إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الباعث الحثيث
  5. شرح كتاب الباعث الحثيث - جمع ابن الصلاح لتعريف الحديث الحسن

شرح كتاب الباعث الحثيث - جمع ابن الصلاح لتعريف الحديث الحسنللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جمع ابن الصلاح رحمه الله تعالى بين أقوال أهل العلم في تعريف الحسن وردها إلى بيان الحسن لذاته والحسن لغيره، والحديث الحسن مما حفلت به بعض دواوين السنة، ومنها سنن الترمذي وسنن أبي داود وغيرهما.

    1.   

    جمع ابن الصلاح بين تعاريف الحديث الحسن

    الحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    تكلمنا في الدرس الماضي عن الحديث الحسن، وذكرنا له تعريفات عدة، منها: تعريف الخطابي، وتعريف ابن الجوزي، وتعريف الإمام الترمذي، وتعريف الحافظ ابن حجر العسقلاني .

    فـالخطابي قال: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.

    وأما تعريف الحافظ ابن حجر فهو: ما اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط، أو إن شئت فقل: قد عرف الحافظ ابن حجر الحديث الصحيح فقال: هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، ثم قال: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.

    ومعنى خف الضبط: أنه ينزل من درجة (ثقة) إلى درجة (صدوق)، أو إلى درجة (لا بأس به) أو (ليس به بأس) أو إلى درجة (صالح الاعتبار)، أو إلى درجة تدل على أن حديثه حسن.

    وأما تعريف الإمام الترمذي فهو: ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، وألا يكون شاذاً، وأن يروى من غير وجه نحو ذلك.

    وأما الإمام ابن الجوزي فقال في تعريف الحديث الحسن: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل.

    وسندخل في جمع الشيخ أبي عمرو بن الصلاح بين هذه التعاريف، أبو عمرو بن الصلاح عندما نظر إلى الحديث الحسن ووجد أن العلماء اختلفوا فيه اختلافات عدة كادت أن تبلغ العشرين تعريفاً، فقال: أنا نظرت في هذه التعريفات كلها فوجدتها تدور بين أمرين اثنين لا ثالث لهما:

    الأمر الأول: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، يعني: مجهول، والمجهول نوعان، وعند الحديث عن تعريف المجهول سنتعرض لبيان المجهول جهالة عين والمجهول جهالة حال.

    لكن على أي حال يسعك الآن ابتداءً أن تعرف أن المستور هو المجهول.

    فيقول: النوع الأول: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، لكن ليس معنى هذا أنه يكون شديد الغفلة، ولذا قال: غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، يعني: لا يكون الأصل فيه أنه كثير الخطأ، كثير الأغلاط في الحديث.

    قال: ولا هو متهم بالكذب، وفي الدرس الماضي فرقنا بين الكذاب وبين المتهم بالكذب.

    قال: ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر.

    والمتن هو ما انتهى إليه السند من الكلام، ولما أقول: هو ما انتهى إليه السند من الكلام، لا يلزم منه أن يكون كلام النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل يمكن أن يكون كلاماً لصحابي أو كلاماً لتابعي ومن هو دون التابعي، المهم أن يكون فيه إسناد، ثم يحتاج هذا الإسناد إلى نسبة هذا القول إلى قائله.

    يقول ابن الصلاح : ويكون هذا المتن -المروي على هذه الهيئة أو هذه الصفة- قد جاء من وجه آخر مثله أو نحوه.

    وقد فرقنا بين المثلية والنحوية، فالمثلية تستلزم المطابقة بين نصين، كأن أقول: كلامي مثل كلامك، يعني: لو وضعت كلامي على كلامك لانطبق تمام المطابقة دون أن يخرج حرف زيادة أو نقصاناً.

    أما قولك: كلامي نحو كلامك فيعني: شبه كلامك، المعنى واحد واللفظ غير متحد.

    يقول: ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر؛ وبذلك خرج عن كونه شاذاً أو منكراً، والشذوذ هنا بمعنى الغرابة، ليس الغرابة الاصطلاحية، وإنما هي الغرابة التي يستخدمها بعض المحدثين لإثبات الشذوذ، لا لإثبات الغرابة الاصطلاحية، مثل أن أقول لك: هذا الكلام غريب، أي: ضعيف منكر. إذاً: هذه غرابة من ناحية اللغة وليست من ناحية الاصطلاح، وإلا فالغريب اصطلاحاً: هو ما تفرد بروايته راوٍ واحد، أما إذا قلت: وهذا كلام غريب، يعني: شاذ منكر.

    ثم قال: وكلام الترمذي يتنزل على هذا القسم.

