إسلام ويب

ما دورنا في مواجهة المآسي؟للشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر إلى أحوال الأمة الإسلامية اليوم وما تعيشه من مآسٍ مروعة، وجرائم شنيعة في كثير من البلدان، ليعلم شديد البلاء الذي يعيشه إخواننا المسلمون في بلاد كثيرة ومنها بلاد البوسنة والهرسك، فقد تكالبت عليهم القوى الكفرية لتصفيتهم، فدمرت بيوتهم، وشردت أطفالهم، وقتلت رجالهم، ورملت نساءهم، وأحرقت منازلهم ومزارعهم بوحشية ليس لها نظير في عالم الوحوش والغابات، كل ذلك على مرأى ومسمع من الدول الكبرى والمنظمات الحقوقية، والمؤسسات الدولية، فما هو دورنا في مواجهة هذه المآسي؟!

    1.   

    أحداث البوسنة عبرة وعظة

    الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، وجاعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، نحمده سبحانه وتعالى جعل الدائرة على الكافرين، وجعل سوء العاقبة للظالمين، نحمده جل وعلا هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فأيها الإخوة المؤمنون! قد طلب مني بعض الأفاضل أن يكون حديث اليوم عن المآسي المروعة، والفضائع الشنيعة التي ما انقطعت في بلاد المسلمين، بل تضاعفت وتزايدت، وازداد أوارها، واشتعل لهيبها، وتصاعد دخانها في كثير من البلاد الإسلامية، وأراد أن يكون الحديث عن الهجمة الشرسة الفضيعة التي يلقاها إخواننا في شرقي البوسنة في مدينة (ورازده)، وما يلقاه إخواننا في أرض الإسراء مثوى العديد من الأنبياء من المعاناة والبلاء، ومن شدة الكرب والعناء، وكنت أقدم على ذلك وأحتم، ولسان حالي يقول: وماذا عسانا أن نقول في مثل هذه الأمور؟ وعن أي شيء نتحدث في هذه المآسي ولأي غرض نعيد هذا القول ونردده؟ هل نريد أن نكرر القول المسموع؟ أو نزيد من الصراخ والبكاء والعويل؟

    ويثور السؤال الذي يدفع إلى التردد، لماذا نذكر هذه المقالات؟ وماذا عسانا أن نفعل تجاهها؟ وما دورنا في مواجهة المآسي ولسان حال كثير منا يقول: ليس باليد حيلة، وليس هناك مجال لأن نؤدي دوراً أو أن نقوم بمهمة؟

    ولكن هذا التردد يزول؛ لأنه يكفينا من هذا الحديث أن نشارك إخواننا في مآسيهم، ولئن بكوا دماءً ودموعاً فلا أقل أن نذرف معهم ولو دمعةً واحدة، ولئن ملئوا الدنيا صراخاً وعويلاً فلا أقل أن نرفع من أعماق قلوبنا لله دعوةً خالصة، فحري بنا أيها الإخوة أن نزيد القول، وأن نكرره في هذه الأمور، عل ذلك أن يحيي موات القلوب، وأن يوقظ غفلة العقول، وأن يحرك ضعف العزائم والهمم، وأن يبعث في القلوب الأمل والثقة في الله عز وجل.

    إننا لا نريد أن نجعل الحديث طعنات تغتال الأمل في النفوس، ولا أن نجعل المآسي تحيط بنا لتقعدنا عن العمل، كلا أيها الإخوة، فلقد مر بالمصطفى صلى الله عليه وسلم من هذا البلاء الكثير والكثير، ولقد مر بمن جاء بعده من كرام صحابته ومن أئمة هذه الأمة وسلفها ما مر من الأحداث المروعة، ومع ذلك نرى التاريخ ينطق بشواهده وحوادثه على المنهج الذي ينبغي أن نسلكه، وعلى الطريق الذي ينبغي أن نتواصى به.

