إسلام ويب

المرأة بين الرعاية والجناية [1]للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للحجاب أهمية بالغة في حياة المرأة المسلمة، وفي حياة المجتمع بأسره، فهو سد منيع في وجه الفساد، وهو كالحجر يلقم به كل فاسق، وهو دليل على الإيمان الصادق، فرحم الله امرأة أخذت بهذه الشعيرة، فسترت زينتها، وحفظت نفسها.

    1.   

    الحجاب وأهميته في حفظ المرأة والمجتمع

    الحمد لله الكبير المتعال، ذي العزة والجلال، الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن كل نقص وإخلال، منه المبتدأ وإليه المرجع والمآل، نحمده سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال، وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، كثرنا الله به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأرشدنا من بعد غواية، وهدانا من بعد ضلالة.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! موضوعنا هو: [المرأة بين الرعاية والجناية]، فنبدي فيه حال وأحكام المرأة بين الرعاية الإلهية والجناية البشرية، وبين رعاية الأحكام الربانية وجناية الأهواء الإنسانية، ذلك أن أمر المرأة في وقتنا هذا كثرت فيه الشبهات، واستعر به أوار الشهوات، وعظمت به فتنة الأهواء والإغواء، وتفاقمت به شبهات الاعتراض والتبديل والتغيير لأحكام وشرائع الإسلام، وقد مر بنا حديث في الصورة الكاملة، والنظرة الشاملة للمرأة في ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    واليوم نشرع بذكر بعض التشريعات الإسلامية الخاصة بالمرأة، ونتعرف عليها من مصادرها الأصلية في كتاب الله، وسنة الهادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنقف على دلالاتها من كلام الأئمة الربانيين، والعلماء الفقهاء، لا من أصحاب الصحف وأهل الأهواء، ولا من الأميين الذين لا يعرفون لغة العرب، ثم يرجمون بالغيب، ويقولون في القرآن بغير علم، ثم بعد ذلك نقف مع الحكم والتعليلات التي رمزت إليها الآيات؛ لندرك عظمة التشريعات، ونرى ما فيها من السلامة والوقاية من المنزلقات.

    فأول وأظهر التشريعات الخاصة بالمرأة: تشريع الحجاب، وهو الأمر الذي يتعرض اليوم لهجوم شديد من قبل أعداء الإسلام، وذلك أمر متوقع وبدهي، ومن قبل بعض أبناء الإسلام، وذلك أمر مؤلم ومحزن، وتشريع الحجاب تنزلت فيه آيات من القرآن تتلى، ووردت فيها أحاديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم تروى، ونطقت به مسيرة تاريخ الأمة الإسلامية عبر قرون متطاولة في بقاع الإسلام المترامية الأطراف، ومع ذلك كأن الأعين رمداء لا تبصر، وكأن الآذان صماء لا تسمع، وكأن العقول خاوية لا ترشد ولا تدرك.

    الحجاب: تعريفه وتشريعه

    يقول الحق سبحانه وتعالى في آيات الحجاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب:59].

    الحجاب: في لغة العرب معناه: الستر، يقولون في كل ما حال بين شيء وشيء: إنه حجاب.

    ومن معاني الحجاب أيضاً: المنع، وسمي الحجاب حجاباً لمنعه رؤية ما وراءه، ومنه الحاجب الذي يمنع الناس من الدخول إلا بإذن.

    فالحجاب أصلاً في لغة العرب: الستر الذي يحول بين شيء وآخر، ويمنع الشيء من البلوغ إلى الشيء، وهذا القرآن العظيم تنزل بلغة العرب كما قال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195].

    وهذه الآية من أظهر الآيات الدالة على تشريع الحجاب، وعمومه على جميع نساء المؤمنين.

