إسلام ويب

هل أنا أحب الله ورسولهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واجب متحتم على كل مسلم، ويتجسد هذا الحب في امتثال أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا كان ادعاء، فالاتباع دليل الحب، وعلامة صدق المحب، ولقد جسد الصحابة رضوان الله عليهم هذا الحب بأقوالهم وأفعالهم من المدح والثناء والتضحية والفداء، كل ذلك حباً لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وجوب تقديم حب الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم على النفس

    إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله وعليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أيها الإخوة الأخيار! سؤال يطرح نفسه بين الحين والحين، بل الواجب أن يطرح نفسه في كل وقت وحين؛ لأنه فرق بين الإيمان والكفر، كما أنه سبيل وسبب إما إلى الجنة وإما إلى النار.

    هذا السؤال هو: هل أنا أحب الله تعالى ورسوله أم لا؟

    ولا تبادر بالجواب لنفسك، فإنني أعلم أن كل واحد وإن كان من أفجر الناس لابد وأنه سيجيب نفسه بالإجابة: نعم. أنا أحب الله ورسوله، فما علامة ذلك؟ وما ثمرته في الدنيا والآخرة؟ وهذا هو الفيصل، وما هي حقيقة الحب لله ورسوله؟

    أما الحب لله ورسوله فإنه واجب محتم على كل مسلم، ولذلك (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم -فيما رواه البخاري في صحيحه- بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبادر عمر القول فقال: يا رسول الله! والله إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر ؛ حتى أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك. فقال عمر : والله يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي التي بين جنبي. فقال: الآن يا عمر). أي: الآن كمل إيمانك، الآن زاد إيمانك يا عمر ، فلابد أن أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك.

    وروى البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده)، وعند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين).

    فإذا كنت صادقاً في مدعاك حب الله ورسوله فلابد أن يكون الله ورسوله أحب إليك من كل شيء، حتى من نفسك التي بين جنبيك، وولدك الذي هو من صلبك، ووالدك الذي أنت من صلبه، ومالك الذي هو قوام حياتك.

    1.   

    علامات حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

    رب سائل يسأل فيقول: أنا لا أدري إذا كنت حقيقة أحب الله ورسوله أم لا، فهل هناك شيء من العلامات أو الأمارات التي إذا شعرت بها علمت أنني أحب الله ورسوله؟

    أقول: ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يقربنا إلى الله إلا وقد دلنا عليه، وفي ذلك روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ثلاث من كن فيه)، ثلاث خصال إذا توافرت في العبد كان محباً لله ورسوله، وكان مؤمناً خالصاً.

    (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)، وهل الإيمان له حلاوة، له طعم، له لذة؟ نعم له لذة يشعر بها المتقون، العابدون، الحامدون، الراجعون إلى الله، أما الذين ركبوا هواهم، واقترفوا المعاصي، وتركوا الأوامر فلا يشعرون بشيء من ذلك عقوبة لهم.

    (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). إذا أمرك أبوك بأمر يخالف شرع الله، فقل له: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

    إذا حاد ولدك عن الطريق فأدبه كما أمرك الله ورسوله، ولا تقل: إن الولد في سن المراهقة، ثم إذا كبر قلت: إن الولد في سن الشباب، فدعه يتمتع بعمره وأيامه، وإذا كبر أكثر قال الناس: خرف الرجل؛ لأنه قد طعن في السن، فمتى يتربى المرء على دين الله إذا كان في كل طور من أطوار حياته له عذر في المجتمع، في الابتعاد عن دين الله وعن شرعه؟! متى يتربى المسلمون؟ ومتى يوحدون الله عز وجل؟ ومتى يأتمرون بأوامره، وينتهون عما نهاهم؟

    (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) أداة حصر وقصر، ألا يربطك بأخيك إلا كتاب الله وسنة الرسول والمسجد. هذا هو الرباط المتين، وهو الإيمان الكامل، (من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) .

