إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الطورللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقسم الله تعالى في صدر سورة الطور بجملة من مخلوقاته لبيان أن البعث والجزاء حق، وأن عذاب الكافرين كائن لا محالة، مردفاً ذلك بذكره تعالى بعض مشاهد أهوال يوم القيامة، وما أعده للمكذبين من العذاب الأليم وما هيأه لعباده الصالحين من النعيم المقيم، آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستمرار في الذكرى، ومبيناً لجملة من الاعتراضات الصادرة عن المشركين وتفنيدها، وقد توعدهم الله تعالى بالإمهال إلى يوم يبعثون، وأمر نبيه بالصبر والفزع إلى تسبيح الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والطور)

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صفيه من خلقه وأمينه على وحيه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا الدرس خاص بتأملات في سورة الطور، وهي سورة مكية تناولت أصول العقيدة الثلاثة: الوحدانية، وإثبات الرسالة، والبعث والجزاء.

    وهذه السورة بدأت بقسم على صدق البعث والجزاء وانتهت بالأمر لنبينا صلى الله عليه وسلم بأن يصبر وأن يقرن ذلك الصبر بالتسبيح، كما أن هذه السورة الكريمة ثبت فيها أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بها في صلاة المغرب، كما في حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما قدم المدينة يسأل النبي صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، فسمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ بها -أي: بسورة الطور- في صلاة المغرب، فكاد أن ينصدع قلبه كما أخبر بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه.

    أما تفسيرها فإننا نقول ومن الله نستمد العون، ونستدفع نقمته ونستجدي رحمته قال ربنا جل جلاله: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور:1-8] هذا قسم من الله جل وعلا ببعض مخلوقاته، فأقسم ربنا جل وعلا في هذه السورة بالطور، والطور في اللغة: هو الجبل الذي فيه نبت وشجر، فكل جبل أنبت فهو طور، وكل جبل لم ينبت فليس بطور.

    و(أل) في الطور إما أن تكون للجنس، وإما أن تكون للعهد، فإذا قلنا: إنها للجنس فهي شاملة لجميع الجبال التي عليها نبت وشجر، وإن قلنا: إنها للعهد فإن المعهود هنا معهود ذهني وليس معهوداً لفظياً؛ لأنه ليس قبل هذه الآية شيء، وإنما هو معهود ذهني مستقر في الأذهان، والمعهود الذهني المستقر في الأذهان المتعلق بالطور هو الجبل الذي كلم الله جل وعلا عنده عبده ونبيه وصفيه موسى بن عمران عليه السلام، قال الله جل وعلا: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم:52] ، وقال الله تبارك وتعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ [القصص:44] ، وفي آيات أخر سماه الله جل وعلا البقعة المباركة، وسمى تبارك وتعالى الوادي الذي فيه هذا الجبل، قال الله جل وعلا: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [طه:12]، فهذا كله إخبار بأن الأرض التي فيها الجبل أرض مقدسة، وهي طور سيناء، وأن الجبل نفسه جبل مبارك؛ لأنه عند هذا الجبل نزل الوحي على رسول من أولي العزم من الرسل هو موسى بن عمران، وكلمه الله جل وعلا، ونال موسى في ذلك المكان المبارك ما نال من فيض الله جل وعلا ورحمته وبركاته عليه وهو النبي والصفي والكليم الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

    فيتحرر من هذا أن الطور في قول أكثر العلماء المقصود به الجبل الذي كلم الله عنده موسى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكتاب مسطور في رق منشور)

    ثم قال جل وعلا: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:1-3].

    جاءت كلمة (كتاب) منكرة، فليست معرفة بـ(أل) حتى نقول: هل هي للعهد أم هي للجنس. ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله في المقصود بالكتاب هنا، وأظهر الأقوال ينصرف إلى قولين: قول أن المقصود بالكتاب اللوح المحفظ، والقول الثاني -وهو الأشهر- أن المقصود به كتاب الله القرآن الكريم الذي بين أيدينا.

    قال تعالى: وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [الطور:2] أي: مكتوب، يقال: سطر بمعنى: كتب.

    قال تعالى: فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:3] الرق -بفتح الراء- ما يكتب عليه، وكل شيء كتبت عليه من الصحف أو الورق يسمى رقاً، أما الرِق -بكسر الراء- فهو العبودية، ويتناول عند الفقهاء في قضية الرقيق وما أشبه ذلك.