    وهي الآية التي اشتهرت عند أهل العلم عموماً والمفسرين خصوصاً بأنها آية الحجاب، قال القرطبي في تفسيره في بيان معنى الجلابيب: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) قال: والصحيح أنه -أي: الجلباب- الثوب الذي يستر جميع البدن، وقال ابن حزم في المحلى: هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه، وقال ابن كثير في تفسيره: الجلباب: هو الرداء فوق الخمار، ونقل في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، وقال السعدي في تفسيره: أي: يغطين وجوههن وصدورهن.

    وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) لفت إلى الخطاب الأعظم للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما كانت التشريعات توجه بالصيغة المباشرة بالتوجيه والنداء الرباني: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ولكنها في آية الحجاب جعلت الأمر بهذا الحكم موكولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ)، فلماذا؟

    لأن الله جل وعلا أراد أن يكون مثل هذا الأمر مباشراً وقريباً ومطبقاً ومراعاً؛ لأنه يدخل في صلب الحياة الاجتماعية، وهو وإن كان تشريعاً خاصاً بالمرأة إلا أنه سمة للمجتمع، ولذلك أوكل هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته حاكماً وولياً لأمر المؤمنين، وراعياً لشئونهم، وقائماً على أمور الإسلام والتشريع في حياتهم الاجتماعية، ثم جاء الأمر بالأولى والأعظم؛ ليكون أكثر تأثيراً في القدوة التي أمرنا بها في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ)؛ لتكون القدوة أعظم، وهو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وأعظم الأمة التزاماً بشرع الله وحري وبدهي أن يكون إلزامه لأهله ولآل بيته بتشريع الله عز وجل أسبق وأعظم وأظهر.

    قوله تعالى: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) وذلك للتأكيد على هذا العموم، وعلى أن القدوة في هذا تكون للرسول صلى الله عليه وسلم بما يكون في أهله وبيته، وليظهر أيضاً أن أمر الحجاب في نساء المؤمنين دلالة إيمان وتقوى، إذ لما أمر به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته -وهن الأسمى والأعلى من نساء المؤمنين- دل ذلك على أن التزام ذلك هو دليل على أنه رتبة أعلى في الأخذ بأمر الله عز وجل، وفي الالتزام بهذا الدين، والاقتداء بالرسول الكريم وأزواجه أمهات المؤمنين.

    إن هذه الآية واضحة الدلالة، وصريحة الألفاظ، وأهل العلم من المفسرين والفقهاء قد بينوا مثل هذه الدلالة، وجاءت الأحاديث تبين لنا كيف كان الالتزام والعمل بهذه الآية، فروى عبد الرزاق في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان، وعليهن أكسية سود يلبسنها.

    وذكر السيوطي أن ابن مردويه روى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: رحم الله نساء الأنصار! لما نزلت هذه الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن على رءوسهن الغربان.

    قولها: (شققن مروطهن) وذلك أنه لم يكن لديهن ألبسة وأكسية كثيرة، فلم يكن هناك لباس للظهيرة ولباس للسهرة كما هو حالنا، لكن لما تنزلت الآيات بالحجاب، وأن يدنين عليهن جلالبيبهن، عمدن إلى المروط فشققنها، واعتجرن بها وأسدلنها؛ امتثالاً لأمر الله، فهكذا تكون المرأة المؤمنة سريعة الاستجابة، وترى ذلك تحقيقاً لإيمانها، وتأكيداً لإسلامها، وإظهاراً لفضيلتها، وإعلاناً لعفتها، وبياناً لشرفها ورفعتها، ولا تراه -كما يرجف به المرجفون- تقييداً لحريتها، وغمطاً لشخصيتها، وكبتاً لحركتها وحريتها.

    علينا أن نمتثل لهذا الأمر لأننا قوم نرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله، ولا نلتفت لمن يخالف قوله قولهما، مهما كان ذكره أو عظمته؛ لأن كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فوق كل أحد.