    فهل أنت تحب من بجوارك لله؛ لأنه يصلي ويصوم ويزكي، ويحل الحلال ويحرم الحرام؟ وإن كان الجواب: لا، فأنت تحبه للدنيا، للمال، للجاه، للسلطان، للرئاسة، للكرسي، بل ربما تحبه لأنك تخونه في أهل بيته، هذا حادث وحاصل وواقع مؤلم! (وأن تكره أن تعود إلى الكفر بعد إذ أنقذك الله منه كما تكره أن تقذف في النار).

    من منا يصبر على النار؟ الجواب: لا أحد، ومن فعل ذلك وصف بأنه مجنون! فكذلك من ترك الإيمان والصفاء والنقاء، ورجع إلى الكفر بعد أن عرف الإيمان فقد ذهب عقله، وذهب دينه، واحترق لحمه بالنار.

    وقد حدد الله عز وجل في كتابه في سورة التوبة أنواعاً من المحبة فقال: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24] فانتظروا: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24] إذا كانت هذه الأصناف الثمانية أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، فانتظروا العقوبة من الله عز وجل: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].

    فكم منا من يقدم زوجه على الله، وكم منا من يقدم هواه على الله، وكم منا من يحب الدينار والدرهم والدولار أكثر من حبه لله.

    وأنا متأكد أن الفئة العظمى من الناس تقول: أنت قد أخطأت الحساب، فهل أحد يحب الدولار أكثر من حبه لله؟ إن ذلك يا إخوة عجيب له علامات، إذا كنت مرابياً فقد قدمت رباك على ربك، وأحببت الدينار والدرهم أكثر من حبك لله.

    ولذلك بين الله عز وجل أمارة الحب والصدق في الحب، فقال سبحانه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31] شرط وعلامة حبك لله أن تكون متبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم بما جاء به من كتاب وسنة.

    قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31] هذا في نفسه: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    1.   

    ثمرة حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة

    لعل سائلاً يسأل فيقول: وما ثمرة ذلك؟

    فنقول: إن ثمرته في الدنيا والآخرة:

    أما ثمرة الطاعة والاقتداء فأنت تجد حلاوتها في قلبك. هذا في الدنيا.

    وأما الآخرة: فانظر إلى ما رواه البخاري ومسلم أن رجلاً اعترض النبي صلى عليه وسلم في طريقه فقال: (يا رسول الله! متى الساعة). وهذا مما استأثر الله عز وجل بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولكن لها أمارات وأشراط وعلامات.

    فقال النبي صلى عليه وسلم: (وما أعددت لها؟ فقال: والله ما أعددت لها كثير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة ولكني أعددت لها حب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت).

    ومن ثمرة الطاعة في الآخرة: أن يدخلك الله عز وجل بمنه وكرمه وفضله الجنة، فتكون مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.

    وأتى آخر وقال: (يا رسول الله! ما يصنع المرء إذا أحب القوم ولما يلحق بهم؟ -لم يعمل بعملهم، ولكن حسبه أنه يحبهم- فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه راوي الحديث: فما فرح المسلمون بعد إسلامهم فرحهم بهذا الحديث. ثم قال أنس : وأنا أشهدكم أني أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر).

    كما أني أشهدكم أني أحبكم في الله بعد حبي لله ورسوله، وبعد حبي للخلفاء الراشدين والصحابة والصالحين، أحبكم في الله الذي جمعني وإياكم في هذه البقعة الطاهرة المباركة.

    1.   

    حقيقة حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عند الصحابة رضوان الله عليهم

    روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع الطاعة في المنشط والمكره، في العسر واليسر). في كل أحوالهم، المرء منا إذا وقع في ضائقة عرف الله ولجأ إليه، فإذا كان في رخاء ورغد من العيش ظن أنه في غنى عن الله، انظر إلى الفرق بيننا وبين الصحابة قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، في العسر واليسر، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، إلا أن نجد كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان، وأن نقول الحق لا نخشى في الله لومة لائم).

