إسلام ويب

شرح كتاب الباعث الحثيث - تعاريف أخرى للحسنللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحسن وصف لنوع من الأحاديث المروية، وقع في حده خلاف كثير يرده ابن الصلاح إلى الحسن لذاته والحسن لغيره، وأول من أصل للحديث الحسن هو الإمام الترمذي، والناظر في سننه يستبين ذلك بجلاء.

    1.   

    مناقشة تعريف الإمام الخطابي للحديث الحسن

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    وبعد:

    ففي الدرس الماضي تعرضنا لشرح الحديث الحسن، وقلنا: إن الحديث الحسن هو مرحلة وسط بين الحديث الصحيح الذي لا خلاف على صحته، وبين الحديث الضعيف الذي لا خلاف على ضعفه.

    وفي الدرس الماضي تعرضنا لتعريف الحافظ ابن حجر للحديث الحسن، وقلنا: إنه قال في النزهة عن الحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فإن خف الضبط فالحسن لذاته.

    إذاً: تعريف الحديث الحسن لذاته عند الحافظ ابن حجر هو نفس تعريف الحديث الصحيح، إلا فقدان شرط واحد وهو تمام الضبط في حق الثقة الذي يروي الحديث الصحيح، فيخف هذا الضبط شيئاً يسيراً جداً؛ فينزل الراوي من الثقة إلى الصدوق، فإذا كان في الإسناد رجل واحد صدوق أو أكثر فيكون إسناده حسناً، لا لغيره وإنما لذاته؛ لأنه استجمع أسباب الحسن في ذاته هو، ولم يأت بها من خارج الإسناد، وإنما توافرت في ذات الإسناد.

    وهناك تعريف للإمام الخطابي قال: هو ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.

    وهذا التعريف انتقد على الخطابي ؛ لأننا نعرف أن أي تعريف اصطلاحي لابد أن يتوافر فيه شرطان:

    أن يكون جامعاً، وأن يكون مانعاً.

    أي: جامعاً لأوصاف المعرف، ومانعاً من دخول أوصاف غيره فيه، فعندما أعرف الحديث الحسن لا يمكن أن أعرفه تعريفاً مانعاً يمكن أن ينطبق على الصحيح والحسن والضعيف، فإذا أردت أن أعرف الحديث الحسن فسأعرفه بتعريفات دقيقة جداً منضبطة تجمع كل شروط الحديث الحسن، وفي نفس الوقت تأبى أن يدخل في هذا التعريف غيره من أنواع الحديث، فلا يدخل في هذا التعريف الصحيح ولا الضعيف.

    فقول الخطابي : (هو ما عرف مخرجه)، معنى (عرف مخرجه): يعني: صحة طريقه، أي: أن يأتيني من طريق صحيح لا خلاف فيه، أو من طرق أخرى تدل دلالة قوية على أن للحديث أصلاً، كأن يأتي مثلاً من وجه مرسلاً، ومن وجه آخر مرفوعاً ضعيفاً فيه ضعف يسير، ومن طريق ثالث فيه مدلس لم يصرح بالسماع، ومن طريق رابع فيه راوٍ مجهول.. وهكذا، فإذا جمعت لك هذه الطرق توقن أنت بأن هذا الحديث له أصل؛ لأنه عندما تختلف هذه الطرق كلها -وإن كان في كل طريق على حدة نوع ضعف- هذا يعطيني في النهاية انطباع أنه لا بد أن يكون لهذا الحديث أصل.

    إذاً: اختلاف الطرق يؤدي أو يثمر أن للحديث أصلاً، وهذا مخرج الطريق أو مخرج الرواية.

    وهذا الكلام يصدق على الحديث الضعيف، بل على الحديث الموضوع، فإذا أتاني الحديث الموضوع من غير طريق، وفي كل سند من هذه الأسانيد وضاع أو كذاب؛ فهذه الطرق لا يرتقي بها الحديث، بل هي قرينة ودلالة على أن هؤلاء الرواة اختلقوا هذا الحديث، وفي النهاية أقول: هذا الحديث معروف مخرجه بالكذب.

