، لا أن تمر سنوات دون أن يحصل تقدم يذكر فإن هذا من الأخطار.

    1.   

    وظائف ينبغي على طالب العلم مراعاتها مع القرآن الكريم

    فكما أشرنا اتفق الناصحون في هذا الباب على أن أول العلم: حفظ كتاب الله تبارك وتعالى.

    وسبق أن تكلمنا في محاضرة لمن تقرأ وماذا تقرأ؟ وقلنا: إنه لابد لطالب العلم من وظائف مع القرآن الكريم.

    الوظيفة الأولى: ختم القرآن الكريم، فعلى طالب العلم أن يختم القرآن بطريقة دورية ثابتة، وأن يكون له ورد، ويكون له حزب دائم من القرآن الكريم، ويتفاوت مقدار هذا الحفظ حسب ظروف كل إنسان، فالناس ليسوا كلهم على درجة واحدة من الاستعداد والظروف، فهناك التاجر، وهناك الطالب، وهناك المدرس، وهناك المتفرغ لطلب العلم، فبلا شك أنه تتفاوت حظوظهم بحسب ظروفهم.

    فحفظ القرآن لابد أن كل واحد يكون له ورد يومي، ولا تتحرجوا من كلمة ورد؛ فهي ليست حكراً على الصوفية، ولا كلمة حزب، بل هذه ألفاظ شرعية مأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام حينما تأخر على قوم كانوا ينتظرونه قال: (كان حبسني ورد أو حزب من القرآن، فكرهت أن أخرج حتى أتمه) ، وجاء أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (من فاته ورده من الليل فليقضه إذا أصبح بالنهار). أو كما قال رضي الله تعالى عنه.

    فالشاهد أن الورد أو الحزب أو القدر المعين الذي تحدده لنفسك كل يوم ينبغي أن تحافظ عليه، وينبغي أن يكون لكل واحد ورد ثابت من القرآن الكريم؛ بحيث يختم القرآن، وسنتكلم على المدد المقترحة بذلك في التفصيل إن شاء الله تعالى، فهناك ورد الختم، وهناك ورد المراجعة، وهناك حفظ ما لم يحفظه من كلام الله تبارك وتعالى.

    وأما الصحابة رضي الله تعالى عنهم فكانوا يحزبون القرآن على سبعة أيام، حسب ترتيب السور، يعني: يبدءون بالثلاث السور الأولى من القرآن الكريم بعد الفاتحة: البقرة وآل عمران والنساء، ثم اليوم الثاني يقرءون قدرها، ثم اليوم الثالث كذلك، وهكذا، ثم حزب المفصل يجعلونه في اليوم السابع وحده، وهو الحزب الذي يبدأ بسورة (ق) وينتهي بسورة (الناس).

    هكذا كان الصحابة يفعلون، وكان الصحابة يجعلون تحزيب القرآن على سبعة أيام بالنحو الذي بينا.

    وأيضاً: مراجعة المحفوظ، فلابد أن الإنسان يكون له نظام معين في المراجعة؛ حتى لا يتفلت منه القرآن، وهذا ما سنشير إليه بإذن الله فيما بعد.

    أما فيما يتعلق بالوظيفة الثالثة فهي: حفظ ما لم يحفظه من القرآن الكريم، ولا شك أن الحفظ يحتاج إلى همة عالية، وأفضل شيء في فترة الحفظ لمن لم يتم حفظ القرآن أن يتفرغ تماماً لحفظ القرآن الكريم، ولا يشتت همته، فلا يقرأ في الحديث ويقرأ في الفقه ويقرأ في كذا وكذا من العلوم في آنٍ واحد؛ فأمامك هدف محدد، وهذا الهدف مطلوب أن تسابق به الزمن؛ والصغير كلما اشتغل بحفظ القرآن مبكراً كلما كان أسهل عليه؛ لأنه لا هموم ولا مشاغل ولا مسئوليات عليه، فيكون ذهنه صافياً؛ فيستطيع أن يحفظ بسرعة.

    فأعظم هدية يقدمها الأب إلى ولده أن يؤدبه بأن يحفظه القرآن الكريم، ويشغله بالقرآن بقدر استطاعته، ولا يشتته، ولا يشتت نفسه أيضاً إذا كان قد انتدب نفسه لهذه المهمة العظيمة.

    1.   

    شرف حفظ القرآن الكريم

    فحفظ القرآن شرف ليس بعده شرف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين) ، يعني: بإيمانهم.

    فمن أعظم الشرف أن يجعل الله سبحانه وتعالى صدرك مستودعاً لكلامه، وإذا نلت حفظ القرآن الكريم فهذا أعظم من مليون شهادة دكتوراه؛ لأن هذا هو الشرف الحقيقي، وهذا هو الذي ينفعك في الدنيا، وينفعك في قبرك، وينفعك في الآخرة، يكفي أن تتخيل أن الملائكة يوم القيامة تضعك أمام اختبار، وتقول لك: سمع ما كنت تحفظه في الدنيا من القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتق، ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها)، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

    فإذا نلت حفظ القرآن الكريم فهذا أعظم من ملايين شهادات الدكتوراة، وهذا أعظم من ملايين الدولارات والجنيهات والذهب، وأنت ستكون أغنى خلق الله سبحانه وتعالى بالقرآن الكريم؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا)؛ لأن القرآن فيه الغنى كل الغنى.

    هذا هو الغنى الحقيقي، وبذلك نجد الشريعة الشريفة قد وضعت أحكاماً خاصة لحفظة القرآن تميزهم بها عمن عداهم، فمثلاً: الإمارة تكون لمن هو أحفظ، ولما استعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجموعة من الناس من الشباب كان فيهم رجل يحفظ سورة البقرة، وكان الآخرون يحفظون مما عداها، فجعله أميراً عليهم. أي: أنه قدمه عليهم لحفظه سورة البقرة.

    وهكذا أحق الناس بأشرف الأماكن في الصف الأول حملة كتاب الله؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: (ليلني أولو الأحلام منكم والنهى) ، فيقدم في الإمامة ويقدم في الصف الأول وراء الإمام من هم أكثر حملاً لكتاب الله عز وجل.

    حتى عند الدفن يقدم حافظ القرآن الكريم، فإذا وجد أكثر من ميت أو شهيد يدفنون جميعاً فيقدم أولاً الأكثر حفظاً للقرآن، ثم الذي يليه.

    فالنصيحة المهمة جداً هي: أن يغتنم المسلمون سني الحفظ الذهبية، وهي من خمس سنوات إلى حوالي ثلاث وعشرين سنة، وطبعاً لا ييأس من تجاوز هذا السن، فمن بعد ثلاث وعشرين هناك الفضية والنحاسية وهكذا.

    فالفترة الذهبية هي هذه الفترة العظيمة، وكلما كان الحفظ مبكراً كلما كان أعظم وأسهل؛ لأن من يحفظ في الصغر يختلط القرآن بلحمه ودمه، ويثبت في قلبه ثبوتاً عظيماً جداً.

    فالطفل قد لا يدرك مصلحته، لكن الأب مهمته أن يقيه النار، وأن يسهل له طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن يحسن تربيته، وينبغي أن يضع هذا الهدف هو الهدف الأساس والهدف الرئيس في خططه في تربية أولاده، فإذا وجد الطفل النابغة الذي عنده القدرة على الالتقاط وعلى الحفظ فينبغي الاهتمام به، وهذه القدرة موجودة عموماً في الأطفال، لكن هناك أطفالاً يتميزون، فخسارة كبيرة جداً أن نشغلهم بالأناشيد، فضلاً عن الإعلانات والقصص الكاذبة والأغاني وغير ذلك، وإنما ينبغي أن يصرف الاجتهاد كله إلى تحفيظهم كلام الله تبارك وتعالى.

    1.   

    منهجية العلماء في طلب العلم

    ففي الحقيقة يحصل من بعض الناس شيء من هذه النتوءات التي أشرنا إليها، فيوجد محاولة للقفز فوق السلم في طلب العلم، ونجد كثيراً من الأخوة يشتغلون بعلم الحديث، وبأشياء هي من فروض الكفايات في علم الحديث، مثل العلل والرجال والأسانيد وكذا وكذا، وينفقون أوقاتاً طويلة جداً في ذلك، وهم قد يلحنون في كلام الله، أو قد يهملون حفظ كتاب الله تبارك وتعالى.

    ولذلك كانت سنة العلماء أنهم كانوا إذا أتاهم طالب العلم يطلب الحديث -مثلاً- كانوا يسألونه: هل حفظت القرآن؟ فإن قال: لا، لم أحفظ القرآن يرفضون أن يحدثوه، ويطرد من المجلس، إلى أن يتم حفظ القرآن ويختبر، ثم بعد ذلك يشرع في تلقي ما عداه من العلوم الشرعية.

