إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. أيام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

أيام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلمللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سيرة حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم مليئة بالعظات والعبر، كاملة محاسنها، مستفيضة أخبارها، ينبغي على كل مسلم أن يتمعن في سيرة هذا النبي العظيم، فبها تستنير القلوب، وتصفو النفوس، وتعلو الهمم، فهو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأيامه

    بشارة الأنبياء عليهم السلام بقرب بعثته صلى الله عليه وسلم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، نبي سلم الحجر عليه، ونبع الماء من أصبعيه، وحن الجذع إليه، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! فإن المتصدر لتدريس شخصية ما، وذكر أحوالها ومناقبها، وما آلت إليه، وما قدمته للناس، يجعل النقد أول معاييره حتى يضع الناس على بينة من أمرهم في الصواب والخطأ، والهداية والضلالة، والسداد وعدم التوفيق، لكن الذي يريد أن يتحدث عن سيد الأنبياء وإمام الأتقياء سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فليس عليه إلا أن يطأطئ رأسه، ويخشع قلبه وتسكن جوارحه؛ لأنه يتحدث عن رحمة مهداة، ونعمة مسداة، عن سيد البشر، وخيرة خلق الله وصفوته، عن رسول الهدى، ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، وينبغي أن يعلم في أول الأمر أن السيرة واحدة لا تزيد ولا تنقص، فلا يستطيع أحد أن يزيد شيئاً لم يثبت فيها، ولا يستطيع أحد أن ينقص شيئاً مما ثبت فيها، لكن المسلمين في استسقائهم من سيرته صلى الله عليه وسلم تختلف مواردهم ومناهلهم ومصادرهم، فمن سيرته صلى الله عليه وسلم يستسقي الواعظون، وينهل القادة، ويغترف الساسة، ويتعلم العلماء، ويبحث الفقهاء، ويجد كل امرئ له حظاً من سيرته صلوات الله وسلامه عليه، والأمر كما قيل:

    وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

    صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنني قلبت الأمور في الوجه الذي أريد أن تخرج به هذه المحاضرة على النحو الأتم، والوجه الأكمل، على ما يسعى الإنسان أن ينال به رضوان الله، ثم نفع إخوانه المسلمين، فبدا لي -والإنسان ناقص مهما سعى إلى الكمال- أن عرض السيرة إجمالاً من الميلاد إلى الوفاة، والوقوف بعد ذلك عند الفوائد والعظات والعبر، أقرب طريق إلى فقه سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم على الوجه الأكمل، والنحو الأتم.

    ونبينا صلى الله عليه وسلم نال الحفاوة كاملة، والاحتفاء التام من ربه جل وعلا، وحفاوة الله بأنبيائه سنة ماضية قال الله جل وعلا في حق نبيه إبراهيم: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:47]، وقال جل وعلا في حق موسى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41]، وقد نال رسولنا صلى الله عليه وسلم أكمل حفاوة وأتمها من قبل ربه جل وعلا، فلقد مهد الله جل وعلا لذلك من قبل، يقول صلوات الله وسلامه عليه: (إني عند الله لخاتم النيين، وإن آدم لمجندل في طينته).

    ثم لما بعث الأنبياء وبعث المرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أخذ الله جل وعلا العهد والميثاق أنه إذا بعث رسولنا صلى الله عليه وسلم وهم أحياء يرزقون أن يصدقوه ويؤمنوا به: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].

    ثم كانت دعوة أبيه إبراهيم عندما وقف عند البيت: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]، ثم كانت بشارة عيسى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6].

    ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي حين رأت أن نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام)، وقال صلى الله عليه وسلم كما روى الترمذي وحسنه: أنه عليه الصلاة والسلام قال: (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، خلق الله الخلق فجعلني في خير فرقة، ثم قسمهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً). صلوات الله وسلامه عليه.

    هذا كله قبل ولادته صلوات الله وسلامه عليه، فلما أراد الله جل وعلا له أن يولد في العام الذي ولد فيه صلوات الله وسلامه عليه كان في ذلك العام إرهاصات وأحداث عظام تدل على أن شيئاً ما سيقع، وأن حدثاً عظيماً سيكون، فكانت ولادته صلى الله عليه وسلم في نفس العام الذي غزى فيه أبرهة بيت الله العتيق، وعاد من ذلك الغزو خاسراً خائباً كما هو معروف لكل أحد.

    مولده صلى الله عليه وسلم

    ولد صلى الله عليه وسلم لأب اختلف العلماء: هل مات قبل ولادته أو بعده؟ والأرجح: الأول، ثم إن الله جل وعلا أراد أن يبين لسائر الناس أن محمد بن عبد الله لم يكن يوماً تلميذاً لشيخ، ولا طالباً في مدرسة، ولا ربيباً لأبوين، وإنما تولته عناية الله في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ثم بعد ولادته إلى يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، فتوفيت أمه وهو صغير لم يبلغ ستاً من الأعوام، وعاش طفولته الأولى بعيداً عن أسرته في بادية بني سعد، حتى لا يقولن أحد بعد ذلك: إن رجلاً أو شخصية ما تولت رعايته، وكونت شخصيته، وألهمته الدروس، وأعطته العبر، وعلمته الكتاب: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:48-49].

    إرهاصات قبل البعثة النبوية

    فكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه كان عناية إلهية وفضلاً ربانياً محضاً، ليس لأحد من البشر كائناً من كان فيه حظاً ولا نصيب.

    عاش صلى الله عليه وسلم بعيداً عن أسرته ثم عاد إلى مكة فكفله جده عبد المطلب ، ثم ما لبث أن توفي ذلك الجد، ثم كفله عمه أبو طالب ، ولم يكن دور أبي طالب أكثر من راع معيشي له صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن لدى أبي طالب حظ من علم، أو أثرة من كتاب، يسقي من خلالها رسولنا صلى الله عليه وسلم، حتى تكونت شخصيته فنشأ بعيداً عما فيه قومه.