    والحديث الصحيح إذا أتاني من غير طريق كل طريق ازداد به قوة، ربما تصل هذه الطرق إلى درجة التواتر؛ فيكون الحديث معروف المخرج يقيناً.

    ففي هذه الحالة عندما أريد أن أعرف الحديث الحسن لا يصح أن أقول: هو ما عرف مخرجه؛ لأن هذه كلمة غير مضبوطة؛ لأن الحديث الحسن يشترك مع الضعيف ويشترك مع الصحيح في هذا القيد: هو ما عرف مخرجه؛ لأن الصحيح كذلك، والضعيف كذلك، إذاً: الحسن لم ينفرد بهذا التعريف.

    وقوله: (واشتهر رجاله)، الصحيح كذلك، والضعيف كذلك، فالصحيح رجاله مشهورون بالتوثيق، والضعيف رجاله مشهورون بالضعف.

    إذاً: هذا القيد كذلك غير مجد في تعريف هذا النوع من الحديث وهو الحديث الحسن.

    وقوله: (وعليه مدار أكثر الحديث)، الكلام هذا أيضاً فيه نقاش، فلماذا لا يكون مدار أكثر الحديث على الصحيح؟ وهل هناك من أحصى السنة فعلم أن معظم الأحاديث الحسنة هي التي عليها مدار الفقه والعلم دون الأحاديث الصحيحة؟

    الجواب: لا يوجد.

    وقوله: (وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء)، كل قيد من هذه القيود عليه انتقادات؛ لأن أكثر العلماء ومعظم الفقهاء اعتمدوا كذلك على الحديث الصحيح.

    إذاً: في هذه الحالة نقول: إن تعريف الإمام الخطابي فيه نظر.

    1.   

    مناقشة تعريف الإمام الترمذي للحديث الحسن

    والإمام الترمذي له تعريف، وبعض الناس قالوا: الإمام الترمذي لم يعرف الحديث الحسن، وإنما عرف هذا من استقراء سننه، والصحيح أنه عرف الحسن بهذا التعريف الذي سنذكره الآن في نهاية كتابه السنن في الجزء المسمى بعلل الحديث.

    قال الترمذي : (هو الحديث الذي لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب)، يعني: هو ضعيف لكن ليس ضعفاً قوياً ولا شديداً، إنما ضعفه يسير، ولذلك عبر عنه هنا فقال: هو الحديث الذي يكون في إسناده راوٍ لم يتهم بالكذب، يعني: سيئ الحفظ أو لين أو مقبول أو مجهول الحال؛ فإن كل هذه العلل يسيرة تتقوى، لكن لو انفرد الراوي الذي حكم عليه أهل العلم بأنه مقبول، وقال عنه الحافظ في التقريب: مقبول -هذا مصطلح خاص بالحافظ ابن حجر ؛ لأنه قال في المقدمة: وما قلت فيه: مقبول؛ فحين المتابعة وإلا فلين، يعني: إذا توبع- إذا كان هناك من يشهد له ففي هذه الحالة حديثه حسن، إنما إذا كان الحديث مداره على الراوي ولا يروى من وجه آخر، وليس له متابع ولا شاهد؛ فالحديث فيه لين، أي: ضعف، فهو هنا يقول: هو الحديث الذي لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، أما الضعف اليسير فيمكن.

    قال: (ولا يكون شاذاً)، يعني: لا يكون هناك مخالفة، يعني: الراوي الضعيف إذا روى حديثاً معيناً يشترط ألا يكون هذا الراوي ضعيفاً جداً.

    والشرط الثاني: ألا يخالفه غيره من الثقات؛ لأنه لو خالفه غيره من الثقات فسيكون حديثه شاذاً.