    ويقول الله جل وعلا في آية أخرى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53]، والآية في سياق خطاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جاء بعض الجهلة وأهل الأهواء: إما عن غفلة وعدم علم وبصيرة، وإما عن مكر وخبث وكيد، فقالوا: إنما جاء تشريع الحجاب خاصاً بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لمكانتهن وشرفهن دون بقية وسائر نساء المسلمين!

    وقبل أن نطيل القول في هذا فقد مرت بنا الآية من قبل: (قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ)، فهل بعد هذا أمر أوضح في العموم والشمول؟!

    كلام أهل العلم على الحجاب

    انظر إلى ما يقوله العلماء لا الجهلاء: فقد نقل الشنقيطي في تفسيره كلاماً نفيساً في بيان شمول معنى هذه الآية لجميع النساء المؤمنات المسلمات، فقال رحمه الله: وجوب الحجاب حكم عام على جميع النساء، لا خاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم، وإن كان اللفظ خاصاً بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه)، فالله جل وعلا قد ذكر في هذه الآية العلة فقال: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). إذن فالعلة التي أمر من أجلها بالحجاب وأن يسألن من ورائه هي طلب طهارة قلوب الرجال؛ لئلا يكون فيها فتنة وإغواء في أمر النساء، وطهارة قلوب النساء؛ لئلا يكون فيها ميل أو شهوة في أمر الرجال، فهل هذا خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم؟! وهل هذا لا يوجد إلا في أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام أم أن هذه العلة موجودة في كل النساء وفي كل الرجال؟!

    الجواب: أنها كذلك، فالحكم كذلك.

    ومن كلام أهل العلم: أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومع ذلك وضح الشنقيطي قوله، فقال في تتمة كلامه: وضابط ذلك: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيباً، فهذه العلة مربوطة بالحكم، فلو لم نلتفت للعلة فكأننا لم نلتفت لذلك الحكم، وإذا كان حكم هذه الآية عاماً بدلالة القرينة القرآنية، فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء.

    وقال الطبري في تفسيره: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أي: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن.

    وقال بعض أهل العلم كلاماً نفيساً: إن كان هذا الأمر مخصوصاً بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نعلم أنهن أعظم نساء الأمة إيماناً، وأتقاهن قلباً، وأزكاهن نفساً، وأعفهن مسلكاً، فإذا أمرن -وهن على هذا الوصف- بهذا، فكيف بمن دونهن من النساء، ولسن على مرتبتهن في الإيمان والتقى والحياء والعفة؟! أفلا يكون ذلك الأمر أوجب؟!

    وهذا ما يعرف عند العلماء بالقياس الجلي، وقياس الأولى، فإن كنا نطلب من العفيف الشريف أن يلتزم بهذا الأدب والتشريع فمن باب أولى من دونه، فإن كان الخطاب موجهاً إلى الثلة المباركة والصفوة المختارة من المؤمنين المتقين من مدرسة النبوة التي كان فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضوان الله عليهم، فإن خوطب أولئك لئلا تتعكر طهارة قلوبهم، فكيف بالذين تلم بقلوبهم الأهواء، وتمتلئ نفوسهم بالشهوات، ولا تجول خواطرهم إلا حول المحرمات، أفلا يمنعون من ذلك؟! بلى والله!

    إن العاقل يدرك هذا ويبصره، إلا أن الأهواء الخبيثة، والمكر الذي يراد به إفساد المرأة المسلمة ومن ورائها مجتمع المسلمين يدعي -عن غباء وجهل أو عن خبث ومكر- أن هذا تشريع خاص بأزواج محمد صلى الله عليه وسلم، وليس عاماً لنساء المسلمين.