    وكذلك العاقل إذا رأى مجتمعات الفساد، وأودية الضلال، ومنتجعات الغواية، نأى بنفسه عنها، ولو عاش وحيداً، قال الله جل وعلا: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [مريم:49].

    فالبعد عن أهل الغواية والفساد والشرور والآثام أول طرائق الفلاح والنجاح، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بعيداً عن محافل الخير، فقد شهد حلف الفضول، وشهد غير ذلك من مآثر قومه في الجاهلية، ثم بدأت إرهاصات البعثة تدريجياً شيئاً فشيئاً من غير أن يعلم صلوات الله وسلامه عليه، فلم يحدث نفسه ذات يوم أنه سيكون نبياً؛ لأنه لا علم له بذلك أصلاً، لكنه عليه الصلاة والسلام كان يرى رؤيا، وكان لا يرى رؤيا إلا وتأتي مثل فلق الصبح حاضرة ناصعة كما رآها في منامه، حتى دنت البعثة فكان يمشي في طرقات مكة فتسلم عليه الحجارة: السلام عليك يا نبي الله! فيلتفت يميناً وشمالاً فلا يرى شخصاً ولا خيالاً، فيسكت ويبقى على حاله.

    نزول جبريل عليه السلام على رسول الله في الغار

    حبب إليه الخلاء فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، ثم إنه صلى الله عليه وسلم في ليلة 21 من شهر رمضان على الأرجح لما أتم أربعين عاماً جاءه الملك بالنقلة التاريخية لشخصه، والنقلة التاريخية للكون كله، إذ بعثه الله رحمة للعالمين، رحمة من لدنه كما أخبر جل وعلا، جاءه الملك ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عهد بالملك أصلاً فأصابه من الرعب والفزع ما أصابه، قال له الملك: (اقرأ، قال: ما أنا بقارئ)، أي: لا أجيد القراءة أصلاً، (فردد الملك: اقرأ! ورسول الله باق على جوابه: ما أنا بقارئ)، فضمه الملك ثم تركه، ويضمه ثم يتركه حتى يشعره في تلك اللحظات أن هذا الحديث خارج عن حديث أهل مكة، فليست تلك رؤيا يراها أو حديثاً في نفسه يريد أن يتأكد منه، فكان الملك يضمه ثم يتركه حتى يبين له أن هذه ظاهرة منفكة عن حديث مكة، منفكة عن رؤى الأحلام، منفكة عن أحلام اليقظة.

    ثم قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5].

    هكذا فلتكن زوجات الصالحين

    نزل صلى الله عليه وسلم خائفاً وجلاً إلى زوجته خديجة ، وكان قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم عندها أبناءه وبناته فلم تحدثه بما صنع الأولاد، ولا ماذا أصاب البنات، لم تحدثه عن الجوع الذي قاسته، وإنما همومها في جانب همه صلى الله عليه وسلم، آوته إلى صدرها، وضمته إليها، ثم قال لها: (لقد خشيت على نفسي)، فطمأنته رضي الله عنها وأرضاها وجعل الجنة دارها ومثواها، قالت: والله لن يخزيك الله أبداً، ثم عددت مناقبه: إنك لتطعم الفقير، وتعين على نوائب الدهر، وتقول الصدق، وأخذت تسرد له مناقبه وفواضله صلى الله عليه وسلم، فقدمت بذلك أنموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه المرأة مع زوجها.

    إن كثيراً من الناس قد يأتي إليك محمولاً بالهموم مثقلاً بالخطايا فليس من الصواب أن تسرد عليه همومك أنت وترده خائباً، لكن ينبغي أن تنسى همومك في جانب همه إذا أردت له النفع والفائدة، ثم أخذته بيده إلى ورقة بن نوفل ابن عمها وكان رجلاً له حظ من علم وأثرة من كتاب، فقال له: ذلك الناموس الذي كان يأتي موسى، فاشتاق صلى الله عليه وسلم إلى الوحي؛ لأنه سمع القرآن لكن الوحي انقطع ولم يأت حتى يذهب الرعب، ويبقى الشوق إلى كلام الله جل وعلا، كيفية من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم تلك اللحظات، قال أكثر أهل العلم: إنها بقيت ستة أشهر وهي مرحلة فتور الوحي، أصاب النبي صلى الله عليه وسلم فيها من الحزن ما الله به عليم، حتى نقل الحافظ في الفتح عن الزهري : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما يصعد إلى شواهق الجبال يريد أن يتردى منها مما أصابه من حزن ومن شك في النفس عن الحادثة الأولى، لكن بعض المحدثين من العلماء يقولون: إن هذه الرواية على هيئة بلاغ وهي لا تصح وتنافي عصمة الأنبياء والله تعالى أعلم.

    1.   

    عودة الوحي على رسول الله بعد فتوره

    وإن كان نفيها أقرب إلى الصحة، أياً كان الأمر فقد عاش صلى الله عليه وسلم فترة عصيبة، فهي فترة انقطاع الوحي عليه، حتى أصبح يشك في نفسه فيما رآه في السابق فلما أصبحت نفسه ذات شوق عظيم إلى كلام الله إذا به صلى الله عليه وسلم كما أخرج البخاري من حديث جابر يمشي في طرقات مكة، فإذا الملك يناديه! فيلتفت فإذا الملك على كرسي بين السماء والأرض قد سد ما بين المشرق والمغرب يقول له: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7].

    ثم نزل الوحي وتتابع وحمي بأعظم من ذلك، قال الله جل وعلا في آية يبين فيها علو قدره صلى الله عليه وسلم عند ربه، فأقسم الله بمخلوقاته إرضاء له صلوات الله وسلامه عليه: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3].