    ابن الصلاح قال في أول كلامه: أنا عندما نظرت في عامة كلام أهل العلم الذين وضعوا الحد أو التعريف لبيان الحديث الحسن وجدت كلامهم يدور بين أمرين اثنين لا ثالث لهما:

    الأمر الأول: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، لكنه ليس مغفلاً ولا كثير الخطأ، ولا متهماً بالكذب، (ويروى هذا المتن من وجه آخر نحوه أو مثله)، فيخرج بذلك الحديث عن كونه شاذاً أو منكراً.

    ثم قال: وعلى هذا التعريف يتنزل كلام الترمذي.

    فـالترمذي عرفه بقوله: ألا يكون في إسناده راوٍ متهم بالكذب، ولا يكون شاذاً ولا معللاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك أو مثله، فكلام الترمذي وتعريفه يتنزل على هذا القسم الذي يتكلم فيه ابن الصلاح.

    فقوله: ويروى هذا المتن من وجه آخر نحوه أو مثله، مثال: لو أتاني حديث وفي الطريق إلى هذا الحديث راوٍ مستور -يعني: مجهول- سأقول: هذا الحديث ضعيف، والعلة ذلك الراوي المجهول أو المستور الذي لم تتحقق أهليته، ثم يتبين بأن هذا الحديث مع المتابعة والبحث في كتب السنة قد روي بإسناد آخر أو إسنادين أو ثلاثة أو أكثر، لكن في كل طريق من هذه الطرق علة، والعلة التي في الإسناد الأول وجود راوٍ مستور، وفي الإسناد الثاني انقطاع، وهذا الانقطاع يمكن أن يكون هو ذلك المستور الذي في الطريق الأول، ويمكن أن يكون غيره؛ لأنه ما يدريني أنه هو، والإسناد الثالث فيه إرسال، والإسناد الرابع فيه رجل سيئ الحفظ؛ فبمجموع هذه الطرق يرتقي الحديث من الضعف إلى الحسن، فكل المجموعة ستساند بعضها، وليس الذي سيرتقي هو الذي فيه الراوي المستور، بل كله سيرتقي مع بعضه، على اعتبار أن الذي سيقع في يدك أولاً المرسل، أو أن الذي وقع في يدك أولاً المنقطع، أو أن الذي وقع في يدك أولاً سيئ الحفظ، وجمع هذه الطرق في الحديث الواحد على هيئة واحدة من حيث اللفظ والمعنى يدل ويشعر الناقد أن هذا الكلام له أصل، ولكن لما كان كل طريق على حدة ضعيفاً مردوداً قلنا: إن الحسن أو القبول لهذا الحديث لم يأت من ذات الطريق، وإنما من مجموع الطرق.

    فإذا أردت أن أعرف الحديث الحسن لغيره أقول: هو ما كان في أصله ضعيفاً، وضعفه يسير انجبر بمجيئه من طريق أخرى.

    فالحسن لغيره: هو الحديث الذي روي بإسناد ضعيف ضعفه يسير، كأن يكون فيه راوٍ مستور، أو مجهول، أو يكون الإسناد منقطعاً، أو مرسلاً، وهذا من النوع الضعيف الذي يرتقي، ثم يأتي من وجه آخر مثله أو نحوه، فيرتقي الحديث بمجموع هذه الطرق من الضعف إلى الحسن، لا لذاته، وإنما لغيره، وقولي: لغيره، أي: أنه لم يتوافر فيه شروط الحديث الحسن في ذاته، وإنما أتته من مجموع الطرق.

    هذا هو القسم الأول، وعليه يتنزل تعريف الإمام الترمذي ، وكلمة (يتنزل) يعني: يصدق عليه تعريف الإمام الترمذي .

    القسم الثاني الذي قسمه ابن الصلاح وذكره: قال: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يقل: بالثقة والحفظ والإتقان والضبط، ولو قال ذلك لكان الحديث صحيحاً، لكنه قال: أن يكون من المشهورين بالصدق والأمانة، والأمانة متعلقة بعدالة الراوي، والصدق متعلق بضبط الراوي.

    وسبق أن قلنا: إن الراوي حتى يكون ثقة لابد أن يكون عدلاً صادقاً، فالعدالة تعني الأمانة، والصدق يعني الضبط، أي: أنه صدوق، لا صادق فقط؛ لأن كلمة صادق متعلقة بالعدالة، فهو صدوق، وهذا مصطلح خاص بأهل علم الحديث، فإذا نزل الراوي من درجة (ثقة) إلى درجة (صدوق)؛ فإن الحديث ينزل من درجة (حديث صحيح) إلى درجة (حديث حسن)، ففي هذه الحالة سأقول: الفرق بين كون الراوي ثقة وبين كونه صدوقاً: أنه خف ضبطه، يعني: نزل من تمام الضبط إلى ضبط متوسط.

    قال: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان؛ لأنه لو بلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان لكان حديثه صحيحاً.

    قال: ولا يعد ما ينفرد به منكراً. وهذه نقطة مهمة جداً.