    وسواء قلنا: إنه اللوح المحفوظ، أو قلنا: إنه القرآن الكريم، فكلاهما مكتوب، كما هو معلوم أن الله أول ما خلق القلم قال له: اكتب كما في الحديث الصحيح. والأظهر أن المقسم به هنا هو كلام الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والبيت المعمور)

    ثم قال جل وعلا: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ [الطور:4] وهذا القسم الثالث، والبيت المعمور: هو بيت في السماء السابعة على أظهر الأقوال، قال العلماء فيما نقل من آثار يعضد بعضها بعضاً: إن هذا البيت في السماء السابعة فوق الكعبة، فلو سقط منه شيء لسقط على الكعبة.

    ومن العلماء من يقول إن البيت المعمور المقصود به هنا الكعبة نفسها؛ لأنها تعمر بالطائفين، والعباد، والراكعين، والساجدين.

    ولكن في هذا السياق نرجح أنه البيت المعمور الذي في السماء السابعة؛ لأن البيت المعمور وردت تسميته بذلك في الحديث، حيث قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح في الإسراء والمعراج: (فإذا أنا برجل قد أسند ظهره إلى البيت المعمور) يقصد خليل الله إبراهيم، فلما ورد في السنة أن البيت المعمور هو بيت في السماء السابعة، وجاء في أثر آخر أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يسبحون الله لا يعودون إليه إلى يوم القيامة؛ قلنا: إن الأرجح أن يكون المقصود بالبيت المعمور هو البيت الذي في السماء السابعة.

    وقلنا: ثمة رأي يقول: إن البيت المعمور المقصود به الكعبة، وكلا القولين وجيه، ولكن الأول -فيما نعلم والله أعلم- هو أرجح، وهو قول أكثر المفسرين رحمهم الله.

    والذي يعنينا أن الرب تبارك وتعالى -لا رب غيره ولا إله سواه- يُعبد في الأرض ويُعبد في السماء، وهذا معنى قول الله جل وعلا: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84] أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وأنت إذا قرأت مثل هذه الآيات وعلمت أن الله يقسم بالبيت المعمور، وأن هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، وأنه في السماء السابعة، وأن الله جل وعلا يُعبد؛ تعلم يقيناً أنه كم من عبد صالح غيرك يعبد الله، وليس لك ولا لغيرك، فالله جل وعلا غني عن كل خلقه بلا استثناء، وكل خلقه بلا استثناء فقراء إليه شاءوا أم أبوا، فكل الخلق فقراء إلى ربهم تبارك وتعالى، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] وهذا الذي يتركه أثر القرآن في نفوسنا إذا تلوناه وقرأناه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسقف المرفوع)

    قال تعالى: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطور:5] السقف المرفوع في أظهر الأقوال المقصود به السماء، وهي مرفوعة عن الأرض، وقد زينها الله جل وعلا بالنجوم، وقد جعل الله لها أبواباً وجعل لها طرائق، وجعل لها خزنة، قال عليه الصلاة والسلام: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) جعلنا الله ممن يخافونه رغباً ورهباً.

    فالمقصود أن السقف المرفوع هو السماء، وقد قال الله جل وعلا في آية أخرى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء:32]، وإذا أردت أن تفسر الآية فوجدت لها قرائن تعضدها في كتاب الله كان ذلك دلالة وقرينة على أنك أقرب إلى الصواب، ولكننا لا نجزم بشيء في الغالب إلا بما ثبت عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، أو أجمع عليه الصحابة، أو أجمعت عليه الأمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والبحر المسجور)

    قال تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور:6] أقسم الله تبارك وتعالى بخلق عظيم من خلقه هو البحر، والبحر من أعظم مخلوقات الله تبارك وتعالى بلا شك، فإذا رآه الرائي يتذكر عظيم قدرة الجبار تبارك وتعالى، وقد نعت البحر هنا بأنه مسجور، وكلمة (مسجور) تحتمل معنيين:

    المعنى الأول: أنه المملوء ماء، وهذا ظاهر لا ارتياب فيه.

    والمعنى الثاني: أن يكون بمعنى الموقد الذي يشتعل ناراً، فإذا اخترنا الرأي الثاني -وقد اختاره كثير من العلماء- يكون المعنى أنه مسجور يوم القيامة؛ لأنه الآن ليس بمسجور فيما نرى، وقد قال الله جل وعلا: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:6] أي: أوقدت، وقول الله جل وعلا: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:6] قرينة على أن المقصود بالبحر المسجور البحر الموقد، ولكن لا نجزم به، واللغة تحتمل المعنيين.