    هذا الإشعار الإلهي الذي جاء على هيئة آية قرآنية فيه من الإثبات للمكانة العظمى لرسولنا صلى الله عليه وسلم مكانة لا يرقى إليها أحد من الخلق كائناً من كان، إلا أنها في نفس الوقت لا تعطيه صلى الله عليه وسلم أي حظ من الألوهية أو الربوبية فالألوهية والربوبية، كمالها وتمامها لله جل وعلا وحده لا شريك له فيها أبداً.

    صور من إيذاء المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    أخذ صلى الله عليه وسلم يقوم بواجب الدعوة شيئاً فشيئاً وهو ما عرف تاريخياً: بالدعوة في مرحلتها السرية، تغير وجه قريش لها، ونالوا منه صلوات الله وسلامه عليه وساموه وأصحابه سوء العذاب وهو عليه الصلاة والسلام صابر محتسب يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعو الناس إلى التوحيد، فكان أبو جهل يحمل راية السوء ضده حتى إنه بلغ من إيذاء أبي جهل لرسولنا صلى الله عليه وسلم كما أورد البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود : (أن جزوراً نحرت بالأمس فلما كان في الغد جاء صلى الله عليه وسلم عند الكعبة وصلى فقال أبو جهل وقريش في أوديتها: أيكم يقوم إلى جزور بني فلان فيضع سلى الجزور على كتفي محمد صلى الله عليه وسلم، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط فحمل الجزور فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فوضع سلى الجزور بين كتفيه الطاهرين صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود : فلو كانت لي منعة لرفعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه ذهب إنسان إلى فاطمة رضي الله عنها وأخبرها الخبر فجاءت وهي جويرية يومئذ فرفعت سلى الجزور عن كتفي نبينا صلى الله عليه وسلم، فلما أتم صلاته دعا ثلاثاً، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وسأل الله ثلاثاً ثم قال: اللهم عليك بـأبي جهل ، وعتبة بن أبي ربيعة ، وشيبة بن أبي ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وعقبة بن أبي معيط ، وأمية بن خلف وسمى سبعة صلوات الله وسلامه عليه، قال ابن مسعود : فوالله لقد رأيت من سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب قليب بدر).

    نقف عند هذا الحدث: فهناك -يا أخي- أعراف وتقاليد تتغير من مجتمع إلى آخر والعاقل من يستزيد من تلك التقاليد والأعراف ولا يصادمها، فـابن مسعود كان يعلم أن الأعراف الجاهلية لا تسمح للضعفاء ولا عديمي الظهر من أن يكون لهم حظ في الناس، فكان يعلم أنه لا يمكنه أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو ميت فأبقى على نفسه ولم يأت ليرفع سلى الجزور عن رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو من الإيمان والتقوى بمكان لا يعلمها إلا الله، وكانت الأعراف الجاهلية تنص على حفظ المرأة وعدم التعرض لها ولو بدأت بالأذى، فكان موقفاً لـفاطمة أنها تقدمت بين صفوف الرجال وحملت سلى الجزور عن رسولنا صلى الله عليه وسلم دون أن يصيبها أذى، فالعاقل من الدعاة والحكيم من أهل الاستقامة من يتعامل مع الأعراف والتقاليد الاجتماعية بما يتوافق معها، وهذه التقاليد والأعراف لا تبقى في كل زمان على هيئة واحدة وإنما تتغير الأعراف والتقاليد من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، والشاهد والمقصود: أن يوظفها الإنسان لصالح الدعوة، ولصالح هداية الناس إلى طريق الله المستقيم.

    حصار المشركين لبني هاشم في شعب أبي طالب

    عجزت قريش عن الإيذاء الجسدي الفردي فعمدوا إلى الحصار العام فقدموا على أبي طالب وطلبوا منه أن يسلم إليهم ابن أخيه صلوات الله وسلامه عليه فأبى، فقرر القرشيون مقاطعة بني هاشم لا يمازحونه ولا يبتاعون منهم، فآوى أبو طالب ببني هاشم وبني المطلب في شعب لهم يقال له: شعب بني هاشم، ومكث الحصار ثلاث سنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مؤمنهم وكافرهم ينالهم من الأذى ما الله جل وعلا به عليم، وكان خلال مدة الحصار أبو طالب على كفره إذا هجع الناس وناموا يعمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذه لينام عنده ويأمر أحد بنيه أن ينام في مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لو هم أحد بقتله يقتل ابنه بدلاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومع ذلك كله -ولله الحكمة البالغة- لم يرزق أبو طالب الإيمان بالله جل وعلا فمات على الكفر؛ ولذلك حكمة لا يعلمها إلا الله جل وعلا، وبعد أن انتهى الحصار أو قبل أن ينتهي لا يخلو صراع بين الحق والباطل بنشوء أقوام كما يسمى في عرف السياسيين اليوم: دول عدم الانحياز، كانت في عصرنا هذا على هيئة دول لكنها في العصر السابق على هيئة أفراد فينشأ في المجتمع قوم حياديون ليسوا مع قريش وليسوا بمؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء القوم تشاوروا فيما بينهم وعرفوا بطلان ما دعا إليه رؤساء قريش وزعماؤهم فتعاونوا على نقض المعاهدة.