    ثم قال: (ويروى من غير وجه نحو ذلك)، يعني: يأتي هذا الحديث الذي هو المتن بإسنادين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو عشرة، وإن كان في كل إسناد نفس نوع الضعف، يعني: لو أن الحديث روي بأربع طرق، فجئت أنظر في كل طريق فوجدت في كل إسناد راوياً مقبولاً، والمقبول هو من إذا توبع قبل حديثه، وإذا لم يتابع وانفرد برواية الحديث يرد حديثه؛ لأنه حينئذ لين، فهذا الحديث له أربع طرق، وفي كل طريق من هذه الطرق راوٍ مقبول، أو راوٍ لين، أو راوٍ سيئ الحفظ، كل هذه علل ترتقي، لكن انفراد كل راوٍ برواية حديث واحد على هذا النحو يكون ضعيفاً؛ لأن مدار الإسناد على هذا الراوي، وهذا الراوي فيه ضعف، فإذا انفرد ولم يتابعه عليه غيره ولم يكن لهذا الحديث شاهد من أحاديث أخر فهو في حالة انفراده يكون حديثاً ضعيفاً.

    ففي هذه الحالة أقول: إن الإمام الترمذي يشترط ثلاثة شروط للحديث الحسن:

    الشرط الأول: ألا يكون الراوي ضعيفاً جداً، بل يكون الضعف يسيراً.

    الثاني: ألا يخالفه أحد من الثقات، بمعنى: ألا يكون شاذاً.

    والثالث: ويروى من غير وجه على هذا النحو، بأن يكون في كل إسناد راوٍ ضعيف ضعفاً يسيراً.

    1.   

    مناقشة تعريف الحافظ ابن حجر للحديث الحسن

    والحافظ ابن حجر له تعريف، وهو: ما اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط، وقلنا: إن الراوي الذي خف ضبطه في مقابل تام الضبط؛ لأنه هو نفسه عندما عرف الحديث الصحيح قال فيه: هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط، وعندما عرف الحديث الحسن قال: هو ما اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط. فأنا عندي الآن راوٍ تام الضبط روايته صحيحة، وراوٍ خفيف الضبط، وهو ثقة مشابه للأول، لكن الفرق أن ضبطه ليس كضبط من روى الحديث الصحيح، هذا الراوي تنزل رتبة حديثه شيئاً يسيراً عن رواية الثقة؛ فيكون حديثه حسناً لذاته.

    فإن نزل في الضبط أكثر من ذلك -كأن يكون سيئ الحفظ- فالحديث ضعيف، وسيئ الحفظ ضبطه اختل؛ لأن الترتيب كالتالي: تام الضبط.. خفيف الضبط.. سيئ الحفظ.

    فتام الضبط هذا حديثه صحيح.

    وخفيف الضبط حديثه حسن لذاته.

    وسيئ الضبط عند الانفراد حديثه ضعيف.

    ونحن الآن نتحدث عن الانفراد في ثلاث حالات:

    انفراد الثقة، وحديثه صحيح.

    انفراد الصدوق، وحديثه حسن.

    انفراد الضعيف، وحديثه ضعيف.

    وعندما أقول: الحديث الصحيح لذاته: هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط عن مثله من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، هذا هو تعريف الحديث الصحيح، فإذا استجمع هذه الشروط يكون صحيحاً.

    حديث آخر أتاني من طريق متصل السند، ورواته عدول، وأحد رواته خف ضبطه شيئاً يسيراً؛ فسينزل إلى درجة الحسن.