    فمن المؤلم أن يصير هذا شعار بعض الناس في بعض البلاد ممن ينتسبون للسلفية، فهل هذه هي السلفية؟! فإهمال كلام الله عز وجل، وإشغال الشباب بما عدا كلام الله عز وجل ليس من السلفية في شيء، ونحن لا نقول: إنك تهجر العلوم الأخرى، لكن ممكن أن الإنسان يترفق إذا أراد أن ينجز هذا الهدف، فينبغي أن يفرغ ذهنه، ويفرغ قلبه لهذه المهمة، وإذا تشتت فلن ينجز الهدف بالصورة المطلوبة، لكن عليه أن يركز في هذا الهدف ليل نهار، إلى أن يوفقه الله سبحانه وتعالى، فإذا فتح له حفظ القرآن يفتح له كل باب من أبواب الخير بإذن الله تبارك وتعالى.

    فالاشتغال بعلوم الحديث والأسانيد وهذه الأشياء هذه من فروض الكفايات، ويوجد الآن من العلماء -ولله الحمد- من هم أعظم باعاً من إخواننا طلبة العلم وقد أنجزوا كثيراً من الإنجازات في هذا المجال.

    فلا مانع من الاهتمام بهذه العلوم، لكن بشرط ألا تشغل عن القرآن، فإذا كان ما زال هناك نقص في القرآن فاشتغل أولاً بالقرآن الكريم، ثم بعد ذلك إذا فرغت لك أن تتحول إلى غيره.

    1.   

    التحذير من هجر القرآن الكريم

    وقد حذر الله سبحانه وتعالى من هجر القرآن، فقال عز وجل: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] ، فقد هجر الكثير كلام الله سبحانه وتعالى، حتى إن المصحف لتتراكم عليه أكوام الأتربة، أو ربما ينفضها لكن لمجرد الزينة في البيت أو السيارة، وكل حياتنا أصبحت مضادة لكتاب الله سبحانه وتعالى.

    فهذا هو هجر القرآن، وهؤلاء هم الذين يشتكيهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربهم، أو بالأحرى هم الذين يشكوهم رسول الله إلى ربه عز وجل: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، يعني: متروكاً معرضاً عنه.

    وهذه الآية وإن كانت أصالة في المشركين -وإعراض المشركين هو: عدم إيمانهم بكلام الله- إلا أن نظمها الكريم مما يرهب عموم المعرضين عن العمل بالقرآن والأخذ بآدابه، الذي هو حقيقة الهجر؛ لأن الناس إنما تعبدوا منه بذلك، ولا تؤثر تلاوته إلا لمن تدبرها، ولا يتدبرها إلا من يقوم بها ويتمسك بأحكامها.

    1.   

    أنواع هجر القرآن الكريم

    وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه المبارك (الفوائد) حينما كان يتكلم عن هذه الآية في سورة الفرقان أنواع الهجر فقال: هجر القرآن أنواع. أي: هذا الهجر الذي يحصل من بعض الناس للقرآن الكريم هو أنواع:

    أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. أي: لا يسمع القرآن، ولا يؤمن به، ولا يصغي إليه.

    الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

    الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.

    الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

    الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به. وهذه بلا شك من أعم المصائب الآن، فنحن لا ننتبه إلى أن كل ما فينا من أمراض -خاصة الأمراض القلبية- إنما دواؤها في القرآن الكريم، كما قال عز وجل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82] ، فكأننا لا نوقن بهذا الكلم، فنحن نتلوه، لكن لا نتدبر فيه، ونطلب الشفاء في غير كلام الله سبحانه وتعالى.

    ونجد كثيراً من الناس يدعون الشباب -مثلاً- إلى قراءة (إحياء علوم الدين) أو كتب الصوفية أو كذا وكذا، ويشغلونهم بهذا، مع أن الدواء الناجع لقلوب المؤمنين هو الاشتغال بكلام الله عز وجل، وأصبح حالنا كحال الشاعر الذي قال:

    كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول

    وهو حقيقة ليس كالعيس، لكنه أسوأ من العيس؛ لأن العيس -وهي: الجمال أو النوق- التي تحمل الماء فوق ظهورها ويكاد يقتلها الظمأ، هذه العيس قد لا تعرف أن الذي فوق ظهرها ماء، وإذا عرفت فقد لا تستطيع أن تصل إليه، لكننا نحن نعرف أن دواءنا هو في القرآن الكريم، وأن شفاء قلوبنا هو في كلام الله عز وجل، فبالتالي نكون أسوأ حالاً من هذا العيس التي يقتلها الظمأ في البيداء والماء فوق ظهورها محمول.

    فكل من أراد أن يداوي قلبه فعليه أن يقبل على القرآن؛ فإن القرآن الكريم هو الذي يعالج ما في قلبه من الأمراض ومن الشهوات ومن الأدواء.

    فيقول ابن القيم : النوع الخامس من هجر القرآن الكريم: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به.

    قال ابن القيم : وكل هذا داخل في الآية، وإن كان بعض الهجر أهون من بعضه.

    وفي الإكليل يقول السيوطي : إن في الآية إشارة إلى التحذير من هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه.

    وقال أبو السعود في قوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]: فيه تلويح بأن من حق المؤمن أن يكون كثير التعاهد للقرآن؛ كي لا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم.

    ثم قال: وفيه من التحذير ما لا يخفى، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا.

    1.   

    وجوب إعطاء القرآن الكريم الأولوية المطلقة في طلب العلم

    ثم نعيد التركيز أو التنبيه على وجوب إعطاء القرآن الأولوية المطلقة في طلب العلم، حتى لو كان الإنسان قد كبر في السن؛ لأن كل حرف من القرآن تقرؤه فأنت تتعبد بتلاوته، فحفظ القرآن ليس كحفظ غيره من العلوم، فهل الثواب الذي تناله من حفظ القرآن مثل الثواب الذي تناله من حفظ متن في الفقه أو في الأصول أو منظومة في النحو أو في كذا أو كذا من العلوم؟ فلا شك أن حفظ القرآن له المزايا العظيمة التي سنتحدث عنها؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى وكل هذه الفضائل لا يمكن تحصيلها من غير كلام الله عز وجل، فلا ينبغي أبداً أن ينشغل الإنسان بالمفضول عن هذا الفاضل.

    وقد روى ابن المديني عن عبد الوهاب بن همام عن ابن جريج قال: أتيت عطاء وأنا أريد هذا الشأن - أي: الحديث والعلم- وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير ، فقال لي ابن عمير : قرأت القرآن -يعني: حفظت القرآن-؟ قلت: لا، قال: اذهب فاقرأه، ثم اطلب العلم -أي: بعد حفظ القرآن تطلب العلم- فذهبت -يعني: غبت- زماناً حتى قرأت القرآن، ثم جئت عطاء وعنده عبد الله ، فقال: قرأت الفريضة؟ قلت: لا، قال: فتعلم الفريضة ثم اطلب العلم. والفريضة هي: المواريث؛ لأن هذه من العلوم الأساسية التي تكاد تنقرض الآن، فهو كان يقصد بالفريضة: علم الفرائض الذي هو علم المواريث.

    يقول: ثم جئت عطاء وعنده عبد الله ، فقال: قرأت الفريضة، قلت: لا، قال: فتعلم الفريضة، ثم اطلب العلم، قال: فطلبت الفريضة، ثم جئت، فقال: الآن تطلب العلم.

    وقال أبو العيناء : أتيت عبد الله بن داود فقال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث -أي: أريد طلب الحديث-، قال: اذهب فتحفظ القرآن؟ قلت: قد حفظت القرآن، قال: اقرأ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ [يونس:71]، فقرأت العشر حتى أنفذته، فقال لي: اذهب الآن فتعلم الفرائض -المواريث-، قلت: قد تعلمت الصلب والجدة والكبر -أي: مسائل الفرائض الكبرى- قال: فأيما أقرب إليك ابن أخيك أو عمك؟ قال هذا ليمتحنه.

    قال: قلت: ابن أخي، قال: ولمَ؟ قلت: لأن أخي من أبي وعمي من جدي، قال: اذهب الآن فتعلم العربية، قال: قد علمتها قبل هذين، قال: فلمَ قال: عمر حين طعن: (يا لَله ولِلمسلمين)؟ يعني: فتح اللام الأولى (لله) وكسر اللام الثانية (للمسلمين) قال: لمَ فتح تلك وكسر هذه؟ قلت: فتح تلك اللام -يا لله- على الدعاء، وكسر هذه -للمسلمين- على الاستغاثة؛ لأن المكسورة للاستغاثة والانتصار، فبعد كل ذلك قال: لو حدثت لحدثتك. يعني: أنه حتى الآن يراه غير أهل للتحديث، لكن يقول: لو كان لي أن أحدث أحداً لاخترتك أنت كي أحدثك، وأبى أن يحدثه أيضاً.

    قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل.

    إذاً: أول العلم: حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه، فوكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه.

    ولا نقول: إن حفظه كله فرض على كل الناس، ولكن نقول: إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً.

    فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه ومن سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    1.   

    حكم نسيان القرآن الكريم

    تكلم العلماء في حكم نسيان القرآن الكريم:

    فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة؛ إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت) ، متفق عليه.