    1.   

    ذكر فائدة القسم وأثره

    والمقصود أن هذا كله قسم من الرب تبارك وتعالى ببعض مخلوقاته لبيان أن البعث والجزاء حق، ولبيان أن ما وعد به الكفار من العذاب كائن لا محالة، ولهذا كان كثير من العصاة يخوّف المرء منهم ويرقق قلبه ويدعى إلى الله بقراءة سورة الطور عليه؛ لأن الله يقول: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور:1-8]، فأي أحد يعصي الله لن يحول بينه وبين عذاب الله شيء إلا أن تتداركه رحمة الرب تبارك وتعالى، ولذلك فإن جبير بن مطعم لم يكن مسلماً، بل كان كافراً في أول الأمر، فلما قدم إلى المدينة للنظر في أسرى بدر والتفاوض دخل المدينة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أندى الناس صوتاً بقراءة القرآن، فاجتمع صوت النبي مع ما يتلوه، فلما قرأ: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور:7] قال: خفت أن ينصدع قلبي وآمنت خوفاً من أن يقع عليَّ العذاب.

    والمؤمن يعلم أن وعد الله حق، فمن عصى الله يبقى في خوف، فإذا كان الله قد نعت المؤمنين بأنهم خائفون من ربهم، فما بالك بالعصاة؟! أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.

    قال تعالى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور:7-8] والعصاة يوم القيامة لا يمكن أن يدفع عنهم عذاب الله جل وعلا أحد كائناً من كان، لا شفيع ولا قريب ولا ذو مال ولا ذو سلطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً)

    ولما كانت آيات القرآن يمهد بعضها لبعض قال الله جل وعلا في بيان وقت حصول العذاب: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا [الطور:9-10].

    قوله تعالى: (تمور السماء) أي: تضطرب، وتموج، وتتحرك، فالسماء يوم القيامة تضطرب تتحرك، ثم بعد ذلك يموج بعضها في بعض، ثم بعد ذلك تتبدل، كما قال الله جل وعلا: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48] وكذلك الجبال، فإنها أول الأمر تسير كما يسير السحاب، قال الله جل وعلا: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88] وأخبر الله جل وعلا أنها تصبح كالعهن المنفوش، ثم بعد ذلك تصبح منبثة، كما قال الله جل وعلا: فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:6] فتضمحل وتنتهي وتندك، كما قال تبارك وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107]، وهذه الأحداث تقديم بين يدي يوم عظيم يجيء فيه الجبار جل جلاله مجيئاً يليق بجلاله وعظمته، ويحشر الناس على أرض بيضاء نقية لم يُعص الله جل وعلا فيها طرفة عين، ويخرج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلاً بهماً لا يملكون من متاع الدنياء شيئاً، فيلجمهم العرق، وتدنو منهم الشمس، ويزدحم بعضهم ببعض، ومنهم من يخصه الله بأن يظله تحت ظل عرشه جعلني الله وإياكم من أهل ذلك.

    فذلك كله أخبر الله جل وعلا عنه بالتمهيد الذي كان ينكره المشركون فقال: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا [الطور:9-10].

    1.   

    بيان ما أعده الله للمكذبين وتفسير قوله تعالى: (أفسحر هذا...)

    ثم أخبر الله جل وعلا في آيات متتابعة أن الويل لأهل التكذيب، وأنهم يساقون إلى جهنم في آيات ظاهرة البيان، حتى قال الله جل وعلا بأسلوب تهكم بهم: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15] والحق أنه ليس بسحر، وأنهم يبصرون، فلما انتفى الاثنان بقي الثالث، وهو أن ما يرونه حق، فعندما يواجه الكفار النار يوم القيامة يقال لهم: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15] وكلا الأمرين منتف، فلا النار سحر ولا هم لا يبصرون، بل يبصرون النار، ولذلك بقي الأمر الثالث، وهو أنهم يبصرون النار -عياذاً بالله- فيصيبهم من الكرب ما الله به عليم وأجارنا الله وإياكم من حرها وشررها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا...)

    ثم يقال لهم: اصْلَوْهَا أي: ذوقوا حرها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:16] واستوى الصبر والجزع هنا لأنه قد تقرر عقلاً ونقلاً وشرعاً أن الإنسان إذا ابتلي بشيء فهو إما أن يصبر وإما أن يجزع، فإذا جزع خسر العاقبة، وإذا صبر نال العاقبة والخير؛ هذا إذا كان مؤمناً، وإن كان كافراً فإنه إذا جزع خسر، وإذا صبر فإن صبره يهون عليه الأمر، حتى إن أعداءه لا يستطيعون أن يشمتوا به إذا كان صابراً؛ لأنهم يرون أن هذا الكرب لم يغير فيه.