    فأحياناً عندما نأتي نراجع كتب أهل العلم ككتاب الحافظ ابن حجر تقريب التهذيب تجده يقول: صدوق يغرب، صدوق يهم، صدوق كثير الغلط، وأحياناً يقول: صدوق فقط، وقوله: (صدوق) فقط هذا لا إشكال فيه؛ لأن حديثه حسن وانتهى الأمر، كل ما فيه إنما ينزل من درجة الصحيح إلى درجة الحسن وانتهى الأمر بهذا.

    لكن قوله: (صدوق يغرب)، غير قوله: (صدوق)، فقط، فصدوق كثير الغلط غير (صدوق) فقط، وصدوق يتفرد غير (صدوق) فقط، فإذا جاء مصطلح من هذه المصطلحات مع كلمة صدوق فهنا بيت القصيد، فإن وافقه غيره يقبل ما روى، وإن تفرد يرد ما روى؛ لأن الغالب أنها من أوهامه، ولذلك هنا الشيخ يقول: ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ولا يعد ما ينفرد به منكراً؛ لأن الصدوق الذي يغرب يأتي بالغرائب، فإن أتى بكلام وافقه فيه الثقات ففي هذه الحالة لم يغرب، لكن لو تفرد بكلام فإنه قد يغرب في هذه الحالة، خاصة لو عرض هذا الكلام على نص صحيح قد ثبت ووجدت المخالفة بين نص الصدوق الذي يغرب وبين نص الثقة؛ ففي هذه الحالة نقول: إن هذا الحديث منكر، والحديث المنكر عندنا: هو رواية المتروك المتهم بالكذب، فإن قيل: هذا راوٍ صدوق ولكنه يغرب فكيف تقول على حديثه: إنه حديث منكر، والمعلوم في المصطلح أن حديث المنكر: هو ما كان راويه متروكاً أو متهماً بالكذب؟ فلماذا هو منكر هنا مع أن الراوي صدوق؟ والجواب: أنه ليس صدوقاً فقط، بل صدوق يغرب، فإذا تفرد بكلام خالف فيه الأصول أو خالف فيه الثقات فيعد حديثه منكراً.

    قال: ولا يعد ما ينفرد به منكراً، ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً، قال: وعلى هذا يتنزل كلام الإمام الخطابي .

    بل هذا الكلام يتنزل عليه كلام الحافظ ابن حجر ، وإن شئت فقل: يتنزل على كلام الخطابي وابن حجر سوياً؛ لأن تعريف الخطابي أوسع وأشمل، وتعريف الحافظ ابن حجر مختصر، ولم يكن عاماً ولا شاملاً.

    فـابن الصلاح رحمه الله جمع اختلافات أهل العلم في تعريف الحديث الحسن ووضع حداً للحديث الحسن، وجعل منهم من يصدق كلامه على الحسن لغيره، ومنهم من يصدق كلامه على الحسن لذاته.

    فالحديث الحسن له تعريفان:

    أحدهما ينطبق على الحديث الحسن لغيره، وهو ما أصله حديث ضعيف، ولكن لمجيئه من طرق بنحو هذا أو مثله ارتقى من ضعيف إلى حسن لغيره.

    1.   

    تعريف الحديث الصحيح لغيره

    ولما أريد أن أعرف الحديث الصحيح لغيره أقول: هو الحديث الذي رواه العدل خفيف الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، ويروى من غير وجه بنحو ذلك أو مثله، وهذا باختصار شديد عملية حسابية، الحسن لغيره هو الحديث الذي رواه الضعيف ضعفاً يسيراً يرتقي، فجاء من طريق آخر، فمن مجموع الطرق يرتقي من الضعيف إلى الحسن لغيره.

    والحديث الصحيح لغيره: هو مجموع حديثين كل منهما حسن لذاته، فيرتقيان إلى صحيح لغيره، وحديثان ضعيفان يرتقيان إلى حسن لغيره.

    فالحديث الصحيح لغيره: هو ما رواه العدل خفيف الضبط عن مثله إلى منتهاه، وليس بلازم من كلمة (عن مثله) أن يكون كل راوٍ خفيف الضبط، وإنما المراد مثلية العدالة.. إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، وروي من غير وجه نحو ذلك أو مثله.

    وبهذا عرفنا الحديث الصحيح لذاته والصحيح لغيره، والحسن لذاته والحسن لغيره.

