إسلام ويب

تحطيم الأصنامللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم واجبات الدين، فقد أمر الله تعالى به في كتابه وأمر به نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، وقد عده بعض العلماء ركناً سادساً من أركان الإسلام، وقد جعل الله تعالى خيرية هذه الأمة منوطة به، فبه يزول الشرك، وبه تزول البدع والمنكرات، وله مراتب وشروط وضوابط ينبغي للآمر والناهي معرفتها.

    1.   

    أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام وواجبنا نحوه

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    عباد الله! بمناسبة العام الهجري الجديد نذكر المسلمين جميعاً في شرق الأرض وغربها بأن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد آتى أكله، ولو في بعض بلاد المسلمين، على كره من الكافرين، ومن سار في ركابهم من أبناء المسلمين وأبناء الموحدين.

    هذا الواجب العظيم هو الذي يجلب العز بعد الذل، والاجتماع بعد الافتراق، والائتلاف بعد الاختلاف، وهو واجب قد فرضه الله عز وجل علينا في كتابه، وأمرنا به نبيه صلى الله عليه وسلم.

    ربط الله تعالى خيرية هذه الأمة بهذا الواجب العظيم، فقال سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، وهو واجب كفائي.

    ومن العلماء من قال: بل هو واجب عيني، ولا يكون ذلك إلا في الأمور المهمة العظيمة التي يعلمها الجاهل والعالم، كالصلاة والصيام والزكاة.. وغيرها من سائر الواجبات والطاعات المعلومة الظاهرة، أما الأمر الذي يحتاج إلى نوع اجتهاد فإنه لا يجب إلا على أهل العلم، قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].

    هذا الواجب العظيم قال الله تعالى فيه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104].

    وقال الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]، هاتان الآيتان تنصان على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هما فرض كفاية لا فرض عين، وقال الله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29].

    وقال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].. وغير ذلك من الآيات.

    ومن الأحاديث الشيء الكثير، منها ما هو في الصحيحين، ومنها ما كان في غير الصحيحين.

    ففي حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

    وفي حديث أم سلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) أي: التبعة والهلاك على من رضي بذلك.

    و(وجد النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً من أصحابه وفي يده خاتم من ذهب فنزعه عليه الصلاة والسلام وألقاه، فقال الصحابة لأخيهم: خذ خاتمك. قال: لا والله ما كنت آخذ شيئاً وضعه النبي عليه الصلاة والسلام).

    إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان عليكم؛ لأنكم صفوة القوم وطلبة العلم، وأصحاب التوحيد الحق، ودليل ذلك أنكم أتيتم إلى هذا المكان لتسمعوا كلمة حق، فماذا يبقى لكم من عذر بين يدي الله عز وجل، ولعلكم تلتمسون الخير في الدعوة إلى الله عز وجل.

    إن الذي يرجع إلى الوراء بضعة أعوام، أو عقود، ويرتد إليه طرفه إلى الخمسينات أو الستينات، يجد أنه لم يكن هناك في قرية أو مدينة رجل من أهل التوحيد، أو امرأة تزيت بدين الإسلام، وإننا لنجد ذلك في كل بيت هذه الأيام، وإنما ذلك بفضل الله عز وجل؛ أن أمرنا بالدعوة إليه سبحانه، نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر.

    تلا أبو بكر رضي الله عنه قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105].

    وهذه الآية في ظاهرها تدل على أن الناس إذا ضلوا فلا حرج على أهل العلم أن يمكثوا في ديارهم لا يدعون إلى الله، وهذا فهم خاطئ، ولذلك قرر أبو بكر الصديق رضي الله عنه قوله: (إنكم تقرءون هذه الآية وتفهمونها على غير وجهها)، فإذا ضل الناس وجب على أهل العلم وطلبته أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ثم لا يضرهم بعد ذلك ما نزل بالناس، وكل يبعث على نيته.

    وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه كما في الصحيحين: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، في العسر واليسر، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم).

    فلا بد أن ننطلق من أجل الله عز وجل في استغلال هذا العام الهجري الجديد بالدعوة إلى الله، خاصة وأنها دعوة الحق، وأن دين الإسلام هو الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من أحد غيره، فإذا كنت من أهل الحق، وعلى الحق، ورسالتك هي الرسالة الحقة العالمية فماذا عليك إذاً؟ ينبغي أن تقف وتسأل نفسك هذا السؤال.

    كما يجب عليك أن تنطلق إلى الله عز وجل برفق ولين، وأن تترك العنف كذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).

    كما يجب على المحتسب -وهو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر- أن يتحلى بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يتحلى بالصبر، وأن يتسلح بالعلم كذلك.

    شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة فمنها المتفق عليها، ومنها المختلف فيها.

    أما المتفق عليها: فينبغي أن يصدر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن علم وبصيرة، حيث لا يجوز للجاهل أن يأمر وينهى؛ لأنه ربما ذهب ليأمر بأمر يظن أنه معروف، فإذا به منكر حال بينه وبين معرفة ذلك جهله!

    وربما ذهب ينهى عن أمر يظن أنه شر ومنكر، فإذا به معروف قد أمر الله عز وجل به.

    قال الله عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] أي: على علم.

    فهذا واجب على أهل العلم وطلبته من أمة النبي عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة.

    الشرط الثاني من الشروط المتفق عليها: القدرة والتمكين؛ حيث لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه -وهذا انتقال من القدرة باليد إلى اللسان- فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

    ولذلك قال أهل العلم: شرط القدرة متعلق باللسان واليد، ولا تعلق له بالقلب؛ لأنه في مقدور كل إنسان أن ينكر بقلبه، وأن يترك موطن الباطل، وموطن المنكر، ويزول عنه إن لم يستطع إزالته.

    فالقدرة شرط، والتمكين شرط أي: التمكين من أداء الدعوة إلى الله عز وجل باليد أو باللسان، وأنبه وأحذر أهل الباطل أن يقفوا أمام الدعوة إلى الله عز وجل!

    والجهاد نوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا واجه قوماً خيرهم بين ثلاث: إما الإسلام، فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإما دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، وبذلك يضمن لهم النبي عليه الصلاة والسلام حماية أموالهم وأعراضهم، وإما القتال إن حالوا بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين تبليغ دعوة الحق إلى الخلق، فينبغي أن يقاتلوا، فيجب على أهل التوحيد أن يقاتلوا أهل الشرك والكفر إن حالوا بينهم وبين مهمتهم وأداء رسالتهم.

    الشرط الثالث: أن تعلم أن المنكر عليه وقع في المنكر حقاً، إما بترك الأمر، أو اجتناب النهي، فلابد أن يتحقق وقوعه في هذا المنكر.

    الشرط الرابع: وهو المتعلق بدرء المفاسد وجلب المصالح، وإنكم لتعلمون جميعاً أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وقياس المصالح والمفاسد يكون بشرع الله كتاباً وسنة، وإجماع أهل العلم، لا بالأهواء، ولا بالمصالح الشخصية؛ ولذلك لا يجوز تعطيل الحدود، ولا شرب الخمر، ولا الخناء ولا الزنا بدعوة المصلحة، أو بدعوى السياحة، أو بدعوى أن في بلاد المسلمين أناساً غير مسلمين، فيزعمون أن تطبيق الشريعة أمر يؤذي مشاعر الآخرين، حتى وإن غاظهم ذلك.. حتى وإن كمدهم، فلنا ديننا ولهم دينهم.

    كما لا يجوز كذلك الانطلاق لكسب الحرام، حتى وإن كان الغرض صحيحاً، كما سمعنا مراراً: أن فلانة تغني، وأن فلاناً يرقص.. وغير ذلك من المنكرات والفظايع والمهلكات بدعوى سداد ديون مصر! إن مصر غنية عن أداهم وبلائهم، إنه لا يصح إلا الصحيح، فالله عز وجل نهى الأمة بنواهٍ يجب أن يأخذوا بها بقوة، كما قال تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة:63].

    يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12].

    وهذه الأمة في أمس الحاجة إلى أن تتمسك وتعض على هذا الدين بنواجذها في زمن قد اختلط فيه الخير بالشر، والحق بالباطل، بل صار الحق باطلاً، والباطل حقاً، وصار المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    إذاً: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا أمنت الفتنة، وتحققت المصلحة الشرعية من الدعوة إلى الله عز وجل، فإنه يجوز حينئذ ولا مناص.

    درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    يقول شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله: درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربع:

    فإما أن يزول بالكلية، وإما أن يزول بعضه، فهاتان الدرجتان الدعوة فيهما واجبة بلا خلاف، نقل الإجماع غير واحد في هاتين الدرجتين.

    الثالثة: أن يزول المنكر، لكن يحل محله منكراً آخر يساويه في الدرجة والمرتبة، فهذا بيت القصيد، ومحل اجتهاد أهل العلم في كل حادثة بعينها.

    أما الرابعة: أن يزول المنكر ويحل محله منكراً أعظم وأخطر، فحينئذ يحرم تغيير المنكر؛ لأنه يؤدي إلى مفسدة أعظم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم).

    فجعل الأمر بالمعروف وإتيان الطاعة محله الاستطاعة.

    أما المنكر فقال فيه: (وما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)؛ للدلالة على أن ذلك في مقدور كل إنسان، ولابد من الإتيان به بين يدي الله عز وجل، هذه درجات المنكر.

    إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عظيم، فينبغي على أفراد الأمة وجماعتها أن يتنبهوا لهذا الواجب العظيم، فتركه فيه إزالة وتمييع لأمر دينهم الذي هو دين الحق.

    1.   

    واجب شباب الصحوة تجاه التوحيد وما يضاده من الشرك

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن شباب الصحوة في حيرة عظيمة، كأنهم دخلوا في حظيرة حيوانات مختلفة، منهم: الجاهل الذي يتكلم بجهل، وينضح ما في بئره على الآخرين.

    ومنهم: صاحب الهوى والشبهة.

    ومنهم: العلماني الملحد الذي يقف على رأس كل مسألة من مسائل الدين والشرع بالاتهام والإلحاد والاستهزاء والسخرية.

    ومنهم: الطرابيش أصحاب العمائم الذين يعلمون الحق، لكنهم يحيدون عنه؛ لهوى، أو شهوة، أو كرسي، أو منصب أو زعامة أو خوف.

    ومنهم: من ملك القدرة والقمع، لكنه يعمل بالليل والنهار على قمع أهل الحق والإيمان والتوحيد والدعوة إلى الله، ويحول بينهم وبين تبليغ رسالتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    فماذا يصنع شباب الصحوة في ظل نصوص شرعية في الكتاب والسنة، وأمور أجمعت عليها الأمة؟ نقول: إنهم جهات في مكان، وقد يحال بينهم وبين دعوتهم، لكن إذا مكنوا في مكان آخر أيعذرون بين يدي الله عن تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة إذا كان ذلك في أعظم واجب، بل هو الغرض من إرسال الرسل، ألا وهو تحقيق التوحيد في قلوب الخلق، ونبذ الشرك، والدعوة إلى إبطال البدع؟

    النبي عليه الصلاة والسلام أردف معاذاً خلفه فقال: (يا معاذ بن جبل ؟! أتدري ما حق الله على العبيد؟ قلت: الله ورسوله أعلم) فمضت ساعة ثم ساعة وهو يكرر السؤال؛ ليجمع حواس معاذ وينتبه، ويلتفت للأمر المهم العظيم الذي هو أعظم حق لله على العبيد. قال: (أن يعبدوه).

    وفي رواية: (أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً).

    وجعل لهم جزاء ذلك: أن يغفر لهم، وأن يدخلهم الجنة، والله تعالى يقول: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31].

    وقال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116].

    وقال سبحانه: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].

    وغير ذلك من نصوص وردت تدعو إلى توحيد الله، ونبذ ما عداه من شرك وبدع، وخرافات وخزعبلات؛ لأن الدين لا يصفو إلا بطلب العلم على أصول علمية صحيحة.

    هذه هي المهمة التي أرسل الله تعالى لأجلها الرسل، وهو ثابت في القرآن وفي سير الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم ومن أرسلوا إليهم، فإذا ثبت ذلك فإن عبادة الأصنام والأوثان والتماثيل والصور من أعظم الشرك، ومن أعظم الشرك أن يتقرب المرء إلى الله عز وجل بصنم يعبد في أي بقعة من بقاع الأرض.

    1.   

    شبهات حول تحطيم صنم بوذا في أفغانستان والرد عليها

    لما قام إخواننا -بارك الله في جهودهم، وسددهم ووفقهم لكل خير- بتحطيم الأصنام المعبودة في أفغانستان قامت الدنيا عن بكرة أبيها ولم تقعد، واختلفوا في ذلك اختلافاً عظيماً، ومنهم: أصحاب العمائم للأسف.

    فمنهم من قال: هذا أمر غير مشروع، وقد أبعد النجعة.

    ومنهم من قال: الأمر مشروع، ولكن ليس في التوقيت المناسب.

    وأنا من أصحاب هذا القول في أول الأمر، فلابد أن يسبق ذلك تعليم وإزالة للجهل بين الناس، فإن الناس كثيراً ما يقعون فيما يستوجب الحد بجهل وغباء وحمق، فلابد أن يعلّم الجاهل وأن يهيأ لإقامة الحد عليه، فلما سمعت بعمل إخواننا في أفغانستان، قلت: العمل مشروع، ولكن ليس هذا هو التوقيت، بل لابد أن يسبق ذلك دعوة إلى الله عز وجل، وتعليم للناس، وإني الآن أنسحب بالقول وأنخلع منه كما ينخلع السيف من غمده؛ وذلك لأن شرط القدرة والتمكين متوافر في هؤلاء، فقد قاموا في هذه البقعة من قبل بالدعوة إلى الله عز وجل، ونبذ الشرك سنوات وسنوات، فلا يبقى إلا إزالة عين المنكر، فقاموا إلى الأصنام وحطموها، وقاموا إلى الأنصاب وداسوها وكسروها، وهذا أعظم واجب عليهم: الحيلولة بين الناس وبين أن يشركوا بالله عز وجل.

    فماذا ينقمون على هذه الفئة المؤمنة؟! أنهم موحدون، أنهم دعوا إلى الله عز وجل على علم وبصيرة أنهم يمكنون أضرب لك مثلاً: أنت في بيتك رب البيت، والمسئول عن رعيتك، فهل تسمح لأحد أبنائك أو لزوجك أن يقارف المنكر وأنت تنظر إليه؟! وإن سمحت فهل أنت معذور بين يدي الله؟! الجواب: لا وألف لا، بل أنت مؤاخذ بهذا الإثم.

    وما حدث في أفغانستان هو تماماً صورة مكبرة لما يمكن أن يحدث في بيتك، وعلى مرأى ومسمع منك؛ ولذلك يجب عليهم الإنكار، فأتى المرجفون في المدائن بشبهات، لكنها أوهى من بيت العنكبوت، قالوا: هل هؤلاء أحرص على دين الله عز وجل وعلى توحيده من عمرو بن العاص ومن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بمصر، لماذا تركوا الأهرام حينئذ؟ ولماذا تركوا أبا الهول حينئذ؟ والجواب على الشبهة من وجوه:

    الوجه الأول: أن هذه الأصنام معبودة من دون الله عز وجل.