    ونفس هذا الحديث أتى من طريقين أو ثلاثة أو أربعة طرق، فلما نظرت في كل الطرق وجدت في كل إسناد راوياً حكم عليه أهل العلم بأنه صدوق، ولم يقولوا عنه: ثقة، وإنما نزل عن هذه المرتبة قليلاً، ففي هذه الحالة أقول: هذا الحديث روي من أربع طرق أو من ثلاث طرق أو من طريقين، كل إسناد من هذه الأسانيد في ذاته حسن، ولو قلت في هذا الحديث في النهاية: هذا الحديث بمجموع طرقه حسن لذاته؛ فهذا الكلام غير صحيح، وتعدد الطرق في هذه الحالة لا قيمة له، فإذا كان كل إسناد لذاته حسناً؛ فإذا تعددت الطرق والأسانيد فلابد أن أرتقي قليلاً بالحديث، فأقول فيه: صحيح لغيره، يعني: قد استجمع أسباب الصحة والقوة من خارج كل إسناد، كأن يوجد شخص قوي شباب قد استجمع جميع أوصاف القوة والصحة البدنية في ذاته، ففي هذه الحالة سأقول: هذا إنسان قوي في ذاته، بمعنى: أنه قد استجمع أسباب القوة في ذاته هو، بخلاف أخيه الذي أصابته علة وآفة ووهن في بدنه، فالناس يرهبونه ويخافونه لا لأجله؛ لأنهم يعلمون أنه معلول ومريض وفيه ضعف، وإنما يخافون هذا الضعيف لأجل أخيه الذي يتوقعون منه البطش في أي وقت، ففي هذه الحالة سأقول: إن هذا الضعيف استجمع أسباب القوة من غيره.

    إذاً: أسباب الصحة إذا اجتمعت في رواة الإسناد -أي: في ذوات رواة الإسناد- ففي هذه الحالة سأقول: هذا الحديث صحيح لذاته، يعني: لم يجمع أسباب الصحة من خارجه، وإنما أسباب الصحة الخمسة قد اجتمعت في ذات الإسناد، سواء في كيفية روايته بأنه ليس شاذاً ولا معللاً بالانقطاع ولا غير ذلك، أو رواته؛ فإنهم ثقات عدول ضابطون.

    فإذا استجمع الإسناد أسباب القوة فسأقول فيه: هذا الإسناد قوي وصحيح في ذاته.

    لو نزلنا قليلاً في ضبط الراوي فنقول: إن هذا الراوي ليس تام الضبط، وإنما خفيف الضبط، يعني: يمكن أن يكون ضبطه تأثر قليلاً بضياع كتبه.. بمرض أصابه.. بعمى أصابه في آخر عمره وكان قارئاً، فلما عمي اختل ضبطه نظراً لعدم اجتهاده ونشاطه في المراجعة والحفظ والضبط.. وغير ذلك من الأسباب التي هي آفات تصيب ابن آدم، ففي هذه الحالة سأقول في هذا: من يوم أن عمي وخف ضبطه بدأ يخلط في الأحاديث: يأتي بإسناد من هنا ويركبه في هذا، وهكذا، فنقول عن هذا الراوي: قد اختلط، فهذا الاختلاط علة وآفة، لكن لا يرد بها رواية الراوي مطلقاً، والاختلاط فيه تفصيل سنذكره.

    ففي هذه الحالة سأقول: هذا الراوي اختل ضبطه شيئاً يسيراً؛ فينزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق، وأي إسناد فيه راوٍ صدوق يكون إسناداً حسناً لذاته.

    فإذا قلت عنه: إسناد صحيح فلا فرق بينه وبين الثقة، فأي إسناد أقل الرواة فيه رتبته صدوق فينزل من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن لذاته.

    ولو أتاني حديث في كل إسناد من أسانيده المتعددة راوٍ صدوق أو أكثر فكل إسناد من هذه الأسانيد على حدة حسن لذاته، فإذا تعددت الطرق على هذا النحو فيكون صحيحاً لغيره.