    وهنا ينبغي للعاقل من الدعاة وغيرهم عندما يرى أهل المروءات الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان أن يستفيد منهم في عالم الصحوة وعالم الدعوة، ويبذل طاقاتهم وقدراتهم في سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا، ولا يصادمهم حتى لا تخسر الدعوة سنداً وقوة لها، فهؤلاء القوم لم يكونوا من أهل الإيمان، لكن كانت في قلوبهم رحمة، وفي أنفسهم شهامة، ومن خصالهم المروءة وظفوها لنقض المعاهدة، وتم لهم ما أرادوا، ونقضت الصحيفة وخرج بنو هاشم من الحصار، وبعد خروجهم من الشعب من شعب بني هاشم مات أبو طالب وماتت خديجة في عام واحد، وقيل: بين موتهما ثلاثة أيام، فبدا له صلى الله عليه وسلم أن يغير المكان، فخرج إلى الطائف وكانت أقرب الأماكن إلى مكة، خرج إلى الطائف فبدأ بسادات ثقيف يدعوهم إلى دين الله جل وعلا، فلم يكونوا بأحسن حظاً من كفار قريش فسخروا منه وأمروا صبيانهم أن يرجموه فرموه بالحجارة حتى أدميت عقباه صلى الله عليه وسلم.

    خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لدعوتهم وموقفهم منه

    ولجأ إلى حائط في الطائف، فلما لجأ إليه صلوات الله وسلامه عليه رق له بعض الكبراء فأرسلوا له غلاماً نصرانياً يقال له: عواس فجمع بعض العنب، فلما وضع العنب بين يديه قال صلى الله عليه وسلم: باسم الله، فقال الغلام: هذا شيء لا يقوله أهل هذه البلدة، فقال صلى الله عليه وسلم: (من أنت وممن؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى، فقال صلوات الله وسلامه عليه: من بلدة النبي الصالح يونس بن متى، قال الغلام: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال: هو نبي وأنا نبي فأكب الغلام على رسولنا صلى الله عليه وسلم يقبله حتى لامه سادة ثقيف يومئذ).

    ثم نزل صلى الله عليه وسلم وحيداً ليس معه إلا غلامه زيد بن حارثة فإذا انقطعت أسباب الأرض لجأ صلى الله عليه وسلم إلى ربه، فورد عنه أنه صلى الله عليه وسلم بث إلى الله شكواه، ورفع إلى الله نجواه، وهو يعلم أنه نبي مرسل، لكن البلاء فيمن يستمع إليه، فناجى ربه قائلاً: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت أرحمن الراحمين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي سخط فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت منه الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)، فتحت لهذه الدعوات أبواب السماء فما كاد صلى الله عليه وسلم ينزل من الطائف من وادي نخلة حتى بعث الله إليه نفراً من الجن يؤمنون به حتى تطمئن نفسه ويسكن قلبه ويعلم أن العاقبة له: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف:29]، فاطمأنت نفسه شيئاً فشيئاً صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعث إلى الملأ من قريش يخبرهم برغبته في دخول مكة، ويريد أن يدخل في حلف أحدهم فرده ثلاثة منهم، ثم قبل المطعم بن عدي أن يدخل في جواره فدخل صلى الله عليه وسلم رغم أنه مشرك استبقاء للمسلمين حتى لا يتعرضوا للأذى ثم بعد رحلة الطائف من الله عليه برحلة الإسراء والمعراج، فجاءه جبرائيل وهو نائم في الحجر فشق صدره وغسل قلبه بماء في طست من ذهب، ثم أفرغ في قلبه الطاهر إناء ملئ إيماناً وحكمة، ثم قدم له البراق، ثم أسري به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس حيث المسجد الأقصى، وربط دابته في مربط هناك، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، فلما صد أهل الأرض أبوابهم أمامه فتح الله له أبواب السماء فاستقبله هناك سادات الأنبياء بدءاً بآدم ثم يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، ثم بيوسف بن يعقوب عليه السلام، ثم إدريس، ثم هارون، ثم موسى، ثم أبوه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم وصل صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، ورأى جبرائيل كرة أخرى على هيئته التي خلقها الله تعالى عليها.

    أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم

    لما رأوك بها التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم

    صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم

    ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم

    مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم

    خروجه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستقبالهم له

    ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى مضجعه الشريف، ثم توالت الأحداث فالتقى صلى الله عليه وسلم برهط من الأنصار فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم التقى برهط آخرين فكانت بيعة العقبة الثانية، ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد هاجر قبله جمع من أصحابه، ثم تآمرت قريش عليه وقرروا قتله في مؤامرة مشهورة معروفة، ثم أخرجه الله جل وعلا من بين أظهرهم دون أن يروه وهو يتلو: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، ثم التحق بصاحبه أبي بكر إلى غار في جبل ثور، عرف بغار حراء، فمكث في الغار والطلب والرصد تبع له مرة بعد المرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار.

    يمرغ في حراء أديم خد دواماً بالغداة وبالعشي

    لعلي أن أنال بحر وجه تراباً مسه قدم النبي

    مكث صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام وقريش تبعث الطلب والرصد فيه فوقفوا على مقربة من الغار وأبو بكر يقول: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر أسفل قدميه لرأانا فيقول: يا أبا بكر ! ما بالك باثنين الله ثالثهما)، هذا نصر الله جل وعلا على هيئة كتمان آتاه الله جل وعلا النبوة فلما سكن الرصد وقل الطلب خرج صلى الله عليه وسلم من الغار وصاحبه متوجهاً نحو هذه المدينة المباركة، وكانت الأنصار بلغهم خروجه صلى الله عليه وسلم فيخرجون كل يوم ينتظرون أوبته، ينتظرون قدومه، حتى إذا اشتد عليهم وهج الشمس رجعوا إلى دورهم، فلما كان اليوم الذي وصل فيه صلى الله عليه وسلم خرج رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه عرفهم فنادى بأعلى صوته: يا بني قيلة! وهو جد تجتمع فيه الأوس والخزرج هذا جدكم الذي تنتظرون فسمع في المدينة التكبير، وابتدر القوم إلى السيوف، وخرجوا يستقبلون نبيهم صلى الله عليه وسلم.