    ومسألة الحديث الحسن مسألة مهمة جداً، خاصة الحسن لغيره، أما الحسن لذاته فليس فيه مشكلة، أما الحسن لغيره فهو الذي يبين ما إذا كان الباحث أو طالب العلم فاهماً أم لا؛ لأنه مفترق طرق بين قبول الحديث ورده، واجتهاد من الباحث هل هذه الطرق أو كثرتها يؤدي إلى الارتقاء أم لا يؤدي؟ وهل هذا الضعف الذي اتهم به الراوي من الضعف اليسير الذي ينجبر أم من الضعف الذي لا ينجبر؟

    فلو جاء حديث من مائة طريق وفي كل طريق راوٍ كذاب فإنه لا ينجبر، ولا يزال الضعف من هنا إلى يوم القيامة، ولا يمكن أن يرتقي، بل يظل ضعيفاً، وتطمئن النفس إلى عدم صحة هذا الحديث إطلاقاً، يعني: الحديث الذي فيه راوٍ كذاب أو متهم بالكذب أو منكر أو متروك أو نحو ذلك مهما جاء من طرق متعددة فإنه لا يزيد الضعف إلا ضعفاً.

    فليس كل ضعف يرتقي، ولذلك هناك أنواع من الضعف ترتقي، وأنواع لا ترتقي، فنريد أن نعرف أصل كلمة: (الحديث الحسن)، أو تعريف هذا المصطلح.

    1.   

    أول من أشهر مصطلح الحديث الحسن

    نحن ذكرنا أن هذا الكلام كان معروفاً عند العلماء السابقين، فإنهم كانوا يعرفون مصطلح الحسن والجيد والمقبول، وغير ذلك من المصطلحات، لكن أول من أشهر ذلك: الإمام الترمذي؛ لأنه أكثر من استعمال هذه المصطلحات في كتابه السنن.

    ودائماً الفضل ينسب للذي أشهر الشيء، لا لمن ابتكره، كالمذهب الظاهري أشهره ابن حزم، مع أن الذي أسسه هو داود بن علي الظاهري، وتبعه ابن حزم على منهجه، ثم صنف فيه المصنفات العظام التي بسببها انتشر المذهب، فعندما تذكر الظاهرية يكون في الذهن ابن حزم ، وداود لا يذكر.

    والإمام الشافعي يقول فيه أهل العلم: إن له الفضل على كل من تشفع -أي: كل من تمذهب بمذهبه- إلا الإمام البيهقي ؛ لأنه هو الذي نصر مذهب الإمام الشافعي بكثرة ما صنف فيه، فقد صنف الإمام البيهقي كتاب السنن الكبرى وهو حوالي عشرة مجلدات كبيرة ينصر فيها المسائل التي قال بها الإمام الشافعي .

    فالإمام الترمذي هو الذي أكثر وأشهر مصطلح الحديث الحسن، مع أنه كان معروفاً عند البخاري وأحمد بن حنبل وغيرهم ممن كان قبل الإمام الترمذي .

    والإمام الترمذي أحياناً يقول عن حديث: حسن صحيح، وأحياناً يقول: حسن صحيح غريب، وأحياناً يقول: حسن غريب، وأحياناً يقول: صحيح غريب، وأحياناً يقول: غريب فقط، أو حسن فقط، أو صحيح فقط، وهذا ملاحظ في كلام الإمام الترمذي في السنن، وكل مصطلح من هذه المصطلحات له مدلول عند الإمام الترمذي ، ولا تظن أنه يأتي بهذه المصطلحات هكذا.

    إذا قال الإمام: هذا حديث حسن صحيح غريب، فالغرابة هنا تعني: أن هذا الحديث ليس له إلا ذلك الإسناد، فهذا يحمل على التفرد، أي: ليس له إلا إسناد واحد، فالغرابة يقصد بها هنا الغرابة الاصطلاحية؛ لأن الغرابة نوعان:

    غرابة نسبية وغرابة مطلقة.

    والغرابة تعني التفرد، والتفرد يعني: أن الحديث ليس له إلا طريق واحد.

    فإذا قال: حسن صحيح غريب، يعني ذلك: أن الحديث ليس له إلا إسناد واحد.

    وقوله: (حسن صحيح) العلماء يقولون: لو جمع إلى (حسن صحيح) كلمة (غريب)؛ فإنما يعني أن الحديث ليس له إلا إسناد واحد، وقوله: (حسن صحيح) يعني: أن في الإسناد راوياً اختلف العلماء فيه بين تمام الضبط وبين خفة الضبط.

    فعندما يقول الترمذي : حديث حسن صحيح غريب؛ فلأنه في الغالب يكون في هذا الإسناد راوٍ اختلف أهل الجرح والتعديل في ذلك الراوي، فمنهم من قال: ثقة، ومنهم من قال: صدوق، أي: أن منهم من قال: هو تام الضبط، ومنهم من قال: هو خفيف الضبط.

    والإمام الترمذي لم يستطع الاجتهاد في حق ذلك الراوي، فقال: أنا سأجمع بين أقوال أهل العلم في هذا الراوي، فسأقول: حسن صحيح، وهذا حقه أن يأتي بحرف الشك، فيقول: حسن أو صحيح، ولكنه اختصر ذلك فقال: حسن صحيح، يعني: حسن باعتبار قوم، صحيح باعتبار آخرين، يعني: أن هذا الحديث حسن عند من قال: إن ذلك الراوي صدوق، وصحيح عند من قال: إن ذلك الراوي ثقة.