    ويأتينا أيضاً قول الحق جل وعلا: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:32-33]، والخطاب مرة أخرى لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، والقول فيه ما قلناه من قبل، إلا أن هذه الآية أشمل، وتبين لنا قضية مهمة وهي: إظهار تلك العلل العظيمة، والحكم الجليلة التي لأجلها فرضت هذه التشريعات، لتبقى القلوب سليمة، ولتظل النفوس طاهرة، ولينصرف الناس إلى جوانب العمل في التقوى والعبادة، وميادين العمل في الحياة، بعيداً عن هذه الشهوات التي عندما سلطت على المجتمعات المسلمة وغير المسلمة رأينا الانصراف عن التقوى والعبادة والتدين، ورأينا الانحراف عن العمل والعمران وأسباب الحياة الدنيوية.

    هذه الآية قال ابن كثير في أول تفسيرها: هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، وهذا من القياس الجلي الذي قال فيه العلماء: ما علم فيه إلغاء الفارق، أي: بين هذه التي وردت فيها نصوص الآيات وغيرها مما لا فرق بينه وبينها.

    وقال القرطبي: التبرج: التكشف والظهور للعيون، وقال في تفسير هذه الآية في سورة الأحزاب: وحقيقته إظهار ما ستره أحسن.

    وقال ابن كثير في التبرج: إنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها.

    وإذا نظرنا إلى مثل هذه المعاني مع النظر إلى الآية التي ذكرناها سابقاً في ذكر الجلباب أدركنا أن الحجاب يقتضي ستر المرأة في لباسها، ويقتضي إدناء الجلباب، وهو: الستر لما تلبسه من لباس محتشم ساتر، وهذا يدلنا عليه ما ذكره أهل العلم من الصور العملية المأثورة المنقولة فيما جاء في وصف حال المجتمع المسلم في عهد النبوة، وفي عهود وعصور كثيرة مختلفة.

    والآيات كثيرة، ومنها قوله جل وعلا: وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]، وهذه الآية وإن كانت دلالتها على أمر الحجاب بالاستنباط وببيان المعنى إلا أنها قوية فيه، فالآية واضحة في أن المقصود بها: القواعد من النساء، والتعليل جاء في نص القرآن دون حاجة إلى اجتهاد بشري في بيان المعنى، وقوله تعالى: (اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا) أي: اللائي قد بلغن من السن مبلغاً كبيراً لا يتعلق بهن أحد لأجل النكاح والمتعة والشهوة، فهؤلاء النساء يجوز لهن أن يضعن ثيابهن، أي: يتخففن، فلا يكون لهن ذلك الحجاب الكامل الذي يرتبط بمن يتعلق بها القلب لنكاحها من سائر النساء في كل الأعمار، ومع ذلك قال: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ)، فإن بعض العجائز ربما تتشبب، وربما تكون عجوزاً كما نرى في أيامنا هذه فتعمل العمليات الجراحية والتجميلية حتى تبدو للناس وكأنها صبية في الثلاثين من العمر فلو كانت من هذا الصنف فلها التخفف بشرط عدم التبرج وإظهار الزينة.

    فلا تجد عاقلاً -بعد وضوح مثل هذه الآية- لا يدرك أن الحجاب والستر والتعفف وعدم إبداء الزينة وإظهارها لغير المحارم، أمر مشروع، فقد دلت عليه الآيات نصاً، ودلت عليه الآيات أمراً لرسوله صلى الله عليه وسلم وأزواجه وبناته، ودلت عليه الآيات حكمة وتعليلاً، ودلت عليه الآيات تخصيصاً ببعض النساء دون بعض، مما يدل على وضوح وشمول هذا التشريع.

    ومع ذلك كله فإننا نقرأ اليوم، ونسمع ونرى في المقابلات الصحفية والفضائية كلاماً لبعضهن وكأنهن لا يعرفن قرآناً يتلى، ولا سنة تروى، ولا إسلاماً يشرع ويحكم، وكأن أهواء نفوسهن، وآراء عقولهن مقدمة على كل ذلك، فتلك تقول لك: أرى كذا وكذا، وتلك تقول لك: ليس هناك ما يدل على أن الحجاب واجب، وذلك يقول لك: هذا خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم!