    نأتي إلى الحديث الحسن لذاته وهو ما قلنا فيه: أن ينفرد به الراوي الصدوق، فننزل عن هذه الرتبة نجد أن الراوي ليس متهماً بالكذب، فإذا كان الراوي متهماً بالكذب فليس بينه وبين الكذب إلا مرتبة واحدة، وينزل ويسقط تماماً، ومهما أتى حديثه من طرق متعددة فلا يقبل؛ لأن الكذب علة قوية جداً لا يمكن أن يرتقي بها الحديث، وإن أتى من ألف طريق على هذا النحو، يعني: لو أتاني حديث من ألف طريق، في كل طريق راوٍ كذاب؛ فسأقول: هؤلاء تواطئوا واتفقوا على اختلاق هذا الحديث.

    ففي هذه الحالة سأقول: الراوي لم يبلغ هذا المبلغ، بل هو بين خفة الضبط وبين الكذب.

    وأريد أن أقول من هذا الكلام: إن ضعفه يسير، ليس ضعفاً شديداً ولا قوياً.

    وهنا الإمام الترمذي يعبر عن الحديث الحسن بأنه: من ليس في إسناده راوٍ متهم بالكذب، يعني: أنه أحسن من هذا قليلاً؛ لأن المتهم بالكذب حديثه منكر أو موضوع، أما من ليس متهماً بالكذب فمثل راوٍ لين.. راوٍ سيئ الحفظ.. راوٍ يقبل عند المتابعة وإلا فلا، وكل هذه علل يرد بها الحديث، فإن أتى الحديث من غير وجه -والمقصود بالوجه الطريق أو الإسناد- فسأقول: إن كل إسناد من أسانيد هذا الحديث على حدة ضعيف، وباجتماع هذه الأسانيد التي خف ضعفها يرتقي، يعني: لو فرض أن الحديث لم يرو إلا من طريق واحد فإنه حديث ضعيف، لكن الطرق الكثيرة هذه يشفع بعضها لبعض، وعندما يشفع نقول عنه: حسن لغيره.

    ففي هذه الحالة سأقول: إن اجتماع هذه الطرق التي كل طريق منها خفيف الضعف سيرتقي الحديث من الضعيف إلى الحسن لغيره لا لذاته؛ لأنه لو كان لذاته يلزم أن يكون الإسناد المروي إسناداً واحداً قد استجمع صفات الصدق في ذاته وفي نفسه، أما الحسن لغيره فهو لا يكتسب الحسن إلا باجتماع الطرق، فهو جمع أسباب الحسن من خارجه.

    فالإمام الترمذي يقول : الحديث الحسن: هو ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب. وهذا الشرط الأول.

    وألا يكون شاذاً. وهذا الشرط الثاني.

    ويروى من غير وجه نحو ذلك، يعني: يأتي من طرق متعددة، وهذا الكلام يصدق على الحسن لغيره.

    وتعريف الترمذي هذا موجود في كتاب العلل.

    1.   

    كلام الشيخ ابن الصلاح في الحديث الحسن وما قيل فيه

    قال: أبو عمرو بن الصلاح : وقال بعض المتأخرين -مثل أبي الفرج بن الجوزي ، والخطيب البغدادي - في تعريف الحديث الحسن: هو الحديث الذي فيه ضعف يسير محتمل، ويصلح العمل به.

    وهذا الكلام مرفوض؛ لأن هذا الكلام لا يصدق إلا على الحديث الضعيف ضعفاً يسيراً، وهذا الكلام يحتاج إلى تفصيل، هل تقصد بقولك: الحديث الذي فيه ضعف يسير محتمل أنه يقبل؟ فكلمة يقبل لا بد لها من ضابط، فيمكن أن يقبل إذا توبع، ولا يقبل إذا انفرد.

    إذاً: لا بد أن أفرق بين التعريفين من حيث انفراد الراوي، أو متابعته بالرواية.

    فالراوي الذي فيه ضعف يسير إذا انفرد يكون حديثه ضعيفاً، فإذا أتى الحديث من طريق آخر فيه ضعف يسير يحتمل فيكون حديثاً حسناً لغيره.