    فهذه إشارة إلى أهمية تعاهد القرآن بالمراجعة باستمرار، وقوله: (الإبل المعقلة)، أي: المربوطة بالعقال.

    قال ابن عبد البر في التمهيد: وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم وعيد شديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، كل ذلك حض منه على حفظه والقيام به.

    وعن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم) ، قال في التمهيد: معناه عندي: منقطع الحجة، والله تعالى أعلم. وهذا الحديث أحسبه ضعيفاً.

    وقال ابن عيينة في معنى حديث سعد بن عبادة هذا وما كان مثله: إن ذلك في ترك القرآن وترك العمل بما فيه، وإن النسيان أريد به ههنا: الترك، نحو قوله: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية:34] ، قال: وليس من اشتهى حفظه وتفلت منه بناسٍ له، إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه، قال: ولو كان كذلك ما نسي النبي صلى الله عليه وسلم منه شيئاً، وقد نسي. قال الله عز وجل: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى [الأعلى:6] * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى:7].

    والصحابة رضي الله تعالى عنهم -وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب- لم يكن منهم من يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا قليل منهم، منهم: أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد الأنصاري ، وعبد الله بن مسعود ، وكلهم كان يقف على معانيه ومعاني ما حفظ منه، ويعرف تأويله، ويحفظ أحكامه، وربما عرف العارف منهم أحكاماً من القرآن كثيرة وهو لم يحفظ سورها.

    قال حذيفة بن اليمان : (تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، وسيأتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان).

    فهنا إشارة إلى أن النسيان ليس المقصود به فقط النسيان من حيث الذاكرة، ولكن المقصود به أساساً: هجر تطبيق القرآن والعمل به.

    ولا خلاف بين العلماء أن تأويل قول الله عز وجل: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121] ، أي: يعملون به حق عمله، ويتبعونه حق اتباعه، قال عكرمة : ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس:2] ، يعني: تبعها، فتلا بمعنى: تبع.

    فنفهم قوله عز وجل: (( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ )) بقوله في هذه الآية: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس:2] ، يعني: اتبعها أو تبعها، فكذلك قوله: (( يَتْلُونَهُ ))، يعني: يتبعونه ويطبقونه.

    1.   

    حكم تجويد القرآن الكريم

    أما تجويد القرآن فحكم العمل بالتجويد أنه واجب وجوباً عينياً على كل مكلف يحفظ أو يقرأ القرآن أو بعضه.

    فكل من يقرأ كلام الله سبحانه وتعالى أو بعضاً منه يجب عليه أن يجود القرآن؛ لأن كلمة القرآن مصدر معناها: القراءة.

    فالقرآن الذي يطلق على كلام الله سبحانه وتعالى المعهود هو ما يقرأ بالكيفية التي تلاها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل في حد القرآن نفسه الطريقة التي يتلى بها القرآن الكريم، وبناء على هذا يأثم تارك التجويد؛ لقوله سبحانه وتعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4] ، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: اقرءوا القرآن بلحون العرب .

    يقول ابن الجزري :

    والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم

    لأنه به الإله أنزل وهكذا منه إلينا وصل

    وهو أيضاً حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة

    1.   

    حكم تعليم القرآن الكريم

    وأما حكم تعليمه: فهو فرض كفاية بالنسبة إلى عامة المسلمين، وفرض عين بالنسبة للعلماء والقراء، ومهما يكن من شيء فإنه يأثم تاركه، ويتعرض لعقاب الله عز وجل.

    لذلك كان إقراء القرآن الكريم هو أول ما اهتم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إبلاغ دعوته الكبرى، حيث كان أول ما عمد إليه هو الاهتمام بإقراء القرآن الكريم، وقد كان مبعوثوه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى مختلف الجهات يقومون أول ما يقومون بإقراء الناس القرآن.

    فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لـعمرو بن حزم حين وجهه إلى اليمن كتاباً أمره فيه بأشياء، منها: أن يعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه.

    وروى البخاري عن أبي إسحاق عن البراء قال: (أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرآننا القرآن) حتى كان مصعب يسمى المقرئ، فـمصعب بن عمير أول ما قدم المدينة كان تعليمه القرآن هو المهمة الأساسية في المدينة، فـمصعب وابن أم مكتوم كانت كل شغلهم واهتمامهم هو أن يقرئوا أهل المدينة كتاب الله عز وجل.

    وكان الرجل من المسلمين إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن.

    ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة خلف عليها معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يقرئهم القرآن ويفقههم.

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم: القراء).

    1.   

    مظاهر احتفاء الإمة الإسلامية بالقرآن الكريم

    لا نستغرب احتفاء هذه الأمة المحمدية بالقرآن الكريم، حيث نقطع بالقول بأنه لا يوجد كتاب على وجه الأرض منذ أن أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لا يمكن أبداً أن يتصور وجود كتاب خدم مثلما خدم القرآن الكريم، أو نال من الاهتمام والاحتفاء والتكريم ما ناله القرآن الكريم. فليس في الدنيا كتاب وضعت في خدمته مثل هذه الكثرة من المواهب التي وضعت في خدمة القرآن الكريم، ولا مثل هذه الوفرة من العمل والوقت والمال، فقد عني المسلمون بالقرآن عناية لم يظفر بها على مدى التاريخ كله أي كتاب سماوي أو غير سماوي، ولعل من مظاهر هذه العناية هذه الأعداد الضخمة من الكتب الجليلة التي خدمت علوم القرآن منذ أقدم القرون الإسلامية، وهذه البحوث والفنون التي كان القرآن دائماً موضوعها. فقد عني القراء بضبط لغات القرآن، وتحليل كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها، وعدد كلماته وآياته، وسوره وأحزابه، وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، وحصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة. واشتغل النحاة بالمعرب منه من الأسماء والأفعال، وبيان الحروف العاملة وغيرها، وتكلموا في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وتوسعوا في شواهده، حتى لقد أحصوا منها فيما قيل: ثلاثمائة ألف بيت من الشعر. يقول مصطفى صادق الرافعي تعقيباً على هذا: ولعمر أبيك إنها لمعجزة في فنها. وبلغ من عناية بعضهم بالقرآن أن أعربه كلمة كلمة. والتفت المفسرون إلى ألفاظه ومعانيه فأوضحوا الخفي منها، وخاضوا في ترجيح المعاني التي يختارونها للألفاظ. وقد ذكر حاجي خليفة من تفاسير القرآن وكتب معانيه ومشكله ومجازه وغريبه ولغاته وقراءاته، ذكر من هذا بعض ما عرف في زمانه، فبلغ ما ذكره مئات كثيرة، فما بالك بما يبلغ في زماننا الآن من الدراسات التي خدمت كتاب الله عز وجل؟! واتجه الأصوليون إلى القرآن يستنبطون مما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية وعلم أصول الدين، كما يستنبطون منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، والتخصيص والإخبار، والنص والظاهر، والمحتمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ.. إلى غير ذلك من الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء. وتخصص علماء الفروع في إحكام النظر والفكر فيما في القرآن من الحلال والحرام وسائر الأحكام. وأخذ أهل التاريخ والقصص من معين القرآن تاريخ الأمم الخالية، وقصص القرون السالفة. واعتمد الخطباء والوعاظ في وعظهم على ما في القرآن الكريم من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت، والميعاد والحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار. كما استخرج أصحاب علم المواقيت قواعد علمهم من آيات القرآن الكريم. كذلك استنبط البلاغيون علوم المعاني والبديع والبيان من نظرهم إلى ما في القرآن من جزالة اللفظ، وبديع النظم، وحسن السياق، والمبادئ والمقاطع، والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك. ومن معاني القرآن ودقائقه أخذ المتكلمون في الجوانب الروحانية مصطلحات فنهم، وقبسوا أنوار تاريخهم. وخلاصة الكلام: أن القرآن الكريم حظي من الاهتمام ما يقطع بأنه لم ينله على الإطلاق أي كتاب في هذا الوجود، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    فضل تعلم القرآن الكريم وتعليمه

    وقد جاءت عدة نصوص في السنة الشريفة في فضل تعليم القرآن الكريم وتعلمه، فقد ثبت عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى)، رواه مسلم ، وقوله: (أقرؤهم) يعني: أحفظهم لكتاب الله تعالى.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان القراء -الحفاظ- أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً) رواه البخاري في صحيحه.

    فكان عمر يجعل مجلس شوراه وأصحاب شوراه هم القراء بغض النظر عن سنهم، فما دام أنهم قد حفظوا القرآن فقد استحقوا أن يكونوا في مجلس شورى عمر رضي الله تعالى عنه.

    يقول الإمام النووي : واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء: أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار.

    أي: لأن القرآن كلام الله، وأحسن الكلام قطعاً هو كلام الله، فإذا سئلت: ما هو أفضل الذكر مطلقاً؟ فدون أن تفكر هو قطعاً كلام الله سبحانه وتعالى.