    لا شك أيها الإخوة أننا سمعنا كثيراً في الأيام القريبة الماضية عن الجرائم المروعة التي يحار العقل فيها ابتداءً، ولكنه يعرف تفاصيلها وخلفياتها انتهاءً؛ لأن الأمر لم يعد فيه خفاء، بل صار أوضح من الشمس في رابعة النهار، وانظر إلى هذه الأحداث في شرقي البوسنة على مدى أيام وشهور متواليات، وانظر إلى الأخبار الأخيرة التي ذكرت أن القصف توالى حتى صارت القذائف تنزل على المسلمين في تلك الديار بمعدل قذيفة واحدة في كل عشرين ثانية، فاحسب رعاك الله كم قذيفة في الدقيقة والساعة واليوم، لترى كيف تشتعل النار في ديار إخواننا، بل في أجسادهم، بل في أطفالهم وشيوخهم ونسائهم! وانظر رعاك الله إلى النار التي تلتهم الأخضر واليابس، وإلى الرصاص الذي يغتال الصغير والكبير، وإلى الشظايا التي تنطلق من الأرض، والمباني التي تتهدم على رءوس أهلها، وانظر إلى ذلك كله وهو يجري على سمع الزمان كله، وبمرأىً من الأبصار، ينقل إلى كل الدنيا عبر الأقمار الصناعية، والشاشات الفضائية مدعماً بالوثائق الشاهدة الناطقة، وبالتقارير الميدانية الساخنة، وكأن الدنيا كلها قد صمت آذانها، وعميت أبصارها، وماتت قلوبها، وانطفأت كل معاني الإنسانية والفطرة البشرية في نفوسها كأن الناس مسخوا وحوشاً، ليس لها بالبشرية ولا بالإنسانية سبب ولا نسب!

    وانظر إلى حال العالم وإلى حال القوى التي تسمى كبرى، وإلى المنظمات التي ترفع شعار الأمن والعدالة، فماذا تراها تفعل؟!

    إنها تشجب وتستنكر، ثم تنذر وتحذر، ثم تتصل وتجتمع، ثم تفكر وتخطط، ثم تريد أن تقرر، وبعد أن تقرر تفكر هل تفعل أو لا تفعل:

    ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود

    حتى إذا لم يبق حجر على حجر، ولم يبق روح في جسد، ربما تحركت هذه القوى والمنظمات!

    لماذا؟ لتقوم بدفن الموتى، وتدمير ما بقي من الخرائب، وإطفاء الحرائق التي ظلت مشتعلة.

    ولئن كان الأمر كذلك في البوسنة على فضاعته لم يمض عليه إلا هذه المدة اليسيرة مدة عامين، فانظر رعاك الله إلى فلسطين المسلمة التي ما تزال مأساتها تمتد عبر السنوات، فقد مضى عليها أكثر من نصف قرن أو نحو ذلك.

    انظر إليها وفي كل يوم مزيد من القتلى وعديد من الجرحى، وارتفاع في أعداد اليتامى، وتزايد في أعداد الأرامل والثكالى، وما زالت الأحداث تنبئنا بالمزيد، والليالي تحمل في طياتها الكثير والكثير، وكل ذلك نراه ونسمعه، ومع ذلك نرى من يشجبه ويستنكره، فيعجب المرء أي أمر قد بلغ في ديار الإسلام والمسلمين؟ وإلى أي مدىً قد بلغت الخسة والدناءة واللؤم والجرم في هذا العالم المنكود، غربيه وشرقيه، العالم الكافر الذي اجتمع من كل حدب وصوب وعلى كل ملة ودين ليوجه سهامه، ويصوب قذائفه على المسلمين العزل المستضعفين، ثم بعد ذلك يرمون المسلمين بتهم الإرهاب والتطرف والإجرام والترويع للآمنين؟!

    عجباً لهذه المقاييس المنتكسة، ولهذه الأحوال المنعكسة!

    والمرء يفكر مرة أخرى، ويعيد السؤال: ماذا عسانا أن نزيد عما سمعنا ورأينا، ونسمع ونرى في كل يوم وفي كل آن؟

    وهل نريد أن نزيد الجراح جرحاً والصراخ صراخاً؟

    إننا نريد أيها الإخوة أن نعرف من هذه المآسي كثيراً من الأمور التي تنفعنا، والتي تبصرنا، والتي تصفعنا لنستيقظ من نومنا، وتدفعنا لنتحرك من عجزنا.

    إننا أيها الإخوة نتربى بأقدار الله عز وجل، فإن الأقدار الربانية تساق للمسلمين حتى يتعظوا ويعتبروا، فإنه ليس شيء في هذا الكون يجري عبثاً، وليس قدر من أقدار الله إلا وله حكمة بالغة يعلمها من يعلمها ويجهلها من يجهلها، فالدماء التي تسيل، والأرواح التي تزهق، والبيوت التي تحرق، والمساجد التي تهدم، كل ذلك يجري بقدر الله عز وجل لحكمة بالغة، فانظر رعاك الله إلى ما ينبغي أن تقرأ من وراء سطور هذه الأحداث، ولننظر ما الذي ينبغي أن نخرج به، وأن نعرفه وأن نستيقنه، وأن نتداوله فيما بيننا، وأن نشيعه في مجالسنا؛ حتى ننتفع ونستفيد، وحتى نتحرك ونمضي، ونبذل ونعمل، فقد كثر منا القول والكسل، وكثر منا المراء والجدل، وقل في صفوفنا التحرك نحو العمل.