    إذاً: هذا التعريف يصدق على الضعيف ولا يصدق على الحسن، إلا إذا كان مقصده: ويروى من غير وجه نحو ذلك.

    ثم قال الشيخ ابن الصلاح : وهذا كله مستبهم لا يشفي الغليل، أي: أن هذه التعريفات التي مرت كلها لا تصدق على وضع حد جامع مانع للحديث الحسن، فكل تعريف من هذه التعريفات عليه اعتراض، فهي لا تشفي غليلاً ولا تروي ضمآناً.

    تقسيم ابن الصلاح للحسن إلى حسن لغيره وحسن لذاته

    قال: وليس فيما ذكره الترمذي ولا الخطابي ما يميز الحسن عن الصحيح، وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان:

    أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا متهماً بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر؛ فيخرج بذلك عن كونه شاذاً أو منكراً.

    بعد أن نظر في تعريفات العلماء المتعددة التي فاقت العشرين تعريفاً للحديث الحسن وجد أن مدار هذه التعريفات كلها على نوعين:

    حسن لغيره؛ وهو في أصله ضعيف.

    وحسن لذاته؛ وهو الذي نزل شيئاً يسيراً عن مرتبة الصحيح.

    فهو يعرف الحديث الحسن لغيره فيقول: هو الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، وضرب مثالاً للضعف اليسير بالمستور، وأنتم تعرفون أن المستور هو الذي يعبر عنه أهل العلم بالمجهول: إما جهالة عين، أو جهالة حال، إما شخص الراوي غير معروف، وإما هو معروف ولكن لم يزكه ولم يجرحه أحد، لكنه من حيث الاسم والنسب والكنية والبلد واللقب وغير ذلك معروف، فعندما نأتي نبحث عن أقوال النقاد فيه بالجرح أو التعديل فلا نجد عنه شيئاً، هو بهذا الحال مجهول، حاله مستور عنا، لا نعرفه، ففي هذه الحالة يستوي أن يكون مستوراً أو مجهولاً.

    فهو يقول: الحديث الحسن: هو ما كان في إسناده راوٍ مستور لم تتحقق أهليته، يعني: لم يتأكد من عدالته، ولا من جرحه، فأهليته بالنسبة لنا غير معروفة، ويستوي في ذلك أن يقول الراوي: حدثني رجل قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي عليه الصلاة والسلام، أو يقول: حدثني رجل من أهل البصرة، فحتى لو قال: حدثني أهل البصرة كلهم، نقول له: لابد أن تحدد، ولابد أن تذكر اسمه، فإن ذكر لنا اسماً غير معروف فإن الاثنين سواء، هذا ضعيف وهذا ضعيف، إما أنه أخفى عنا عين الرجل، وإما أنه ذكر عينه ولكن خفي علينا حاله، بمعنى: أنا لا نعلم حاله، أهو ثقة أم ضعيف؟ لأنه ليس فيه جرح ولا تعديل.

    ففي هذه الحالة سأقول: إن هذا الإسناد في حد ذاته ضعيف، لكن لو أتاني هذا الحديث من وجه آخر فيه راوٍ لا بأس به، وإسناد ثالث فيه راوٍ مدلس ولم يصرح بالسماع، ومن طريق رابع فيه راوٍ سيئ الحفظ، ومن طريق خامس مرسلاً، ومن طريق سادس منقطعاً، أقول: هذا الحديث لابد أن يكون له أصل؛ لأنه روي بعدة طرق، كل طريق منها على حدة ضعيف، ولكن بانضمام هذه الطرق لابد له من أن يرتقي من الضعيف إلى شيء أحسن قليلاً، وهو أنه يكون حسناً لغيره.