    وأيضاً ذكرنا في صدر الكلام حديث عثمان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، والذي روى هذا الحديث عن عثمان هو أبو عبد الرحمن السلمي ، فـأبو عبد الرحمن السلمي روى عن عثمان هذا الحديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فكان يروي هذا الحديث ثم يقول - أي: أبو عبد الرحمن السلمي -: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا. وكان يعلم من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج . أي: كان طوال هذه الفترة يجلس ليحفظ الناس القرآن الكريم.

    فمن أجل هذا الحديث قعد أبو عبد الرحمن السلمي أربعين سنة يقرئ الناس بجامع الكوفة، مع جلالة قدره وسعة علمه.

    قد سئل سفيان الثوري عن الجهاد وتعليم القرآن أيهما أفضل؟ فرجح الثاني؛ مستدلاً بهذا الحديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

    وعن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلم) يقول: وأخذ بيدي، وأقعدنا في مجلس أقرئ، يعني: أحفظ الناس؛ حيث إن هذه الوظيفة هي أشرف الوظائف.

    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد فقال: أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان والعقيق فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين فيأخذهما بغير إثم ولا قطع رحم؟)، أي: من منكم يرجو أنه كل يوم يذهب إلى العقيق أو بطحان، وإذا ذهب هناك يكسب ويفوز بناقتين كوماوين زهراوين وقوله: (زهراوين) يعني: عالية السنام ذوات بهجة ومنظر، فيأخذهما حلالاً له من غير إثم ولا قطيعة رحم، من يحب ذلك؟! قال: (فقلنا: كلنا يا رسول الله! يحب ذلك، قال: لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله تعالى خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل) ، يعني: أن كل آية حفظها والاشتغال بحفظها أفضل من ناقة بهذه الصفة المذكورة.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان؟)، خلفات: جمع خلفة، وهي: الحامل من النوق، وخص الحامل من النوق لأنها ستأتي بذرية أيضاً، وليست فقط ناقة بمفردها، لكن بذريتها، قال عليه الصلاة والسلام: (أيكم يحب إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان؟ فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان) .

    وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، والنفي والاستثناء يدل على الحصر والتوكيد لهذه الفضيلة؛ فمن كان فعلاً يؤمن أن محمداً عليه الصلاة والسلام هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى فليوقن بهذا الثواب العظيم؛ إذ لا يمكن أن يقول هذا أبداً إلا ويقع هذا الشيء حتى لو لم نكن نحن نحس به، لكنه قطعاً حق؛ لأن الذي أخبرنا به هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.

    فالإنسان عليه ألا يذهب أبداً في حضور مجالس القرآن الكريم ومجالس تعلم القرآن وحفظ القرآن إلا ويستحضر دائماً هذا الرجاء الحادي الذي يحدوه ويعينه على الجلوس والتعلم، فالإنسان إذا تلمح هذا الثواب وهذه الفضيلة فإنه بلا شك يكون عنده طاقه تعينه على الثبات والاستمرار.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) ، فهل الإنسان العاقل بعدما يسمع مثل هذا الحديث الشريف يعرض عن الجلوس في بيت الله سبحانه وتعالى ليتدارس القرآن الكريم، وينال هذا الثواب العظيم، وهذه الفضائل التي لا تكاد تحصى، ويجلس أمام التلفزيون أو الفيديو أو غير ذلك من أجهزة الفساد؟! هل الإنسان الذي عنده عقل وعنده إيمان ويقين بوعد الله سبحانه وتعالى ووعيده يعرض عن مجالس الذكر وفيها كل هذا الخير العظيم، ويجلس حيث شياطين الإنس وشياطين الجن: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112] ، ويقطعون الطريق إلى الله على خلق الله؟! هل هناك عاقل يؤثر هذا على ذاك؟!

    وعن هارون بن عنترة عن أبيه قال: قلت لـابن عباس : أي العمل أفضل؟ قال: (ذكر الله أكبر) يعني: أن أفضل شيء هو الذكر، قال ابن عباس : (ذكر الله أكبر، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله عز وجل يتدارسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا فيه، حتى يخوضوا في حديث غيره) أي: إذا خرجوا عن القرآن إلى غيره لا تبقى لهم هذه الفضيلة الموعودة في هذا الأثر.

    وذكر الخطيب البغدادي : أن أحد العلماء توفي، فرؤي في المنام، فقالوا: ما فعل الله بك؟ فقال: ذهبت تلك الشطحات وذهبت تلك العلوم -يعني: علوم الدنيا- وبقيت لنا سورة الفاتحة كنا نعلمها عجائز في قريتنا نفع الله بها.

    فإذ كان هذا بتحفيظ الفاتحة فحسب فكيف بمن يكون سبباً في تحفيظ الناس كلام الله سبحانه وتعالى؟!

    1.   

    أهمية الاعتناء بكتاب الله عز وجل وتقديمه على غيره

    وهناك لفتة مهمة جداً يلحظها من أمعن النظر في سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وشيخ الإسلام هو من هو! ومع ذلك لما حبس شيخ الإسلام في سجنه الأخير وخلا بربه سبحانه وتعالى، وبدأ يشتغل بالقرآن الكريم ويستخلص فوائد وعبر وكنوز القرآن الكريم، أبدى شيخ الإسلام في بعض تصريحاته ندماً على ما أنفق من عمره السابق في غير التأمل في كتاب الله، وقال: إنه لو كان فعل ذلك واشتغل بالقرآن عما عداه لأخرج إلى الأمة كنوزاً من العلم، ومن فوائد القرآن العظيم، أو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

    فالشاهد أن شيخ الإسلام في أيامه الأخيرة بدا منه بعض التأسف على عدم الاشتغال بالقرآن الكريم.

    وطبعاً شيخ الإسلام كانت له أوراد، وكان يكتب في علوم القرآن كثيراً بلا شك، وشيخ الإسلام أصلاً كان في موقع المجاهد والمدافع أمام أهل البدع والضلال، ومع ذلك لما خلا بالقرآن وأمعن النظر في القرآن وتوثقت صلته أكثر وأكثر بالقرآن الكريم في سجنه صرح بهذا التصريح.

    فبلا شك أن في هذا عبرة لمن ما زال لديهم فرصة والعمر فيه متسع ألا يقدموا على القرآن غيره، فأي شيء يشغلك عن القرآن فهو شؤم ما لم يتعين عليك، فما دام الأمر خارج حدود الفروض العينية فحذار أن تشتغل بغير القرآن الكريم.

    1.   

    وجوب تعظيم القرآن الكريم وتنزيهه

    يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى وهو يذكر بعض مظاهر تعظيم القرآن الكريم وتنزيهه: أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته، وأن من جحد منه حرفاً مما أجمع عليه أو زاد حرفاً لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك فهو كافر.

    قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض رحمه الله: اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحد حرفاً منه أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك، أو يشك في شيء من ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين.

    وقال النووي أيضاً: أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه، قال أصحابنا وغيرهم: ولو ألقاه مسلم في القاذورات -والعياذ بالله تعالى- صار الملقي كافراً.

    قال: ويحرم توسده -أي: يحرم أنه يستعمل القرآن كوسادة- بل توسد آحاد كتب العلم حرام.

    فلا يجوز أن يستعمله كوسادة، ولا نقبل أبداً من أحد من المتنطعين أو المتفيهقين الذي يقول لك: ما الدليل؟ فالدليل هو إجماع المسلمين على وجوب تعظيم القرآن، وهل من تعظيم القرآن أنك تتخذه وسادة أو متكأً تتكئ عليه والعياذ بالله؟!

    فالتنطع بأن يقال: ما الدليل في مثل هذا؟ وهذا أيضاً من النتوءات الشاذة، فلا يجوز أن يستعمل القرآن كمخدة أو وسادة أو يتكئ عليه، فهذا بلا شك من سوء الأدب مع كتاب الله تبارك وتعالى.

    ويقول النووي : وروينا في مسند الدارمي بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة : أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه كان يضع المصحف على وجهه ويقول: (كتاب ربي، كتاب ربي).

    1.   

    حكم السفر بالقرآن إلى أرض العدو

    وأيضاً من مظاهر احترام القرآن الكريم وحماية القرآن الكريم: أنه تحرم المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو إذا خيف وقوعه في أيديهم، كما في الحديث المشهور في الصحيحين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) ، فلا يذهب بالقرآن إلى بلاد الحرب حيث الكفار؛ لأنه لا يؤمن أن يهينوا القرآن الكريم.

    1.   

    حكم مس المجنون والصبي للمصحف

    يمنع المجنون والصبي الذي لا يميز من مس المصحف مخافة من انتهاك حرمته، فالصبي الذي لا يميز لا يستطيع أن يعرف ما معنى احترام المصحف وتقديسه، فالصبي الصغير الذي عمره سنتان أو ثلاث أو أربع لا يستطيع أن يميز، فلا يمكن من مس المصحف؛ خشية أن يهين المصحف أو لا يصونه. وكذلك لو كان كبيراً لكنه مجنون؛ فإنه أيضاً لا يمكن من إمساك المصحف؛ كي لا يهين القرآن أو ينتهك حرمته، وهذا المنع واجب على الولي وغيره ممن رآه يتعرض لحمله.

    1.   

    من آداب قراءة القرآن

    ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به: احترام القرآن من أمور قد يتساهل بعض الغافلين القارئين المجتمعين بها، فمن ذلك: اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة، إلا كلاماً يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] .

    وليقتدي بما رواه ابن أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ منه)، ذكره في كتاب التفسير في قوله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223].

    ومن ذلك: العبث باليد، فالإنسان لا يعبث ولا يتحرك كثيراً وهو يتلو كلام الله سبحانه وتعالى؛ فإنه يناجي ربه سبحانه وتعالى، فلا يعبث بين يديه.

    ومن ذلك: النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن، وأقبح من هذا كله النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، كالأمرد وغيره.

    1.   

    حكم كتابة القرآن في الثياب والحيطان والحروز

    ويقول الإمام النووي رحمه الله: مذهبنا أنه يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى، قال عطاء : لا بأس بكتب القرآن في قبلة المسجد. وأما كتابة الحروز من القرآن فقال مالك : لا بأس به إذا كان في شمع أو جلد وخرز عليه. وهذه طبعاً قضايا فيها خلاف، لكن الأولى ترك هذه الأشياء؛ لأنه قد يكون محدثاً، أو تكون المرأة حائضاً وغير ذلك. ولا تجوز كتابة القرآن بشيء نجس، وتكره كتابته على الجدران عندنا. أي: عند الشافعية.

    1.   

    تحريم الجدل في القرآن الكريم

    ويحرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق، فيحرم أن الإنسان يماري ويجادل في كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (المراء في القرآن كفر)، والمراء هو: الجدل، كضرب الآيات بعضها ببعض. ونحو ذلك.

    1.   

    فضل الماهر بالقرآن الكريم

    أما فضيلة الماهر بالقرآن الكريم فقد قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:121] ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماهر بالقرآن -أي: الذي يحفظ القرآن جيداً -مع السفرة الكرام البررة -الملائكة- والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ، رواه مسلم .

    فلا ينبغي لك أن تعرض عن قراءة القرآن حتى لو كنت تجد مشقة في التلاوة وتتعتع فيه، فاقرأ فإن لك أيضاً أجرين.

    يقول الشاطبي رحمه الله:

    فيا أيها القارئ كن به متمسكاً مجلاً له في كل حال مبجلا

    هنيئاً مريئاً والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا

    فما ظنكم بالنجل عند جزائه أولئك أهل الله والصفوة الملا

    أولو البر والإحسان والصبر والتقى حلاهم بها جاء القرآن مفصلا

    عليك بها ما عشت فيها منافساً وبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلا

    فهو يحث هنا على حفظ القرآن الكريم، والحقيقة هو يبني كلامه هنا على حديث رواه أبو داود والحاكم وفيه: من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل هذا؟ فهو بنى هذه الفقرة على هذا الحديث، وهو حديث ضعيف، وهذا الحديث ضعيف فيه: أن من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه ، يعني: أن أباه وأمه يثابان إذا حفظ الابن القرآن: ألبس والداه تاجاً يوم القيامة ضوء هذا التاج أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل هذا؟، أي: إن كان هذا هو ثواب أبويه لفعل عمله ابنهما، فكيف بثواب الابن الذي حفظ وعمل بنفسه؟

    فمن ثمَّ يقول الشاطبي :

    فيا أيها القارئ به متمسكاً مجلاً له في كل حال مبجلا

    هنيئاً مريئاً والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا

    فما ظنكم بالنجل عند جزائه أولئك أهل الله والصفوة الملا

    فالنجل هو ابنهما، وهؤلاء هم الملأ، وهؤلاء هم الناس، وهؤلاء هم الصفوة، بل هؤلاء هم أهل الله، كما صح في الحديث: إن أهل القرآن هم أهل الله تعالى وصفوته .

    1.   

    أهمية تعهد القرآن الكريم والتحذير من نسيانه

    نعيد التذكير أيضاً بقضية تعاهد القرآن؛ كي لا ينساه الإنسان، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن؛ فوالذي نفس محمد بيده! لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها)، متفق عليه.

    ولا تعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (تعاهدوا هذا القرآن؛ فوالذي نفس محمد بيده! له أشد تفلتاً من الإبل في عقلها)، وبين قوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]؛ فإن من يسر عليه الوصول إلى جوهرة غالية فإنه لا يضمن بقاءها معه وسلامتها من قطاع الطريق إلا أن يتخذ لذلك أسباباً، فلا يوجد تعارض؛ لأن وصوله إلى حفظ القرآن من الأمور السهلة، كما قال عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، وآية ذلك أنك ترى الطفل الصغير الحدث الذي عمره سبع سنوات أو خمس سنوات قد حفظ القرآن كله، فهذه آية من آيات الله، فإن قلب الطفل الصغير يطيق حمل كلام الله عز وجل الذي لا تطيق حمله الجبال التي قال عز وجل عنها: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21] .

    فييسر الله سبحانه وتعالى للطفل الصغير حفظ كلامه بين جنبيه، فهذه آية من آيات الله، وهي مصداق قوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، فالذي يصل إلى إنجاز هذا الأمر -وهو حفظ القرآن الكريم- هو كمن سهل الله عليه أن يحصل على جوهرة نفيسة، سهل الله له السبيل إلى الحصول على الجوهرة، فسلك هذا السبيل السهل، وحصل بالفعل على الجوهرة، فهل إذا حصل على الجوهرة يضمن بقاءها معه، ويضمن سلامتها معه، حتى ولو قصر في أخذ أسباب حفظها وصيانتها؟ فقوله تعالى: (( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ))، هو تيسير السبيل لحصول حفظ القرآن؛ فإن حفظه سهل، لكن إذا حصلت عليه، واستنار به صدرك فيبقى عليك أن تحافظ على هذه الجوهرة وتحتاط لها، لا أن تتركها معرضة للضياع، ومعرضة لقطاع الطريق يسرقونها منك.

    فلابد من الأخذ بالأسباب التي بها تحافظ على هذا الكنز الذي يسر الله لك الحصول عليه، فما هو السبيل للمحافظة على القرآن؟ هو تعهد القرآن، وكثرة المراجعة والتلاوة.

    يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا قام صاحب القرآن فقرأ بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه)، فهذا هو الداء، وهذا هو الدواء، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا قام صاحب القرآن فقرأ بالليل والنهار ذكره) أي: إذا واظب عليه بالليل والنهار فإنه يذكره: (وإن لم يقم به نسيه) .

    وهناك حديث مشهور عند عوام الناس بدعاء حفظ القرآن، وأنه إذا كان قد تفلت منك القرآن فقل هذا الدعاء، ولن يتفلت منك القرآن، وطبعاً نحن لا ننكر أن الدعاء سبب من أسباب الحصول على هذه المقاصد العالية، فالدعاء سبب، لكن السبب لابد معه من عمل، والعمل الذي ينبغي أن يقترن بالدعاء هو الدواء الذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو التعاهد، أما أنك تقول: أنا سوف أقول دعاء حفظ القرآن -مع إنه حديث ضعيف وباطل- أو دعاءً معيناً وسوف يثبت القرآن في صدري، فلا، بل لابد من الأخذ بأسباب حفظه وتعهده وحمايته من أن ينسى.

    وقال السيوطي : يكره أن يقول: نسيت آية كذا، بل أنسيت. وهذا فيه حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقل أحدكم: نسيت آية كذا، بل هو نسي).

    وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة؛ إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت) ، فإذا كان إنسان عنده مجموعة كبيرة من الجمال في الصحراء فإنه إن هو تركها بدون خطام ولا زمام ولا إمساك ستضل في الصحراء وتتوه منه وتضيع، وإن هو حرسها وحفظها واحتاط لها فإنها تبقى معه، وهكذا نفس الشيء بالنسبة للقرآن.

    فهذا هو داء النسيان وهذا هو دواءه الذي يصفه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يأت واحد ويقول: إن علاج نسيان القرآن هو أن تقول دعاء حفظ القرآن؛ فإنه حديث باطل لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن نقول: لك أن تستعين بالدعاء، بل عليك أن تستعين بالدعاء؛ لأن الدعاء هو الوسيلة التي بها تنال كل مقاصد الدنيا والآخرة، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء، لكن لا تدعو وتقصر في الأسباب، فالدعاء سبب، وهناك أيضاً سبب آخر ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو: تعاهد القرآن، بالمراجعة، وبالختم المستمر، وبالحفظ المستمر، ففي هذا الحديث الإخبار بأن القرآن يذهب عن صاحبه وينساه إلا من يتعاهد عليه، ويقرأه، ويدمن تلاوته.

    وذكر ابن عبد البر حديثاً رواه سعد بن عبادة وهو الحديث السابق الذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم) ، رواه الدارمي ، وقال الإمام ابن عبد البر : معناه أجذم عندي: منقطع الحجة. أي: يلقى الله سبحانه وتعالى ولا حجة له.

    وإن كان بعض العلماء كما أشرنا من قبل قالوا: إن المقصود بالنسيان هو أساساً: ترك التطبيق وترك العمل بكلام الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    من عوامل حفظ القرآن الكريم تطهير الباطن

    وهنا تنبيه مهم جداً وهو: أن تطهير الباطن يعين على حفظ القرآن الكريم، فأحد أسباب تفسير حفظ القرآن أن يطهر الإنسان باطنه، ويطهر قلبه، ويصفي نيته؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، يعني: الملائكة، وقيل: إن قوله سبحانه: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79] ، يعني: من المؤمنين، فلا يجوز مسه لمن كان به حدث مثلاً، بدليل قوله: (( تَنزِيلٌ ))، فهو وصف بأنه تنزيل من رب العالمين، فاستأنسوا بكلمة (تنزيل) أن المقصود به: القرآن الذي أنزل.

    يقول ابن القيم : ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدعة والمخالفات أن ينال معانيه، وأن يفهمه كما ينبغي.

    قال البخاري في الصحيح في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به.

    وهذا أيضاً من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتزم به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم به حقاً، فأنزله على رسوله وحياً، ولا ينال معانيه إلا لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه، فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج.

    من لم يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى تكلم به وحياً وليس مخلوقاً من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج.

    ومن قال: إن له باطناً يخالف ظاهره، وإن له تأويلاً يخالف ما يفهم منه، ففي قلبه منه حرج.

    ومن قال: إن له تأويلاً لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج.

    ومن سلط عليه آراء الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج.

    ومن جعله تابعاً لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه؛ ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج.

    ومن لم يحكمه ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه، ويكلف وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج.

    ومن لم يأتمر بأوامره، وينزجر عن زواجره، ويصدق جميع أخباره، ويحكم أمره ونهيه وخبره، ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج.

    وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه، ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم، ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم.

    1.   

    فضل حملة القرآن الكريم

    وقد ثبت أيضاً في النصوص الكثيرة ما يبين فضيلة حملة القرآن الكريم، فمن ذلك: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوصى بإكرام أهل القرآن، وسماهم اسماً ينبض بأعظم المعاني، ولقبهم بلقب في الحقيقة لا يمكن أن يناله أشرف ملوك ورؤساء وحكام الدنيا كلها منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ إذ سماهم صلى الله عليه وسلم: أهل الله وخاصته، فهؤلاء حملة القرآن هم خاصة الله عز وجل، وجعل صلى الله عليه وسلم من إكرام الله إكرام حملة كتابه عز وجل.

    فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله أهلين، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) ، أي: الذين يختصهم من بين سائر عباده.

    وروي عن أم الدرداء أنها قالت: سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عمن دخل الجنة ممن قرأ القرآن ما فضله على من لم يقرأه؟ يعني: إذا افترضنا أن ضيقين من المؤمنين كلاهما يدخل الجنة، لكن منهم فريقاً لم يحفظ القرآن وآخر حفظ القرآن الكريم، فما فضل من قرأ على من لم يقرأه إذا دخلا جميعاً الجنة؟ فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن عدد درج الجنة بعدد آي القرآن، فمن دخل الجنة ممن قرأ القرآن فليس فوقه أحد)، أنه وصل إلى الرتبة العليا من الجنة.

    وعن عبد الله بن عمرو

    بن العاص

    رضي الله تعالى عنهما قال: (من جمع القرآن فقد حمل أمراً عظيماً).

    1.   

    الأسئلة

    ذكر بعض فضائل الصيام وحكم صيام شهر رجب

    السؤال: اذكر لنا بعض فضائل الصيام، وما حكم صيام شهر رجب؟ الجواب: عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض) الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، ووافقه الألباني . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه. وقد ثبتت أدلة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على استحباب التطوع بالصيام، وعلى فضيلة الصيام، فقد قال الله تعالى: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، وقال تبارك وتعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24]. قال مجاهد وغيره: نزلت في الصوام. يعني: كما أظمأتم وجوعتم أنفسكم في الدنيا بكثرة الصيام، فكذلك يوم القيامة تجازون بجنس أعمالكم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24]. ومن هذه الأحاديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة وحصن حصين من النار). ومنها قول حذيفة رضي الله تعالى عنه: (أسندت النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري، فقال: يا حذيفة ! من ختم له بصيام يوم دخل الجنة). وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر ينفعني الله به، قال: عليك بالصوم، فإنه لا مثل له) فكان أبو أمامة وأهله يصومون، فإذا رئي في بيتهم دخان بالنهار، علم أنه قد نزل بهم الضيف، وأنه ما كان هذا الدخان ليصدر من طعام يعد لأهل البيت أنفسهم، وإنما طعام يعد لضيف طرأ عليهم، أما هم فكانوا يسردون الصيام فرضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن للجنة باباً يقال له: الريان، يقال يوم القيامة: أين الصائمون؟ فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب). وثبت أيضاً في حديث أبي هريرة مرفوعاً: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين). وقال بعض السلف: إنما هو غداء وعشاء -يعني: أن الموضوع موضوع غداء وعشاء- فإذا أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين. يعني: أنه بمجرد أن تؤخر الغداء إلى وقت العشاء تمسي وقد كتبت في ديوان الصائمين، وحزت هذه الفضائل العظيمة، فما أسهل ذلك على من علت همته في التسابق في الخيرات، وقد قال تبارك وتعالى: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ..) إلى آخر الحديث، ويقول بعض العلماء: من يرد ملك الجنان فليذر عنه التواني وليقم في ظلمة الليل إلى نور القران وليصل صوماً بصوم إن هذا العيش فاني إنما العيش جوار الله في دار الأمان فإذا كان قد ورد عن بعض السلف أن الشتاء هو الغنيمة الباردة، فهذه فعلاً حقيقة نحن نلمسها في أيام الشتاء، فلا يكاد إنسان يحس بالساعات وهي تجري وتطوى بسرعة، بحيث إن الإنسان يفاجأ بالغروب، وأنه قريب جداً من الصباح، فمن ثم قالوا: إن الشتاء هو الغنيمة الباردة، أي: الغنيمة التي يحوزها المؤمن دون كثير عناء ولا مشقة، فقد قصر نهاره ليمكننا الصيام، وطال ليله ليمكننا القيام. فإذاً: لا ينبغي أن تفوت مثل هذه الفرص العظيمة، التي تسهل فيها الطاعة على العبد دون أن يغتنمها. وأما شهر رجب فسمي بهذا الاسم لأنه كان يرجب، يعني: يعظم، ولم يصح في فضل صوم رجب شيء بخصوصه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، لكن مع ذلك نستطيع أن نستدل على فضيلة صيام شهر رجب بهذه العمومات التي وردت في فضيلة الصيام المطلق، فمن صام صياماً مطلقاً في شهر رجب -لا لاعتقاد خصوصية فيه- فإنه بلا شك يحوز بإذن الله هذه الفضيلة، لكن لا على أن يسرد الصوم فيه، ويصومه كله فيشبهه برمضان. هذا بجانب أن شهر رجب هو من الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36]، فإذا كنا نهينا عن ارتكاب المعاصي وظلم الأنفس في الأشهر الحرم فبلا شك أننا مأمورون بالطاعات، يعني: كما أن هذا في جانب المعاصي، كذلك في جانب الطاعات، فهذا مما يفيدنا أن للأشهر الحرم مزيد حرمة، وأنها مختصة بحرمة زائدة، فنحن نهينا عن ظلم أنفسنا في كل وقت، لكن خص ذلك في الأشهر الحرم لما لها عند الله سبحانه وتعالى من الحرمة المضاعفة. فإذا كان يفترض بنا أن نتهيأ منذ زمن لاستقبال شهر رمضان، فغيرنا يستعد لرمضان من العام إلى العام، فالفنانون والممثلون وهؤلاء الناس يستعدون لرمضان المقبل بمجرد انتهاء رمضان الماضي؛ يستعدون له حتى يقطعوا الطريق إلى سبحانه وتعالى على عباد الله، ويدأبون سنة كاملة حتى يأتي الشهر القادم، فنحن أولى أن نستعد لاستقبال هذا الشهر العظيم، بمدارسة القرآن الكريم وبمراجعته وحفظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فتعظيم شهر رجب عن طريق الصيام، والتدرب على الصيام والقيام فيه ما أمكن لا شك أنه يعتبر نوعاً من التهيؤ والاستعداد حتى إذا ما أتى شعبان ثم رمضان يكون الإنسان قد أمكنه أن يستغل هذه الفرصة إلى أقصى ما يستطيع، فإن شهر رجب هو مفتاح وبداية أشهر الخير والبركة. قال أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى: شهر رجب شهر الزرع- يعني: الذي توضع فيه البذور- وشهر شعبان شهر السقي للزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع. وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيث، ومثل رمضان مثل المطر، فشهر رجب هو شهر تأتي فيه الريح، وتنقل السحاب وتحركه إلى البلاد التي ستسقى، ثم شهر شعبان هو شهر الغيث، يعني: تكون السحاب، ثم شهر رمضان هو شهر نزول الخيرات والغيث للعباد، يقول بعض العلماء: بيض صحيفتك السوداء في رجب لصالح العمل المنجي من اللهب شهر حرام أتى من أشهر حرم إذا دعا الله داعٍ فيه لم يخب طوبى لعبد زكا فيه له عمل فكف فيه عن الفحشاء والريب

    حكم القول بأن الزلزال ظاهرة طبيعية

    السؤال: ما تعليقكم على من يقول: إن الزلزال ظاهرة طبيعية؟

    الجواب: لا شك أننا نمر بين وقت وآخر بظروف ليس من العقل ولا من الحكمة أن تمر دون أن نعتبر ونتبصر، خاصة إذا كانت هذه الأشياء هي عبارة عن نذر ورسائل من الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن الزلزال الذي حدث أخيراً أنه تحذير من الله سبحانه وتعالى الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، فهو تحذير وتذكير وإنذار للعباد كي يفيقوا، ويتوبوا إلى ربهم عز وجل، وهذه المرة لما لطف الله بنا ولم يحصل مضاعفات كالزلزال الماضي لم نجد كثيراً من الاهتمام بهذا الأمر بل توافرت الصحف والإعلام على الكلام بأن هذه ظاهرة طبيعية، فهل نعود من جديد لنقول أيضاً: الزلزال ظاهرة طبيعية كما يقول الملاحدة؟ فإذا كانت ظاهرة طبيعية فمن الذي خلقها؟ فطلوع الشمس ظاهرة طبيعية، وظهور القمر ظاهرة طبيعية، لكن أليس وراء هذه الظواهر الطبيعية من يخلقها، ومن يسيرها، ومن يوجهها؟ فينبغي ألا نغرق مع أهل الغفلة في غفلتهم ونطاوعهم في ضلالهم، ونردد أمثال هذه المصطلحات، فالطبيعية من الذي طبعها؟ فكل شيء بأمر الله سبحانه وتعالى، وبحوله وقوته، فحتى نستفيد من هذه العبر ينبغي ألا ننصت لكلام هؤلاء الشياطين الذي يلهجون بمثل هذه التعبيرات، ويركز الكلام كله على كم درجة كان الزلزال، وبفضل سياستنا الراشدة كان كذا، وأننا نفعل كذا وكذا فلم تحصل خسائر، وما بقي إلا أن ينشد فينا كما أنشد ذلك الشاعر الفاطمي للخليفة الفاطمي، حينما وقع زلزال في مصر فقال له:

    ما زلزلت مصر لظلم ألم بها ولكن رقصت من عدلكم طرباً.

    فنعوذ بالله من هذا الرقص! فلا بد أن نستحضر أن هذا تحذير من الله سبحانه وتعالى، وعلينا أن نتدبر ونكثر من الاستغفار، فربما أن وجود طائفة قليلة من الصالحين الذين يستغفرون الله سبحانه وتعالى يكون سبباً في تحول عذاب الله تبارك وتعالى عنهم.

    الأمر الثاني: الحادث الشديد الذي حصل في إسلام أباد لا شك أنه أيضاً من معالم هذا الزمان الذين نعيشه، والفتن التي نحياها؛ إذ كيف يتجرأ إنسان أياً كان هذا الإنسان فضلاً عن مسلم أن يريق الدماء بهذه الطريقة الموغلة في الفوضى، وانتهاك حرمات الله سبحانه وتعالى؟! ولذلك لا نكاد نتصور أبداً أو نصدق أن رجلاً مسلماً يفعل مثل هذا الفعل، وحتى الآن ما وقفنا على أي دليل قطعي، وما تكلم أحد بأن هناك دليل على وقوع مثل هذه الحوادث على أيدي من ينتسبون إلى الجماعات الإسلامية، فيصعب جداً أن يصدق أن جماعة كذا تفعل مثل هذا الفعل البشع، يعني: أنه يستبعد أن تقوم هذه الجماعة بإلقاء قنابل بهذه القوة وهذه الضخامة وتنفجر وتصيب من تصيب، وتقتل من تقتل بهذه الطريقة، فلا شك أن هذا لا يجوز بحال من الأحوال، وأن هذا من تسويل الشيطان، وأن هذا لا يمكن أن يصدر من إنسان صاحب دين وخوف من الله سبحانه وتعالى، وأن من فعلوا هذا بلا شك سيلقون الله سبحانه وتعالى بدماء هؤلاء الناس المسلمين الذين قتلوا في هذا الحادث، فتباً لشيطان التأويل، فهل يمكن أن جماعة إسلامية تستحل مثل هذا الفعل بتأويلات شيطانية وبحجج تحصيل بعض المكاسب السياسية؟! فأي مكاسب هذه؟! فإنه يشك شكاً شديداً أن يكون هذا مثل حوادث كثيرة، كحادثة تفجير سيارة الدكتور عمر بن عبد العزيز القرشي في القاهرة الذي أشارت الأصابع بقوة إلى الموساد أنه هو وراء مثل هذا الفعل، وكذلك ما حصل في حوادث كثيرة قبل ذلك كحادثة سينما أمير أو في أيام إسحاق نافون لما كان رئيساً لإسرائيل فهو الذي أرسل هؤلاء الناس ليفعلوا هذا الفعل؛ حتى ترتفع موجة الهجوم على التيار الإسلامي، واصطنعوا مثل هذه الحوادث من قبل في إحدى دور الخيالة في الإسكندرية، وهي حادثه مشهورة أعتقد أنها كانت في أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات.

    فالشاهد: أن مثل هذه الأشياء قد عهدناها من هؤلاء الناس لتحقيق مقاصدهم، أما أن يتصور أن المسلمين يقومون بهذا فهذا إن وقع فإلى الله سبحانه وتعالى المشتكى أن تصل الجرأة على اقتحام حرمات الله بمن ينتسبون للإسلام إلى هذه الصورة البشعة.

    حكم تزويج البنت نفسها بدون موافقة وليها

    السؤال: هذا سؤال وصلني لكن لا أجد طريقة للوصول إلى الشخص الذي أرسل هذا السؤال، فلشدة خطورته ننبه عليه، وهو أن شاباً من الشبان تعرف على فتاة ويبدو أنه تدين منذ قريب، فصار متديناً أو ملتزماً ثم لما تقدم إلى أبيها رفضه أبوها، ويبدو أن الظاهر أن أباها رفضه بسبب الدين، وبسبب التزامه، فالسؤال: هل يمكن أن تتزوجه بدون موافقة وليها؟

    الجواب: بلغني أن بعض الناس الذين تجرءوا على الفتوى بدون علم فتحوا هذا الباب من الشر، وقالوا للأخ: مادام أن أباها رفض بسبب دينك، فلك أن تتزوجها، ومثل هذه القضايا هي في غاية الحساسية وغاية الخطورة؛ لأن الأصل الأصيل والمقطوع به في الشريعة والمطابق لقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد كلام الله عز وجل في القرآن الكريم هو: أنه لا نكاح إلا بولي، والأدلة على ذلك كثيرة، فلا يجوز أبداً بحال من الأحوال الزواج بدون ولي، صحيح أن الشريعة احترمت إرادة المرأة، واعتبرت حقها الأدبي في الموافقة على الزوج، إذ لا بد أن توافق على الزوج إذا كانت بالغة، لكن مع احترام إرادتها ليس لها أن تزوج نفسها، بل لا بد أن الذي يلي تزويجها هو وليها الشرعي.

    وليس هذا فحسب، بل بجانب سلطة الولي الشرعي في أن يزوجها أو لا يزوجها فإن هذا الولي مطالب بأن ينظر في أن يحترم أيضاً ضوابط ومقاييس الشريعة لا أن يبحث في هواه هو بعيداً عن مصلحة بنته وعن أولويات الدين، فإذا حصل منه ذلك ووجد قضاء شرعي فإن هذه البنت تفزع إلى القاضي فيمكنها من التزويج؛ لأن هذا يعتبر نوعاً من العضل، أما أننا في مثل هذه القضايا الخطيرة نسمع الكلام من طرف واحد، ولا ننصت إلى كلام الولي نفسه فهذا بلا شك قد يوقعنا في جور وتعدٍ لحدود الله سبحانه وتعالى، فلا بد من التثبت من أشياء كثيرة، ولا ننصح بحال من الأحوال أن تفزع أخت أبداً مهما زين لها هذا الفعل أن تتزوج بدون وليها، هذا باختصار شديد، لكن مثل هذه الفتوى أعتقد أن فيها جرأة على الله سبحانه وتعالى، وجرأة على دين الله، أعني: أن يفتح باب أن البنت تزوج نفسها بهذه الصورة بحجة أن أباها رفض هذا الخاطب؛ لأن الغالب أن الأب يبحث في مصلحة ابنته، وهي نتيجة أنها تحكم العاطفة فقط ليس عندها خبرة في الحياة، ولا معرفة بالناس؛ لأنها لا تجالس الرجال ولا تعرف طبيعية الناس وهذه الأشياء، فهي محصورة عن معرفة ما آل إليه حال الناس وخداعهم، ثم أن البنت التي تلي تزويج نفسها تشعر بوقاحتها، وأنها قليلة الحياء، فشرع الله سبحانه وتعالى أن يتولى ذلك أبوها، رعاية لحقها؛ لأن الأب كل همه أن يضمن لها الاستقرار بقدر المستطاع، لا أن يكبلها، هذا هو الأصل في الآباء، صحيح أن هناك شواذاً لكن القاعدة: أن الأب هو أدرى الناس بمصلحة ابنته، وأنه ينظر في مصالحها، وأنه أقدر على حسم هذه الأمور منها هي، وأنه لا يريد بها إلا خيراً، هذا هو الأصل وهذه هي القاعدة، فنرجو ألا يسمع ولا ينصت على الإطلاق لأي أحد يفتى بالجرأة في هذا الباب، ثم بعدما يتبعون أهواءهم يفزعون إلى أبي حنيفة ويقولون: إن أبا حنيفة أجاز ذلك، وغير ذلك من الكلام، وليس في هذا إلا مجرد أنه يلتقط ويتشهى بانتقاء الأقوال التي توافق مأربه، فنرجو ألا يفتح هذا الباب هنا في بلادنا أو في أي مدينة أخرى بأي حال من الأحوال، حتى لا يصبح الأمر فوضى، بحجة أن الأب لا يريد زوجاً متديناً، فهذا صعب أن نحكم عليه أو نصدقه ويحتاج كثيراً جداً من التحري قبل الكلام في مثل هذه الأمور.

    حكم استعمال كلمة ( الفكر السلفي)

    السؤال: بعض الإخوة يقول: إنه لاحظ في بعض المحاضرات أو في كلام بعض إخواننا من الإخوة الأفاضل استعمال كلمة (الفكر السلفي) فما حكم هذا الاستعمال؟

    الجواب: السلفية ليست فكراً، بمعنى: أنها ليست منهجاً بشرياً أو نتاج إعمال الفكر البشري؛ لأن السلفية هي منهاج اتباع القرآن والسنة طبق فهم السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، فكلمة الفكر هذه نطلقها على مجالات أخرى، أما عند التعبير على منهج أهل السنة والجماعة أو المنهج السلفي أو منهج الفرقة الناجية، فلا ينبغي استعمال كلمة الفكر؛ لأنها بذلك تستوي مع الفكر البشري، وكأنه نوع من النتاج البشري، وهذا فيه الخطأ وفيه الصواب بخلاف أسس وأصول المنهج السلفية.

    والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والحمد لله رب العالمين.

    ذكر بعض فضائل الصيام، وحكم صيام شهر رجب

    السؤال: اذكر لنا بعض فضائل الصيام، وما حكم صيام شهر رجب؟

    الجواب: عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض) الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، ووافقه الألباني .

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.

    وقد ثبتت أدلة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على استحباب التطوع بالصيام، وعلى فضيلة الصيام، فقد قال الله تعالى: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، وقال تبارك وتعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24]. قال مجاهد وغيره: نزلت في الصوام. يعني: كما أظمأتم وجوعتم أنفسكم في الدنيا بكثرة الصيام، فكذلك يوم القيامة تجازون بجنس أعمالكم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    ومن هذه الأحاديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة وحصن حصين من النار). ومنها قول حذيفة رضي الله تعالى عنه: (أسندت النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري، فقال: يا حذيفة ! من ختم له بصيام يوم دخل الجنة).

    وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر ينفعني الله به، قال: عليك بالصوم، فإنه لا مثل له) فكان أبو أمامة وأهله يصومون، فإذا رئي في بيتهم دخان بالنهار، علم أنه قد نزل بهم الضيف، وأنه ما كان هذا الدخان ليصدر من طعام يعد لأهل البيت أنفسهم، وإنما طعام يعد لضيف طرأ عليهم، أما هم فكانوا يسردون الصيام فرضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إن للجنة باباً يقال له: الريان، يقال يوم القيامة: أين الصائمون؟ فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب).

    وثبت أيضاً في حديث أبي هريرة مرفوعاً: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين).

    وقال بعض السلف: إنما هو غداء وعشاء -يعني: أن الموضوع موضوع غداء وعشاء- فإذا أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين. يعني: أنه بمجرد أن تؤخر الغداء إلى وقت العشاء تمسي وقد كتبت في ديوان الصائمين، وحزت هذه الفضائل العظيمة، فما أسهل ذلك على من علت همته في التسابق في الخيرات، وقد قال تبارك وتعالى: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ..) إلى آخر الحديث، ويقول بعض العلماء:

    من يرد ملك الجنان فليذر عنه التواني

    وليقم في ظلمة الليل إلى نور القرآن

    وليصل صوماً بصوم إن هذا العيش فان

    إنما العيش جوار الله في دار الأمان

    فإذا كان قد ورد عن بعض السلف أن الشتاء هو الغنيمة الباردة، فهذه فعلاً حقيقة نحن نلمسها في أيام الشتاء، فلا يكاد إنسان يحس بالساعات وهي تجري وتطوى بسرعة، بحيث إن الإنسان يفاجأ بالغروب وأنه قريب جداً من الصباح، فمن ثم قالوا: إن الشتاء هو الغنيمة الباردة، أي: الغنيمة الباردة التي يحوزها المؤمن دون كثير عناء ولا مشقة، فقد قصر نهاره ليمكننا الصيام، وطال ليله ليمكننا القيام.

    فإذاً: لا ينبغي أن تفوت مثل هذه الفرص العظيمة، التي تسهل فيها الطاعة على العبد دون أن يغتنمها. وأما شهر رجب فسمي بهذا الاسم لأنه كان يرجب، يعني: كان يعظم، ولم يصح في فضل صوم رجب شيء بخصوصه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، لكن مع ذلك نستطيع أن نستدل على فضيلة صيام شهر رجب بهذه العمومات التي وردت في فضيلة الصيام المطلق، فمن صام صياماً مطلقاً في شهر رجب -لا لاعتقاد خصوصية فيه- فإنه بلا شك يحوز بإذن الله هذه الفضيلة، لكن لا على أن يسرد الصوم فيه، ويصومه كله فيشبهه برمضان، هذا بجانب أن شهر رجب هو من الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36]، فإذا كنا نهينا عن ارتكاب المعاصي وظلم الأنفس في الأشهر الحرم فبلا شك أننا مأمورون بالطاعات، يعني: كما أن هذا في جانب المعاصي، كذلك في جانب الطاعات، فهذا مما يفيدنا أن للأشهر الحرم مزيد حرمة، وأنها مختصة بحرمة زائدة، فنحن نهينا عن ظلم أنفسنا في كل وقت، لكن خص ذلك في الأشهر الحرم لما لها عند الله سبحانه وتعالى من الحرمة المضاعفة، ففي الحقيقة إذا كان المفروض أن نتهيأ منذ زمن لاستقبال شهر رمضان فغيرنا يستعد لرمضان من العام إلى العام، فالفنانون والممثلون وهؤلاء الناس يستعدون لرمضان المقبل بمجرد انتهاء رمضان الماضي يستعدون له حتى يقطعوا الطريق إلى سبحانه وتعالى على عباد الله، ويدأبون سنة كاملة حتى يأتي الشهر القادم، فنحن أولى أن نستعد لاستقبال هذا الشهر العظيم، بمدارسة القرآن الكريم وبمراجعته وحفظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فتعظيم شهر رجب عن طريق الصيام والتدرب على الصيام والقيام فيه ما أمكن لا شك أنه يعتبر نوع من التهيؤ والاستعداد حتى إذا ما أتى شعبان ثم رمضان يكون الإنسان قد يعني أمكنه أن يستغل هذه الفرصة إلى أقصى ما يستطيع، فإن شهر رجب هو مفتاح، وبداية أشهر الخير والبركة.

    قال أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى: شهر رجب شهر الزرع- يعني: الذي توضع فيه البذور- وشهر شعبان شهر السقي للزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع.

    وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيث، ومثل رمضان مثل المطر، فشهر رجب هو شهر الريح تأتي الريح، وتنقل السحاب وتحركه إلى البلاد التي ستسقى، ثم شهر شعبان هو شهر الغيث، يعني: تكون السحاب، ثم شهر رمضان هو شهر نزول الخيرات والغيث للعباد، يقول بعض العلماء:

    بيض صحيفتك السوداء في رجب لصالح العمل المنجي من اللهب

    شهر حرام أتى من أشهر حرم إذا دعا الله داعٍ فيه لم يخب

    طوبى لعبد زكا فيه له عمل فكف فيه عن الفحشاء والريب