    وهذا سلمة بن الأكوع يأتي في نفر من أصحابه فيقول: (ابسط يمينك يا رسول الله فلنبايعك، قال: على ماذا يا سلمة ؟ قال: على الموت). رجل يفدي النبي صلى الله عليه وسلم بدمه فبماذا فديته أنت؟

    ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في إحدى الغزوات قبل بدء الحرب: (لو أن الله كتب لكم الغنيمة لكان لكل واحد كيت وكيت، فقام واحد من أصحابه وقال: يا رسول الله! ليس على هذا بايعناك، قال: على ماذا؟ قال: على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقة - قال: إن صدقت الله صدقك. فنظروا في القتلى فإذا سهم قد أصابه في حلقة).

    فهؤلاء قوم صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ [الأحزاب:23].

    لو أنك يا عبد الله قارنت نفسك بهؤلاء هل يكون جوابك ما كان أولاً: أنني فعلاً أحب الله ورسوله؟ هل تبذل نفسك ومالك لله؟ بل هل تقول: إنك مسلم، ولكل قول حقيقة وأمارة، فما حقيقة قولك وأمارته؟!

    هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة، أتى إلى بيت أبي بكر وأخبره بخبره، فقام أبو بكر ولم يتلعثم ولم يتردد، وجهز بعيرين وقال: (الصحبة.. الصحبة يا رسول الله). وأخذ كل ماله، وأوهم أهله أنه قد وضع لهم في البيت مالاً، وإذا بها حجارة قد صرها، وكان أبوه ضريراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ! ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله)، فهذا بذله للمال.

    وأما بذله للنفس: فلما انطلقوا من مكة متوجهين إلى المدينة تبعهم سراقة بن جعشم يريد أن يقتلهم، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أحس بالخطر من الأمام سبق النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أحس بالخطر من الخلف تأخر عنه ليحميه. انظروا إلى الأدب، وإلى الحب الجمّ! فلما عرف أن الخطر أتى من جهة مكة تأخر خلف النبي صلى الله وعليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إن سراقة كاد أن يلحقنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تحزن يا أبا بكر فإن الله معنا. حتى كان سراقة على قدر فرسخ أو فرسخين، فبكى أبو بكر ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ما يبكيك يا أبا بكر ؟ قال: والله لست على نفسي أبكي، وإنما عليك، فإن موتك موت لدين الله، أما أنا فعبد من عباد الله!). انظروا إلى الفهم العميق، إلى الإيمان، إلى الحب الصادق النقي.

    (نظر أبو بكر خلفه وإذا بـسراقة على بعد فرسخ واحد، فقال: يا رسول الله! ادع الله لنا أن ينجينا من سراقة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفناه بما شئت. فساخت فرسه إلى بطنها في الأرض).

    أي: غرقت فرسه في الأرض إلى بطنها، ثم جاء سراقة بنفسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه مخافة الغرق.

    وفي غزوة أحد لما انهزم المسلمون وانكشفوا؛ بسبب مخالفة مجموعة منهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم، تسلل خالد بن الوليد وأتاهم من الخلف، وكان القوم قد انصرفوا لجمع الغنائم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لي بالقوم؟ فقال طلحة بن عبيد الله : أنا يا رسول الله، فقال: لا عليك يا طلحة، فقام آخر فقاتل حتى قتل، والثاني مثله حتى قتل أحد عشر منهم، فقال: من لي بالقوم؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله، فقام طلحة فقاتل قتال أصحابه أجمعين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله).

    وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا ذكر يوم أحد بكى، وقال: ذاك يوم طلحة، فلم يبل أحد بلاءه في تلك المعركة، وكان إذا صوب المشركون سهامهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم تلقفها بيمينه وشماله حتى أصابه سهم فقطع أصابعه، فقال: حس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا طلحة ! لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون). انظر إلى توجيه النبي عليه الصلاة والسلام في أدق المسائل في أحلك المواقف. الدين كله واحد ليس فيه لباب ولا قشور.

    وهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، كان شديد النزع، فكان إذا ضرب بسهمه ما استطاع أحد أن ينزع ذلك السهم إلا أن يضع ما وقع فيه السهم بين قدميه، ثم ينزعه بقوة، ولذلك كان القوم إذا مروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعهم الجعبة فيها السهام، قال: (انثروها لـأبي طلحة فإنه نعم الرامي).