    فهو قال هنا: الحديث الحسن قسمان:

    القسم الأول: هو الذي لا يخلو رجال إسناده من مجهول لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، يعني: لا يكون ضعفه شديداً، إنما في كل إسناد راوٍ ضعفه يسير؛ لأن الضعف اليسير هو الذي يتقوى، وقد ضربت أمثلة، وأما الضعف الشديد فإنه لا يتقوى؛ وهذا هو الشرط الثاني.

    الشرط الثالث: ولا هو متهم بالكذب، يعني: لا يكون كذاباً ولا متهماً بالكذب.

    وتنبه إلى أن هناك فرقاً بين راوٍ متهم بالكذب، وبين راو كذاب، فالكذاب مقطوع بكذبه، فعندما تقول: فلان متهم بسرقة كذا، وفلان ثبتت عليه التهمة، هناك فرق بين الاثنين؛ فقولك: فلان متهم يعني: هو محل نظر، يمكن أن تثبت التهمة ويمكن ألا تثبت، بخلاف من ثبتت عليه السرقة نفسها، فيقال: فلان سارق وحرامي ولص، ففي هذه الحالة سأفرق بين مسألتين: بين راوٍ متهم بالكذب حديثه منكر، وبين راو كذاب حديثه مختلق ومصنوع وموضوع.

    ففي هذه الحالة سأقول: ينظر إلى متن الحديث نفسه، والمتن: هو ما انتهى إليه السند من الكلام، هذا المتن إن أتى من أكثر من طريق وفي كل طريق علة يسيرة من هذه العلل فيرتقي إلى الحسن لغيره، وابن الصلاح يقول: وعلى هذا القسم يتنزل كلام الترمذي ، يعني: تعريف الترمذي السابق يصلح على هذا القسم، وهو الحسن لغيره.

    فالإمام ابن الصلاح عنده الحسن قسمان:

    القسم الأول: هو الحديث الذي يروى وليس في إسناده من يتهم بالكذب، ويروى من غير وجه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً، وألا يكون راويه شديد الضعف، نحو: المستور والمقبول واللين، وغير ذلك، إذا روي حديث من غير وجه على هذا النحو فنقول: بانضمام هذه الطرق بعضها إلى بعض يرتقي الحديث من الضعف إلى الحسن لغيره؛ لأنه قد جمع أسباب الحسن من خارجه.

    وأنا الآن لو نظرت في أحد هذه الأسانيد التي روي بها هذا الحديث، ووجدت إسناداً من بين خمسة أسانيد حسناً لذاته، وأربعة طرق أحدها مستور، والثاني مجهول، والثالث لين، والرابع اختلط؛ ففي هذه الحالة عندما يكون أمامك حديث بهذه الطرق الخمسة ستحكم على الحديث في النهاية بأنه صحيح لغيره؛ لأن أحد هذه الطرق حسن لذاته، وهذه الأربع الطرق ستؤدي مهمة، فيرتقي بها الحديث إلى الصحيح لغيره.

    هذا القسم الأول من أقسام الحديث الحسن عند ابن الصلاح .

    القسم الثاني: قال: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، يعني: ليس ثقة، وإنما هو صدوق ينزل من رتبة راوي الحديث الصحيح إلى رتبة راوي الحديث الحسن لذاته؛ لأنه كما قلنا: عندما تريد أن تبحث وتكشف عن رجال الإسناد في كتاب التقريب لـابن حجر عليه رحمة الله تجده سيقول: فلان صدوق، فإذا كان الحديث رواته ثقات، إلا فلاناً فإنه صدوق، فالحديث حديث حسن لذاته، فـابن الصلاح يقول: أن يكون راوي الحديث الحسن من المشهورين بالصدق، يعني: صدوق، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح، يعني: لم يبلغ مرتبة التوثيق، لا يقال عنه: ثقة، ولا إمام، ولا حافظ، ولا متقن، وإنما هو أقل من هذا.

    قال: (ولا يعد ما ينفرد به منكراً)، يعني: لو انفرد هذا الراوي الصدوق سنقول عن حديثه: إنه حسن.