    الوعي بحقيقة الأعداء

    الوعي الذي نريد أن يرسخ في أذهان المسلمين من هذه الأحداث يقودنا إلى آفاق واسعة، فالأعداء لم يعد لهم ستار يستر عوراتهم، ولا شعار يغطي على أخطائهم، نريد أن يعرف المسلمون حقيقة أعدائهم بكل تفصيلها، ولئن غفلوا عن آيات القرآن التي أنزلها الله عز وجل لتعلمهم، فليتعظوا وليعتبروا بالأحداث التي تواجههم.

    انظر إلى حقيقة الأعداء في ولائهم وتجمعهم، أيقاتل صرب البوسنة وحدهم؟

    قد جاء إليهم إخوانهم في الملة والدين ولاءً ونصرةً متطوعين من صربيا الكبرى، ومن (يوغوسلافيا) العظمى، ومن بلاد الروس.

    إنهم متوالون ومتجمعون، والله عز وجل قد نبأنا وعلمنا، ولكن غفلنا وجهلنا: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وإن لم تكونوا مثلهم، وإن لم تفعلوا فعلهم: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)، وأي فتنة أعظم مما نرى؟! وأي فساد أشد مما نسمع ونرى؟!

    وانظر إلى حقيقة الأعداء في تواطئهم وتآمرهم! أين القرارات؟ وأين نتائج المؤتمرات؟ وأين هيبة المنظمات؟ وأين سمعة الدول الكبرى والعظمى؟ أين كل ذلك؟

    إنه يمرغ تحت أقدام ثلة وحفنة من جنود الصرب، أفترى القوي لا يستطيع أن يردع أمثال هؤلاء؟!

    أفترى العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، أسلحةً تدك أقصى الأرض وأقصاها الآخر تعجز أن تؤدب مثل هذه الحفنة؟!

    إن الجواب لا يخفى على لبيب عاقل، إنه ذلك التواطؤ والتآمر الذي يبصرنا بحقيقة الأعداء، واحد يضرب، والثاني يشجب، والثالث يؤيد، والرابع يخالف، وتمضي القضية والنار تزداد اشتعالاً، والحرب تزداد نكالاً، وهذا التآمر والتواطؤ جزء من حقيقة الأعداء التي بصرنا بها كتاب ربنا، ونطق بها تاريخنا.

    وانظر إلى حقيقة الأعداء في إجرامهم وبغيهم، أين حقوق الإنسان؟!

    أين أنصار المرأة؟!

    أين حماة الطفولة؟!

    أين الذين ملئوا العالم ضجيجاً وعجيجاً وهم ينادون بهذه المبادئ الإنسانية، وبهذه المعاني التي خدعوا بها كثيراً من العقول؟!

    فهل ترى بغياً أشد من هذا البغي؟!

    وهل ترى إجراماً أفظع من هذا الإجرام؟!

    وهل ترى انسلاخاً من الإنسانية أشد وأظهر وأوضح وأفضح من هذا الانسلاخ؟!

    قوم يقتلون الصغار قبل الكبار، يسملون العيون، ويبقرون البطون، ويغتصبون الحرائر، ويفعلون الأفاعيل التي لا يفعلها حتى أخس الحيوانات وأشدها فتكاً.

    قوم قد ظهر بالدليل القاطع والبرهان الساطع أنهم هم المجرمون والإرهابيون، والذين تلصق بهم كل نقيصة تتبرأ منها الإنسانية:

    وحشية كشف الزمان حجابها لا بل أشد من الوحوش وأظلم

    الوحش يفتك جائعاً ويعف عن فتكاته إذ ما يعض ويطعم

    الوحش إذا أكل قام عن فريسته، وأولئك يمثلون بالجثث التي قد فارقت أرواحها أجسادها!

    إنهم قوم قد ظهر بغيهم وإجرامهم، فهل نحن في شك بعد ذلك من هذه الحقائق الواضحة البينة؟

    الوعي بحقيقة الشعارات والمصطلحات التي يروج لها الأعداء

    حقيقة أخرى مهمة: الوعي بحقيقة الشعارات والمصطلحات التي تروج بين الناس لتخدع عقولهم، ولتخطف أبصارهم، ولتضلل سعيهم، ولتحرف تصوراتهم!