    وهذا أبو دجانة، وما أدراك ما أبو دجانة رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، كان يترس النبي صلى الله عليه وسلم بجسده، وينحني عليه بظهره، حتى وقعت سهام المشركين في ظهره، وكثرت فكانت ما بين السبعين إلى التسعين.

    من منا يحتمل سهماً واحداً فداءً لرسول الله؟!

    انظر حتى نعلم أننا كذابون مدعون: (ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في قلبك، وصدقته جوارحك).

    هذا زيد بن الدثنة رضي الله عنه أخذه أبو سفيان قبل أن يسلم وعذبه، ثم لما غضب منه ونفذ صبره قال: يا زيد أنشدك الله! أتحب أنك بين أهلك معافى، ومحمد بين أيدينا يعذب؟ فقال زيد: والله لا أحب أن محمداً صلى الله عليه وسلم مكانه يشاك بشوكة، وأنا بين أهلي ومالي!

    وهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه يقول: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم لأنظر سعد بن الربيع في قتلى أحد، فطلبته كل مطلب حتى وجدته في القتلى، ولكنه في الرمق الأخير، فقلت: يا سعد إن رسول الله يقرؤك السلام، ويقول لك: كيف تجدك؟ فقال سعد ثلاث كلمات ما زاد عليها، قال: وعلى رسول الله السلام، وعليك السلام يا زيد ، أبلغ رسول الله عني أني أجد ريح الجنة، وأبلغ قومي من الأنصار أنهم لا عذر لواحد منهم عند الله إذا خلص أحد من المشركين إليه -أي: إلى رسول الله- وفيكم عرق ينبض).

    انظر إلى هذه الكلمات الموجهة: (لا عذر لكم عند الله عز وجل إذا قتل رسول الله). أما أمة الخنافس، أمة الضياع، أمة الهلاك، ففي كل وقت وحين يسب ويطعن، بل يصور جسم الخنزير ويكتب عليه محمد، والقلم في يد ذلك الخنزير يكتب به كتاباً وعلى الصفحة المقابلة القرآن.

    فهل من الأمة من تحرك؟ مَن مِن الحكام تألم؟! الكل في سكرات العمى، الكل في شهوات الظلام، فهل نحن نحبه بعد ذلك؟ أقل النماذج من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هي في زماننا أساطير وخيالات، ولعلنا نصدق أو لا نصدق.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    صور ونماذج لمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ورسوله.

    وبعد:

    فهذا كعب بن الأشرف -عليه لعنة الله- لما رأى ما أصاب المشركين في غزوة بدر -وكان من يهود المدينة- عز عليه ذلك، وذهب وقطع الفيافي والقفار إلى أهل مكة، وإلى صناديد الشرك والكفر، فرتب أن يخون معهم من الداخل، وأن يهجموا هم من الخارج، ظناً منهم غياب ذلك عن اللطيف الخبير، فلما رجع كعب بن الأشرف لم يسكت ولم يكتف بذلك، بل شبب بنساء المسلمين، وهذا أمر يؤذي أهل الإيمان أيما إيذاء، أن يتكلم أحد عن امرأتك وأمك وأختك إلا أن يكون ديوثاً يقبل ذلك.