    فالصبر إذا تحلى به الإنسان -مؤمناً أو كافراً- فإنه يعينه على قهر ما أصابه من بلاء ولو نسبياً، فالصبر ذو فضل على الجزع.

    ولكن في يوم القيامة إذا دخل أولئك النار كان الصبر والجزع بالنسبة لهم سواء، فلا هم يخرجون إن صبروا، ولا يخفف عنهم العذاب إن جزعوا، ولذلك قال الله عنهم في آية أخرى: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21] فلا يوجد مفر ولا مخرج، ولا يوجد لهم ملجأ، فالصبر والجزع يستويان في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان...)

    ثم ذكر الله تبارك وتعالى بعدها ما يكون لأهل الطاعة والنعيم، ثم قال جل وعلا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] وللعلماء رحمهم الله في معنى هذه الآية قولان:

    القول الأول -وهو الأظهر وعليه الجمهور-: أن يكون المعنى أن الله جل وعلا يكرم من علت درجاتهم من أهل الجنة بأن يلحق بهم من ذريتهم من نزلت درجتهم عنهم، فيرفع الله درجة الأدنى -وليس في الجنة دان- إلى درجة الأعلى؛ لتقر عينه دون أن يُبخس من درجة الأعلى شيء.

    فلو أن إنساناً دخل هو وأبناؤه الجنة وكانت درجة الوالد أعلى من درجة الولد؛ فإن الله يرفع الولد إلى مقام أبيه لتقر عين الوالد بولده دون أن يُبخس شيء من حق الوالد، قال الله: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21]، وإذا كان الابن في الأعلى والأب في الأدنى فكذلك يرفع الأب إلى الابن، فهذا هو القول الأول، وهو الأظهر.

    القول الثاني: أن معنى الآية أن من المؤمنين من كان لهم أبناء ماتوا قبل البلوغ، فليس لهم أعمال إلا الإيمان، فلكي تقر بهم أعين والديهم يُرفعون إلى درجات آبائهم وأمهاتهم.

    وليس أحد القولين عن الآخر ببعيد، ويمكن أن تحتوي الآية كلا المعنيين.

    والذي نريد أن نصل إليه إن من أعظم السعادة أن تدخل أنت وأهلك الجنة ممن تحبهم في الدنيا، وأن الله جل وعلا ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وإنما هي الأعمال، فالرجل، وزوجته، وأبناؤه، وأمه، وأبوه، وإخوته، وعماته، وخالاته، ومن حوله إذا كان بعضهم يحب بعضاً وتمنوا أن يكونوا مجتمعين في الجنة كما هم مجتمعون في الدنيا؛ فإن من أعظم ما ينال به ذلك تقوى الرب تبارك وتعالى، فالذي يسعى في حيه، أو في أسرته، أو في مجتمعه الخاص لهدايتهم إنما يسعى لأن يجتمع بهم في الجنة، ولقد قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، فكون الإنسان يجتهد أولاً في نجاة نفسه ثم في نجاة من يحب من أعظم القربات التي يتوصل بها إلى رحمة الرب تبارك وتعالى.

    1.   

    بيان المراد بقوله تعالى: (كل امرئ بما كسب رهين)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21] وبعض العلماء يقول تقف هنا، ثم تقرأ: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] قال بعضهم: هذه الجملة كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] ليست خاصة بأهل الإيمان، وإنما المقصود بها أهل الكفر، ومعنى الآية عند من قال هذا من العلماء أن الإنسان قد يقرأ هذه الآية فيتوهم أن ما يجري من أحكام على أهل الجنة يجري على أهل النار، فقول الرب تبارك وتعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] يدفع هذا الوهم، والمعنى أن أهل الجنة لا يُبخسون شيئاً، ولكن ينالهم فضل الله، فقد يعطى الرجل من أهل الجنة ما لا يستحقه بعمله، كأن يرفع الولد إلى منزلة والده، أو يرفع الوالد إلى منزلة ولده، ولكن في النار لا يجري هذا الحكم، فلا يعذب أحد إلا بمقدار ما يستحق، وهذا معنى قول الله: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] أي: مرتهن بعمله، وقالوا: إن الرهن لا يكون للمؤمنين، والدليل أن الله جل وعلا قال: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ [المدثر:38-40] وأياً كان المعنى فإنه معنى قوي يقصد به أن هذه التذييل أريد به دفع الوهم.