    بالأمس خرج من مكة شريداً طريداً في ظلمة من الليل، ثم ما لبث أن نصره الله فدخل المدينة كأعظم ما يدخلها الملوك والأنصار من حوله، كلما مر على ملأ قالوا له: هلم إلى العدد والعدة، هلم إلى العز والمنعة، يا رسول الله! وهو يقول: (خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة)، حتى بركت الناقة في موطن مسجده اليوم صلوات الله وسلامه عليه، على مقربة من بيت أبي أيوب ، فعمد أبو أيوب إلى متاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخله بيته، فقال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع رحله)، ثم بنى مسجده، وبدأ يضع النواة الأولى لدولة الإسلام صلوات الله وسلامه عليه.

    غزواته صلى الله عليه وسلم

    ثم جاءت الغزوات فكانت غزوة بدر وهي حدث عظيم، لكن من أعظم ما يلفت النظر فيها: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ بالأسباب المادية فجهز الجيش، وأعد العدة، لجأ إلى ربه فاللجوء إلى الله جل وعلا لا يستغني عنه أحد كائناً من كان مهما عظمت قدراتنا، وبلغ حولنا ما بلغ، وزادت قوتنا، فحاجتنا إلى الله جل وعلا حاجة أبدية ملحة؛ لأننا فقراء إلى الله جل وعلا مهما بلغنا.

    مكث صلى الله عليه وسلم في العريش ينادي ربه حتى سقط رداؤه عن منكبه صلوات الله وسلامه عليه، وأبو بكر يأتيه من الخلف فيضمه فيقول: بعض مناشدتك ربك يا رسول الله! فأنزل الله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، فكان النصر له صلوات الله وسلامه عليه، فلما أقر الله عينه بالنصر ووضع القتلى في قليب بدر نظر إليهم عليه الصلاة والسلام وأخذ يقول: يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يناديهم بأسمائهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فتعجب أصحابه قالوا: يا رسول الله! تكلم قوماً قد رموا قال: يا عمر ! والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يملكون جواباً)، وعاد صلى الله عليه وسلم، وكان هذا النصر أعظم ما يكون المسلمون في حاجة إليه حتى تطمئن أنفسهم ويثقوا بنصر الله؛ لأنها أول نزال بين أهل الكفر وأهل الإيمان بعد أن أذن الله بالقتال، ثم كانت أحد وما أدراك ما أحد، فيها من العظات الشيء الكثير لكن فيها: أن وجهه صلى الله عليه وسلم كان نوراً يتلألأ كأنه فلقة قمر، فمع ذلك يريد الله أن يثبت أن الكمال المطلق لله وحده سبحانه فيشاع في أرض المعركة أنه صلى الله عليه وسلم قتل، فيشج رأسه وتكسر رباعيته فيسيل الدم على وجهه الشريف، ثم يمسح صلى الله عليه وسلم وجهه الطاهر بيديه ويقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟ كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟)، فهو يدعوهم إلى الإسلام فينزل الله جل وعلا عليه قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128]، فالأمر كله لله جل وعلا وحده، وليست بني قومي اليوم إذا سمعوا بهلاك أحد أو بموت أحد أن لا يشغلوا أنفسهم هل هو في جنة أو في نار؟ فهذه أمور لله تبارك وتعالى وحده، ولن يكلفنا الله تبارك وتعالى بأن ندخل من نشاء الجنة أو أن نحرم من نشاء منها، أو أن ندخل من نشاء النار أو نمنع من نشاء منها، فالجنة والنار لله العزيز الغفار، والله جل وعلا أعلم بخلقه، وأعلم بما تكنه الصدور، فهو تبارك وتعالى أسرع الحاكمين.

    وقد قال بعض الصالحين لولده ينصحه: يا بني! إن الله لن يسألك لما لم تلعن فرعون؟ مع أن فرعون ملعون في كتاب الله، لكن المؤمن العاقل مثل هذه الأمور لا يلقي لها بالاً، ولا يشغل بها نفساً فالجنة والنار بيد رب العالمين، وبيد أرحم الراحمين، ولن يسألنا الله من هم أهل الجنة؟ ومن أهل النار؟ لكننا لأنفسنا نسأل الله الجنة ونستجير بالله جل وعلا من النار.

    وفي مسند البزار : (أن لا إله إلا الله كلمة كريمة على الله، من قالها في الدنيا صادقاً دخل الجنة، ومن قالها في الدنيا كاذباً حقنة دمه وحسابه على الله جل وعلا) فالعاقل لا يشغل نفسه بما لا يعنيه، لكنه في حوادث الدهر يحكم فيهم ما أمر الله به ورسوله، أما الحوادث الأخروية فلسنا مسئولون عنها؛ لأن علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.

    في غزوة أحد أراد الله جل وعلا أن يربي المسلمين على أن القادة العظماء والزعماء الأفذاذ لا يربون الناس على التعلق بذواتهم وعلى حبهم والمبالغة في الغلو فيهم ولكنهم يربون الناس على التعلق بالله جل وعلا فلما أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أحد قال الله جل وعلا معاتباً أهل الإيمان: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144-145].

    فالعاقل لا يربي الناس على التعلق به، وإنما يربيهم على التعلق بإله الكون وحده، فلا إله إلا الله تعني: أن الكمال المطلق، والحب المطلق، والتوحيد المطلق، والتكبير المطلق، لا يكون إلا لله جل وعلا وحده، فإذا كان سيد الخلق وجوده رحمة، وعدمه لا يضر المسلمين شيئاً إذا اعتصموا بما جاء، كان غيره أولى وأجدر أن تطبق عليه هذه القاعدة، فكان صلى الله عليه وسلم حية مبادئه، والدين الذي جاء به، أما هو صلى الله عليه وسلم فيجري عليه حتى قلم القضاء: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:30-31].