    وحسبنا في هذا كتاب الله، وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، ولو قال أولئك ما قالوا، فلن تصغي لهم أذن مؤمنة، ولن تلتفت إليهم امرأة مسلمة، وذلك مما يغيض قلوبهم، وذلك مما يطيش عقولهم، فنرى منهم ونسمع ما لا يكاد يقبله عاقل، وهو دليل على نزق وعلى حمق، نسأل الله عز وجل أن يصرفه عنهم، وأن يهدينا وإياهم سواء السبيل، وأن يلزمنا شرعه القويم ودينه العظيم وهدي رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الحكمة من تشريع الحجاب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى أخذ أسباب العفة والستر والحجاب حتى لا تفتن القلوب، ولا تنصرف النفوس إلى الشهوات، وحتى نسلم من غوائل الفتن والإغراء والإغواء الذي نزع به الحياء، واغتيلت به العفة، وظهر به ما صار -والعياذ بالله- يرى في البيوت رأي العين ويسمع من خلال هذه القنوات والفضائيات التي أصبحت تمثل قمة -في أكثرها- في الفسق والفجور والدعوة إلى الخنا والزنا، فإنه يؤتى بالمرأة لا يكاد يستر جسمها شيء، ثم تتلوى وتترقص وتتغنى، ثم تأتي بالقول الذي فيه تأنث وتكسر وإغراء وإغواء، ثم يقال لك بعد ذلك: إن هذا فن وثقافة، وتنمية للذوق، وإسهام في رفع مستوى الأمة!

    ولست أفيض في هذا، فكلنا -سواء من كان ملتزماً بدينه، ومن كان غير ملتزم بدينه- يعلم أن كل ذلك من الحرام، وأنه لا يقصد به إلا الإغواء والإغراء والإلهاء والإبعاد عن دين الله عز وجل، ونزع السمة المحافظة عن المجتمع.

    ووقفتي الأخيرة مع بعض علل القرآن التي جاءت في هذه الآية: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ)، فعلة الحجاب صيانة المرأة، ومنع الأذى عنها، وحفظها من أعين الذئاب البشرية، وصون أذنها من الكلمات البذيئة الفاحشة، وصون حيائها وعفتها من الاعتداء والاغتصاب وغير ذلك.

    فهل ترون هذه العلل واقعة في دنيا الناس اليوم؟ كلكم يدرك ويسمع ويعلم ما تلقاه كل امرأة متبرجة، مما يلهب جسمها من نظرات تكاد تلتهمها، ثم ما يخدش حياءها إن كان باقياً في نفسها، ومما يحزن نفسها -إن كان فيها بقية خير- من الأقوال البذيئة، والكلمات التي فيها المعاكسات والإغواء، ثم بعد ذلك قد تجد يداً تمتد لتلمسها أو لتخطفها، ولسنا نحن الذين نقول هذا، بل يقوله الذين عاشوا حياة الحرية المزعومة في الغرب، حتى لم يجدوا بداً من أن تكون لديهم عشرات الجمعيات التي تتخصص في الدفاع عن النساء، أو منع الاغتصاب أو غير ذلك، وبيئات العمل تشهد نسباً عالية تصل إلى نحو من (80%) من النساء العاملات يتعرضن لما يعرف بالتحرش الجنسي لفظياً أو عملياً، حتى أننا نسمع عن كبار القوم من الرؤساء والزعماء وما يحكى من فضائحهم الجنسية، وانحطاطاتهم الأخلاقية التي لا تليق بسفلة الناس فضلاً عن شرفائهم في قومهم، ثم بعد ذلك يأتينا قوله جل وعلا: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يخبرنا فيقول: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) .