    إنها القضايا التي يضحكون بها على الناس، ويروجونها بين المسلمين، إنها كما قال الرافعي الأديب: (الألفاظ الكبيرة تصنع للمسلمين ليتلهوا بها، لينشغلوا بها، فما يزالون يكبرون المصطلحات، ويرددون الشعارات، والمسلمون ينخدعون بهذه اللافتات).

    وينبغي لنا ومن هذه الأحداث أن نعي حقيقة هذه الشعارات، فانظر رعاك الله إلى المناطق الآمنة وهي في كل عشرين ثانية تنزل فيها قذيفة، إنها مناطق آمنة أصبحت في قمة الخوف والذعر والهلع.

    وانظر إلى قوات حفظ السلام وهي لا تستطيع أن تحفظ نفسها، وانظر إلى القرارات الدولية التي تمرغ تحت أقدام الجيوش الصربية، وانظر بعد ذلك إلى مصطلحات الإرهاب والتطرف، لترى أن الشعارات منعكسة، وأن الأسماء لا تتصل بالمسميات، وأن القضية وراءها ما وراءها.

    إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل

    وفاخرت الأرض السماء سفاهةً وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

    وقال السهى للشمس: أنت كسيفـة وقال الدجى للصبح وجهك حائل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    فينبغي أن نعرف حقيقة هذه الشعارات.

    الوعي بضرورة القوة والثبات على المبادئ

    وعي ثالث نحتاجه بحقيقة المبادئ والقوة، فإن الحق بلا قوة كالمتجر بلا باب، فأي تاجر يدع متجره مفتوحاً على مصراعيه، ويريد ألا يجترأ عليه أحد؟!

    إن اللحم المكشوف يغري بأن يلتهمه الملتهمون، وأن يعدو عليه الغاصبون، وإن الحق بلا قوة كالجسم العاري الذي لا يستر سوءته شيء.

    إن الأمر يظهر لنا عياناً بياناً.

    أن كل مبدأ وكل حق لا بد أن تكون له قوة تحميه؛ لئلا تنقلب الألفاظ فيكون الأمن خوفاً، والسلام حرباً، والحماية جناية، ولابد أن ندرك أن الحق لا يرهب أعداءه إلا أن يكون إلى جواره القوة التي يحسبون لها حسابها.

    من يستدل على الحقوق فلن يرى مثل الحسام على الحقوق دليلا

    ما أيد الحق المضاع كمنطـق تدهي به شفة السلاح الأبكم

    1.   

    السنن الكونية في أحداث البوسنة

    أيها الإخوة! ننتقل إلى أمر مهم آخر، وهو: أننا نحتاج من هذه الأحداث أن نعرف سنن الله عز وجل التي تجري بها أقداره، ويمضي بها مشيئته سبحانه وتعالى، وقد بثها لها لنا في كتاب الله القرآن الكريم، فاعلم هذه السنن وتأمل فيها، ومن هذه السنن:

    سنة الابتلاء

    سنة الابتلاء، قال الله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    هل في الدنيا وفي البشرية أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم؟

    تجمع الأحزاب من كل حدب وصوب، وأحاطوا بمدينة الرسول عليه الصلاة والسلام إحاطة السوار بالمعصم، واجتمعت شدة الخوف مع شدة الجوع مع شدة البرد، والوصف القرآني يصف حال المسلمين بأنه بلغت القلوب الحناجر، وبأنهم زلزلوا شديداً.

    هذه سنة ينبغي أن ندركها، فإن الطريق إلى مرضاة الله وإلى نصر الله طريق فيه ابتلاء، وتمحيص، فينبغي أن ندرك هذه الحقيقة:

    أما علمت أن طريق الخلد قد فرشت بالشوك ما فرشت ورداً ولا بسطا

    سنة البلاء

    سنة البلاء سنة مربوطة بسلوك البشر، فإن الله عز وجل قد قال: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] وقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا [آل عمران:165].