    فهذا أعظم ما خرج المسلمون منه يوم أحد من تربية إلهية لهم، ثم كانت غزوة الأحزاب فجمعت قريش وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته فاستشار الناس؛ فأشار عليه سلمان الفارسي أن يحفر الخندق، والخندق وسيلة حربية مجوسية أخذها سلمان من أهل فارس لم يكن للعرب عهد بها ولا علم آنذاك، وهنا نأتي لما عرف في عصرنا بصراع الحضارات، ينبغي أن يفرق أهل التقوى ما بين التقارب الديني وما بين التقارب الحضاري، الدين -يا أخي- صنع إلهي لا يملك أحد أن يزيد فيه وينقص، والحضارة صنع إنساني قابلة للزيادة والنقصان، قابلة للأخذ والعطاء، قابلة للتلاقح بين الأمم إذا تقاربت وتناكحت.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مشورة سلمان وعمل بالخندق لما رأى فيه مصلحة يقوم به فلاح أمته، ولم يقل صلى الله عليه وسلم حينها: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وهو محمول على من تشبه بهم في أمور الدين، أما الصناعات الإنسانية فليست ملكاً لأحد، ولقد كانت العرب لا تأتي المرأة وهي مرضع خوفاً على أن يؤثر الإسلام على الرضيع فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارس والروم تصنع ذلك ولا يضر أبناءها شيئاً لم ينه أمته عنه كما روى مسلم في الصحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فالحضارات حق مفتوح وأمر مشاع يجوز للأمة أن تأخذ منه إذا رأت أن في ذلك مصلحة، والحكمة ضالة المسلم أنى وجدها أخذها، أما الدين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، ما عندنا من الدين يمنعنا أن نأخذ ولو قطرة من سقاء من أي دين أو ملة على وجه الأرض؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، ثم توالت الأمور حتى كانت السنة السادسة فعزم صلى الله عليه وسلم على التوجه إلى مكة معتمراً وأخذ معه رهطاً من أصحابه معهم السيوف في قرابها، فلما دنوا من البيت العتيق منعتهم قريش من أن يدخلوه فجرى ما جرى من التفاوض، تريد قريش أن تطمئن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت لقتال، فكان أن بعث صلى الله عليه وسلم عثمان ؛ لأنه كان يومئذ عزيزاً منيعاً في بني أمية، وكان أكثرهم مشركاً حينذاك، ثم أشيع أن عثمان قد قتل فبايع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم نبينا صلى الله عليه وسلم على الموت تحت ظل شجرة سمرة، فالذين بايعوه ألفاً وأربعمائة رجل إلا الجد بن قيس ، وقد كان رجلاً منافقاً لم يحضر البيعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء: (أنتم خير أهل الأرض)، وقال لهم: (لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة)، ثم إنه صلى الله عليه وسلم بسط يمينه وقال: (هذه عن عثمان ثم بسط يساره يبايع نفسه بنفسه)، قال العلماء: فكانت يد رسول الله لـعثمان ، خير من يدي عثمان لـعثمان نفسه.

    بعد هذه البيعة وبعد مداولات أقر الصلح بين المسلمين وكفار قريش، والصلح ظاهره: أن فيه إجحافاً بحق المؤمنين وباطنه الرحمة، إذ وضعت الحرب وألقت أوزارها، وخلدت الناس، وأخذ ذوي العقول يفكرون في الطرائق المثلى للوصول إلى الإيمان.

    إن هناك أناساً يرزقهم الله جل وعلا عقلاً فيمنعه من الاستفادة منه: حجب التقليد التي يضعونها أمامهم، أبو جهل كان يعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم على الحق ورأى من الآيات ما يشهد له بذلك، لكن الحسد والتقليد الأعمى منعه، وكان سبباً في حرمانه من دخوله الإيمان.

    أما سراقة بن مالك فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ورأى الآية لما غارت قوائم فرسه آمن أن النبي حق وعرف الآية، ونبذ التقليد وراء ظهره، خلال هذه الفترة بعد الصلح رجع عقلاء الناس إلى أنفسهم وأخذوا يناقشونها ويحاسبونها فدخل كثير من الناس أفواجاً في دين الله، فانقلب ذلك العدد من ألف وأربعمائة رجل إلى عشرة آلاف يوم الفتح كما سيأتي، ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وفي العام الذي بعده كانت عمرة القضاء، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه غزا خيبر، ثم لما كان العام الثاني كانت من ضمن شروط صلح الحديبية: أن من شاء أن يدخل في حلف محمد دخل، ومن شاء أن يدخل في حلف قريش دخل، فدخلت بنو بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، فأعانت قريشاً بكراً على خزاعة، فقدم عمرو بن سالم الخزاعي