    1.   

    ذكر ما يتذاكر به أهل الجنة في الجنة

    ثم قال الرب تبارك وتعالى عن أهل جنته: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:25-28].

    يخبر الله بأن أهل الجنة يتذاكرون مجالسهم التي كانت في الدنيا، وإنني أسأل الله بكمال جماله وعز جلاله أن يجعلنا وإياكم ممن يتذكر هذا المجلس في جنات نعيم.

    فالله يقول: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:25] فهؤلاء مؤمنون قد كساهم الله جل وعلا أعظم الحلل، وأنزلهم الله جل وعلا أجل المنازل، وأفاء الله تبارك وتعالى عليهم من رحمته، ودفع الله جل وعلا عنهم كل نقمة، يجلس بعضهم إلى بعض فيتخاطبون، فإذا جلسوا في مجلس لا لغو فيه ولا تأثيم تذاكروا برحمة من الله وفضل ما من الله به عليهم في الدنيا، فنقل الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين- كلامهم الذي سيكون يوم القيامة جعلني الله وإياكم منهم، فقال عنهم: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ وهذا إقبال فرح عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:25].

    ذكرهم خوفهم من الله تعالى في الدنيا

    فمما تذاكروه من الدنيا قولهم: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ أي: في الزمن الماضي فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] أي: خائفين وجلين من عذاب الله تبارك وتعالى، والله جل وعلا لا يأمن مكره إلا القوم الخاسرون، ولا يقنط من رحمته إلا الضالون، فالمؤمن يجعل الخوف والرجاء كجناح الطائر، فالله جل وعلا لو أوكلنا إلى أعمالنا لهلكنا، ولكننا نسأل الله أن يكلنا إلى رحمته وفضله وعفوه؛ فإن الدنيا لا تطيب إلا بذكره جل وعلا، والآخرة لا تطيب إلا بعفوه، والجنة لا تطيب إلا برؤيته سبحانه وتعالى، فالله يخبر عنهم بأنهم يقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26]، فهذا الخوف الذي يعتري قلبك في الدنيا هو سبب الأمن يوم القيامة، أما من انكب على ظهره ومشى يبحث عن الشهوات ويقلب في الشبهات، ويؤذي هذا ويحارب هذا، ويكفر بالله، ويخرج من بار إلى بار، ومن شاطئ عراة إلى مثله، ومن قناة إلى قناة، ومن فضائيات إلى فضائيات، ويتلبس بالزنا واللواط والفواحش وغيبة العلماء أو غيبة الحكام، أو أذية المسلمين أو أخذ الرشوة، أو السرقة، أو ما شابه ذلك من المعاصي، ولا يخشى أحداً ولا يخاف ولا يرهب، وهو مطمئن بأنه لن يتسلط عليه أحداً، فلا يمكن أن يأمن عند الرب تبارك وتعالى.

    وقد قام الربيع بن خثيم رضي الله عنه الليل كله يتلوا آية واحدة هي قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21]، وثبت في حديث صحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قام ليلة يقرأ آية واحدة من كتاب الله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118].

    فما زال نبينا صلى الله عليه وسلم يقرؤها حتى طلع الفجر صلوات الله وسلامه عليه.

    فهذا الخوف الذي يملأ قلوبنا نفرح به؛ لأن الخوف من الله جل وعلا أعظم وسائل نيل الأمن يوم القيامة،قال سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] وقال جل ذكره: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40]، وذكر تعالى الجنة ونعيمها ثم قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14] أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يخافه سراً وعلانية وغيباً وشهادة.

    ذكرهم منة الله تعالى عليهم

    قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا [الطور:25-27] أي: رحمة منه وفضلاً وإحساناً ليس لنا فيه نصيب وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:27-28] فدلت الآية على أن الدعاء من أرجى الأعمال عند الرب تبارك وتعالى، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها وعن أمها تتأول القرآن فتدعو فتقول: اللهم قنا برحمتك عذاب السموم؛ إنك أنت البر الرحيم؛ لأن الله قال عن أولياءه: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:27-28].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون)