    فإذا قال الترمذي عن إسناد: حسن صحيح غريب؛ فإنما يكون هذا حديثاً ليس له إلا إسناد واحد، اختلف النقاد في أحد رواة ذلك الإسناد، فمنهم من قال: هو ثقة، ومنهم من قال: هو صدوق، ولم يترجح لدى الإمام الترمذي مدى صدق من قال: ثقة حتى يرجح التوثيق، ولا صدق من قال: صدوق حتى يرجح الصدق؛ فجمع بين اللفظين، غاية ما فيه أنه حذف حرف الشك، وكان حقه أن يقول: حسن أو صحيح، ولكنه اختصر ذلك فقال: حسن صحيح، وقال: غريب؛ لأنه ليس له إلا إسناد واحد.

    فإذا حذف كلمة (غريب) ففيه أحد أمرين:

    إما أن يكون هذا الحديث له إسناد واحد أو إسنادين، فإن كان له إسناد واحد فغاية ما في ذلك: أنه لم يذكر كلمة غريب، كما في الحالة الأولى، وكما حذف حرف الشك هناك حذف كلمة غريب هنا، ويرجع الأمر إلى اختلاف النقاد أو نفس الراوي، فحين يقول: حسن صحيح، أي: حسن باعتبار قوم، وصحيح باعتبار قوم آخرين؛ لاختلافهم في ذلك الراوي الذي روى الحديث.

    وإما أن يكون الحديث له إسنادان، إسناد منها أحد رواته صدوق، والإسناد الآخر كله ثقات، فالإسناد الذي في رواته راوٍ صدوق قال عنه: حسن، والإسناد الذي كل رواته ثقات قال عنه: صحيح، وغاية ما في ذلك أنه كان يجب أن يجمع ويقول: حسن وصحيح، أي: حسن باعتبار الإسناد، ليس باعتبار النقاد، وصحيح باعتبار الإسناد الآخر؛ لأن هذا الحديث أتى من طريقين، أو من غير وجه، فيقول في هذه الحالة: حسن وصحيح، وغاية ما في هذا أنه حذف أداة العطف وقال: حسن صحيح.

    فإن قيل: أيهما أقوى قول الترمذي : حسن صحيح، أو صحيح فقط؟

    فالجواب: أن ذلك متوقف على معرفة ما إذا كان للحديث إسناد أو أكثر، فإن كان للحديث إسناد واحد فلا شك أن قول الترمذي : صحيح أقوى من قوله: حسن صحيح؛ لأنه في هذه الحالة ترجح لدى الترمذي جانب التوثيق، ولم يشك ولم يتردد ويتحير ويجمع بين قولي العلماء.

    فقوله في هذه الحالة: هذا حديث صحيح، أقوى من قوله: هذا حديث حسن أو صحيح؛ باعتبار أنه حذف حرف الشك، ففي هذه الحالة نقول: قوله عند التفرد: صحيح أولى من قوله: حسن صحيح؛ لأنه في هذه الحالة ترجح لديه جانب التوثيق ولم يتطرق إليه شك.

    ويكون قوله: حسن صحيح أقوى من قوله: صحيح؛ إذا كان للحديث أكثر من إسناد، فقد جمع الترمذي في هذه الحالة الوصفين معاً، وصف كونه حسناً في إسناد، وكونه صحيحاً في إسناد آخر، ففي هذه الحالة إذا كان الحديث له طريقان: طريق صحيح وطريق حسن فلا شك أنه أقوى من الحديث الذي أتى من وجه واحد صحيح، فقوله عند كثرة الطرق: حسن صحيح أقوى من قوله: (صحيح) فقط؛ لأنه كان حقه أن يقول: حسن وصحيح بحرف العطف، ولكنه حذف العطف.

    إذاً: لابد من النظر في: هل هذا الحديث فرد أم روي بأكثر من إسناد؟ وهل كان حق الترمذي أن يقول: حسن أو صحيح، أو كان حقه أن يقول: حسن وصحيح؟

    فإن كان حقه أن يقول: حسن أو صحيح؛ فلا شك أن قوله هنا: (صحيح) فقط أقوى من قوله: حسن أو صحيح، وإن كان حقه أن يقول: حسن وصحيح -باعتبار كثرة الطرق- فإن قوله هنا: حسن وصحيح، أقوى من قوله: (صحيح) فقط.

    فإذا قال الترمذي : هذا حديث صحيح؛ فيستوي أن يكون هذا الحديث له إسناد واحد أو له عدة أسانيد ولكن كل إسناد منها صحيح، فإنه لا يمكن أن يقول الترمذي : صحيح.. صحيح.. صحيح.. صحيح، ولكن سيقول: صحيح، ويكفي، ولو كان له طريق واحد كل رواته ثقات فسيقول: صحيح غريب، وكذلك الحسن، لو قال: حسن غريب؛ لدلَّ ذلك على التفرد في الإسناد، كما أن أحد رواته صدوق، ويكون هنا يتكلم عن الحسن لذاته.