    فهل كان محمد صلى الله عليه وسلم مبالغاً؟! وهل كان عليه الصلاة والسلام -معاذ الله- متشدداً كما يقولون؟! وهل كان فكره -كما يدعي المرجفون- منحصراً في الجنس فقط، ولا يرى من المرأة إلا ذلك والعياذ بالله؟! يقول عليه الصلاة والسلام: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) ، فإنك إذا قلت ذلك الكلام السابق قالوا لك: إنك غير متحضر، ولا تنظر إلى المرأة إلا في الجنس، ولا تحاول أن تستمع إلى علمها وأدبها، وتنظر إلى عقلها وفكرها، فيقال لهم: كل الذي تخاطبوننا به خاطبوا به سيد الخلق صلى الله عليه وسلم إن كنتم صادقين، الصادق المصدوق المعصوم الذي لا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، فهو الذي قال لنا وأخبرنا بذلك، وهو الذي صدق بذلك قول الحق جل وعلا: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    أخبرونا عن رجل يخلو بامرأة ثم يدعي أنه يفكر في علمها، ورجاحة عقلها، وحسن تفكيرها ونحو ذلك، إنه أحد رجلين إما رجل ليست فيه رجولة ولا فحولة، وإما رجل خبيث ماكر يدعي ذلك ويبطن غيره؛ لأن الله خلق الإنسان: رجلاً وامرأة منجذباً بعضهما إلى الآخر، والشهوة نداؤها طبيعي غريزي، فإذا وجد الإنسان الطعام وهو جائع، فهل تراه يفكر في قيمته الغذائية؟! وهل يفكر في معان أخرى أم أنه سيفكر في التهامه وسد جوعة بطنه؟! وكذلكم ذلك كذلك.

    وهذه العلل التي جاءت بها الآيات القرآنية إنما كشفت لنا عن المساوئ والمخاطر والمشكلات التي تنشأ عن عدم الالتزام بهذه التشريعات، وانظر إلى قوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] فما الذي يسمعه الناس اليوم من الغناء الماجن؟! وأي شيء يفعل بقلوبهم عموماً وبقلوب الشباب والفتيات خصوصاً؟! آهات الغرام، وكلمات الحب التي تنطق بها امرأة لعوب، بألفاظ تذوب ميوعة، فهل يشك أحد أن لها فتكاً في القلب والنفس، وأثراً وخيماً في التعلق بالشهوة والانصراف عن الخير والتقى والطهارة والعفاف؟!

    وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

    رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر

    تلك هي الحقائق، وقد عبر عنها أصحاب العقول، وأصحاب المعرفة الحقة بمآلات الأمور: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء، وذلك الذي نراه، والذي تؤكده الوقائع في بلاد المسلمين، وفي غير بلاد المسلمين.

    فالله الله! في صون المرأة المسلمة وعفافها، وسلامة المجتمع المسلم من أن تستبد به الأهواء، وأن تستعر فيه نيران الشهوات، وأن يعظم فيه الابتلاء بمثل هذه الملهيات والمغريات.

    نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يحفظ على نسائنا عفتهن وحيائهن، ونسأل الله أن يجمل نساء المسلمين بالستر والحشمة والحياء والعفة، وأن يحفظ قلوبنا وقلوب نسائنا من الشهوات المحرمة، والإغراءات الآثمة.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، نسألك اللهم أن تعصمنا بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم رد عنا كيد الكائدين، وادفع عنا شرور المفسدين.

    اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وطهر قلوبنا، وأخلص نياتنا، وأحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع مراتبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، يا رب العالمين!

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، خذ اللهم بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، يا سميع الدعاء!

    اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل شر وضر وأذىً يا رب العالمين! اللهم احفظ عليها أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها واستقرارها.

    اللهم رد عنا كيد الكائدين وادفع عنا شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم وأموالهم، يا رب العالمين!

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم رد كيدهم في نحورهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، وخالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين!

    اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل، يا رب العالمين!

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان، يا رب العالمين!

    اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، يا رب العالمين!

    ووفق اللهم ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.