    ولما ذكر الرب جل وعلا في هذه السورة الكريمة إثبات التوحيد والبعث والنشور ذكر جل وعلا إثبات الرسالة، فقال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29] وهذا بيان لتناقض الكفار، فالمجنون هو الذي لا يفكر أبداً، والكهانة صنعة تحتاج إلى نوع من الذكاء وإلى دقة وفطنة، وهي كفر بالله، ولا يجتمع في إنسان الجنون والكهانة، فمن تناقض أهل الكفر أنهم نعتوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن ومجنون؛ وهذان ضدان لا يمكن أن يجتمعا في إنسان واحد، ولهذا قال الله جل وعلا لنبيه: فَذَكِّرْ أي: استمر في الدعوة إلى ربك والتذكير بآيات ربك، ولا تلتفت إلى ما يقوله هؤلاء الكفار عنك فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [الطور:29] أي: بفضل الله عليك، ونعمته وإحسانه عليك بكاهن ولا بمجنون، وكيف يكون كاهناً أو مجنوناً من يدعو إلى الواحد الأحد جل جلاله؟! فهذا يستحيل عقلاً ونقلاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون)

    قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور:30]، وكل كلمة: (ريب) وردت في القرآن هي بمعنى الشك، إلا في هذه الآية، فهي بمعنى حوادث الدهر، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :

    أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع

    وقول الأعشى :

    أأن رأت رجلاً أعشى أضر به ريب المنون ودهر مفند خبل

    فجملة من القرشيين كانوا يقولون هذا شاعر، والحل فيه أن نصبر عليه ونتربص به حوادث الأيام، فإما أن يموت، وإما أن يهلك، وإما أن يصيبه تلف فيعجز كما عجز من قبله من الشعراء.

    ثم أخذ القرآن يحاكم أهل الإشراك بأسلوب منطقي عقلي، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الطور:30-32]، فبدأ الله جل وعلا بسوق الاعتراضات ثم فندها واحدة واحدة.

    وهناك فرق بين العقل وبين الذهن، فهناك شيء اسمه ذهن وشيء اسمه عقل، فالذهن: الشيء الذي تفهم به، والعقل: هو الشيء الذي تتصرف من خلاله.

    فقد يكون هناك إنسان تقول له العامة: ذهين، بمعنى: ذكي فطين، فيستطيع أن يسرق دون أن يكتشفه أحد، فهذا يدل على ذكائه، ولا يدل على عقله؛ لأنه لو كان عاقلاً لم يعص الله ولم يرم نفسه في المهالك.

    فيوجد من الكفار من هم أذكياء، ولكن لا يمكن أن يكون هناك كافر يوصف بأنه عاقل؛ لأن من أعظم دلائل عدم عقله أنه كافر بالله، ولو كان له عقل لآمن بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا...)

    فالله هنا يقول: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا [الطور:32] والأحلام هنا بمعنى العقول، ومنه قول حسان رضي الله عنه وأرضاه:

    لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير

    فقوله: أحلام العصافير: أي: عقول العصافير، فالله يقول إن كانت عقولهم تأمرهم بهذا فبئست العقول عقولهم إن كانوا يجعلون من يؤمن بالله واليوم الآخر ويدعو إلى التوحيد شاعراً أو كاهناً أو مجنون.

    قال تعالى: أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الطور:32] قيل: إن (أم) هنا بمعنى (بل)، يعني: بل هم طاغون طغوا وتجاوزوا الحد فيما يقولونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يقولون تقوله...)

    ثم قال جل وعلا: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ [الطور:33].

    قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ [الطور:33] أي: إن قالوا: إن هذا الحديث الذي جئت به يا محمد أتيت به من نفسك، كان الرد عليهم بأنه إن كان هذا القول جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم من عنده فأنتم أبناء عمومته، وكلكم عرب، وكلكم فصحاء بلغاء، فإن كنتم تزعمون أن محمداً جاء به من عنده فأتوا أنتم بمثله من عندكم، ولذلك قال جل وعلا: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:33-34] فلو كان جهداً بشرياً لأمكنكم أن تأتوا بمثله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيء...)

    وللرد على إنكارهم قوله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله ولا رب سواه قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35]؛ فإنه ليس ثمة إلا افتراضات ثلاثة: أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أو أن يكونوا خلقوا أنفسهم، أو أن يكون خلقهم خالق هو الله، فاسألهم: هل خلقوا أنفسهم؟! فيعترفون بأنهم لم يخلقوا أنفسهم، وسيعترفون بأنهم ما وجدوا أنفسهم أحياء في الشوارع والطرقات والمدن، وإنما نشئوا عن خلق من بعد خلق من آباء وأمهات.