    الثاني: أن أبا الهول وغيره من هذه الأحجار التي لا تنفع ولا تضر كانت مدفونة تحت الرمال لا يسمع بها أحد.

    الثالث: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما فتح مصر نزل في الفسطاط، وهي المعروفة الآن: بمصر القديمة، وهذه البقعة الصغيرة التي مثلت منازل القاهرة لم يثبت أن في شارع من شوارعها، أو حارة من حاراتها صنماً يعبد؛ فاكتفى بذلك عمرو بن العاص على بعد هذه الأصنام إن كانت أصناماً في ذلك الوقت.

    فصنم بوذا حطم على أيدي الموحدين في أفغانستان إنما كان ذلك بجهود جبارة من قنابل وطائرات لم تكن في مقدور عمرو بن العاص ، وبعض كتب التاريخ أثبتت أن الفاتحين تعرضوا لأبي الهول بالتكسير أكثر من ثلاثة أشهر حتى كسروا قطعة صغيرة من أنفه، والمرجفون يقولون: بل هذا الكسر إنما تم على يد الحملة الفرنسية، والحملة الفرنسية إنما تمثل دورها في خراب ديار مصر.

    والمعلوم يقيناً: أن نصارى فرنسا على وجه الخصوص إنما يقدسون الأهرامات لا أبا الهول، فكيف يصح في الأذهان أنهم وصلوا إلى هناك؟ إن هذا لأمر عجاب!

    الدلائل على وجوب تحطيم الأصنام والصور ومحوها

    ماذا يفعل هؤلاء المؤمنون إذا سمعوا ما أخرجه مسلم من حديث أبي الهياج الأسدي أنه قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (يا أبا الهياج ! ألا أبعثك على ما بعثني عليه النبي عليه الصلاة والسلام: ألا تدع قبراً مشرفاً -أي: عالياً- إلا سويته) أي: جعلته أعلى من الأرض بشبر فقط.

    ومنهم من قال: بل يسوى بالأرض تماماً، ويجعل على رأس الأرض حجراً؛ ليعلم المار أن هذا قبر فلا يطؤه.

    قال: (وألا تدع صنماً إلا كسرته).

    وفي رواية: (إلا لطخته).

    وفي رواية عند أحمد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (بعثني عليه الصلاة والسلام على ألا أدع قبراً عالياً إلا سويته، ولا صنماً إلا كسرته).

    وفي رواية: (إلا لطخته).

    وهذا محمول على أنه إذا كان يمكن كسره يكسر، وإن لم يمكن كسره تزال معالمه بالتلطيخ بالطين والدخان وغير ذلك. والله تعالى أعلم.

    وعند مسلم في فتح مكة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه من دون الله عز وجل، وفي يد رسول الله عليه الصلاة والسلام قوس وهو آخذ بثنية القوس - أي: بمعطوفته - فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه، ويتلو قول الله عز وجل: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81]، فلما فرغ من طوافه أتى على الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء الله له أن يدعو).

    وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81]).

    وكان يقول كذلك: جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [سبأ:49].

    قال النووي عليه رحمة الله: هذا الفعل فيه إذلال للأصنام ولعابديها، وإشهار لكونها لا تضر ولا تنفع، ولا تدفع عن نفسها.

    وتذكرون ما فعل الفتى إبراهيم عليه السلام بالأصنام حين كسرها إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون فيسألونه، وأخزاهم الله ورجعوا إلى أنفسهم ليلفتوا أمرهم؛ لعلمهم أن هؤلاء آلهة مزعومة لا تنفع ولا تضر، وهذه القصة في سورة الأنبياء.. وغيرها من السور.

    قال الله تعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ [الحج:73].

    إذا أخذت الذبابة -وهي أحقر المخلوقات- شيئاً من هذا الإله المزعوم لا يستطيع أن يحصلها منها!

    أخرج أحمد عن أبي بن كعب بسند صحيح: (أنه تلا قول الله عز وجل: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا [النساء:117] قال: مع كل صنم جنية).

    فإن الذي يعبد الصنم إنما يعبد الجنية على الحقيقة.

    وعند أبي داود (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أفيه صنم؟ قالت: لا يا رسول الله! قال: أفيه وثن؟ قالت:لا يا رسول الله! قال: أوف بنذرك).

    و(جاء رجل وقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أذبح كذا وكذا في مكان كذا وكذا، فقال عليه الصلاة والسلام: أبه صنم يعبد؟ قال: لا، قال: أفيه عيد من أعياد أهل الجاهلية؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أوف بنذرك، فإنه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم).

    كل هذا حفاظاً على جناب التوحيد، ونبذ الشرك وأهله.

    وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).

    قال الإمام البخاري مبوباً هذا الحديث بباب إذا كسر الصليب وقتل الخنزير وأراق الخمر وحطم الصلبان فلا ضمان عليهم؛ لأن هذه الأشياء غير متقومة، أي: لا قيمة لها في الإسلام، فمن أهدرها وكسرها بشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لا يضمنها، ولا يكلف كذلك بإصلاحها.

    ومن حديث ابن عباس عند البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قبل أن يدخل البيت وفيه آلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج منها ما كان يمكن إخراجه، فأخرج بإبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام -وهي: السهام التي كان يستقسم بها في الخير والشر- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قاتلهم الله! -أي: هؤلاء الذين فعلوا ذلك بإبراهيم وإسماعيل- قاتلهم الله! لقد علموا ما استقسما بها قط، ثم دخل البيت فكبر في نواحيه، وخرج ولم يصل فيه).

    قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الحديث كراهية الصلاة في المكان الذي فيه صور؛ لكونها مظنة الشرك، بل كان غالب كفر الأمم من جهة الصور! وما كفر قوم نوح إلا بعبادة صالحيهم لما صورت لهم التصاوير.

    وفي البخاري: (أن عائشة اتخذت على سرير لها ستراً فيه تماثيل، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام هتكه ومزقه فاتخذت منه عائشة نمرقتين، فكانتا في البيت يجلس عليهما النبي عليه الصلاة والسلام).

    وعن أبي طلحة رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير)، واستثنى في حديث : (إلا كلب حرث أو ماشية أو زرع أو صيد)؛ فهذه الكلاب استثناها النبي عليه الصلاة والسلام من عموم التحريم.

    وكذلك التصاوير يستثنى منها ما كان ضرورياً لا تقوم مصالح العباد إلا به، وهي: المعرفة بالأوراق الرسمية كالبطاقة والجواز.. وغيرهما.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون).

    والتصاوير عند الإطلاق تعني: نحت الأصنام، ولا مانع أن تنسحب على كل ما هو مصور، سواء كانت شمسية، أو باليد.. أو غيرها، فكل ذلك محرم، ما لم تدع ضرورة مصالح العباد إليه. وعن ابن عمر : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم).

    فهذا أمر للتعذيب والتقريع والتوبيخ.

    وعن عائشة قالت: (إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاوير إلا نقضه وقبضه).

    فإذا دخلت بيتاً أو مسجداً لوجدت أن معظم تصاميم البناء أسست من الحديد والطوب.. وغير ذلك على هيئة صلبان.. وغيرها، في السجاجيد والحوائط.. وغير ذلك، وما كان النبي عليه الصلاة والسلام يترك شيئاً من ذلك إلا نقضه وقبضه وأزاله.

    وقال أبو زرعة: (دخلت مع أبي هريرة رضي الله عنه داراً بالمدينة، فرأى في أعلاها مصوراً يصور. قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذرة). وهذا تقريع كذلك لهم.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ)؛ وذلك لأنه يضاهي ويشابه الله تبارك وتعالى في خلقه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.