    وأحياناً الترمذي يقول: (حسن) فقط، والغالب أنه يكون حسناً بمجموع الطرق، يعني: حسناً لغيره.

    وأحياناً الترمذي يأتي بالحديث ثم يقول: حديث غريب، أو هذا حديث غريب، والغالب على الترمذي مع استقراء السنن يدل على أن قوله: (غريب) إنما يعني به الضعف، وهذا كلام مهم، فإذا قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، أو قال: (غريب) فقط؛ فالأغلب الأعم على الإمام الترمذي أنه يقصد به الضعف، والمسألة في مجملها خاضعة للبحث والتحري عن هذا الحديث.

    فربما يقصد به الترمذي مجرد التفرد، وقد يكون هذا حديثاً صحيحاً، وغاية ما صنع أنه حذف كلمة صحيح، ووضع كلمة غريب، لكن على أي حال هذا قليل، بل وقليل جداً، وعامة ما يشير إليه الترمذي بقوله: غريب إنما يعني به الضعف.

    1.   

    أثر الحكم بصحة السند على المتن

    هناك مصطلح آخر لأهل العلم: إذا قال العلماء: هذا إسناد صحيح، فهل يعني: أن الحديث الصحيح؟ كأن آتي على حديث رواه أبو داود وأقول: قال أبو داود : حدثني عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا الحسن بن روح قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا ابن سيرين قال: حدثنا ابن عمر ، فهؤلاء الرواة كلهم ثقات، وإذا كان كذلك فأنا أقول: هذا إسناد صحيح.

    لكن هل يلزم من قول: إسناد صحيح، أن يكون المتن صحيحاً؟

    عندما أقول: هذا الإسناد رجاله ثقات، في الأغلب الأعم أن المتن صحيح تبعاً لصحة السند، فإذا صح السند صح المتن، هذا الأصل، ولكن إذا ذكرت الأصل يدل ذلك على أن هناك استثناء؛ لأن الحديث يمكن أن يروى بإسناد صحيح، ثم المتن يكون شاذاً ومعللاً، ونحن قلنا في التعريف: وألا يكون شاذاً ولا معللاً، فالشذوذ والعلة تلحق المتن، فمعنى ذلك أنني لو قلت: إنه دائماً صحة الإسناد يلزم منه صحة المتن؛ للزمني أن أقول: إن المتن لا تلحقه العلة مطلقاً، ولكن المتن قطعاً تلحقه العلل؛ ومنها الشذوذ، والنكارة، مثال ذلك: حديث يروى بإسناد رواته ثقات عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق سبع أرضين كما خلق سبع سماوات، جعل في كل أرض آدماً كآدمكم، ونوحاً كنوحكم، وموسى كموساكم، وعيسى كعيساكم، ومحمداً كمحمدكم)، فهذا الكلام شاذ، ولذلك الحافظ ابن كثير قال في مقدمة البداية والنهاية: وهذا الحديث رواه ابن عساكر ، ورواه كذلك الإمام البيهقي في السنن، قال: ورغم أن إسناده ورواته ثقات إلا أنه في غاية النكارة؛ لأنه يخالف الأصول الشرعية، ويخالف المعتقد الصحيح؛ لأن هذا الكلام يتناسب مع الباطنية، ويتناسب مع الصوفية، أما مع أهل السنة فلا يتناسب أبداً، فإنهم على عقيدة لا تقبل الزعزعة.

    فهذا الحديث مروي وموجود في كتب السنة، والإسناد صحيح، أما المتن فمنكر، لحقه الشذوذ والعلل.

    لكن الأصل أنه إذا صح السند صح المتن، والاستثناء أن المتن لا يخرج عن صحته إلا إذا لحقته علة أو شذوذ أو نكارة.

    فلا يلزم تصحيح المتن تبعاً لصحة السند؛ لأني لو قلت: يلزمني، لكان لزاماً علي أن أقول: إن المتن لا تلحقه علة مطلقاً، وقد تقدم أن شروط الحديث الصحيح خمسة، منها: ألا يكون شاذاً ولا معللاً، وذكرنا أن الشذوذ والعلة والنكارة تلحق المتن.

    فيلزمني أن أطبق هذه الشروط الخمسة على السند وعلى المتن سواء، فالأصل أنه إذا صح السند صح المتن، إلا إذا لحق بالمتن شذوذ أو علة أو نكارة أو مخالفة للأصول المعروفة في الشريعة، ففي هذه الحالة أقول: إن هذا المتن منكر أو شاذ أو معل أو غير ذلك.

