إسلام ويب

الإيمان والكفر [4]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عندما يتخلى الناس عن علمائهم الربانيين، ويبدءون في الأخذ من الكتب دون الرجوع إلى أهل العلم المتخصصين، تبدأ نقطة التخبط الأولى، فتفسر النصوص حسب الهوى، ويأخذ كل فريق منها ما يراه على ما يريد، فتكون النتيجة الحتمية التطرف إلى أقصى اليمين أو الشمال، وعلى هذا نشأت كل الفرق الضالة، ومنها فرقة الخوارج الذين امتد فكرهم إلى عصرنا وإن اختلفت التعبيرات والأسماء.

    1.   

    نشوء ظاهرة التكفير وأفكارها

    الكلام في قضايا الكفر والإيمان ينقسم إلى شقين: الأول: يتناول أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة في قضايا الكفر والإيمان، وغالباً ما ينص علماء التوحيد -سواء في القديم أو الحديث- في مؤلفاتهم على قضايا كثيرة ويركزون على قضايا معينة، وبالذات القضايا التي خالف فيها أهل البدع أهل السنة والجماعة، فلذلك تجدهم ينصون في عقائدهم على ما يدحض بدعة المرجئة والخوارج والمعتزلة في قضايا الكفر والإيمان. أما الشق الثاني: وهو ما يتعلق بقضايا الكفر والإيمان فهو يتعلق إلى حد كبير بالجانب التاريخي؛ فمن المهم جداً أن نلم بتاريخ الاتجاهات التكفيرية لأهل التوحيد أو أهل القبلة؛ لأن هذا له أنواع كثيرة جداً خاصة إذا لاحظنا أن كثيراً من البدع التي عادت من جديد هي عبارة عن تكرار وطبع لما نشأ في القرون البعيدة، وتصدى لها أهل الإسلام وأهل التوحيد بالرد والدحض والتفنيد. بل ربما يفاجأ الكثير من الناس الذين ساروا وراء هذه الجماعات الخارجية أو المعتزلية إذا علموا أن نفس هذه المعتقدات التي هم عليها هي ما تصدى له علماء أهل السنة والجماعة من قبل، وشددوا النكير على أهلها. هذا أمر. أما الأمر الآخر فهو: أننا حينما نناقش ظاهرة التكفير وتاريخ التيار التكفيري في العصر الحديث، فإننا لا ننكر أن لمصر دوراً رائداً في تصدير الخير والفساد إلى العالم الإسلامي شرقه وغربه. وقد كان شكري مصطفى -إمام الخوارج الجدد- له اتجاه جديد في بعض الأمور، حيث ابتدع تفسيراً لكلمة (أم القرى)، فكان هذا من التفسيرات المحدثة المبتدعة التي اخترعها؛ وذلك أنه فسر (أم القرى) لا بأنها مكة -وهذا الذي عليه عامة المفسرين في القديم والحديث- وإنما قال: إن أم القرى هي أعظم مركز للتأثير الثقافي أو العلمي في محيط العالم الإسلامي، أو العالم ككل، فقال: إن أم القرى فيما سبق مكة، أما أم القرى في هذا الزمان فهي مصر! ونقول: لا يصح أبداً أن تحرف معاني القرآن، فأم القرى هي مكة قطعاً بنص القرآن. لكن هذا الكلام في حد ذاته يعكس فعلاً الواقع، ومصر كثيراً ما صدرت الخير وأيضاً بجانبه الشر إلى بلاد المسلمين وبالذات في العصور المتقدمة، ولو أردنا الكلام في هذا لطال الكلام جداً، وأول ما نشير إلى ذلك أن كثيراً من الحروب التي وقعت مع أعداء الإسلام كانت مصر تتصدى دائماً لكثير من هذه الحملات على الإسلام وبالذات الحملات الصليبية والفاطمية وغير ذلك، بل مصر لم تقم بتأييد الدعوة الوهابية السلفية في الجزيرة العربية، بل قامت بدور سلبي في تحطيمها، فكان لها أيضاً دور سيئ في قهقرة هذه الدعوة إلى حين. وجذور هذه البدعة جاءت من مصر كما انتشرت إلى جميع العالم بما في ذلك أفغانستان وحتى أوروبا وأمريكا، وهذه البدع صُدرت من مصر كما صدرت مصر الفنانين والراقصين والخبثاء إلى شرق الأرض وغربها. أيضاً بدعة التكفير هذه نشأت في مصر وترعرعت، ونحن كما ندرس الجذور التكفيرية ابتداءً من الشيعة أو الخوارج وغيرهم، أيضاً نحتاج إلى الاطلاع على الظروف التي نشأت فيها بدعة التكفير هنا في مصر، فما من شك أن هذا التطرف إنما نشأ كرد فعل لأوضاع معينة، وربما لم ينضبط الذين انفعلوا بهذه الأحداث بالقاعدة القرآنية العظيمة: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]. فكان يقع أحياناً ظلم، وعوامل أخرى كثيرة أدت إلى رد فعل أن بعض الناس ما استطاعوا أن يعبروا عن شعورهم بالقهر والظلم إلا باختراع أو ترديد صدى صوت الكثير من البدع القديمة كوسيلة للتنفيس عما يرونه من ظلم واضطراب.

    1.   

    أسباب ظاهرة التكفير ومبرراتها

    أحتاج للحديث عن موضوع التكفير إلى أن أستعير مقدمة للدكتور: نعمان عبد الرزاق السامرائي الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في كتابه: التكفير جذوره وأسبابه ومبرراته، وهذه المقدمة تعبر عما يدور في نفس الإنسان حينما يواجه عقيدة أو ظاهرة التكفير، والعوامل التي أدت إلى ظهورها من جديد، وطبيعة الناس الذين قامت على ظهورهم هذه الدعوة.

    جذور فكرة التكفير

    يقول: والملاحظ لتاريخنا يجد قضية التكفير أو الردة قد طرحت بعمق وبقوة في صدر خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين ارتد العرب لجملة أسباب، ثم استطاعت الدولة الإسلامية ردهم إلى الإسلام, وتجلوا بحرب أهلية طاحنة، وبعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنهم قامت فرق عدة مثل الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية والمعتزلة؛ فناقشت فيما ناقشت قضية مرتكب الكبيرة، وهل هو مسلم أم كافر، فطرحت قضية التكفير طرحاً فكرياً، وحاولت كل فرقة أن تسهم في هذا النقاش، وتستدل بالنصوص على ما ذهبت إليه، ثم نسيت القضية أو كادت، واستودعت في بطون الكتب، ومرت قافلة أهل السنة والجماعة في طريقها، ونبذت وتناست وتجاهلت هؤلاء المنحرفين؛ حتى طرحت مجدداً في الستينيات من القرن العشرين، وكان لابد للطرح الجديد أن يعتمد على النصوص، وأن يدخل قضايا جديدة ويناقشها، ويصدر أحكاماً حولها.