    إلى المدينة يستنفر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: (نصرت يا عمرو بن سالم !)، ثم جهز صلى الله عليه وسلم جيشه وقدم على مكة في عشرة آلاف من أصحابه، ودخلها صلى الله عليه وسلم دخولاً عظيماً أظهره الله جل وعلا فيه، دخلها من أعلاها من كداء وعلى يمينه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه وأرضاه يحمل اللواء، لكنه عليه الصلاة والسلام وإن نجحت دعوته وجهاده لم يكن يطلب حظاً لنفسه، وإنما كان يريد أن يبلغ رسالة ربه فلما أظهره الله ودخل صلى الله عليه وسلم مكة طأطأ رأسه حتى إن لحيته الشريفة كانت تمس وسط راحلته تواضعاً لله جل وعلا، حتى يعلم الخلق أن التواضع لله أعظم أسباب النصر، فدخل صلى الله عليه وسلم متواضعاً لربه على بغلته، فطاف بالبيت سبعاً، وأشار إلى الأصنام بعود في يده وهو يردد: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81]، ثم سأل عن عثمان بن أبي طلحة وكانت حجابة البيت عنده يومئذ وما زالت، ففتح له باب الكعبة فدخلها صلى الله عليه وسلم فوجد فيها صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال: (ما أكذبهم والله لقد علموا ما استقسم بها إبراهيم قط)، ثم أمر بالأصنام والأزلام فأخرجت، ثم كبر في نواحي البيت وصلى ركعتين، ثم خرج فلما خرج بادره علي رضي الله عنه قائلاً: يا رسول الله! اجمع لنا السقاية والحجابة، فقال صلى الله عليه وسلم: (أين عثمان بن أبي طلحة قال: أنا يا رسول الله! فأعطاه مفتاح الكعبة، وقال: اليوم يوم بر ووفاء خذوها وابني شيبة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم)، فإلى اليوم مفتاح الكعبة في يدي بني شيبة يفتحون البيت متى شاءوا ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21]، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أمر على مكة عتاباً بن أسيد ، وقبل أن يدخلها أسلم أبو سفيان فجيء به إليه فقيل له: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فقال صلى الله عليه وسلم: ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن).

    والزعماء من الناس والذين تربوا على القيادة من الصعب أن تسلبهم حقهم بالكلية فإن ذلك يحدث تغيراً في أنفسهم، ونحن ما بعثنا لنخاصم الناس في دنياهم، وإنما بعثنا كدعاة وكعلماء لكي ننقذ الناس من الضلالة، فاترك للناس دنياهم يتركوا لك دينهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، ومعلوم: أن دار أبي سفيان لا تحمل أكثر من عشرة نفر، ولكن عندما يعلن في الملأ وفي بيوت مكة: (فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) يصيب أبا سفيان من الرضا ما يصيبه، وينال من الفخر ما يناله، دون أن يضر الإسلام شيئاً، ثم عرج صلى الله عليه وسلم على هوازن وعلى ثقيف فكانت غزوة حنين وغزوة الطائف.

    وكان قد غر كثيراً من المسلمين ما هم فيه من كثرة العدد، ثم ثبت الله نبيه وآل الأمر إليه صلى الله عليه وسلم، وعندما رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف بدا له أن يقسم الغنائم فأعطى أربعة من رؤساء الناس يومئذ ممن أسلموا حديثاً ألف بعير لكل واحد، وقسم كثيراً من الغنائم على عدد بلغ ستين عند جمهرة المؤرخين، ولم يعط الأنصار شيئاً صلوات الله وسلامه عليه، فحز ذلك في أنفسهم فتغيرت بعض قلوبهم، فقال حدثاء الأسنان منهم: يغفر الله لرسول الله يعطي قومه، وإن سيوفنا لتقطر من دماً، فبلغ ذلك القول رسولنا صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام من العلم والقدوة بمكان عظيم لا يرقى إليه أحد، والقادة العظماء لا يتركون الحزازات في النفوس، فكل إنسان مشاعر وأحاسيس وآراء لو أننا ثبتناها لانقلبوا علينا، لكن لا يمكن أن ينجح أمير في بلدته ولا زعيم في بلدته ولا أب في بيته ولا معلم في فصله ولا مرب في حلقته إذا كان لا يستمع إلى مشاعر وأحاسيس من هم تحته.

    فالله جل وعلا كلم موسى واستمع إليه وهو مخلوق من مخلوقاته: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [القصص:33-34]، والله يعلم كل ذلك من قبل أن يخلق موسى، ومع ذلك استمع إليه وهو الله جل وعلا ولله المثل الأعلى، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في قبة ثم قال لهم في معالجة تربية يقصر عنها بيان البلغاء قال: (ما مقولة بلغتني عنكم؟ ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله، ألم تكونوا عالة فأغناكم الله، ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا: بلى يا رسول الله! لله ورسوله المنة والفضل، فقال: ألا تجيبوني؟ قالوا: بما نجيب يا رسول الله؟! فتولى الإجابة عنهم قال: إنكم لو شئتم لقلتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك، ومخذولاً فنصرناك، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار أوجدتم في أنفسكم علي في لعاعة من الدنيا أسلمتها إلى قوم حديثي عهد بإسلام، وأوكلتكم إلى ما جعل الله في قلوبكم من الإسلام، يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يعود الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، فبكى القوم رضي الله عنهم وأرضاهم وقالوا: رضينا بالله رباً، وبرسول الله قسماً وحظاً، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، وانقلبوا راجعين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم).

    إن حاجتنا ملحة بأن نستمع إلى الغير، وإن من أعظم الأخطاء في التربية والدعوة: أن يجعل الإنسان من نفسه سلطاناً على الغير يفكر بدلاً منه، ويشعر بدلاً منه، ويرى ما حوله بدلاً منه، ذلك أسلوب فرعوني نقمه القرآن: قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]، وقد قيل:

    زمان الفرد يا فرعون ولى ودالت دولة المتجبرينا!