    من أين هذا البلاء؟ من أين هذا العناء؟

    قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمٌ [آل عمران:165]، تفقدوا أحوالكم، تفقدوا مجتمعاتكم، تفقدوا بيئاتكم، قارنوها بمنهج ربكم، فإنا نرى خللاً واضحاً، ونعرف السنة، وكيف يجريها الله عز وجل:

    فالذنب ذنب بني الإسلام مذ بعـدوا عن منهج الله أضحى أمرهم فرطا

    قد خاصموا الله إذ خانوا شريعته وقل إنتاجهم إذ أكثروا اللغطا

    تفرقوا شيعاً شتى وأنظمة إذ لم يعد حبلهم بالله مرتبطا

    أليس هذا حال كثير من بلاد الإسلام إلا ما رحم الله؟

    إذاً: فأي شيء نبحث عنه؟ وعن أي سبب نفكر؟

    نريد أن نقول: إنهم الأعداء، وهل ينتظر من الأعداء غير العداء؟ لننظر إلى الأسباب في صفوفنا، وإلى الخلل في سلوكنا، فإن سنة الله عز وجل ماضية.

    سنة قهر الأعداء

    سنة ثالثة لابد أن تكون منها على ذكر، وأن تكون منها على اعتبار واتعاظ وهي: سنة قهر الأعداء، فالله عز وجل يمهل للظالم ولا يهمله: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، ويقول جل وعلا: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227]، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعض صحابته في الفترة المكية، وقد بلغ بهم العناء مبلغاً، واشتد الأذى إلى المنتهى، فقالوا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا، فيقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كان من قبلكم يوضع لأحدهم المنشار على مفرق رأسه فينشر حتى ينقسم إلى نصفين، ومنهم من كان يمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، فوالله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) إن العاقبة للمتقين ولا شك، وإن الدائرة على المجرمين ولا شك، فافقهوا سنة الله هدانا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والله نسأل أن يدفع عن إخواننا المسلمين الأذى، وأن يمن عليهم بالعفو والعافية، وأن يرزقنا وإياهم الصلاح والتقى، والعفاف والغنى.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أسباب النصر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد: فأيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ويلتمس به رضاه، وإن من التقوى أن نشارك إخواننا في مآسيهم، وأن ننصرهم بما نستطيع، ويأتي السؤال الذي ذكرته، ما المطلوب منا؟

    وأوجز ذلك في أمور مهمة.

    الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى

    أولاً: إننا نريد أن ننصر إخواننا، وطريق نصرهم أن ننصر ديننا، وأن ننصر الله ربنا، وذلك أمر لا بد أن ندركه: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، انصروا الله في أنفسكم استقامةً وصلاحاً .. انصروا الله في بيوتكم طهارةً ونقاءً .. انصروا الله في بيئاتكم ومجتمعاتكم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر .. انصروا الله في كل لحظة من لحظات حياتكم .. في كل حركة من حركات جوارحكم، فهذا هو الطريق إلى النصر، وإن طالت مسافته، ولا طريق غيره:

    للنصر قانون والله فصله لا تحسب النصر يأتي الناس معتبطا

    من ينصر الله ينصره فلا أمـل في النصر إلا لمن وفى بما اشترط

    الصبر

    الأمر الثاني: الصبر الصبر، فإن الصبر أمر عظيم نحتاج أن نوطن النفوس عليه، وانظر إلى ما خاطب الله به رسوله صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60]، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، صبر معه يقين، فينبغي أن نصبر، وألا يقودنا البلاء إلى اليأس والقنوط، وألا يقودنا إلى أن نخرج عن طورنا وأن ننسى منهج ربنا سبحانه وتعالى

    أخي قد أصابك سهم ذليـل وغدراً رماك ذراع كليل

    ستبتر يوماً فصبر جميل ولن يدمَ بعد عرين الأسود

    العمل والبذل

    الأمر الثالث: نحتاج إلى العمل والبذل، بكل ما نستطيع، فينبغي أن نعمل لنصرة هذا الدين، ولو بشق تمرة، ولو بقليل من المال، ولو بلسان حسن منطقه؛ لنعلي راية الحق، ولننصر دين الله عز وجل في كل ميدان من الميادين، هناك فسحة للعمل فأين العاملون؟

    وهناك طرق للبذل، فأين الباذلون؟

    لئن عجزنا أن نبذل القليل، فنحن عن الكثير أعجز، ولئن لم ننتصر على أنفسنا وعلى شهواتنا، وراحتنا ونوم عيوننا، وملء بطوننا، فكيف نريد أن ننتصر لنكون مجاهدين نضحي بأرواحنا؟!