    إذاً: لم يبق من حيث التقسيم إلا الثالث، وهو أن الله جل وعلا خالقهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم خلقوا السموات والأرض...)

    ثم قال تعالى: أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [الطور:36] معنى الآية: هل هم خلقوا السماوات والأرض؟! فإذا كانوا خلقوا السماوات والأرض كان لهم الحق في أن يمنعوا النبوة عنه؛ لأنهم أصبحوا شركاء لله، ولكنهم يعترفون بأنهم لم يخلقوا أرضاً ولا سماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم عندهم خزائن ربك...)

    ثم ذكر الله افتراضاً بعده فقال: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:37].

    أي: هل يملكون خزائن الله التي ينفق منها جل وعلا على عباده، فيمنعونك -يا محمد- ما أعطيناك من النبوة؟!

    وهذا أيضاً ينكرونه، هم يعلمون أنهم لا يملكون خزائن الرب جل وعلا.

    ثم قال تعالى: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:37] أي هل هم جبارون حيث يتسلطون على رحمة الله فيصرفونها كيف يشاءون؟! وهذا أيضاً غير واقع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لهم سلم يستمعون فيه...)

    قال تعالى: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [الطور:38]، فبقيت هنا فرضية، وهي أن يكون لديهم طريق، وسبب إلى السماء، فصعدوا إلى السماء فثبت لهم الذي أنك لست بنبي، فلذلك ينكرون عليك الأمر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون)

    قال تعالى: أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور:39] وذلك لأن الكفار نسبوا إلى الله البنات، فارتكبوا بذلك محذورين: المحذور الأول: أنهم نسبوا إلى الله الولد، والولد يطلق على الذكر والأنثى، والله منزه عن الولد.

    والمحذور الثاني: أنهم مع إجرامهم وإفكهم في نسبتهم إلى الله الولد لم ينسبوا إلى الله أفضل الولدين، بل نسبوا إلى الله أدناهما، فخصوا أنفسهم بالبنين وخصوا الله جل وعلا بالبنات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم أجراً...)

    قال تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [الطور:40].

    أي: أنت لا تطلب أجراً على دعوتك ولا على تبليغ رسالة الله حتى يصبح ذلك عائقاً لهم عن استجابة الدعوة إلى الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم عندهم الغيب ...)

    قال تعالى: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [الطور:41] أي: هل اطلعوا على اللوح المحفوظ فعلموا أنك لست بنبي؟! وهذا -أيضاً- محال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يريدون كيداً...)

    قال تعالى: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا [الطور:42] أي: هل يريدون بذلك أن يكيدوا لك؟! فإن فعلوا فإن الله يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، ولذلك قال الله جل وعلا: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور:42] وقد وقع هذا، حيث كادوا للنبي فقُتلوا يوم بدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لهم إله غير الله...)

    قال تعالى: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ [الطور:43] وهذه الجملة أجاب الله تبارك وتعالى عنها، ونزه الله تبارك وتعالى ذاته العلية عن أن يكون له شريك أو أن يكون له ند، أو أن يكون له نظير، أو أن يكون هناك من يدبر الأمر ويصرفه غيره جل وعلا، فقال تبارك وتعالى: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الطور:43] والمؤمن لا يفزع قلبه لشيء أعظم من فزعه من أحد يُتَّخذ من دون الله تبارك وتعالى إلهاً ورباً، ويُدعى أو يُرجى أو يُهاب أو يُخاف من غير الله، أو من شخص يتوسل إلى أحد يظن أن بيديه نفعاً وضراً، أو أن يكون في قلبه رجاء أناس يحب أن يكثروا ويجعلهم أحب إلى قلبه من حب ربه تبارك وتعالى، أو خوف قوم لبطشتهم أو همزهم أو لمزهم أكثر من الله.

    فالمؤمن الحق ليس في قلبه أحد يهابه، ويخافه، ويرجوه، ويؤمل فيه، ويعتمد عليه، ويتوكل عليه، ويؤمن به، ويستعين به، ويستغفره ويرجوه لرهبته ويرجوه لرغبته غير ربه تبارك وتعالى، فالله لما ذكر هنا في رده على أهل الإشراك في قوله: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ [الطور:43] لم يقل الله: ليس لهم، بل جاء بإجابة أعظم، فقال الله تبارك وتعالى: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الطور:43] فنزّه الله ذاته العلية عن أن يكون له شريك، ولهذا كان التوحيد من أعظم ما ينجي العبد يوم القيامة، فمن عظم توحيده عظمت نجاته يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق يُنشَر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فيقول له الرب: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله له: أتنكر مما ترى شيئاً؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله جل وعلا: إن لك عندنا بطاقة، فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول: يا رب! وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟! فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة) قال صلى الله عليه وسلم: (فرجحت البطاقة وطاشت السجلات، ولا يثقل مع اسم الله جل وعلا شيء).