    وأصبحت الرعاة بكل أرض على حكم الرعية نازلينا

    عام الوفود وقصة وفد نجران

    قفل صلى الله عليه وسلم عائداً إلى المدينة وفي ذلك العام كان عام الوفود فبدأت وفود العرب تقدم إليه صلوات الله وسلامه عليه، وكان من الوفود التي قدمت وفد نجران، وكان وفد نجران يعبدون المسيح عيسى بن مريم، فلما قدموا عليه صلوات الله وسلامه أخذوا يجادلونه ويقولون له: كيف نتبعك وأنت تنتقد صاحبنا وتقول: إنه عبد الله ورسوله، قال: نعم، عيسى بن مريم عبد الله ورسوله فقالوا: كيف يكون عبداً لله ورسوله، أرأيت ولداً ولد من غير أب، فأنزل الله جل وعلا قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران:59-60]، فلئن كان عيسى ولد من غير أب فإن آدم خلق من غير أم ولا أب، فجاءوا بالغريب فجاءهم الله بما هو أغرب رداً على حجتهم فلما قال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك أبوا أن يسلموا له، فدعاهم إلى المباهلة ودعا علياً والحسن والحسين وفاطمة وقال: إن أنا دعوت فأمنوا وأنزل الله جل وعلا: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61] فعرفوا أنه نبي الله حقاً لكنهم لم يؤمنوا وخشوا من مباهلته، ثم إنهم صالحوه على ألفي حلة تؤدى له صلى الله عليه وسلم مرتين في العام وأشياء أخر.

    وفي عصرنا هذا: نشأ ما يسمى: بتقارب الأديان، وبحوار الأديان، فأما حوار الأديان فلا حرج فيه شرعاً إذا أراد المحاور المسلم أن يثبت صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله جل وعلا لا رب غيره، ولا شريك معه، أما تقارب الأديان فأمر مرفوض؛ لأنه لا يمكن أن تلتقي الأديان في شيء واحد فإن ذلك يعني: تنازلاً عقدياً والمسلمون أمرهم الله أن يقولوا: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:1-3]. فالمسلم على ملة حنيفية بيضاء، لا ينبغي له أن يحيد عنها مثقال ذرة، وليس هناك مصلحة ترقى على مصلحة التوحيد، ولا مفسدة أعظم من مفسدة الشرك، وما يسمى: بتقارب الأديان يفضي إلى ترك التوحيد وإلى القرب من الشرك، وقد قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

    حجة الوداع وموته صلى الله عليه وسلم

    ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فكان العام العاشر، فأعلن للناس عزمه على الحج، فلما أعلن عزمه على الحج صلوات الله وسلامه عليه تسامع الناس بذلك فقدموا إليه حتى يأتموا به، فخرج صلى الله عليه وسلم بعد أن أحرم من ذو الحليفة مهللاً ومكبراً حتى وصل مكة وطاف بالبيت سبعاً ثم رقى الصفا وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، ثم أتم نسكه صلى الله عليه وسلم حتى كان اليوم الثالث عشر، فنزل بعد أن رمى الجمرات الثلاث في اليوم الثالث عشر في خيف بني كنانة صلوات الله وسلامه عليه، وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم اضطجع، ثم لما كانت صلاة الفجر نزل إلى الحرم قبل صلاة الفجر، ثم طاف طواف الوداع، ثم صلى بالناس صلاة الفجر، ثم قفل راجعاً إلى المدينة يكبر على كل شرف من الأرض ويقول لما دنا منها: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون)، صلوات الله وسلامه عليه، ثم اشتكى الوجع فبدأ يشعر بتغير حاله، واشتدت عليه الحمى، فلما شعر بدنو أجله خرج صلى الله عليه وسلم من البقيع فاستغفر لأهله، ثم خرج إلى أحد، فشهد للشهداء معه، ثم تصدق صلى الله عليه وسلم بدنانير كانت عنده، وأعتق غلمانه، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه مكث ينتظر أجل ربه يوماً بعد يوم، والحمى تشتد عليه، حتى كان صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على الأظهر والأصح والله أعلم، فكانت من صبيحتها أقل من ستار بيته فرأى أصحابه يصلون صلاة الفجر مؤتمين بـأبي بكر فقرت عينه، وسكنت نفسه، بعد أن رآهم مجتمعين على إمام واحد خاشعين لربهم.

    فبذلك أرسل، وإلى ذلك دعا، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه عاد إلى فراشه واشتدت عليه وطأة الحمى، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي فمه سواك، ثم استاك صلوات الله وسلامه عليه ثم لا زال يردد: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى ثلاثاً ثم فاضت روحه)، وانتقل إلى رحمة خالقه ومولاه، خير من أرسل، وأجل من بعث، صلوات الله وسلامه عليه، بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

    ولا ينبغي لمن يقف مع السيرة ويرصد مسيرتها أن يغفل عن شيء مهم وهو: أنه صلى الله عليه وسلم كان له من جميل الصفات والنعوت ما جعل الناس يحبونه، واجتمعوا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وكان في كل حينه منقطعاً إلى ربه دائم الصمت، عليه من السمت والوقار ما عليه: (حتى إنه صلى الله عليه وسلم تفقدته عائشة ذات ليلة فإذا هو في المسجد منتصبة قدماه يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).

    أيها المؤمنون! هذه قطوف من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، من الله علينا وعليكم وأبحرنا خلالها خلال ساعة كاملة، وإننا مهما قلنا لمقصرون، ومهما تحدثنا لن نبلغ الصواب كله، ولن نبلغ الكمال كله، لكن إن كان من وصية أختم بها: فإن الله جل وعلا شرفنا بأن جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي عصرنا هذا من أسباب الفجور وأسباب البغض عن الله ما لا يخفى على أحد، والبعد عن أسباب الفجور سلامة منه.

    إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر على سلمى وواديها

    ويحتاج هذا الأمر كله إلى صبر على هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فليوطن أحدنا نفسه على الصبر، وليوطنها على اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم أن هذه الفتن التي تتتابع شررها، ويتفاقم خطرها، إنما هي بلاء وفتنة يصرف الله جل وعلا بها من يشاء عن طريقه، ويهدي الله جل وعلا بها من يشاء، فمن أخلص لله النية، وصلح قلبه، واستقامت سريرته، وفق للثواب، وهدي إلى سبيل الرشاد، هذا والله تعالى أعز وأعلى وأعلم.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.