    إننا نحتاج إلى أن نعمل ونبذل في دائرتنا حتى نظهر هذه التربية في أنفسنا، ولنعلم أن القوة والبذل والجهاد والفداء والتضحية عربون من عرابين النصر، وطريق من طرق العزة

    عهداً على الأيام ألا تهزموا النصر ينبت حيث يرويه الدم

    وطن يقسم للدخيـل هديـة فعلامَ يحجم بعد هذا محجم

    التضرع إلى الله بالدعاء

    الأمر الرابع: الدعاء الذي غفلنا عنه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، إننا لم نعد على صلة وطيدة بربنا، لم يعد ندعوه كلما حزبنا أمر، ونفزع إليه كلما أدلهمت في وجوهنا الخطوب، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45].

    هذا هو هدي القرآن، فأين الدعاء الذي نرفعه إلى رب السماء في الأسحار قبل الفجر؟

    أين الدعوات الصادقة أن يوفقنا الله .. أن يهدينا .. أن ينصرنا .. أن يوحد شتاتنا وتفرقنا .. أن يقوي ضعفنا ويزيل عجزنا؟

    إننا نريد ونحتاج أن ندرك أن الدعاء عمل إيجابي وليس حيلة العاجز، فالدعاء استنجد به النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر؛ فنزل النصر، ودعا به في يوم الأحزاب؛ فتفرق الأعداء، والله مجر سنته، وممض حكمته، ومثبت منهجه سبحانه وتعالى، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وادعوا الله وقد قدمتم أسباب البذل والعمل، والاستقامة والصلاح، ينزل الله عليكم النصر من حيث لا تحتسبون، أو نظن أننا سننتصر على أعدائنا بمكرنا وكيدنا، بعقولنا وتخطيطاتنا، بقواتنا وأسلحتنا، خاب إذاً والله سعينا!

    لابد أن ندرك أننا لن ننتصر إلا بدعاء ربنا بعد أن نبذل الأسباب، ولابد أن نلجأ إلى رب الأرباب سبحانه وتعالى

    فيارب هب لي منك صبراً ورحمةً ويا رب حببني بما فيَّ تكتب

    ويا رب زدني عنك فهماً لمحنتي وثبت يقيني فيك فالقلب قُلَّب

    وزدني إحساناً بما أنت أهلـه وحسن فعالي أنت نعم المؤدب

    وأنزل على قلبي الجريح سكينة وأحسن ختامي ليس لي عنك مذهب

    الثقة بالله

    لابد لنا من الثقة بالله، تلك الثقة التي أنطق الله بها موسى عليه السلام يوم جاء فرعون من ورائه والبحر من أمامه: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، قال الواثق بالله عز وجل، الواثق بنصره الماضي على منهج ربه: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، ويوم قال أبو بكر في الغار: والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فنحن نحتاج إلى أن نثق بالله وبوعد الله سبحانه وتعالى.

    وإني على ثقة من طريقي إلى الله رب الثناء والشروق

    فإن عافني الشوق أو عقني فإني أمين لعهدي الوثيق

    فالله نسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب!

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة!

    اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شرور أنفسنا!

    اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا نادمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين!

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه!

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية!

    اللهم فرق كلمتهم، ودمر قوتهم، واستأصل شأفتهم!

    اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء!

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المستضعفين، اللهم رحمتك بالمشردين والمبعدين، اللهم رحمتك بالمعذبين والمضطهدين، اللهم رحمتك بالأسرى والمسجونين، اللهم رحمتك بالأطفال الرضع، اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، اللهم رحمتك بالنسوة الثكالى، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم!

    اللهم زدهم مع الإيمان يقيناً، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء!

    اللهم اجعل ما قضيت عليهم من بلاء تثبيتاً لهم وزيادةً في اليقين، ولا تجعله اللهم فتنةً لهم في الدين، يا قوي يا عزيز، يا رحمن يا رحيم!

    اللهم عجل فرجهم، وقرب نصرهم، وفرج كربهم، وأزل غمهم، وآنس وحشتهم، وسكن عبرتهم، وسكن لوعتهم، وامسح عبرتهم يا أرحم الرحمين!

    اللهم كثر الأعداء، وقل النصراء، ولا حول ولا قوة لنا ولا لهم إلا بك يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنه ليس لها من دونك كاشفة، اللهم فاكشف عنا العذاب إنا عائدون، اللهم إنا نسألك أن تجعل هذه الأحداث للمسلمين عبرةً وعظةً يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا، وأن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين!

    اللهم احفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك يا رب العالمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابةً لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].