    قال العلماء: وهذا عبد ملئ قلبه توحيداً لله وخوفاً ورجاءاً ومحبة منه مع معاصيه، جعلنا الله وإياكم ممن يملأ قلبه بتوحيد ربه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً...)

    وبعد هذه القضايا التي أخبر عنها ربنا جل وعلا قال الله تعالى في ختام الآية: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] فمن كتبت عليه الضلالة لا يمكن أن يهتدي، والشخص إذا طبع على العناد لا يقبل الحق وإن كان جلياً والعياذ بالله؛ لأن من الناس من يسأل وهو يريد إجابة معينة قبل أن يسألك، فإذا أجبته بخلاف ما يريد لم يقبل، فالله جل وعلا يقول عن أمثال هؤلاء: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا [الطور:44] أي: قطعة من العذاب نازلة عليهم يخرجونها ويؤولونها ميمنة وميسرة يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: هذا سحاب تراكم بعضه على بعض فنزل إلى الأرض؛ لأنهم طبعوا على العناد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون)

    قال الله لنبيه: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [الطور:45] وهذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة.

    قال تعالى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [الطور:45-46]، فكيدهم في الدنيا قد يغني عنهم شيئاً بأن يمتعوا إلى أن يأتي العذاب، ولكن في يوم القيامة لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [الطور:46].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك)

    ثم قال سبحانه: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47].

    كلمة (دون) تحتمل فقوله تعالى: (دون ذلك) يعني: قبل ذلك، أي: قبل يوم الآخرة، وأقل من ذلك، أي: أقل من عذاب الآخرة، ويقع هذا زمناً قبل الموت بعذاب القبر، وحين تصيبهم الأوجاع والأسقام وتشريد المؤمنين لهم في الدنيا، فهذا كله يقع زمناً قبل القيامة، وهو في نفس الوقت أقل من عذاب يوم القيامة.

    1.   

    أمر الله تعالى نبيه بالصبر والتسبيح

    فلما أنهى الله جل وعلا دمغ حجج أهل الكفر بشّر نبيه وأمره بالاستعانة بأمرين، فقال له: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:48-49] فأمر الله نبيه بأمرين حتى يعان على الدعوة: الأول منهما الصبر، والثاني التسبيح بحمد الله.

    فأما الصبر فإنه لا يمكن أن يدعو أحد إلى الله حتى يؤذى، فأمره الله جل وعلا بالصبر على ما يناله من أذى المشركين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم صابراً، ولذلك عد من أول أولي العزم من الرسل الذين كانت لهم مواقف صبر دون غيرهم من الأنبياء عليهم السلام جميعاً، وقد أوذي عليه الصلاة والسلام فقال: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) وأراد الله أن يبين لنبيه قربه منه ونصرته إياه فقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48].

    أي: على منظر ومرأى من الله؛ فإن الله يراك ويسمعك ويؤيدك وينصرك ويحفظك ويحرسك ويعينك ويوفقك.

    ثم قال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:48-49] ذكر الله للتسبيح ثلاثة مواضع: الأول: إدبار النجوم، والثاني: (ومن الليل) أي: بعض الليل، والثالث: (وحين تقوم).

    أما (حين تقوم) فاختلف العلماء فيها، فذهب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أن المراد عندما تقوم من مجلسك، وبعضهم قال: عندما تقوم من النوم، ويؤيده أنه روى البخاري في صحيحه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعار من الليل) أي: أوقض إما بصوت أو بغيره فقام من الليل، (من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإذا توضأ وصلى قلبت صلاته).

    وإدبار النجوم اختلف العلماء فيه وأظهر الأقوال أن المقصود به ركعتا الصبح القبلية التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهما: (ركعتا الفجر -أي: سنة الفجر- خير من الدنيا وما فيها).

    هذا ما تهيأ إيراده وقوله حول سورة الطور، نفعنا الله وإياكم بما قلناه، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011612980

    عدد مرات الحفظ

    722185680