    فلما فعل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لي بـكعب بن الأشرف؟ فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه وقال: أنا يا رسول الله، قال: قم. فاقتله، قال: ائذن لي يا رسول الله، فإن الأمر لا يتم إلا بذلك -أي: بالطعن في رسول الله- قال: أنت في حل من ذلك فافعل ما شئت، فلما سمع ذلك أبو نائلة رضي الله عنه قام مع محمد بن مسلمة وأتيا كعب بن الأشرف ، فلما نادى عليه أبو نائلة قالت امرأته -وكانت ذكية-: يا كعب ! إن هذا الصوت صوت قاتل، فجعل من نفسه شهماً وشجاعاً، وقال: لو نادى علي أمير أو ملك في هذا الوقت لأجبته، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: جئنا لنتكلم معك في شأن ذاك الرجل الذي ادعى أن الله أرسله، قال: ألم أقل لكم إنه يفرق بين المرء وزوجه، ألم أقل لكم كيت وكيت، فأتى بكل ما عنده، فقالوا: وإنا قد أجدبنا -أصابنا القحط والجوع- فهل لنا أن نستطعمك، قال: أترهنوني نساءكم؟ وكان جميلاً -قالوا: يا كعب ! ماذا تقول عنا العرب وأنت أجملهم، قال: ترهنوني أولادكم؟ قالوا: يا كعب ! وهل يرضيك أن يعير أولادنا بعد ذلك من صبية المدينة، قال: فماذا ترهنون؟ قالوا: نرهنك دروعنا وسيوفنا، فقبل ذلك، فأخذ السيف وأعطاهم الطعام، فلما أراد محمد بن مسلمة أن يعطيه سيفه، قال: هي عليك يا محمد، وسلم أبو نائلة سيفه وبقي مع محمد بن مسلمة سيفه، فأخذا الطعام وانصرفا، ثم رجعا إليه في اليوم الثاني، فناديا عليه فنزل إليهما فرحاً مسروراً، فسار معهم في شعاب المدينة، فلما وجدوا أماناً أطاحوا برأسه، وأتوا به على ذبابة سيف محمد بن مسلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا جزاء من حارب الله ورسوله).

    انظروا لأقوام يدخلون هذه المخاطرة الخسارة فيها كبيرة، ولكن ذلك إنما كان دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه وشرعه.

    من علامات الإيمان والحب أن تظهر سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تذب عن دينه وشرعه، وأن تكون علماً على دينك بين الناس، إذا سرت في شارع قال الناس: هذا تابع لمحمد، فهل يقول عنك الناس ذلك؟ ما الفرق بينك وبين حنا؟ ما الفرق بينك وبين بولس؟ ما الفرق بينك وبين جرجس؟ ربما يكون هناك شبه في المظهر.

    لو أني لقيتك في طريقي يا عبد الله ما يدريني أنك مسلم أم كافر، إلا أن تظهر بمظهر الإسلام، وباطنك الله أعلم به.

    عنوان طاعتك لله أن تكون منقاداً عند سماع الأمر والنهي، تمتثل الأمر وتنتهي عن النهي، وتفعل كما فعل المهاجرون والأنصار.

    انظر إلى موقف واحد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أولاً باتجاه بيت المقدس، فتمنى أن يصلي إلى الكعبة، فبعد أن صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، أنزل الله عز وجل عليه وهو في المدينة: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144].

    فنسخت الصلاة تجاه بيت المقدس، وأمر الناس أن يصلوا إلى بيت الله الحرام، فصلى رجل من الأنصار العصر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلق إلى مسجد آخر وهم يصلون العصر، وهم ركوع، فوقف على باب المسجد، وقال: إني صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر نحو الكعبة، فلم ينتظر القوم حتى يصلوا العصر ثم يستأنفوا من المغرب أو العشاء، أو يتأكدوا من رسول الله، وإنما بادروا إلى الفعل، وتحولوا وهم ركوع إلى الكعبة! انظر إلى هذه الطاعة.

    وهذا أنس بن مالك ابن أم سليم، وكان زوج أمه أبو طلحة، يقول أنس: (كنت ساقي الخمر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً: ألا إن الخمر قد حرمت، قال أنس : فسمع القوم وهم جلوس في بيت أبي طلحة ذلك المنادي، فقال أبو طلحة والقوم: يا أنس اخرج وأهرق هذا الماء في سكك المدينة). انظر إلى سرعة تنفيذ الأمر، من دون تردد، أو استنكار.

    قال أنس: (فلما خرجت وجدت أن خمر أهل المدينة قد سارت بها سكك المدينة).

    نعم الخمر حرام، ومع هذا تشربونها بعد ألف وأربعمائة سنة، وتأكلون الخنزير، وتبيعون الخنزير، وتكسبون من الخنزير، الذي بلغكم هو الذي بلغ أبا طلحة وأنساً، فماذا أنتم فاعلون؟ وماذا أنتم قائلون؟ فهل نقول بعد ذلك: إننا مسلمون؟!