    1.   

    مظان الحديث الحسن

    الآن أريد أن أعرف مظان الحديث الحسن، والمقصود بكلمة (مظان): الأماكن التي يوجد فيها الحديث الحسن، وأيضاً أريد أن أعرف ما ضابط الحديث الحسن؟

    نحن قلنا: إن الترمذي هو أول من أكثر في كتابه من هذا المصطلح، وأوضح في كتابه كثيراً من هذا النوع، فمن مظان الحديث الحسن كتاب سنن الترمذي ، وكذلك سنن أبي داود ، وعرفنا أن سنن أبي داود من مظان الحديث الحسن برسالة بعثها أبو داود لأهل مكة -و أبو داود من سجستان- وكان مهمتها أن يصف فيها كتاب السنن، فقال: وضعت في كتابي هذا الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، والصحيح لا إشكال فيه؛ لأن ثلث ما رواه أبو داود في السنن موجود عند البخاري ومسلم أو أحدهما.

    وهناك أحاديث ليست في الصحيحين ولا في أحدهما عند أبي داود وهي صحيحة أيضاً؛ لأنها رويت من طريق رواة ثقات، وليس بلازم أن تكون في الصحيحين أو في أحدهما، هذا الذي يقول فيه أبو داود : وضعت فيه الصحيح.

    أما قوله: (وما يشبهه)، فيريد به الحسن لذاته، والضمير هنا عائد على الصحيح، والذي يشبه الصحيح الحسن لذاته.

    ثم قال: (وما يقاربه)، والذي يقاربه الحسن لغيره، والضمير هنا عائد على ما يشبهه الذي هو: الحسن لذاته، وهذه مسألة مهمة جداً.

    فبهذا عرفنا أن سنن أبي داود فيها الصحيح والحسن لذاته والحسن لغيره.

    ثم يقول: (وما كان فيه وهن شديد بينته)، يعني: ضعف شديد ونكارة، ولما نأتي نستقرئ السنن نجد فيها أحاديث كثيرة فيها وهن شديد جداً، ومع هذا لم يتكلم عليها بإبانة، لم يقل -مثلاً- عقب الحديث: وهذا حديث فيه وهن شديد وقد بينته، لم يقل هكذا، ولكن يدافع عنه بأنه يمكن ألا يكون الوهن شديداً عند الإمام، ويكون شديداً عند غيره، وقد يقال: لا، هذا محل اتفاق أن هذا الراوي متهم، وهو محل اتفاق، فما من أحد من النقاد إلا وقال فيه تهمة؟ فيجاب بأنه لا بد لـأبي داود من مخرج، كأن يقول: ذيوع الأمر وانتشاره.

    ثم يقول: (وما سكت عنه فهو حسن عندي، أو صالح)، هذا الكلام أيضاً منتقد؛ فـأبو داود سكت عن أحاديث كثيرة صحيحة ليست في الصحيحين، فهل تعتبر هذه الأحاديث من قبيل الصحيح أم من قبيل الحسن؟

    الذي سيقول: صحيح، نقول له: لا، أبو داود قال: ما سكت عنه فهو حسن.

    والذي سيقول عنه: حسن، سنقول له: رجال سنده ثقات.

    وعلى أي حال هذا منهج أبي داود ، بعض الناس قالوا: قول أبي داود : وما سكت عنه فهو حسن، هل يقصد بسكوت أبي داود على حديث في داخل السنن، أم في خارج السنن؟ أبو داود روى أحاديث كثيرة، وصنف كتباً كثيرة غير السنن، فالأحاديث التي سكت عنها وقال: إنها حسنة عندي، هل المقصود بالسكوت هذا داخل السنن أم في عموم مروياته؟

    المقصود: داخل السنن؛ لأنه في أول الكلام قال: وضعت في كتابي هذا، فالكلام آخره مرتبط بأوله؛ لأن بعض الناس قال: أبو داود يقصد في عموم مروياته، وهذا غير صحيح؛ فـأبو داود بعث رسالة مكتوب على جلدتها: رسالتي إلى أهل مكة وصف السنن. وهي رسالة طويلة، لكن هذا منهج الكتاب، وفيه جزئية معينة لإثبات مسألتين:

    منهج أبي داود في الكتاب.

    والمسألة الثانية: أن سنن أبي داود هي من مظان الحديث الحسن، وهذا الذي نريد أن نأخذه الآن، نحن لسنا بصدد دراسة سنن أبي داود ، وإنما بصدد إخبار وبيان أن سنن أبي داود هي من مظان ومصادر الحديث الحسن.

    وهناك كتاب يسمى كتاب مصابيح السنة للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ، المتوفى في أوائل القرن السادس سنة (516هـ)، الإمام البغوي له كتاب اسمه مصابيح السنة، هذا الكتاب كتاب جميل جداً، وكتاب مهم جداً، وهو مغمور لا يعرفه حتى طلبة العلم، وهو كتاب في غاية الأهمية، وله كتاب اسمه شرح السنة، كتاب في غاية الجمال والروعة، معظم أحاديث شرح السنة متفق عليها.

    وكتاب مصابيح السنة للبغوي فيه اصطلاح خاص، ولا مشاحة في الاصطلاح، فمثلاً: إذا قلت: أنا سأفعل كذا وأعتبره كذا، فلا يوجد أحد سيعترض علي؛ لأن هذا منهج اتخذته لنفسي وفي كتابي، ومن هذا أن يحيى بن معين قال: إذا قلت في الراوي: لا بأس به؛ فهو بمعنى ثقة، والمعروف عند جمهور العلماء أن كلمة (لا بأس به) تنزل عن مرتبة الثقة، يعني: صدوق عند الجمهور، أما إذا قال يحيى بن معين في الراوي: لا بأس به، فإنه يكون ثقة مباشرة، هذا مصطلح خاص بـابن معين ، فلا يوجد أحد ينازعه فيه؛ لأنه قال: إذا قلت: لا بأس به؛ فإنما أعني أنه ثقة.

    والإمام البخاري مثلاً كان مؤدباً في الجرح، أما ابن حبان فكان شديداً ولاذعاً، كان شديداً جداً في الجرح، ومتساهلاً جداً في التوثيق، يعني: أنه جمع بين النقيضين.

    فـابن حبان يأتي مثلاً على راو محتمل، فيقول فيه: لا يحل الاحتجاج به إلا على جهة الاعتضاد، ويقول: يخالف الثقات الأثبات، ويروي عنهم الأكذوبات.. وغير ذلك من الألفاظ التي تحس بها أن الدنيا انقلبت، فتطلب قول الجمهور في ذلك الراوي فتجد أنهم يقولون فيه: صدوق، وهذا مصطلح خاص بـابن حبان .

    والإمام البخاري يقول: إذا قلت في الراوي: فيه نظر؛ فإنما هو ضعيف من الضعف الذي لا ينجبر، وإذا قلت فيه: ضعيف؛ فلا تحل الرواية عنه.

    إذاً: هنا قول الإمام البخاري في الراوي: فيه نظر، يساوي قول الجمهور: ضعيف، وقول الإمام البخاري في الراوي: ضعيف، يساوي قول الجمهور: متهم أو كذاب، لكن الإمام البخاري كان لطيف العبارة.

    إذاً: لكل عالم أن يتخذ لنفسه مصطلحاً خاصاً به، ولا نخطئه فيه، ولكن نعامله على أساس الاصطلاح الذي وضعه لنفسه.

    و البغوي في مصابيح السنة قال: أنا سأقسم كتابي هذا في كل باب إلى قسمين، قسم سأسميه الصحاح، وقسم سأسميه الحسان.

    قال: فما كان من القسم الأول وهو الصحاح فإنما هو ما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما.

    وفي هذا التقسيم نظر؛ فهناك أحرف يسيرة انتقدت على البخاري ومسلم ، هذه الأحرف التي انتقدت والمعلقات التي علقها البخاري ومسلم هي خاضعة للبحث، ومع هذا يوردها البغوي في قسم الصحاح، وهذا فيه منازعة.

    لكن لنقل بما قال: إن قسم الصحيح هو ما رواه البخاري ومسلم أو أحدهما.

    أما قسم الحسان: فهو ما رواه غيرهما؛ كأصحاب السنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغير ذلك، وخاصة كتب السنن.

    وهذا الكلام فيه ظلم وهضم، كما أن فيه رفعة لبعض الأحاديث؛ لأن ما تفرد به أهل السنن دون الصحيحين منه ما قد روي بأسانيد تساوي أو أقوى من أسانيد الأحاديث التي عند البخاري ومسلم، فمثلاً: قد ينفرد أبو داود بحديث من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذه السلسلة الذهبية، وهذه الأحاديث من أقوى الأحاديث عن ابن عمر ، بل هي أقواها على الإطلاق عن ابن عمر ، ففي هذه الحالة لما يجعل هذا الحديث من قسم الحسان لأجل أنه ليس موجوداً في الصحيحين، إذاً هذا ظلم للحديث.

    وأحياناً هناك أحاديث ضعيفة في السنن يضمها في قسم الحسان؛ لمجرد أنها موجودة في كتب السنن.

    إذاً: هذا أيضاً رفع لأحاديث فوق مستواها، ولكن هذا مصطلح خاص لنفسه.

    وهذا الكتاب في الحقيقة يحتاج إلى خدمة تحقيق؛ لإثبات كل حكم هل يتناسب مع القسم الأول أو القسم الثاني من قسم الصحيح وقسم الحسن، ولكني أوردت هذا لبيان أن مصابيح السنة من مظان الحديث الحسن.