    أهمية بيان خطأ التكفير

    ولذلك يقول الدكتور السامرائي : ويبقى سؤال هام: لمن أكتب هذا الكتاب؟ ربما إن كان الكلام يحمل بعض الحق قد يتفق عرضاً مع المصالح التي يقصدها من وراء هذا الكلام مع هوى من لا يريدون بالدعوة الإسلامية خيراً، فدرأً لهذه الشبهة يقول: يبقى سؤال هام: لمن أكتب هذا الكتاب، هل أكتبه للشباب المتحمس عسى أن يراجع نفسه، ويصوب بعض مقولاته؟ وجوابه: نعم، أطمع بذلك، وأرجو ألا أكون متهماً في نظرهم فيسقط الكتاب قبل قراءته. هل أكتب للشباب المؤمن طلائع الصحوة الإسلامية المباركة حتى لا يسقطوا في التكفير؟ يقول: نعم، أكتب لهم، وأملي أن يقرءوا كلامي بعقل واعٍ لا يقبل قضية إلا محملة بدليلها من كتاب أو سنة، وأقوال الأئمة المعتبرين لدى الأمة، وأن يرفضوا كل قضية لا ينهض دليلها مهما كانت وجيهة، أو صادرة من وجيه كبير، ثم يقول: هل أكتب للحكومات المنحرفة -وما أكثرها في عالم اليوم- لكي تستعمل كتابي هذا حجة ضد الشباب المؤمن المتحمس؟ أذكر هذا وأبرأ إلى الله منه. هل أكتب هذا ليطلع عليه بعض علماء المخابرات ليستخدموه حسب هواهم، ووسيلة لكسب السحت من حكام فقدوا جميع القيم، وقادوا أمتهم إلى الذل والهوان من أجل الحفاظ على مناصبهم، والبقاء أطول مدة في الحكم؟ أعوذ بالله من ذلك، وأرجو ألا يقع في أي شبر من هذه الأرض، فعلماء السوء إذا ما أرادوا تسخير علمهم لخدمة السلطة وصاحبها فعندهم الكثير -يعني: يأخذوا من غير كتابي هذا ما يريدونه- وأرجو ألا يستعينوا بجهودي المتواضعة. إذاً: بكل وضوح أنا أوجه كلامي إلى الشباب؛ من سقط منهم في التكفير ومن لم يسقط.

    أهمية تسخير الجهود للحد من التكفير اللامسئول

    يقول: يبقى سؤال هام: هل مثل هذا الجهد يكفي وحده؟ أجيب صراحة: لا؛ لأن الكثير من الحكومات التي تحكم شعوباً مسلمة تضغط عليهم ضغطاً لا يمكن حصوله إلا من عدو، أو من حاكم متواطئ مع العدو، أو عامل بنصائح الأعداء، فهذه السجون التي تغط بالشباب المسلم، وهذه المقاتل بالسر والعلن التي تنصب للشباب المسلم كلها ستدفعه ليكفر هؤلاء الحكام. يقول: وهل سمع أحد بوزير داخلية في دولة تحترم نفسها يصرح بأن قوانين الطوارئ لا تنفذ إلا على الجماعات الإسلامية، ثم لا يكون من بين ردود الفعل تكفير مثل هذا الحاكم أو ذاك. يقول: لكن هذا التعسف باستعمال السلطة ضد الشباب المسلم، والذي يصفق له العالم بشرقه وغربه، لا يعفينا من مسئولية بيان الحق من الباطل والصواب من الخطأ، فإن كانت الحكومات جادة في محاربة التطرف -كما تسميه- فلتكف هي عن السماع للشيطان، فإنه لا ينصح إلا بإعدام هذا الشباب؛ لأنه يعاديه حتى الموت، لا لأنه متطرف، بل لأنه مسلم، فالحقيقة جريمة هؤلاء الشباب أنهم يعادون لأنهم متدينون، ولأنهم مسلمون، ثم يغطي القوم هذه الحرب بتلك التسمية الخبيثة: متطرف. يقول: والمسلم الملتزم صار أكثر خطورة من غيره في نظرهم. ثم ذكر بداية التقائه ببعض العائدين من هؤلاء الشباب الذين قابلهم في القاهرة في السبعينات التي حضر فيها رسالة الدكتوراه، يقول: التقيت بعض الشباب الذين قد كانوا خرجوا من السجن، وشعرت بأن ثمة تركيزاً كبيراً على قضية التكفير، فلما علموا أن موضوع البحث الذي كان يعده كرسالة هو موضوع الردة أو ظاهرة الردة دهش الشباب، وعلق بعضهم قائلاً: هل أنت من هواة الفقه أم من المحترفين؟! ثم قال له: حالك وهيأتك توحيان بأنك مجرد هاوٍ .. على أي الأحوال، هو يشير أيضاً إلى فكر جديد طرأ في الساحة الإسلامية في ذلك الوقت: أن الإنسان حتى يوصف بأنه رجل شريف موثوق به لابد أولاً أن يكون قد دخل السجن، وإن لم يكن سجن فهو متهم ومشكوك في نيته. يقول: يكفي في البلاد العربية أن يسجن الإنسان لغير جريرة حتى تحكم عليه بأنه شريف، وعلى حد قول أحد الأساتذة المصريين: لقد جمع الحكم العلي الظالم كل الشرفاء، وأودعهم السجون، ومن بقي فلا شرف له، يقول هذا الأستاذ: وأنا منهم. يعني: أن من لم يسجن يصير متهماً بغير ذلك.

    سبب الحديث عن الموضوع

    يقول الدكتور: أتيحت لي فرصة زيارة مصر حيث سجلت طالباً بالدكتوراه في جامعة القاهرة، فكنت أسافر في كل إجازة .. خلاصة الكلام: أنه احتك بكثير من الشباب في تلك الفترة هنا في مصر، ويقول: إن هذه الأفكار الخارجية -أفكار التكفير- ولدت في بطون الكتب، وقل من كان يبحث أو يفتش عنها، ولكن جاء اليوم من ينفض عنها الغبار، ويحاول أن يعيد إليها الحياة، وفي كثير من الأحيان كما يبدو لي لم يكن الطارحون الجدد الذين طرحوا هذه الأفكار على علم مسبق، ولكنه لون غريب من التوافق في التفكير أدى إلى عين النتائج.

    حصل توافق في التفكير والمنهج بينهم وبين فرق أخرى لم يكونوا هم على علم بها، ولذلك لم يستنكفوا مثلاً أن يتبعوا منهج المعتزلة أو الخوارج الأولى وأن يشعروا بذلك يقول: كما يمكن أن يكون البعض قد درس هذه الفرق وتأثر بمعتقداتها، وبما توصلت إليه من أفكار، وما استشهدت به من حجج.

    لمن يوجه الحديث عن التكفير

    بدأ الدكتور السامرائي يناقش ويقول: لمن أطرح هذا الكتاب؟ لأن قضية التكفير تكتنف الكثير من المحاذير، ولها أضرار كثيرة، وإثارتها باستمرار على عموم الناس الذين ليس لهم رصيد كاف من العلم الشرعي ربما أوقع كثرة الكلام فيها إلى تهوين أمور المعاصي في عيونهم، نظراً لكثرة الكلام على العذر بالجهل، وأن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، وهكذا، فنقع في نفس المحذور الذي حذره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما أخبر معاذ بن جبل رضي الله عنه، وما منعه من أن يخبر الناس من قبل إلا خشية الإثم، وهو قوله : {من مات وكان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: أفلا أبشر بها الناس؟ قال: إذاً يتكلوا}، فكثرة الكلام أمام الناس الذين لا تطيق عقولهم ضبط هذه القضايا قد يوقعهم في هذا الاتكال، ويقعون فريسة لتغيير الشيطان، حتى أن بعض الناس ربما ظنوا أن الجهل هذا شيء يعذر به، مما يدفعه إلى أن يتمادى فيه حتى لا تقوم عليه الحجة، فينبغي الحذر وأن نرفع تلك القاعدة التي أرساها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حينما قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة) فيراعي الإنسان طبيعة الذين يخاطبهم في هذه القضية، لما يكتنفها من الكثير من الشبهات.

    ولذلك يقول الدكتور السامرائي : ويبقى سؤال هام: لمن أكتب هذا الكتاب؟ ربما إن كان الكلام يحمل بعض الحق قد يتفق عرضاً مع المصالح التي يقصدها من وراء هذا الكلام مع هوى من لا يريدون بالدعوة الإسلامية خيراً، فدرأً لهذه الشبهة يقول: يبقى سؤال هام: لمن أكتب هذا الكتاب، هل أكتبه للشباب المتحمس عسى أن يراجع نفسه، ويصوب بعض مقولاته؟ وجوابه: نعم، أطمع بذلك وأرجو ألا أكون متهماً في نظرهم فيسقط الكتاب قبل قراءته.

    هل أكتب للشباب المؤمن طلائع الصحوة الإسلامية المباركة حتى لا يسقطوا في التكفير؟ يقول: نعم أكتب لهم، وأملي أن يقرءوا كلامي بعقل واع لا يقبل قضية إلا محملة بدليلها من كتاب أو سنة، وأقوال الأئمة المعتبرين لدى الأمة، وأن يرفضوا كل قضية لا ينهض دليلها مهما كانت وجيهة، أو صادرة من وجيه كبير، ثم يقول: هل أكتب للحكومات المنحرفة، وما أكثرها في عالم اليوم لكي تستعمل كتابي هذا حجة ضد الشباب المؤمن المتحمس أذكر هذا وأبرأ إلى الله منه.

    هل أكتب هذا ليطلع عليه بعض علماء المخابرات ليستخدموه حسب هواهم، ووسيلة لكسب السحت من حكام فقدوا جميع القيم، وقادوا أمتهم إلى الذل والهوان من أجل الحفاظ على مناصبهم، والبقاء أطول مدة في الحكم؟ أعوذ بالله من ذلك، وأرجو ألا يقع في أي شبر من هذه الأرض، فعلماء السوء إذا ما أرادوا تسخير علمهم لخدمة السلطة وصاحبها فعندهم الكثير -يعني: يأخذوا من غير كتابي هذا ما يريده- وأرجو ألا يستعينوا بجهودي المتواضعة، إذاً: بكل وضوح أنا أوجه كلامي إلى الشباب؛ من سقط منهم في التكفير ومن لم يسقط.

    أهمية تخير الجهود للحد من التكفير اللامسئول

    يقول: يبقى سؤال هام: هل مثل هذا الجهد يكفي وحده؟ أجيب صراحة: لا؛ لأن الكثير من الحكومات التي تحكم شعوباً مسلمة تضغط عليهم ضغطاً لا يمكن حصوله إلا من عدو، أو من حاكم متواطئ مع العدو، أو عامل بنصائح الأعداء، فهذه السجون التي تغط بالشباب المسلم، وهذه المقاتل بالسر والعلن التي تنصب للشباب المسلم كلها، ستدفعه ليكفر هؤلاء الحكام.

    يقول: وهل سمع أحد بوزير داخلية في دولة تحترم نفسها يصرح بأن قوانين الطوارئ لا تنفذ إلا على الجماعات الإسلامية، ثم لا يكون من بين ردود الفعل تكفير مثل هذا الحاكم أو ذاك.

    يقول: لكن هذا التعسف باستعمال السلطة ضد الشباب المسلم، والذي يصفق له العالم بشرقه وغربه، لا يعطينا من مسئولية بيان الحق من الباطل والصواب من الخطأ، فإن كانت الحكومات جادة في محاربة التطرف -كما تسميه- فلتكف هي عن السماع للشيطان، فإنه لا ينصح إلا بإعدام هذا الشباب؛ لأنه يعاديه حتى الموت لا لأنه متطرف، بل لأنه مسلم، فالحقيقة جريمة هؤلاء الشباب أنهم يعادون لأنهم متدينون، ولأنهم مسلمون، ثم يغطي القوم هذه الحرب بتلك التسمية الخبيثة: متطرف.

    يقول: والمسلم الملتزم صار أكثر خطورة من غيره في نظرهم، ثم يذكر بداية التقائه ببعض العائدين من هؤلاء الشباب قابلهم في القاهرة في السبعينات التي حضر فيها رسالة الدكتوراه، يقول: التقيت بعض الشباب الذين قد كانوا خرجوا من السجن، وشعرت بأن ثمة تركيز كبير على قضية التكفير، فلما علم السادات أن موضوع البحث الذي كان يعده كرسالة هو موضوع الردة أو ظاهرة الردة دهش الشباب، وعلق بعضهم قائلاً: هل أنت من هواة الفقه أم من المحترفين؟! ثم قال له: حالك وهيأتك توحيان بأنك مجرد هاو .. على أي الأحوال، هو يشير أيضاً إلى فكر جديد طرأ كان في الساحة الإسلامية في ذلك الوقت: أن الإنسان حتى يوصف بأنه رجل شريف موثوق به لابد أولاً أن يكون قد دخل السجن، إن لم يكن سجن فهو متهم ومشكوك في نيته.

    يقول: يكفي في البلاد العربية أن يسجن الإنسان لغير جريرة حتى تحكم عليه بأنه شريف، وعلى حد قول أحد الأستاذة المصريين: لقد جمع الحكم العلي الظالم كل الشرفاء، وأودعهم السجون، ومن بقي فلا شرف له، يقول هذا الأستاذ: وأنا منهم. يعني: أنه من لم يسجن صار متهماً بغير ذلك.

    1.   

    لقاء مع شباب من جماعة التكفير

    يقول: استقبلت هؤلاء الشباب بعضهم من الطب وأحدهم من معهد التمثيل، وثالث في كلية العلوم، وكان كل نقاشهم وحديثهم عن الردة، وهال الدكتور نعمان اندفاع الشباب الشديد نحو قضية التكفير، حتى كونوا أحكاماً عجيبة وفقهاً لا مثيل له، وقال: دائماً يزخرفون كلامهم بما يسمعونه عن إهدار كرامة الإنسان، وما يلقاه من عنت وبالذات المسلمين.

    يقول: صرت حينئذ أقدر دوافعهم، وكلما ذكرت لهم ذلك استراحت نفوسهم وأشرقت وجوههم، ولكن صارحتهم بخطأ ما توصلوا إليه، فالمحاضن الأولى التي نشأ فيها فكر التكفير هي زنازين السجون، والمعاملة التي لقيها هؤلاء الشباب، فكان رد الفعل المقابل أن تصرفوا هم أيضاً في استنباط هذا الفكر الجديد الذي كان صدى لصوت الخوارج والمعتزلة، سواء علموا بذلك أم لم يعلموا.

    يقول الدكتور نعمان : ولكن صارحتهم بخطأ ما توصلوا إليه، وفي لحظة عارضة قلت هذا الذي تقولون ليس جديداً.

    يعني: استقلالهم بفهم الآيات والأحاديث، واسبتدادهم بتفسيرها بمعزل عن علماء الأمة من أهل السنة والجماعة، فأدى إلى أنهم قالوا نفس كلام في الخوارج حتى كان شكري مصطفى يقول: إن الرجل لو أصر على صغيرة فإنه يكفر كفراً يخرجه من الملة، ولو مات على ذلك فهو كافر مثل فرعون وأبي لهب .

    إلى مقولات كثيرة جداً وغريبة جاءت نتيجة هذه الأشياء، كان بعضهم يستدل مثلاً بالخلود في النار لمن أصر على المعصية، ويقولون: قال الله تبارك وتعالى: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]، ويستدل بعضهم بهذه الآية التي وردت في وعيد قاتل المؤمن عمداً، فهكذا يأتون ببعض النصوص فيفسرونها بمعزل عن فهم أهل العلم والمتأهلين لتفسير القرآن والسنة، فنتجت هذه الغرائب.

    يقول: وفي لحظة عارضة قلت: هذا الذي تقولون ليس بالريبة، لقد قاله الخوارج كلهم، وقال ببعضه المعتزلة، فدهش الشباب ونظر بعضهم إلى بعض، فكررت ذلك عليهم، فرد أحدهم: مستحيل! فهذه الأحكام وليدة الزنزانات، والفقه البعيد عن أي كتاب؛ إذ لم يكن مع الجميع كتاب واحد لما أنتجوا هذا الفكر لم يكن معهم أي كتاب، بل ما ولدت هذه الأفكار إلا في داخل الزنازين.

    حتى المصاحف كانت تصادر منا، وما توصل إليه الشباب، فهو اجتهاد يقوم على ما يفقهون من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأردت تتطيب خواطرهم، فقلت: حالكم ليس فريداً في تاريخنا.

    أراد أن يلاطف هؤلاء الشباب ويواسيهم فيما كانوا عليه من الوحدة في الزنازين التي أدت إلى ردة هذا الفعل، ومع ذلك أيضاً لا يمنعه هذا من أن يقول لهم: حالكم ليس فريداً في تاريخنا فهذا الإمام السرخسي الحنفي أملى مبسوطه في عشرين جزءاً وهو مسجون؛ لأن السرخسي سجن في سجن أوزجد في فرغانة سجنه أميرها حين قبض عليه، فسجن في داخل البئر، وهذه طريقة غريبة للسجن، فكان تلامذته يأتون ويجلسون على قص البئر، وقص البئر هو السور من الطوب يكون على بئر مثل السور لأعلى البئر، فكان التلامذة يأتون يجلسون على خط البئر والإمام السرخسي مسجون في ظلمة الجب، فكان يروي عليهم هذا الكتاب من ذاكرته رحمه الله.

    كتاب المبسوط معروف أنه من أكبر كتب الفقه الحنفي وأقدمها، وهو في ثلاثين جزءاً بالقطع الكبير أملاه من ذاكرته على تلامذته وهو في السجن، والإمام أحمد في محنته كان يجلد بالسياط؛ لأنه يمتنع عن القول بخلق القرآن، والطلبة في الخارج كانوا يمسكون بأقلامهم ومحابرهم عساهم يسمعون شيئاً من الرجل الممتحن ليسجلوه، والإمام مالك جلد جلداً شديداً لفتوى أفتاها لم تعجب الحاكم الظالم.

    ثم قلت: أنتم من هذه الأمة وعلى طريقها ولو حدتم لحزتم الكثير من متاع الدنيا، ولكن ما تذكرون تجدونه لدى الشهرستاني في الملل والنحل.

    يعني: مع ما أنتم عليه من الابتلاء بسبب الدين وما تقولونه من أفكار، إن أردتم توثيقها ورجعتم إلى كتب الفرق والملل والنحل ستجدون نفس هذه الأفكار مدرجة في قوائم أهل البدع والضلال كالخوارج وغيرهم سواء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني ، أو الإمام البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، والأشعري في مقالات الإسلاميين.

    يقول: وأقول لكم بحدود ما أعلم: ليس هناك جديد فيما تذكرون، فدهش الشباب دهشة كبيرة، واعترف بعضهم بأنه لم يسمع بهذه الكتب، وقال بعضهم: إنه سمع بها، ولكنه لم يرها، قلت: يا شباب إذا كنا لم نطلع أو نقرأ فلنسمع إلى العلماء وهم في مصر كثر، ونظر بعضهم إلى بعض، وكأني قلت منكراً من القول وزوراً.

    كيف يقول: إن مصر فيها علماء؟! وقال أحدهم: أنت غريب، وحسن الظن، ما تراه هنا هم تجار يبيعون دينهم وعلمهم للحاكم الكافر، عوض دراهم معدودة وتملقاً بلا ثمن في أحوال كثيرة، ثم راحوا يذكرون قضايا تخزي أمة بكاملها، ويستحي منها الفجار، ولا يقدم عليها إنسان فيه وزن بعوضة من دين، قال أحدهم بحسرة: كانوا يأتون ببعض هؤلاء التجار وكانوا يناقشوننا في بدهيات يعرفها الطلبة في المدارس الابتدائية، ويدافعون عن تصرفات الحاكم بما لا يفعل مثله الحاكم أو زبانيته من الشرطة والجلادين.

    فانظر إلى الفتنة والظروف التي كان هؤلاء الشباب يعيشون فيها؛ فأنتجت رد الفعل هذا وعدم الثقة في بعض الشيوخ، يقول: إن بعض هؤلاء الشيوخ الذين كانوا يأتون بهم ليناظروهم ويقنعوهم وأيديهم مقيدة بالأغلال والسيوط على رقابهم، ويأتي هؤلاء الشيوخ ليناظروهم وليقنعوهم وليقيموا الحجة عليهم يقول: كان بعض هؤلاء المحاضرين يقول لهم: إنه تفاهم مع المسئولين عن التعذيب لتحقيق ذلك على من يستجيب ويترك التشدد والانحراف، فإذا قام له بعض الشباب وقالوا: ليس هناك تشدد ولا انحراف، وإن الأمة وأصحاب المذاهب جميعاً يقولون بأن من أحل الحرام أو حرم الحلال فقد كفر، قهقه الشيخ وقال بسخرية: لا ترجع لهذه المذاهب وخذ عني، فأنا متخصص بمقارنة الأديان، فرد عليه الشباب قائلين: الإسلام ليس فيه بابا ولا قسس يفسرونه للناس، وقرأ عليه قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    وفصل الكلام في قضية التشريع، وأنه أيضاً الشرك في الحكم كالشرك في العبادة، فكان يرد الشيخ عليهم كلما يستدلون بهذه الآية، يقول له: يا بني: هذا خاص بالرسول -ولا حول ولا قوة إلا بالله- عليه الصلاة والسلام.

    يقول: فنقول له: بأن الإمام البخاري رحمه الله ذكر في دعاء الصلاة الدعاء المعروف: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، هذا الدعاء يردده كل مسلم، وبعض العلماء يقولون: تقول: وأنا من المسلمين، والبعض يقول: بل تقول كما قال عليه الصلاة والسلام: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

    فرد عليهم ذلك الشيخ بقوله: إني قرآني والبخاري صواب لكن القرآن حق، والحق مقدم على الصواب.

    خلاصة الكلام: أنه أنكر الأحاديث، وقال: إنه لا يعترف بالسنة مطلقاً، وإنما يعترف بالقرآن.

    على أي الأحوال هو يذكر بعض القصص، وإلى أن ينتهي إلى قوله: قلت: وأين أنتم عمن تثقون به من العلماء؟ قال الشباب بحسرة: العلماء الذين نثق بهم ليس بمقدورنا الاتصال بهم ومناقشتهم كما نريد، فحكى لهم حكاية عن صديق له أستاذ في الجامعة تقدمت به السن، وكانوا يلحون عليه في الزواج، وكان كلما عاتبوه في عدم زواجه مع تقدم سنه يقول: إن شاء الله.

    يقول: ومرة انفردت به وقلت له: ماذا تنتظر؟ لماذا لا تتزوج؟ فقال: يا فلان: أنا في حيرة، فمن أريدها زوجة وأرضاها وأتمناها لا ترضى بي، ومن ترضى بي وتريدني لا أرغب بها ولا أرضاها زوجة، وهذه مشكلتي، ضحك الشباب، يقول: وقليلاً ما يضحكون، وقالوا: هذه هي مشكلتنا، فمن تأتي بهم الحكومة لمناقشتنا كلهم من جواسيس الظالم وأعوانه، وعلمهم من علم إبليس فلا نثق، يقولون: حتى لو كان ما يقولونه حقاً، ومن نثق به وبعلمه لا نصل إليه، وهذه مشكلتنا.

    هنا يدخل الشيخ في نقطة مهمة جداً ويقول: الذي أخشاه: أن فقد الثقة بالعلماء سيحملكم على أحد الأمرين، أو على الأمرين معاً: الاجتهاد من غير استعداد كاف ومعرفة تؤهل لذلك، أو العودة للكتب والأخذ عنها دون الاستعانة بأحد، وفي الاثنين من المخاطر ما فيهما، يعني: إما أن يجتهدوا بدون أهلية، وإما أن يأخذوا عن الكتب وبدون استعانة بفهم العلماء ولا شروحهم وفي الاثنين من المخاطر ما فيهما، وقال أحد الشباب: لقد وقعنا في الاثنين معاً، ففي السجن الاجتهاد، والذي يخرج من السجن يقرأ الكتب، وبعضنا لم يدرس اللغة العربية إلا في المدارس الرسمية، والذين درسوا علمي لا يذكرون من العربية وقواعدها وآدابها شيئاً، وهم داخل السجون يفتون، وكل اعتمادهم على القرآن والسنة، هذا الكلام أنا ما أقصد به التشجيع، لكن لننظر حتى الظروف التي نشأ فيها هذا النوع من الفكر حتى أعرف بعض الإخوة من الشباب حديثي السن كان يلقب في داخل السجن بالإمام الفلاني.

    1.   

    الجذور التاريخية لفكر التكفير

    ثم تطرق الشيخ إلى بحث مهم جداً يتعلق بالجذور التاريخية لفكر التكفير، ويبدأ بظاهرة التكفير عند الشيعة، يقول: ينبغي أولاً استعراض الفترة من مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما لحق بذلك من اقتتال المسلمين في حروب الجمل وصفين والنهروان.

    يعني: وقع ما يمكن أن يسمى بالحروب الأهلية بين المسلمين، وكان من البداهة أن يثور الجدل والنقاش حول من يكون الحق معه، ومن هو على غير الحق، لماذا يقف هؤلاء في طرف، وهؤلاء في طرف آخر؟ بينما يقف آخرون على الحياد.

    يقول الشيخ المودودي رحمه الله: نتيجة لهذه الأسئلة ولدت بعض النظريات المستقلة بذاتها، كانت في أصلها نظريات سياسية خالصة، ثم ما لبث دعاتها أن اضطروا شيئاً فشيئاً لأن يرتبوا لها بعض الأسس الدينية، كي يقووا جانبهم ويحصنوا موقفهم، فتبدلت الفرق السياسية رويداً رويداً إلى فرق مذهبية، وما حصل في البداية من قتل وسفك دماء، واستمر بعد ذلك في عهد بني أمية وبني العباس فلم تبق القضية قاصرة على مجالات العقيدة ... إلخ.

    ومعروف الخلاف في قضية الاختلاف حول الخلافة، وحصل تطور في عقيدة الشيعة عن طريق عبد الله بن سبأ اليهودي أو ابن السوداء أدى إلى تبلور المذهب الشيعي في صور عقائدية محددة كانت تخرج بأصحابها عن أصول الدين، وأصول العقيدة، ومعروف قصة الوصي، وحينما ادعى ابن سبأ أن لكل نبي وصياً، وأن وصي النبي عليه الصلاة والسلام هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحينما وضع مصطلح الإمامة بدل مصطلح الخلافة، واعتقدوا في الأئمة أنهم يكونون كذا، وأنهم لا ينسون، ولا يخطئون، وكل ما يصدر عنهم فهو حق وصواب، وأن علياً هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإمامة واجبة على الله -تعالى الله عن ذلك- وليست واجبة على الأمة، وحصروا الأئمة في الاثني عشر المعروفين، وأن الإمامة تكون بالنص وليست بالاختيار، وهكذا تفرقت طوائف الشيعة وتعددت، وحصل انحراف شديد جداً حتى إن بعض هؤلاء الفرق الضالة من الشيعة؛ زعموا بأن علياً هو الله، وزعموا أنه الإله، وأنه حي ويسكن القمر.

    فحصل تكفير من طوائف الشيعة الأخرى لأمثال هؤلاء هذه نظرة على أحد عوامل التكفير الأولى التي حصلت بتحول الخلافات السياسية إلى خلافات عقائدية، فبرزت أول ظاهرة في فرقة الشيعة وما لديهم من أفكار، أما الخوارج فهم يأتون بعد الشيعة في هذه المسألة، وكانوا في البداية من أتباع وأنصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانوا يقاتلون تحت رايته ويؤيدونه، ثم في حرب صفين لما طلب معاوية رضي الله عنه إيقاف القتال واللجوء إلى التحكيم لتصفية هذا النزاع، كان رأي علي رضي الله عنه استمرار القتال، ولكن جيشه رفض وطالب بقبول التحكيم فاضطر لذلك، فلما خرج التحكيم خرج عليه طائفة من أتباعه رفضوا هذا التحكيم، ورفعوا هذا الشعار: لا حكم إلا لله، ففهموا أن تحكيم الرجال انحراف في قضية الحاكمية، فمن حَكَّم غير الله فقد كفر بالله، فكان رد علي بن أبي طالب عليهم بالكلمة المشهورة: كلمة حق أريد بها باطل، ثم بعث لهم عبد الله بن عباس لمناقشتهم وإقامة الحجة عليهم، فرجع الكثير منهم عن آرائهم، ولكن بقيت جموع منهم كبيرة مصرة على التكفير.

    ثم انقسمت الخوارج أيضاً إلى فرق متعددة: إذ أن من خواص أهل البدع حصول هذا الانشقاق الداخلي الذي يجعل الفرقة الواحدة فرقاً شتى. أما خلاصة نظريات الخوارج فتتلخص في أنهم يقولون بصحة خلافة أبي بكر وعمر ، أما عثمان فقالوا: إنه انحرف -والعياذ بالله- في آخر خلافته عن العدل والحق، فكان يستحق القتل أو العزل، وإن علياً رضي الله عنه ارتكب كبيرة بتحكيمه غير الله، وإن الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري ومن نصبهما من جميع أصحاب علي ومعاوية كلهم مذنبون، وأيضاً الذين اشتركوا في حرب الجمل جميعاً ارتكبوا ذنباً عظيماً، والذنب والمعصية عندهم تعني الكفر؛ فيكفرون كل مرتكب كبيرة ما لم يتب منها، ولذلك كفروا كل هؤلاء الصحابة الذين سبق سرد أسمائهم، بل لم يتورعوا عن لعنهم وسبهم، على أنهم كفروا عامة المسلمين أيضاً؛ لأنهم لم يستغفروا من الذنوب، فكفروا عامة المسلمين أيضاً بهذا، لأن عامة المسلمين يعتبرون الصحابة رضي الله عنهم ليسوا مؤمنين فحسب، بل يتخذونهم أئمة لهم، ويثبتون الأحكام الشرعية بالأحاديث التي تؤثر عن طريقهم.

    أيضاً قالوا: إن الخلافة لا تنعقد إلا بالانتخاب الحر بين المسلمين وليست عن طريق آخر، وكانوا ينكرون ضرورة أن يكون الخليفة قرشياً، ويوجبون قتال الخليفة أو عزله أو قتله إذا حاد عن طريق العدل والصلاح، وكانوا يقبلون القرآن كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي.

    أما السنة والإجماع فلهم فيها سبيل مختلف وشاذ عن سبيل عامة المسلمين، هذا هو السبب في موقف الخوارج من جمهور الصحابة الذين نقلوا السنة والإجماع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فقال هؤلاء الخوارج: من مات إما مؤمناً أو كافراً، المؤمن هو من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم أيضاً كذلك، فقالوا: إن عثمان وعلياً ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله، ظلموا وصاروا كفاراً، ومذهب هؤلاء باطل كما سيأتي -إن شاء الله- عليه دلائل كثيرة من الكتاب والسنة.

    افترقت الخوارج أيضاً وتشعبت إلى فرق شتى، وأهم خصائص هذه الفرق المنشطرة: أنهم يكفر بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، ويستحل بعضهم حرمات بعض، انقسموا إلى أكثر من عشرين فرقة من أشدها المحكمة والأزارقة، ومن أقلها تعصباً الإباضية، وهم منتشرون حتى الآن في بعض البلاد العربية، ولهم السطوة في عمان، وعمان أصلاً دولة خارجية يغلب عليها مذهب الخوارج، وربما يوجدون أيضاً في الصحراء الإفريقية، أو ليبيا وبلاد المغرب العربي، ومع ذلك فهم يقولون بكفر كافة المسلمين، ويقولون: هم غير مشركين، وبالتالي يقبلون شهادتهم ويتزوجون منهم ويتوارثونهم، هناك فرقة من فرق الخوارج تسمى: النجدات العامرية، وصلت إلى ما نسميه اليوم بالفوضوية، فقالت: إن قيام دولة الخلافة غير ضروري إطلاقاً، وبإمكان المسلمين أن يعملوا بشكل جماعي متبعين الحق، ولكن يجوز انتخاب الخليفة إذا لزم ذلك.

    أيضاً مما يلفت النظر بالنسبة للخوارج: أن الخوارج كانوا على درجة كبيرة جداً من الاجتهاد في العبادة، بل وربما وصفوا بالإخلاص، ولهم في ذلك أخبار لا ينقضي منها العجب، شدة قراءة القرآن والتعبد والتبتل والتورع الزائد عن الحد، حتى أن أحدهم كان يمر فمر به خنزير لرجل من أهل الكتاب فقتله، فقالوا له: أنت ظلمت هذا الرجل الذمي، وقاموا عليه قياماً شديداً ولم يسكتوا حتى عوضوا ذلك الرجل وأرضوه.

    وسقطت بلحة من النخل فالتقطها واحد منهم فأكلها، فثاروا عليه وقالوا: أكلتها بغير حقها، وأنكروا عليه حتى أخرجها، وهكذا كانوا يتورعون في أخف الأشياء، ثم هم على جانب كبير جداً من العبادة، ومع ذلك كانوا يتجاسرون ويجترئون على القدح في خيار الأمة، كما أشرنا من قبل إشارة عابرة على فرقة المعتزلة حين تكلمنا على تاريخ الفرق، ثم بعد ذلك ظهرت أيضاً فرقة الخوارج، يعني: إذا كانت الشيعة تقف في أقصى اليمين تكفر من خالف علياً رضي الله عنه، أو غالبه أو نازعه، ووقع الخوارج في أقصى اليسار، فهم يكفرون علياً ومن حاربه، ثم ظهرت فرقة المرجئة -الإرجاء بمعنى التأخير- فلم يعجبها تصرف كلا الفريقين الخوارج والشيعة، فمالت نحو الحياد التام، وقالت: نحن نؤجل الكلام فيهم، وأمرهم متروك لله يفصل فيه يوم القيامة.

    ثم تطورت معاني الإرجاء إلى أن وصلت إلى مدرسة فكرية محددة، وأهم آرائهم: أن الإيمان هو الاعتراف بالله وبالرسول فحسب، وأن العمل ليس ضرورياً في الإيمان، وعلى هذا فالمرء يبقى مؤمناً حتى لو كان تاركاً للفرائض مرتكباً للكبائر، يعني: الفروق الأساسية بين أهل السنة والمرجئة: أنهم يقولون: إن الإيمان هو مجرد المعرفة، وأن أهله لا يتفاضلون فيه، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

    على أي الأحوال لم تستجب الأمة الإسلامية بأسرها لهذه الاتجاهات، وكان الجمهور الأعظم والسواد الأعظم من الأمة الإسلامية بعيد كل البعد عن الانخراط وراء هذه الفرقة، بالذات في عهد الخلفاء الراشدين، وكان جمهور المسلمين في تلك العصور الأولى ينظرون إلى هذه النظريات على أنها فرق ضالة خارجة عن عقيدة أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية.

    1.   

    أسباب التكفير في العصر الحاضر

    أما عودة التكفير في عصرنا الحاضر، فكان له عدة أسباب: أولها: الاضطهاد السياسي. ثانيها: فقدان الثقة بالعلماء الرسميين. ثالثها: محاولة أخذ الأحكام من القرآن مباشرة، دون معرفة كافية. رابعها: الخلط بين الكفر الأصغر، والكفر الأكبر، سواء كان كفر الاعتقاد أو كفر الأعمال. خامسها: التعلق بنصوص بعض المفكرين الإسلاميين وبالذات بـسيد قطب والمودودي رحمهما الله، فقد كان لهما بعض عبارات فهمت بطريقة أو بأخرى أدت إلى تغذية هذه الأفكار منذ البداية.

    وهناك تفاصيل كثيرة عن الاضطهاد السياسي لا نطيل بذكرها، لكن لعلنا نوهنا بها منذ البداية أنها كانت أحد العوامل التي أثمرت رد الفعل على ذلك.

    أما فقدان الثقة بالعلماء الرسميين فقد أشرنا إليها إشارة عابرة، لكن نقف قليلاً عند محاولة أخذ الأحكام من القرآن مباشرة، فيمكن أخذ أحكام القرآن مباشرة إذا كانت صادرة عن القرون الأولى أو في عهد الصحابة، فهذا لابد أن يكون مقبولاً؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم بفطرتهم السليمة، وبفهمهم للغة العربية، وبمعرفتهم بأسباب النزول، وبمعاشرتهم للوقائع التي نزلت فيها الآيات، وأسباب ورود الحديث الشريف، فلذلك كان يمكن أن نأخذ من القرآن مباشرة.

    أما بعد أن تطورت هذه القرون، ومرت هذه الأزمان، ووجد شباب لا حظ له لا من علوم اللغة، ولا من علوم القرآن، ولا من علوم السنة، ولا من أدوات النظر المباشر في القرآن الكريم .. تجاسر هؤلاء الشباب على أخذ هذه النصوص، بحيث أثمروا وأنتجوا هذا الفكر، لكن وقعت بعض حوادث قليلة من بعض الصحابة ربما يكونوا أخطئوا في فهم بعض آيات القرآن، لكن سرعان ما كانوا يرجعون إلى الصواب في ذلك، فمثل ذلك ما وقع من عمثان بن مضعون رضي الله عنه حينما شرب الخمر في خلافة عمر رضي الله عنه، وقال: إن التقوى والصلاح تزيل أثر هذه الحرمة، واستشهد على فعله بقوله تبارك وتعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:93]، فأوضح له أمير المؤمنين خطأه في فهم هذه الآية، وتركه ليحاور بعض فقهاء الصحابة الذين ذكروا أن الآية نزلت بعد تحريم الخمر. على أي الأحوال هذا نموذج معروف.

    أيضاً بعض الناس فهم من قوله تبارك وتعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، فقالوا: لا حاجة للسعي بين الصفا والمروة؛ لأن الآية فيها رفع الجناح، ورفع الجناح يعني عدم الوجوب، فلما سمعت بذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ليس الأمر كما فهمت، ولكن بعض المسلمين كان يسعى في الجاهلية بين الصفا والمروة والأصنام هناك، فلما أسلم صار يتحرج أن يفعل كما كان يفعل من السعي، فأنزل الله هذه الآية لرفع هذا التحرج الذي وجد في صدورهم.

    ومما وقع فيه بعض الشباب من هذه النماذج في هذا الزمان: أن بعضهم يرى أن المسلم متى ارتكب معصية صغيرة أو كبيرة، فيلزمه التوبة فوراً، وإلا صار كافراً، واستشهدوا بقوله تبارك وتعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:17]، لكن لم يجمعوا هذا النص الحكيم بغيره من النصوص، بالذات الآية التي تلي هذه الآية، وهي قوله تبارك وتعالى: وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، وقوله: (من قريب) يعني: عند حدوث الموت، فإذا أضفنا إلى ذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه). تبين أن التوبة لها أجلان: أجل في حق عمر الدنيا، وأجل في حق عمر الإنسان، فلو رجل أذنب ذنباً، وأخطأ بأن سوف في التوبة، وعاش فترة بعد ذلك، هل يعيش هذه الفترة كافراً بهذا الذنب؟ فاستدلالهم بقوله تبارك وتعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) ، فيه نظر، فأجل التوبة يكون إما بحضور الأجل، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، وأما في عمر الدنيا فحين تطلع الشمس من مغربها يغلق باب التوبة.

    فالشاهد: أنه ربما بعض الناس بتروا النص القرآن عن جملة ما ورد من النصوص في ذلك، فينشأ عن ذلك هذا التحريف في المعاني.

    كذلك أيضاً استدلالهم بمثل قوله تبارك وتعالى: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]. قالوا (( سَيِّئَةً )) هنا تعم كل معصية، (( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ )) إشارة إلى الإصرار إلى أن يموت عليها.

    والرد على ذلك: أن هذه الآية نزلت في اليهود: (( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ))، يعني: مثل سيئتكم أيها اليهود، وكفر مثل كفركم، أو شرك مثل شرككم، والسياق يوضح لنا، يقول تبارك وتعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [البقرة:78]* فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79]* (( وَقَالُوا )) أي: اليهود لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة:80]، يعني: الأيام المعدودة التي عبدوا فيها العجل، قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80]* بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81] فلا يقاس أبداً المسلم الذي ارتكب المعصية على المشرك، أو الذي ارتكب هذه السيئة الكبيرة التي فعلها اليهود.

    كذلك استدلالهم بقوله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93]. معلوم الخلاف في تفسير هذه الآية، والأقرب لمنهج أهل السنة والجماعة والصحيح: أن قاتل المؤمن إذا تاب فإنه تقبل توبته، ولا يخلد في نار جهنم، وإنما المقصود بالخلود هنا طول المكث، والدليل قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178]، فأثبت لهم أخوة الإيمان مع وجود هذا الاقتتال، فدل على أنه لم يكفر هم بذلك.

    أيضاً حصل بعض الانحراف لديهم، بحيث قرر بعض الناس مقولة: المنزلة بين المنزلتين، يقولون: هذا الشخص لا نحكم عليه بأنه مسلم ولا نحكم عليه بأنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، لكن لا يستعملون تعبير المعتزلة؛ لأنهم لم يكونوا قد وقفوا عليه، وإنما قالوا: نتوقف فيه.

    أيضاً تخبطهم في ضابط الحكم على الكفر بأنه أكبر أو أصغر، وأحد أسباب شيوع ظاهرة التكفير هو الخلط بين هذين النوعين من الكفر، فهناك كفر النعمة، كما قال تبارك وتعالى: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40]، الكفر هنا بمعنى جحود وكفران النعمة وعدم شكرها. كذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حق النساء: (وتكفرن العشير، قالوا: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، تحسن إلى إحداهن الدهر، فإذا رأت منك ما تكره قالت: ما رأيت منك خيراً قط). فسماها كافرة بمعنى كفر النعمة أو الجحود بفضل الزوج عليها.

    أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر). ومع ذلك يقول تبارك وتعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9]، وقال بعدها: (إنما المؤمنون إخوة)، مع وجود الاقتتال أثبت لهم الإيمان، فدل على أن هذا الكفر لا يخرج من الملة.

    كذلك قوله صلى الله عليه وسلم (من ادعي إلى غير أبيه فقد كفر). يعني: من انتسب لغير أبيه فقد كفر، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر) . وهناك خلاف في قضية ترك الصلاة، حيث أطلق عليها في الأحاديث أيضاً لفظ الكفر، والأحاديث بمثل قوله عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل والكفر ترك الصلاة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وجمهور العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة يفهمون هذه الأحاديث في ضوء قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله عز وجل من جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد إن شاء أدخله الجنة، وإن شاء عذبه)؛ فدخوله في المشيئة يدل على أنه ليس بكافر، ثبت أيضاً في الصحاح في حديث شفاعة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، مثقال حبة من إيمان إلى آخره).

    فخلاصة الكلام: أن الخلط بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، وكذلك بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ أدى إلى هذا التخبط، ومثله أيضاً الظلم والفسوق والنفاق، والجهل وغير ذلك.

    لكن تبقى بعض مسائل تحتاج إلى بعض التفصيل، وهو ما تعلق به بعض هؤلاء الشباب من عبارات الشيخين أبي الأعلى المودودي والأستاذ سيد قطب رحمهما الله من عبارات كان لها دور غير مقصود في تغذية اتجاهات التكفير، وإن شاء الله نتعرض لها فيما بعد بإذن الله.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.