    نحن في أمس الحاجة أن نقف وقفة لله مع أنفسنا، ومع قلوبنا.

    الله عز وجل ينادي عليك في اليوم خمس مرات، فهل تجيبه؟

    الله عز وجل ينادي عليك عند بيته الحرام مرة واحدة في العمر، وقد رزقك المال، وأعطاك الصحة والعافية، فهل تجيب؟

    الله عز وجل قد نادى عليك شهراً في العام لتصومه لا لتنفع الله عز وجل، ولا لتنفع الرسول، فإن حبك لله ورسوله لا ينفعهما بشيء، بل ينفعك أنت، ويزكيك أنت، ويطهرك أنت.

    الله عز وجل نادى على عباده وأغنيائه بإخراج الزكاة من مال الله للفقراء، وجلكم أغنياء فمن يستجيب، ومن يسمع؟ الكل مات إلا من رحم ربك.

    إذا كان هذا جانب الرجال، فكذلك في جانب النساء.

    فهؤلاء نسوة خرجن في محفل كهذا المحفل، فاختلط الرجال بالنساء، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس للنساء وسط الطريق، إنما المرأة تمشي على حافة الطريق، فلما سمعن ذلك كانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن الجدار ليأخذ بثوب المرأة)، لماذا؟ طاعة وحباً واتباعاً.

    وهذه أخرى (أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها وفي يدها سواران من ذهب غليظان، فلما رآهما النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن يسورك الله بسوارين من نار؟ فخلعت المرأة تلك الأساور وألقتها، وقالت: هما لله ولرسوله)، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار).

    هذا موقف امرأة فهل بلغه الذكور في هذا الزمان؟ أمر ينبغي أن نقف عنده.

    (لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، في أثناء صلاته خلع نعله فألقاه عن شماله -ومن السنة- أن يكون نعلك من خلفك، أو عن شمالك إن لم يكن عن شمالك من يصلي -فلما رأى ذلك الصحابة رضي الله عنهم خلعوا نعالهم فألقوها، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال: ما حملكم على خلع نعالكم؟ قالوا: رأيناك قد خلعت نعليك فخلعنا نعالنا). تقليد، قلد أنت النبي عليه الصلاة والسلام، قلد الصحابة، قلد الأئمة، قلد العلماء، قلد الصالحين، قلد أي أحد، المهم أن يكون في ميزانك ورصيدك يا عبد الله، لا تضيع، لا تتوه.

    يا عبد الله أقبل إلى ربك، فإن الله يفرح بك أكثر من فرحك به، (قالوا: رأيناك خلعت نعلك فخلعنا نعالنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما ذاك جبريل قد نزل فأخبرني أن بهما قذراً، وأمرني أن أخلعهما ففعلت، وإذا أتى أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعله، فإن وجد به أذى فليمسحهما بالأرض وليصل فيهما). وقال: (خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم فصلوا في نعالكم). وهذا إذا لم يترتب على الصلاة في النعال ضرر أو مفسدة.

    أما النبي عليه الصلاة والسلام فما كان يخلع نعله خصيصاً للصلاة، ولا كان يلبسه خصيصاً للصلاة، فإذا أدركته الصلاة منتعلاً صلى منتعلاً، وإذا أدركته حافياً صلى حافياً.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

    اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود.

    اللهم اكتب النصر لعبادك وأوليائك.

    اللهم ارفع البلاء عن عبادك، اللهم ارفع البلاء عن عبادك، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، كن لهم ولا تكن عليهم، كن لهم ولا تكن عليهم، كن لهم ولا تكن عليهم.

    اللهم وارفع البلاء عن المسلمين، اللهم وارفع البلاء عن الجزائريين، اللهم ارفع البلاء عن المجاهدين في كل بقاع الأرض يا رب العالمين.

    اللهم اغفر لنا ذنبنا، جدنا وهزلنا، سرنا وعلانيتنا، وكل ذلك عندنا.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد.