إسلام ويب

فتاوى مسجد ابن تيميةللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم حديث: (إن أولياء الله الذين إذا رآهم الناس ذكروا الله)

    السؤال: هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أولياء الله الذين إذا رآهم الناس ذكروا الله).

    الجواب: هذا الحديث جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله)، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: أخرجه المروزي في زوائد الزهد لـابن المبارك ، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في أخبار أصبهان، والضياء في المختارة.

    وقوّاه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، المجلد الرابع، برقم (1733).

    وهذا الحديث يبين علامة من علامات الأولياء الذين قال الله عز وجل عنهم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62-63]. فبين النبي صلى الله عليه وسلم علامة من علاماتهم، هي أنهم إذا رآهم الناس وشاهدوهم تذكروا برؤيتهم الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    حكم حيض المرأة بعد دخول وقت الصلاة

    السؤال: إذا حاضت المرأة بعد أذان الظهر بنحو عشر دقائق، أو خمس دقائق، أو بمقدار صلاة ركعة واحدة، فهل تقضي الظهر عندما تطهر من الحيض أم يسقط عنها؟

    الجواب: تقضي الظهر إذا أدركت منه مدة قدر ركعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).

    فالمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الظهر فإنها تقضي صلاة الظهر؛ لأنه بدخول وقت الظهر قد وجب عليها أن تصلي الظهر، وبدخول وقت يساوي الوقت الذي يستغرق لصلاة ركعة واحدة تجب عليها الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وإذا طهرت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة واحدة وجب عليها أن تصلي الظهر وتصلي العصر، وكذلك إذا طهرت قبل صلاة الفجر -ولو بمقدار ركعة واحدة- فإنها تقضي المغرب والعشاء.

    1.   

    حكم إيداع الأموال في البنوك وأخذ الفوائد عليها

    السؤال: ما قولكم في رأي الشرع فيمن أودع أمواله في البنوك ولم يعقد مع صاحب البنك القرض الذي يجري فيه الربا -أي: الذي ورد فيه الخبر: (كل قرض جرّ منفعة فهو ربا)، والحكم يدور مع العلة، فإذا كان تحريم مثل هذا القرض بسبب وجود علة الربا -وهي الفائدة- فإنه سيودع أمواله في البنك بدون أن يتفق معهم على أخذ فائدة، والهدف من وضع الأموال في البنك هو حفظها من التعرض للضياع، وليس المقصود منه الاتجار والربح، ثم إن هيئة البنك تستثمر تلك الأموال في عمليات تحقق لها ربحاً، وقد لا تستثمرها، فهل يجوز للمسلم أن يتقاضى جزءاً معيناً حددته هيئة البنك عند سحب الأموال وعدمه مقابل ما أودع؟

    الجواب: ننبه أولاً على أن صيغة السؤال في المسائل الشرعية ينبغي أن تكون بلفظ ما (حكم الشرع) وليس من أدب السؤال قول (ما رأي الشرع) إذ الحكم يجب امتثاله، أما قول (ما رأي الشرع) فيدل على أن ذلك وجهة نظر يمكن الأخذ بها ويمكن أن تترك.

    أما جواب السؤال فإنه لا يجوز للمسلم أن يودع أمواله في البنوك التي تتعامل بالربا، إلا إذا كان يخشى عليها من الضياع، ولا يجوز له أن يدفعها للبنك بناءً على أنه يأخذ فائدة من البنك، وإذا كان الشخص يخشى على نقوده من السرقة ونحو ذلك فله أن يودعها في البنك بدون فائدة؛ لأنه مضطر إلى ذلك، أما أخذ الفائدة من البنك فهو تعامل بالربا، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع.

    أما القول بإن ترك الفائدة للبنوك الكافرة عون لها على المسلمين، وعدم أخذ هذه الأموال مثل إعطائهم مالاً يعينهم على حرب المسلمين فليس الأمر كذلك، وإنما تركها تعفف من المسلم عما حرم الله عليه، كما يترك لهم قيمة ما حرم الله من الخمر والخنزير، وكما يجوز له الصدقة على فقرائهم إذا كانوا غير حربيين.

    وقد أجاب على هذا السؤال فضيلة الشيخ عبد الله بن قعود ، والشيخ عبد الله بن غديان ، والشيخ عبد الرزاق عفيفي ، والشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز .

    1.   

    حكم العمل في البنوك الربوية

    السؤال: أحد الناس يعمل في أحد البنوك بالمملكة السعودية، فهل العمل في البنوك التي تتعامل بالربا حرام أم مباح؟ وإذا كان حراماً فهل يستقيل من هذا العمل؟

    الجواب: العمل في البنوك وهي بوضعها الحالي تتعامل بالربا حرام، فلا يجوز لك أن تستمر في العمل في البنك الذي تعمل فيه، وأكثر العلماء يقولون: أكثر المعاملات في البنوك المصرفية الحالية تشتمل على الربا، فهو حرام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن من أعان آكل الربا وموكله بكتابة له أو شهادة أو ما أشبه ذلك كان شريكاً لآكله وموكله في اللعنة والطرد من رحمة الله، ففي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر رضي الله عنه: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هُم سواء)، والذين يعملون في البنوك المصرفية أعوان لأرباب البنوك في إدارة أعمالها، كتابة، أو تقييداً، أو شهادة، أو نقلاً للأوراق، أو تسليماً للنقود، أو تسلماً لها، إلى غير ذلك مما فيه إعانة للمرابين.

    وبهذا يعرف أن عمل الإنسان في المصارف الحالية حرام، فعلى المسلم أن يتجنب ذلك، وأن يبتغي الكسب من الطرق التي أحلها الله، وهي كثيرة، وليتق الله ربه، ولا يعرض نفسه للعنة الله ورسوله، وهذا فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.

    وقد أجاب على هذا السؤال العلماء الذين أجابوا على السؤال السابق.

    1.   

    حكم بيع الأدوية والسلع التي عليها صور

    السؤال: ما الحكم إذا كان الصيدلي يبيع بعض الأدوية والأشياء الأخرى التي على أغلفتها بعض الصور المحرمة، مع العلم بأنه ليس من السهل طمس هذه الصور، بالإضافة إلى أنه ربما لا يباع الدواء عند طمس الصورة الموجودة على غلافه؟

    الجواب: إذا كان الأمر كما ذكر جاز بيع الدواء الذي عليه صورة.

    1.   

    حكم بيع أدوات التجميل

    السؤال: ما الحكم إذا باع الصيدلي أدوات التجميل الخاصة بالنساء، علماً أن غالبية من يستعملنها من المتبرجات الفاجرات العاصيات لله ورسوله اللاتي يستخدمن هذه الأشياء للتزين لغير أزواجهن والعياذ بالله؟

    الجواب: إذا كان الأمر كما ذكر فلا يجوز له البيع لهن؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله تعالى عنه بقوله تعالى: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    1.   

    حكم سجود الشكر وسجود التلاوة بدون حجاب وبدون تكبير

    السؤال: هل يجوز سجود الشكر وسجود التلاوة بدون حجاب وبدون تكبير؟

    الجواب: يجوز سجود الشكر وسجود التلاوة بدون حجاب، ويكبر عند السجود وعند الرفع منه.

    1.   

    حكم الكلام مع من هو مقيم على المعصية بعد النصح له

    السؤال: هل الكلام بسبب المرافقة في العمل مع من هو مقيم على المعصية بعد النصح له فيه شيء؟

    الجواب: ينبغي أن تستمر على نصحه وتعامله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتجادله بالتي هي أحسن، وتدعو الله له لعل الله أن يهديه، وبالله التوفيق.

    1.   

    حكم من تأوّل صفات الله سبحانه وتعالى

    السؤال: من المعلوم أن بعض العلماء الذين نهجوا منهج الخلف في فهم صفات الله سبحانه وتعالى قد لجئوا لأسلوب تأويل هذه الصفات؛ خشية الوقوع في التشبيه، فما الحكم في هؤلاء؟

    الجواب: هم يؤولون قوله تعالى: (استوى على العرش) بمعنى: (استولى!) أو (يد الله) بمعنى: قوة الله، وهكذا، والذي يجب هو أن نسلك مسلك السلف في إجراء هذه الصفات على ظاهرها، بدون تشبيه وبدون تعطيل كما هو معلوم.

    يقول الشنقيطي رحمه الله: ونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه، فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيء، وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق.

    أي: لما سمعوا قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] فأول ما سمعوا كلمة (بيدي) تخيلوا ما هو معهود لديهم من صفات المخلوقين فوقعوا في التشبيه، ثم قالوا: ينبغي أن نبطل هذا التشبيه؛ لأنه كفر فقادهم ذلك إلى التعطيل، فنفوا الصفة.

    فهم في بداية الأمر وقعوا في التشبيه أصلاً، وظنوا أن ظاهر اللفظ هو التشبيه، فلذلك وقعوا في النفي حتى يتفادوا التشبيه، ولو أنهم منذ البداية قالوا: إن ظاهرها هو ما يليق بالله سبحانه وتعالى لَمَا وقعوا في التشبيه ولا في التعطيل.

    يقول: فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصداً منهم لتنزيه الله، وأوّلوها بمعنىً آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فقالوا: (استوى على العرش) أي: استولى على العرش. فهم كما قال الشافعي رحمه الله تعالى:

    رام نفعاً فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا

    يقول: ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:5].

    وخطؤهم المذكور لاشك فيه، ولا يصح أن يأتي إنسان فيقول: هناك علماء وأئمة يؤولون صفات الله فكيف تخالفونهم؟ فأقول: لسنا نحن الذين نخالفهم، لكنهم خالفوا من هُم أجلّ منهم قدراً وأعظم منهم علماً، ألا وهم أئمة السلف في القرون الخيرية الأولى ومن تبعهم بإحسان.

    إذاً: ليست المسألة أن إنساناً متأخراً يتعقب علماء الخلف، وإنما بعض رجال الخلف خالفوا قول السلف الذين هم أعلم الأمة بدينهم، فيكون خطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولاً وجزموا بأن ظاهر صفات الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق لسلموا مما وقعوا فيه.

    فمثلاً: لو أنهم من البداية سمعوا قوله تعالى: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] فقالوا: استوى استواءً يليق بجلال الله، ولا ندري كيف هو؛ لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو لسلموا.

    فأي شيء تتخيله عن الله سبحانه وتعالى بعقلك فاعلم أن الله ليس على تلك الصفة، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] فلا شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات المخلوقين، ولو كان يخطر في ذهن النبي صلى الله عليه وسلم أن ظاهر هذه الصفات لا يليق بالله لأنه تشبيه بصفات الخلق لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك، ولكنه لم يفصّل؛ لأنه يعلم أن الصحابة يفهمون أن ظاهر هذه الصفات هو ما يليق بالله وليس ما يقتضي التشبيه؛ لأنه لا يجوز في حق النبي صلى الله عليه وسلم تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد وفيما ظاهره الكفر والتشبيه.

    إذاً: لو كان ظاهره يخالف ما يليق بالله سبحانه وتعالى لنفاه النبي صلى الله عليه وسلم، فكونه لم يبين ذلك فمعناه أن الظاهر هو ما يليق بالله، وليس الظاهر هو ما يعرفه المخلوقون، فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له من الصحة.

    1.   

    حكم اتخاذ القبور مساجد

    السؤال: بعض الناس -خاصة الصوفية- يستدلون بآية في سورة الكهف على جواز اتخاذ قبور الصالحين مساجد، فيقولون: إذا كان من المقرر شرعاً تحريم بناء المساجد على القبور فهناك أدلة على جواز ذلك، ومن هذه الأدلة قوله تبارك وتعالى في سورة الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، ووجه دلالة الآية على ذلك أن الذين قالوا: (لنتخذن عليهم مسجداً) كانوا نصارى -حسب ما هو مذكور في كتب التفسير-، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا حكاها الله سبحانه وتعالى ولم يعقبها بما يدل على ردها، كما في هذه الآية الكريمة. فما صحة هذا الاستدلال؟!

    الجواب: يقول فضيلة العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني : الجواب على هذه الشبهة من وجهين:

    أولاً: إن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، وهم بنوا هذا الاستدلال على أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون هذا أمراً غير متفق عليه، والقول الراجح في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة، من هذه الأدلة قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي) وقال في آخر هذه الخمس: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) فمعناه: إن شريعتي غير شرائع الأنبياء قبلي.

    فإذاً: الأنبياء السابقين كموسى وعيسى ونوح وغيرهم كان كل نبي منهم أو رسول يأتي بشريعة لقومه خاصة، فكونها لقومه خاصة معنا أنها لا تلزم غيرهم، وحينئذٍ لا تلزمنا نحن المسلمين، وإنما الذي يلزمنا هو بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشريعته، فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية، أي: لو وافقنا ابتداءً على أن الآية تفيد أن في شريعة النصارى أنهم يبنون المساجد على قبور الصالحين فإذا ثبت أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا فلا يجوز لهؤلاء الناس أن يستدلوا بالآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن هذه القاعدة غير صحيحة، بل الصحيح أن لنا شريعة خاصة ولهم شريعة خاصة.

    إذاً: لا يلزمنا المخالف بالأخذ بما فهمه من الآية من جواز بناء المساجد على القبور.

    أما الوجه الثاني الذي يرد به على استدلالهم بآية سورة الكهف فنقول: هبْ أن الصواب قول من قال: شريعة من قبلنا شريعة لنا. فإذا فرضنا هذا جدلاً فإن العلماء الذين يقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا يشترطون أن لا يخالف شرعنا، فإن خالفه فالذي يقدم شرعنا؛ لأن شرعنا أتى لينسخ هذه الشرائع.

    وما ورد في هذه الآية مشروط بإذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذا الشرط معدوم هنا؛ لأن الأحاديث تواترت في النهي عن بناء المساجد على القبور، فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا.

    وهناك وجه ثالث في الرد، وهو أنه لا يلزم أن تفيد الآية أن بناء المساجد على القبور كان شرعاً عندهم؛ لأن غاية ما فيها أنه: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، وليس فيها تصريح بأن الذين قالوا ذلك كانوا مؤمنين، وليس هناك ما يدل على أنهم كانوا مؤمنين صالحين متمسكين بشريعة نبي مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك.

    والحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح حديث: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يقول: وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى.

    وقال الشيخ علي بن عروة : حكى ابن جرير في قوله تعالى: ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ) قولين:

    الأول: أن القائلين هم المسلمون منهم.

    والثاني: أنهم أهل الشرك منهم، فالله أعلم.

    يقول: والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما صنعوا).

    إذاً: لم يقتصر على عدم كونه في شريعتهم، بل لعنهم الله من أجل بناء المساجد على القبور.

    وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر بأن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده فيها شيء من المواعظ والأخبار وغيرها.

    يقول الألوسي : واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء، واتخاذ المساجد عليها، وجواز الصلاة عندها، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي ، وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد.

    ثم أتى بالأحاديث الثابتة في تحريم بناء المساجد على القبور، وأتبعها بكلام الحافظ الهيتمي في بيان أن ذلك من الكبائر.

    ثم قال: وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك أفتوا أنها تهدم، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام أخذاً من كلام ابن الرفعة في الصلح، فإن الله سبحانه وتعالى قص علينا بلا إنكار.

    أي: إن قالوا: إن ربنا حكى كلام هذه الفئة: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21] ولم ينكر عليهم نقول: نعم لم ينكر سياق القرآن صراحة عليهم، ولكن إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ولعنهم على هذا الفعل واضح، وإنكار الرسول كإنكار الله، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80].

    فيقال لهم: هل تنكرون السنة؟ فإن كانوا ينكروا السنة فإنهم فرقة ضالة تنبأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كانوا يؤمنون بالسنة فقد ثبت في السنة إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل، وأنه لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، فالآية ليست خارجة مخرج المدح لهؤلاء الناس، وليس فيها -أيضاً- ما يحضنا على التأسي بهم.

    ومتى يمكن القول بأن عدم إنكار الله سبحانه وتعالى على هؤلاء القوم يعني إباحة هذا الفعل؟

    نقول: ذلك إذا كان في وسطهم شخص معصوم، فمتى لم يثبت أن فيهم معصوماً -أي: نبياً مرسلاً- فلا يدل فعلهم -فضلاً عن عزمهم- على مشروعية ما كانوا بصدده؛ لأنه ما كان فيهم رسول، لكن هؤلاء الناس لم يأت ما يدل على الوثوق بفعلهم.

    وتأول بعض العلماء اتخاذهم للمسجد على القبور بأنه ليس المعنى الذي نفهمه الآن من بناء المساجد على القبور في مكان واحد، قال: وإنما هو اتخاذ مسجد قريب من كهفهم، وليس المقصود اتخاذ المساجد على القبور بالصورة التي نعرفها في هذا الزمان.

    وأيضاً فإن الإنسان الذي يستدل بهذه الآية على جواز بناء المساجد على القبور مَثَله كمثل الإنسان الذي يستدل بقوله تعالى في شأن سليمان عليه السلام: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:13] على جواز صناعة التماثيل والأصنام، فأما في شرعنا فهذه الأشياء محرمة قطعاً، وكذلك بناء المساجد على القبور.

    1.   

    حكم الاستمناء

    السؤال: ما حكم الاستمناء في الشريعة الإسلامية؟

    الجواب: الاستمناء هو استدعاء المني بغير جماع. وقد ذهب إلى تحريم الاستمناء جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنفية.

    قال القاضي أبو بكر بن العربي : وعامة العلماء على حرمته، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به. انتهى كلام ابن العربي .

    وأدلة تحريمه هي:

    أولاً: قوله تعالى في مدح المؤمنين المفلحين في سورة المؤمنون: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2]، إلى أن مدحهم بقوله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7].

    فقوله تعالى: (فمن ابتغى) أي: من طلب شيئاً (وراء ذلك) أي: سوى ذلك المذكور في قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (فأولئك هم العادون) أي: الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام، كما قال تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، فالآيات تدل بعمومها على تحريم ما عدا صنفي الأزواج والإماء.

    وقد سئل الإمام مالك عن حكم الاستمناء فتلا قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7].

    ومن ثم قال بعض العلماء في هذه الفعلة: إنه كالفاعل بنفسه!

    وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، والاستمناء ضعيف في الدليل، عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير؟!

    وممن استدل بهذه الآية على التحريم الإمام الشافعي رحمه الله، ومن المفسرين البغوي ، والقرطبي ، وابن العربي ، وابن كثير، والنسفي ، والخازن، وغيرهم، ولو فرض وجود خلاف فيه فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: وهذا من الخلاف الذي لا يجوز العمل به، وليت شعري لو كان فيه نص صريح بالجواز أكان ذو همة يرضاه لنفسه؟!

    ثانياً: قال الله عز وجل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]، وهذا أمر يدل بظاهره على وجوب الاستعفاف، فهو أمر ظاهره وجوب الاستعفاف، ووجوب اجتناب ما ينافي العفة كالزنا واللواط والاستمناء ونحوها، فتكون هذه الأشياء واجبة الاجتناب محرمة الفعل؛ لأن الاستعفاف الواجب لا يتحقق إلا باجتنابها جميعاً.

    قال الشافعي رحمه الله تعالى في هذه الآية: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]: معناها -والله أعلم-: ليصبروا حتى يغنيهم الله تعالى وهو كقوله: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ [النساء:6] ليكف عن أكله بسلف أو غيره. انتهى كلام الشافعي .

    والمقصود بالاستعفاف في آية اليتيم ( وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) أن القيّم على مال اليتيم لا يأكل من مال اليتيم شيئاً قليلاً ولا كثيراً، وليستعفف ما دام غنياً، وعلى هذا قول الله سبحانه وتعالى: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا ) أي: ليتركوا هذا الشيء قليله وكثيره، ما عدا الأزواج والإماء، فلا يُقرب أي شيء يخالف قضاء الوطر عن غير هذا الطريق، فيفهم من ذلك الأسلوب -أي: من كلمة: (وليستعفف)- أنه يجب حفظ الفرج من جميع أنواع الشهوة، وأن من لم يجد السبيل إلى النكاح ففرض عليه أن يصبر حتى يغنيه الله من فضله فيجد السبيل إلى ما أحل الله.

    وزيادة في إيضاح معنى هذه الآية نقول: هل الاستمناء من الاستعفاف أم لا؟ فإن قلنا: لا فيلزم اجتنابه؛ لأن الآية تدل على تحريم ما ينافي الاستعفاف، وإن قلنا: إنه من الاستعفاف لزم القول بوجوبه -أي: الاستمناء- لأن الآية تأمر بالاستعفاف، وهذا حدث في الدين وخرق لإجماع المسلمين.

    ومما يؤيد هذا الاستدلال أن الله تعالى ذكر الاستعفاف والنكاح ولم يجعل بينهما واسطة، قال: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33] أي: حتى ينكحوا.

    فذكر الله سبحانه وتعالى الاستعفاف والنكاح، ولم يجعل بينهما واسطة، فاقتضى ذلك تحريم الاستمناء، ولو كان مباحاً لبينّه في هذا الموطن؛ لأنه مقام بيان؛ إذ أحوج ما يكون الرجل إلى جواز الاستمناء إذا لم يجد سبيلاً إلى النكاح، لاسيما عند توقان نفسه إلى الوطء، وقاعدة الأصوليين: (السكوت في مقام البيان يفيد الحصر)، ودليل هذه القاعدة قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، أي أن الله سبحانه إذا سكت عن بيان شيء في مقام البيان فإنه يفيد انحصاره فيما ذكر فقط، ولا يتعداه إلى غيره، ففي قوله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33] حصر المسألة بين أمرين اثنين فقط هما: الاستعفاف أو النكاح، فاستدل بقوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] على ما نحن بصدده الإمام الكيا الهراسي والإمام القرطبي وغيرهما، قالوا: هذا المقام هو مقام بيان حكم الاستمناء، فلو كان مباحاً لبينه الله سبحانه وتعالى، فدل على أنه ليست هناك سعة في هذا الأمر.

    ثالثاً: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).

    ووجه دلالة هذا الحديث على المقصود أن الشارع أرشد عند العجز عن مؤن النكاح إلى الصوم فقال: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، ولو كان الاستمناء مباحاً لبينه في هذا الموطن، لكنه سكت عنه، فدل على أن ذلك حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، كما بيّنا أن سكوت الشارع في معرض البيان لشيء من أفعال المكلفين عن شيء آخر يشبهه أو يجانسه لا يكون نسياناً ولا ذهولاً -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا-، ولكن يفيد قصر الحكم على ذلك الشيء المبين حكمه، ويكون ما عداه -وهو المسكوت عنه- مخالفاً له في الحكم وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64].

    وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على حرمة الاستمناء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم فقال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحاً لكان الإرشاد إليه أسهل، وهذا الفعل لو كان مباحاً لكان الرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إليه، فهو أسهل من الصيام، وإن كان الصيام فيه ترك والاستمناء فيه فعل، لكن الاستمناء أسهل من الصوم؛ لأن الصوم وإن كان تركاً لكنه أشد من الفعل، وأشق على النفس من كثير من الأعمال؛ لأن الصوم حبس للنفس وكبح لها عن شهواتها، وفي الحديث: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)، فهذه المزّية لم تكن للصوم إلا لما فيه من المشقة، أما الاستمناء -وإن كان فعلاً لا تركاً- فهو سهل يسير موافق لغرض النفس، ولا يستغرق من الزمان ما يستغرقه الصوم، فلا جرم أن العدول عنه إلى الصوم دليل على حرمته، فيكون في الحديث دلالة على حرمة الاستمناء من وجهين:

    الوجه الأول: السكوت عنه في معرض البيان، حيث قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ولم يفتح أي باب آخر لقضاء الشهوة سوى هذا الباب، وهو باب النكاح أو الصيام، ولم يذكر الاستمناء.

    الوجه الثاني: أنه عدل عنه إلى الصوم الذي هو أصعب.

    وقد وردت جملة أخبار عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص لهم في الاختصاء -وهو حرام في الآدميين؛ لأنه من تغيير خلق الله- ليدفعوا به مشقة العزوبة عن أنفسهم، ويستريحوا من عناء شهواتهم وعناء مقاومتها، فلم يرخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرشدهم إلى الصوم، فلو كان الاستمناء جائزاً لأرشدهم إليه؛ لأنه أسهل من الاختصاء، والاختصاء إجراء عملية جراحية لإزالة الخصيتين، فهذا الأمر لو كان مباحاً لكان أسهل من الاختصاء وأسهل من الصوم، فلمّا لم يرشد إليه دل على أنه حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر.

    ومن هذه الأحاديث ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنَتَ، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فائذن لي أن أختصي، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختصِ على ذلك أو ذر) وهذا الحديث إسناده صحيح، وعلّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام عزّاه بالقدر، أي: إن كنت عاجزاً عن الكسب أو عن تكاليف النكاح فهذا أمر كتب عليك، قال: (جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك) فإذا كنت علمت أنه سبقت المقادير بهذا (فاختصِ على ذلك أو ذر) فإما أن تفعل أو لا تفعل، وهذا نوع من التهديد، فليس معنى: (اختصِ على ذلك أو ذر) الترخيص له بذلك، وإنما هذا تهديد، مثل قوله سبحانه وتعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40]، فهل المقصود بقوله: (اعملوا ما شئتم) أي: ما شئتم ولو من المعاصي والكفر؟! لا، بل هذا تهديد، كما في حديث جبريل أيضاً: (يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به) فهذا تهديد، أي: عليه الحساب بعد ذلك.

    يقول الحافظ ابن حجر : وليس الأمر في الحديث لطلب الفعل -أي: لفعل الاختصاء-، بل هو للتهديد، وهو كقوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] فهل المقصود بقوله: (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) حرية الأديان أو حرية الاعتقاد -كما يقولون-؟ لا، بل من شاء فليؤمن، ثم سيدخل الجنة، ومن شاء فليكفر، ثم سيحاسب ويعذب ويخلد في النيران، فهذا من التهديد.

    والمعنى في الحديث: إن فعلت أو لم تفعل فلابد من نفوذ المقادير. وليس هذا إذناً في الاختصاء، بل هو إشارة إلى النهي عن ذلك، كأنه قال: إذا علمت -يا أبا هريرة- أن كل شيء بقضاء الله فلا فائدة في الاختصاء.

    وجاء عن عثمان بن مظعون أنه استأذنه في ذلك أيضاً فلم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، بل نهاه عن ذلك.

    وخلاصة القول أن الاختصاء حرام؛ للنهي عنه في حديث عثمان بن مظعون ، والأمر به في حديث أبي هريرة إنما هو للتشديد أو التهديد، فهذا الحديث مثل باقي الأحاديث في الدلالة على حرمة الاستمناء، بل هو أصرح منها؛ لأن أبا هريرة شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن سببه خوفه من العنت -أي: الزنا- وكرر شكايته ثلاث مرات، ومع هذا لم يرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستمناء، كما لم يرخص له في الاختصاء، وهذا أبلغ ما يكون في الدلالة على التحريم.

    قال الحافظ ابن حجر : فإن قيل: لِمَ لَمْ يؤمر أبو هريرة بالصيام لكسر شهوته كما أمر غيره -أي: في قوله: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) - فالجواب أن أبا هريرة كان الغالب من حاله ملازمة الصيام؛ لأنه كان من أهل الصفة، ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) لكنه إنما سأل عن ذلك في حال الغزو، كما وقع لـابن مسعود ، وكانوا في حال الغزو يؤثرون الفطر على الصيام للتقوي على القتال، فأدّاه اجتهاده أن يحسم مادة الشهوة بالاختصاء، كما ظهر لـعثمان فمنعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    الأضرار الشرعية والصحية للاستمناء

    من الأدلة المهمة في هذه المسألة القاعدة الأصولية المتقررة أن الضرر يزال، وهي مأخوذة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) أي أن الإنسان لا يضر نفسه ولا يضر غيره.

    فيؤخذ من هذا الحديث تحريم جميع أنواع الضرر، وأي شيء يحدث ضرراً فينبغي أن يدفع هذا الضرر، وينبغي أن يزال، فالأصل في المضار التحريم، وهذا الحديث هو من حديث عبادة بن الصامت ، أخرجه ابن ماجة ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) خبر معناه النهي، مثل قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197] أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج.

    فالمقصود من قوله: (لا ضرر) أي: لا تضر نفسك، ولا تضر غيرك، والمضار الناتجة عن هذا الفعل الخسيس الدنيء مقررة عند الأطباء، وهي كثيرة جداً، منها: ضعف البصر، وتقليل حدة الوطر إلى حد بعيد، وإضعاف الأعضاء عموماً، وخصوصاً الأعضاء التناسلية، مما يؤثر -فيما بعد- أقوى تأثير على الباءة.

    ومن ذلك -أيضاً- إضعاف الأعصاب عامة، واضطراب آلة الهضم، وإيقاف نمو الأعضاء -خاصةً التناسلية- عن نموها الطبيعي، وإحداث التهاب منوي في الخصيتين، وألم في فقرات الظهر، وتقوس الظهر وانحناؤه، كما أنه يحل ماء صاحبه فيصير رقيقاً لا يقوى على التلقيح، وربما يؤثر على الجنين فيكون ضعيفاً.

    ومن ذلك أيضاً: أنه يسبب رعشة الأطراف، خصوصاً الرجلين، وضعف القوة الذهنية، وقلة الفهم، وصفرة الوجه، واستعداد فاعل هذا الفعل الدنيء للإصابة بالسل والعياذ بالله، وغيرها مما لا يكاد يحصى من الأضرار الصحية، فضلاً عن الضرر في الدين بالجرأة على ما حرم الله سبحانه وتعالى، وظلمة القلب، واسوداد الوجه من المعصية، ووقوع الوحشة بين فاعل تلك الفعلة وبين الله سبحانه وتعالى، ووقوع الوحشة بينه وبين الناس، خصوصاً أهل الخير منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (استح من الله كما تستحي رجلاً من صالحي قومك) أي: لو أن رجلاً من صالحي قومك اطلع عليك لاستحييت منه، فكيف باطلاع الله سبحانه وتعالى؟!

    ومن مضار هذا الفعل الدنيء التسبب في تقليل الحياء عند الشخص، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الحياء والإيمان قُرناء جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر).

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وهذا الفعل القبيح الدنيء لا شك أنه مما لا يحب من يرتكبه أن يطلع عليه الناس.

    وهذا الفعل القبيح بغيض إلى الله سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها).

    والاستمناء من أخطر الأمراض والأدواء، وأشدها ضرراً على الجسم والعقل والدين، فبينما ترى الشاب -من هؤلاء المصابين بهذا الفعل الشنيع- قوي الأعضاء، جمّ النشاط، يشتعل ذكاءً وفتوةً، ويلتهب حماساً وقوة، تجري نضرة الشباب في وجهه، ويغلي دم الحياة في عروقه، ثم سرعان ما تراه -وقد أنهكه ذلك الفعل الدنيء- خائر الأعضاء، فاقد النشاط، قد استحال ذكاؤه إلى غباوة وبلادة، وانقلب حماسه وقوته إلى ضعف ووهن، وصارت نضرته صفرة تنبئ بحلول داء عياء، وهبطت حرارة الدم فيه بنسبة ما أخرج من الماء، والتحق بالشيوخ الهرمى وهو لم يزل بعد في سن الشباب، كل هذه البلايا بسبب ذلك الفعل الخبيث! ولا غرو، فإن ماء الرجل قوة عقله، ونضارة وجهه، ومخ ساقه، وخلاصة عروقه، فاستخراجه على غير الوجه المشروع يؤدي حتماً إلى أسوأ النتائج.

    ومما لا شك فيه أن هذا الفعل حرام عند المالكية، والشافعية، والحنفية، وجمهور الأمة.

    وممن نص على حرمته الإمام البغوي ، والقاضي أبو بكر بن العربي ، والحافظان ابن كثير وابن الملقن ، والإمام المجتهد التقي ابن دقيق العيد ، والعلامة ابن الهمام ، والمحقق ابن قاسم العبادي ، وشيخ الإسلام الشيخ عبد الله الشرقاوي ، ومفتي بغداد السيد الألوسي ، وجماعة يطول ذكرهم.

    ومن الأدلة التي يستدل بها على تحريم هذه المسألة بعض الأحاديث التي لو صحت لكانت من أصرح الأدلة في تحريم هذا الفعل، ولكنها أحاديث ضعيفة، فلا بأس بأن نذكرها على سبيل الإخبار بضعفها.

    عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار في أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس، والناكح حليلة جاره) يعني الزاني بها. فهذا أحد الأحاديث التي يستدل بها على تحريم هذا الفعل، لكنه حديث ضعيف.

    وهناك بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول لهم: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول -يعني اللواط- والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والسابع: المؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس، إلا أن يتوب).

    فهذان الحديثان صريحان في تحريم هذا الفعل، لكنهما ضعيفان، ويغني عنهما ما سبق أن سردناه من الأدلة.

    طرق التخلص من هذه المعصية

    لا شك أن دواء هذه العادة هو عمارة الأوقات بالطاعات.

    والدواء الأنفع الذي لا شك في أنه أقرب الطرق إلى العفة هو امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).

    ومن أنفع الأدوية عمارة الأوقات بالطاعات، وإدمان الذكر، والتفكر في الموت والآخرة.

    ومنها تجنب الوحدة، ومصاحبة الصالحين، ولزوم جماعة المسلمين في المساجد، وفي الجنائز، وفي صلوات العيد، وفي حلقات العلم وحلق الذكر، فهذه من أنفع الأدوية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، والثلاثة لا يقربهم الشيطان) ويقول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما أعلم من الوحدة ما سار راكب وحده بليل أبداً) وفي بعض الأحاديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوحدة، أن يبيت الرجل وحده، أو أن يسافر وحده).

    ومن أقوى الأسباب الفراغ، فعند الفراغ يخلو الشيطان بذلك الشاب، فيغريه بارتكاب ما حرم الله سبحانه وتعالى، فمن أنفع الأدوية -كما ذكرنا- مصاحبة الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي ويعينونه إذا ذكر.

    ولابد من تجنب أهل الفسق وصحبة أهل السوء الذين هم أصدقاء في الظاهر وأعداء ألّداء في الحقيقة والباطن.

    وهكذا شغل الفراغ بما ينفع في الدين أو الدنيا، كلعب بعض الرياضات المفيدة، مع استصحاب نوايا حسنة بهذه الأنواع من الرياضة التي تقوي البدن ويستفيد منها المسلم.

    ومن ذلك تجنب أماكن الفساد التي فيها الصور المحرمة، وتجنب الجرائد القبيحة، وتجنب أجهزة الفساد كالتلفزيون وغيره؛ فإن من يقومون على أمرها هم ممن يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.

    ومن أنفعها -كما ذكرنا- الدواء الأول، وهو لزوم الصوم، وهو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سبق.

    ومن ذلك -أيضاً- المواظبة على قراءة القرآن، فهو يغني عن كل هذه النصائح الكثيرة بعد الصيام.

    ومنها دواء واحد مجمل بعد هذا التفصيل، وهو الذي ورد في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

    وقد يقول قائل: ما علاقة الصدق بقضية مثل هذه القضية الفقهية؟!

    والجواب أن هذه الكلمة -الصدق- هي أعم وأوسع في معناها مما يتبادر إلى الأذهان، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم من حنكته وفطنته جمع لك كل هذا الكلام وأضعاف أضعافه في هذه الكلمة (الصدق) فإنك إذا سئلت: هل تسرق؟ فإن قلتَ: لا وأنت قد سرقت وقعت في الكذب، فخالفت العهد الذي عاهدت الله عليه، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (عليكم بالصدق)؛ لأن الصدق من شأنه أنه هادٍ إلى البر، والبر يشمل جميع أنواع الخيرات، فلذلك كان بعض الشيوخ إذا أتاه بعض أتباعه أو تلامذته تائباً وسأله عن التوبة، وأراد هذا الشيخ أن لا يشتت ذهنه، وأن لا يشوش فكره بكثرة التكاليف يقول له: عليك بالصدق. فيأمره بالصدق لأنه إذا أمره بالصدق فأتى فقال له: صليت أم لم تصل؟ فإذا كان التزم الصدق فسيقول: لم أصل. وإن خالف فسيقع في الكذب، فإن لزم الصدق فإنه سوف يتحرج من أن يقع في الفعل الذي يوجب توبيخه ومعاتبته، فمن ثم كانت الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الصدق؛ لأن الإنسان إذا استطاع أن يتصف بصفة الصدق وتحرى الصدق -أي: التدقيق والاحتياط الشديد في الصدق- فإنه تفتح له جميع أبواب الخيرات، قال صلى الله عليه وسلم (فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

    1.   

    بطلان القصة التي أوردها العيدروس بشأن كتاب إحياء علوم الدين

    بعض الناس يمارس أحياناً نوعاً من الإرهاب الفكري، وهذا يحصل من بعض الصوفية وأصحاب المنامات، فيمارسونه ضد من يكشف أخطاءهم ويبين ألاعيبهم، فترى في المنام أنه يخوفك إن أنت خالفته، ويهددك بأنه سيحصل لك كذا وكذا، وهذا النوع من الإرهاب لا يخيف إلا ذوي العقول الخفيفة، لكن الإنسان لا يبالي أبداً ما دام على الحق من الكتاب والسنة الذين هما المقياس الذي يحكم به على أي شيء، حتى لو كان مخالفه صاحب سلطة ونفوذ ما دام معه الكتاب والسنة.

    وكتاب (إحياء علوم الدين) من الكتب التي تحتاج إلى دراسة مستفيضة، وقد ارتبطت كثير من الأخطاء التي وجدت في هذا الكتاب بمراحل حياة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد مرّ الإمام الغزالي بمراحل ومحن نفسية كثيرة.

    والإمام الغزالي -كما يشهد له كثير من العلماء- من الأذكياء النوادر في العالم بلا شك، وقد أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته، وكان على فقه عظيم جداً، وهو من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي ، وله مؤلفات في أصول الفقه، ومؤلفات في العقيدة والأخلاق وغيرها، لكن ما اشتهر الإمام الغزالي بشيء من كتبه كما اشتهر بكتابه (إحياء علوم الدين) وليس المجال مجال التفصيل في حسنات هذا الكتاب، ولا مجال تفصيل في أخطائه أو أخطاره التي لو عششت في قلب أو عقل مؤمن ستقوده إلى كثير من الضلالات للأسف الشديد.

    وهناك بعض الصوفية اختلقوا وكذبوا كذبةً، وجعلها الشيخ عبد القادر العيدروس بمثابة العصا التي يسميها عصا العيدروس ، وهي العصا التي يخوف بها كل من يتكلم في كتاب (إحياء علوم الدين)! فأي شخص ينكر على الغزالي وعلى إحيائه شيئاً فإن العيدروس سيرفع هذه العصا مخوفاً إياه من عاقبة ذلك الفعل، وهذا في كتاب (تعريف الأحياء بفضائل الإحياء) للشيخ عبد القادر العيدروس .

    وقد روى في هذا الكتاب قصة عجيبة، لكنها لا تستهوي من يتحرى الصدق، ويتحرى العلم وصحة الدليل وموافقة الكلام للكتاب والسنة، مهما رأى من التشويه والتهويل.

    فيقول: ذكر اليافعي أن أبا الحسن بن حربهم الفقيه المشهور المغربي كان قد بالغ في الإنكار على كتاب إحياء علوم الدين، وكان مطاعاً مسموع الكلمة، فأمر بجمع ما ظفر به من نسخ الإحياء وهم بإحراقها في الجامع يوم الجمعة، فرأى ليلة تلك الجمعة كأنه دخل الجامع، فإذا هو بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، والإمام الغزالي -رحمه الله- قائم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أقبل ابن حربهم -الذي أراد إحراق كتاب الإحياء- قال الغزالي : هذا خصمي يا رسول الله، فإن كان الأمر كما زعم تبتُ إلى الله!

    وهل هذاك توبة تقبل بعد الموت؟! فالإمام الغزالي رحمه الله قد انتقل إلى الدار الآخرة، فكيف يتوب إلى الله وهو في دار الآخرة؟!

    قال: وإن كان حصل لي شيء من بركتك واتّباع سنتك فخذ لي من خصمي. ثم إن الغزالي ناول النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الإحياء، فتصفحه النبي صلى الله عليه وسلم ورقة ورقة من أوله إلى آخره، ثم قال: والله إن هذا لشيء حسن! ثم ناوله الصديق رضي الله عنه، فنظر فيه فاستجاده وقال: نعم، والذي بعثك بالحق إنه لشيء حسن. ثم ناوله الفاروق عمر رضي الله عنه، فنظر فيه وأثنى عليه كما فعل الصديق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتجريد الفقيه علي بن حربهم عن القميص، وأن يضرب ويحدّ حدّ المفتري، فخلعت ثيابه وضُرب على ظهره، فلما ضُرب خمسة أسواط شفع فيه الصديق رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله! لعله ظن فيه خلاف سنتك، فأخطأ في ظنه! فرضي الإمام الغزالي ، وقبل شفاعة الصديق ، ثم استيقظ ابن حربهم وأثر السياط في ظهره -أي: جُلد وهو نائم- فقام وأعلَمَ أصحابه، وتاب إلى الله من إنكاره على الإمام الغزالي واستغفر، ولكنه بقي مدة طويلة متألماً من أثر السياط!

    فهل صحيح ما حصل في قصة عصا العيدروس ؟! وهل يعقل أن إماماً مثل الإمام علي بن حربهم الذي اتخذ موقفه بناءً على أدلة وعلى علم ثم يحدث له ما حدث؟! فأين العلم في مثل هذه الرؤيا المختلطة؟! فهل هذه تخوفنا كي لا نتعرض لكتاب الإحياء ولكي نقبل كل ما فيه مما يخالف الكتاب والسنة؟!

    وإن الإمام الغزالي رحمه الله -كما يقول بعض العلماء- قد حشى كتابه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمختلقة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    فهذا الشيخ الأستاذ عبد الرحمن دمشقية في كتابه: ( أبو حامد الغزالي والتصوف ) يقول: ألا قاتل الله ملفق هذه الفرية، ما أكذبه! ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب، أم أن تعصبه الأعمى أغفله عن هذه الحقيقة التي أراد الله أن يجعلها علامة على كذبه؟! ألا فليتبوأنّ مقعده من النار هو وأمثاله ممن يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدين، فقد جاء في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه مسلم، وهو حديث متواتر.

    والأمر الآخر الذي يشهد بكذبه أن الإحياء فيه من الأباطيل التي لا يقرّها ولا يقول بها أجهل الناس بالإسلام، فكيف يرضى النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بهذه العجائب؟!

    ولو فرضنا -جدلاً- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الإحياء وقلّبه صفحة صفحة -حسبما يقول هذا المدّعي- فهل أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم فيه ما نقله الغزالي عن أبي تراب النخشبي إذ يقول: لئن رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة؟! وهذا موجود في الإحياء، الجزء الرابع، صفحة (356).

    وهل أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي يزيد لأحد أعيان بسطام: قولك سبحان الله شرك؛ لأنك سبحت نفسك فعظمتها وما عظمت ربك؟! ألم يطّلع صلى الله عليه وسلم في الإحياء على ما يقارب ستمائة حديث بين ضعيف وموضوع؟!

    ألم يقرأ قول الغزالي في آداب الخلوة: ويخلو بنفسه في زاوية، ويقتصر على الفرائض والرواتب، ولا يقرن همه بقراءة قرآن، ولا بالتأمل في تفسير، ولا يكتب حديثاً؟!

    ألم يقرأ قول الغزالي : القلوب وإن كانت محترقة بحب الله تعالى فإن البيت الشعري الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن؟!

    فهل البيت الشعري يؤثر في القلوب ويهيجها أكثر مما يفعل القرآن الكريم؟!

    وقول الغزالي -أيضاً- رحمه الله تعالى: اعلم أن الغناء أشد تهييجاً للوجد من القرآن لوجوه عديدة! ثم ذكر التفاصيل في موضع آخر.

    ألم يقرأ قول الغزالي عن أصحاب مرتبة الصديقين بأنهم قوم رأوا الله سبحانه وحده، ثم رأوا الأشياء به، فلم يروا في الدارين غيره، ولا اطّلعوا في الوجود على سواه، وهذا هو النظر بعين التوحيد، وهو يعرّفك أنه الشاكر وأنه المشكور، وأنه المحب وأنه المحبوب، وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره، فهو الشاكر وهو المشكور! وهذا الكلام يقترب كثيراً من وحدة الوجود.

    ألم يطّلع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الرؤيا المكذوبة على تقسيم الغزالي الناس إلى صنفين، حيث قال: الصنف الأول: وهم الأذكياء، الذين لا يطلبون الجنة، بل يحتقرونها، وإنما يطلبون مجالسة رب العزة دائماً، والصنف الثاني: وهم البُلْه -أي: السذج - الذين يتمتعون في الجنة بالنسوان والطعام الشراب كالبهائم، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!

    ألم يقرأ قوله: وما حكي من تفرق المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحق؟!

    ألم يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الغزالي : واستمع بقلبك لما يوحى، فلعلك تجد على النار هدى، ولعلك من سرادقات العرش تنادى بما نودي به موسى: إني أنا ربك؟!

    أيكون الغزالي معصوماً من كل زلّة ومنزّهاً عن كل ما اقترف، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ كتابه ورقةً ورقةً فلا يجد فيها خطأً يسيراً أو ملاحظة صغيرة على الأقل؟!

    أهذا هو الإحياء الذي زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم تصفحه ورقة ورقة ثم قال: والله إن هذا لشيء حسن؟! وأن أبا بكر رضي الله عنه قال: نعم، والذي بعثك بالحق إنه لشيء حسن؟!

    إن هذه الرواية المختلقة لم تكن إلا بمثابة تخويف وتهديد لكل من يهم بإنكار هذه الأباطيل الواردة في كتاب الإحياء، فلا يخافن أحد من هذه الأساطير الصوفية، ولا يترددن في إنكار أي شيء باطل يراه، فإن إنكار المنكر هو ركيزة هذا الدين، وما تركه قوم إلا استحقوا غضب الله وعقابه، والصوفية أوهموا الناس عكس ذلك، فإذا أنكر أحد هذه المنكرات الموجودة في مثل هذا الكتاب خوفوه بمثل هذه الأكاذيب، قال الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، وقال سبحانه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، وقد ترك بنو إسرائيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاستحقوا اللعن على ألسنة أنبيائهم، قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).

    والذين ينكرون على الإمام الغزالي رحمه الله بعض الأشياء في الإحياء إنما ينكرون ما خالف كتاب الله وما خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نأبه بهذا الإرهاب الفكري، ولا بهذا التهويش والتشويش بعصا العيدروس، ولو أن العلماء أنكروا ما جاء في كتاب الإحياء من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي تبلغ ستمائة حديث وتركوا ما سوى ذلك لكان في إنكارهم انتصار لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما يُحمدون عليه، فكيف وهم ينكرون منه هذه العجائب التي حُشي بها كتاب الإحياء.

    بيان بعض ضلالات الصوفية

    لقد عهدنا في الصوفية أسلوب الترهيب من الإنكار على مخالفيهم لصريح شرع الله، وذلك أنهم يلفقون قصصاً لا أصل لها ليخوفوا بها من ينكر عليهم، قال النبهاني : قال المناوي : قال لي فقيه عصرنا -أي: فقيه عصره- شيخنا الرملي : إن بعض المنكرين رأى أن القيامة قد قامت، ونصبت أوانٍ في غاية الكبرَ، وأغلي فيها ماء يتطاير منه الشرر، وجيء بجماعة ضبائر ضبائر، فوضعت فيه حتى تهرى اللحم والعظم، فقال: من هؤلاء؟ قال: الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض !!

    ومن ابن عربي وابن الفارض حتى يعذّب هذا العذاب كل من ينكر عليهما كما يزعمون؟

    إن ابن عربي يقول في كتابه (فصوص الحكم):

    فيحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده

    ففي حال أقر به وفي الأعيان أجحده ولو أردت زيادة لتعرف من هو ابن عربي -الذي يرهبوننا ويخوفننا من أن ننكر عليه- فاسمع ما يقول:

    فلولاه ولولانا لما كان الذي كانا

    وإنا عينه فاعلم إذا ما قلت إنسانا

    فلا تحدق بإنسان فقد أعطاك برهانا

    فقل حقاً وكن خلقاً تكن بالله رحمانا

    وقال أيضاً:

    العبد ربّ والربّ عبد فليت شعري من المكّلفْ

    إن قلت عبد فذاك رب أو قلت ربّ أنى يكلّف

    وبما أن حكاية الكفر ليست بكفر فنذكر مقالته الكفرية -والعياذ بالله- حيث يقول:

    وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة

    هذا هو ابن عربي الذي يعظمونه، ويقولون: احمل كلامه على غير ظاهره!

    أما ابن الفارض فهو الذي ينادي ربه مخاطباً إياه -سبحانه وتعالى- بضمير المؤنث! وهو يقول:

    لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت

    كلانا مصلّ واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدةِ

    وما كان بي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أدا كل ركعةِ

    وما زلت إياها وإياي لم تزل ولا فرق من ذاتي لذاتي أحبّتِ

    فالصوفية يظنون أن الناس لا ينكرون هذا التحريف لحقائق وأصول دين الإسلام، فيذكرون مثل هذه الروايات المكذوبة حتى على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حيلة لهم بغير هذا الطريق؛ لأنه ليس لهم سلاح غير المنامات والتخويف الكلامي، أما السنّة والعلم والأدلة فلا يستطيعون أن يرفعوا بذلك رأساً؛ لأن مثل هذه الكتب وهذه الأفكار تضمنت من العجائب ما يشهد على رده الأدلة الشرعية، بل الأدلة قائمة ضدها، فإذا عجز أحدهم عن القيام في حلبة العلم ومواجهة الأدلة بالأدلة والحجة بالحجة لجأ إلى الأحلام وإلى الاختلاق الصوفي.

    ويأتي العيدروس بشواهد على كتاب الإحياء وتعظيمه، حتى إنه ينسب إلى الإمام النووي رحمه الله تعالى أشياء لا يمكن أن تصح عن الإمام النووي ، منها أنه قال: كاد الإحياء أن يكون قرآناً! وقال: أجمع العلماء العارفون بالله على أنه لا شيء أنفع للقلب وأقرب إلى رضا الرب من متابعة حجة الإسلام الغزالي ومحبة كتبه.

    ونحن لا نتكلم في الإمام أبي حامد، فإنه إمام، ونسأل الله أن يعفو عنه ويجزيه خيراً؛ لأنه له آراء مشرقة في هذا الكتاب وفي غيره، وإنما نتكلم عن المواضع المخالفة للكتاب والسنة.

    وقال العيدروس : قال الشيخ الكازروني : لو محيت جميع العلوم لاستُخرِجَتْ من الإحياء.

    ونقل عن علي بن أبي بكر السقاف قوله: لو قلّب أوراق الإحياء كافر لأسلم!

    يقول الأستاذ دمشقية : لكنني أتساءل: أي كافر من الملل الأخرى اجترأ أن يوافق أبا تراب النخشبي في قوله: لئن رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة؟!

    هل هناك كافر عندما يسمع هذا الكلام يسلم؟

    ومن منّا يوافق أبا يزيد البسطامي في قوله حين قال له رجل: سبحان الله. فقال له: قولك: سبحان الله شرك؛ لأنك عظّمت نفسك فسبّحتها وما سبحتَ ربك؟! فهل هذه الأقوال تنقل الكافر من الكفر إلى حظيرة الإسلام، ولم نقصد التوسع في هذا الأمر، لكن هذا خلاصة.

    ومما ينبّه عليه -أيضاً- أن العيدروس يعتبر كتاب الإحياء أشبه بصكوك الغفران التي كانت تباع بها الجنة أيام الكنيسة الرومانية!

    لقد كان ضمان الجنة أو الحرمان منها من قبل البابا، وكلمة (البابا) كلمة فيها تعظيم عند النصارى لكافر نجس، فهم يعظمونه بكلمة (البابا)، وهي تعني أباهم هُم، ونحن لا نعترف بها؛ لأن فيها تعظيماً لهذا الشخص المعادي لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

    فكان بابواتهم في الكنيسة الرومانية يحجزون للناس أماكن في الجنة حسب النقود التي يدفعونها لهم كما يزعمون.

    وهذه الخدعة الموجودة عند النصارى أصبحت تتكرر عند الصوفية، وتزداد لمن يحصّل كتاب الإحياء عند العيدروس .

    يقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني في طبقات الأولياء: إن الشيخ مدْيَن الأشموني جاءته امرأة، وقالت له: هذه ثلاثون ديناراً وتضمن لي على الله الجنة. فقال الشيخ موافقاً لها: هذه لا تكفي! فقالت: لا أملك غيرها. فضمن لها على الله دخول الجنة، فماتت فبلغ ورثتها ذلك، فجاءوا يطلبون الثلاثين ديناراً من الشيخ، وقالوا: هذا الضمان لا يصح. فجاءتهم في المنام وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ؛ فإني دخلت الجنة. فرجعوا عن الشيخ.

    وهذا الشيخ أحمد الرفاعي يطلب شراء بستان من صاحبه، فيقول له صاحب البستان: تشتريه مني بقصر في الجنة؟ فقال: من أنا حتى تطلب مني هذا يا ولدي؟! اطلب شيئاً من الدنيا. فقال: يا سيدي! شيئاً من الدنيا لا أريد، فإن أردت البستان فاشتره بما أطلب. فنكّس السيد أحمد الرفاعي رأسه ساعة، واصفر لونه وتغير، ثم رفع وقد تبدلت الصفرة احمراراً، وقال: يا إسماعيل ! قد اشتريت منك البستان بما طلبت. فقال: يا سيدي! اكتب لي خط يدك. فكتب له السيد أحمد الرفاعي ورقة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى إسماعيل بن عبد المنعم من العبد الفقير الحقير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي ضامناً على كرم الله تعالى قصراً في الجنة، تجمعه حدود أربعة، الأول إلى جنة عدن، والثاني إلى جنة المأوى، والثالث إلى جنة الخلد، والرابع إلى جنة الفردوس، بجميع حوره وولدانه، وفرشه وستره، وأنهاره وأشجاره، عوض بستان في الدنيا، وله الله شاهد وكفيل!

    فهذه بعض الأمثلة التي تبين ألاعيب القوم التي شابهت إلى حد كبير الرهبنة، والغلو في الدين وفي الرجال، وأكاذيب الكنيسة وأربابها، وبيع العقارات في الجنة هو من جملة هذا التقارب والتشابه، فلا البابا -كما يسمى- قادر على ضمان الجنة لأحد، بل ولا لنفسه، ولا الشيخ عبد الله العيدروس ، ولا عبد القادر العيدروس ، ولا أحد قادر على ضمان الجنة لأحد، بل ولا لنفسه، فقد جاء في الحديث الصحيح ما يفيد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تزكية الأخ أخاه، فكيف بمن يضمن للناس الجنة؟! بل ومن يريهم إياها، كما فعل الشيخ العيدروس في عبد الله بن أحمد بن كثير !

    ولما توفي عثمان بن مظعون رضي الله عنه وكفّن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم العلاء الأنصارية : رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله -تقول ذلك لـعثمان - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟.

    وهذا كقول بعض الناس لمن يموت: لقد استراح.! وما يدريك أنه استراح؟! هل الإنسان اطلع على الغيب؟! هل بمجرد أنه كان مريضاً أو عانى في دنياه يقال: فلان استراح، وربنا أكرمه؟! إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟! أي: إذا ما أكرم الله عثمان بن مظعون فمن سيكرم؟! فقال عليه السلام: أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يُفعل بي أي: في الدنيا، أما في الآخرة فإنه يعرف. فقالت أم العلاء : فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً. فكيف لو يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوماً يضمنون الجنة للآخرين بمجرد قراءتهم كتاباً؟!

    قال الموافق لمصنفه والمخالط له: أنه ملئ بمادة الفلسفة وشيء من رسائل إخون الصفا، وفيه متناقضات كثيرة.

    وقد ولى كل إلى ربه وحسابه على الله، ونرجو للمسلمين جميعاً الخير، لكن هذا كان مجرد بيان، كي لا نتردد في بيان الحق، ولا نأبه بمثل ما يسمى عصا العيدروس أو أنصار العيدروس ممن يخالفون الكتاب والسنة، ويلوحون بهذه العصا لمن اجترأ على انتقادهم وكشف زيفهم بأدلة الكتاب والسنة.

    اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، سبحانك -اللهم- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.