    ومعنى ذلك: أن الصدوق لو انفرد برواية ستكون روايته مقبولة، إلا إذا خالف، ففي هذه الحالة سأقول: أنت صدوق مخالف للثقة؛ فحديثك شاذ، لكن كونك تنفرد برواية حديث لوحدك لا يوافقك أحد عليه، ولا يعارضك أحد، فحديثك إذاً حسن؛ لأنك لست ضعيفاً، ولا متهماً، بل كل ما في الأمر أنك تنزل رتبة يسيرة عن رتبة رجال الصحيح، يعني: عن رتبة رجال الحديث الصحيح وليس رجال الصحيحين.

    ففي هذه الحالة سنقول عن حديثه: إنه حسن.

    قال: (ولا يعد ما ينفرد به منكراً، ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً)، علل في الإسناد وعلل في المتن، فالمتن خال من الشذوذ والعلة، والإسناد خلا من الضعف وخلا من الشذوذ؛ لأن الشذوذ يكون في الإسناد وفي المتن، والعلة تكون في الإسناد وفي المتن، لكن المتن لا يلحقه إلا الشذوذ والعلة، كأن يكون مخالفاً لحديث آخر، أو يكون هذا مما لا يقبله أهل العلم قاطبة، وأجمعوا على أن السنة خلاف ذلك، أو أن هذا الحديث يخالف آية في كتاب الله تعالى محكمة، أو غير ذلك.

    وقد يكون في الحديث نظر؛ وذلك إذا كان هذا الحديث يخالف الأصول العامة المجمع عليها في اعتقاد المسلمين، كحديث روي بإسناد صحيح رواته جميعاً ثقات، لا يوجد في السند واحد صدوق، بل كلهم ثقات، والحديث عن ابن عباس : (أن الله تعالى خلق سبع سماوات وسبع أراضين، جعل في كل أرض وفي كل سماء آدم كآدمكم، ونوحاً كنوحكم، وموسى كموساكم، وعيسى كعيساكم)، وهذا الكلام ليس في اعتقاد المسلمين، ولذلك ابن كثير والإمام البيهقي قالوا: هذا حديث قد روي بإسناد في غاية النظافة، يعني: في غاية الصحة، ولكنه في غاية النكارة من جهة المتن؛ لأنه يخالف ما أجمع عليه المسلمون في عقيدتهم، كما يخالف كتاب الله تعالى، وما صح من الأحاديث، وإن كان رواته كلهم ثقات، لكن لا عبرة به؛ لأنه يخالف الأصول العامة التي أجمعت عليها الأمة.

    ولذلك نحن نقول: إن الأصل في صحة المتن صحة الإسناد، يعني: لو صح الإسناد صح المتن، ولكن ليست هذه قاعدة مطردة، فربما يكون المتن شاذاً أو معللاً، يعني: تنتابه علة أو شذوذ، ففي هذه الحالة أقول: رغم صحة الإسناد إلا أن هذا الحديث مردود، لكن هذا الإسناد خلاف الأصل، وهو أنه إذا صح الإسناد صح المتن.

    ولذلك العلماء يفرقون بين قول المحدث: إسناد صحيح وحديث صحيح، فإسناد صحيح يعني عند الإطلاق: صحة المتن، لكن ربما تلحق المتن آفة.

    أما قولهم: حديث صحيح، أي: الصحة قد انطبقت على السند وعلى المتن، سواء جاء هذا الحديث من طريق واحد، أو من أكثر من طريق.

    ولذلك يقول: وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي. يعني: هو اعتبر أن الحديث الحسن نوعان: حديث حسن لغيره، وحسن لذاته.

    فالحديث الحسن لذاته: هو ما اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط من غير شذوذ ولا علة.

    والحديث الحسن لغيره: هو ما رواه راوٍ مستور -أي: ليس ضعفه شديداً- ولا يكون شاذاً ولا معللاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك.

    وهذا التعريف الثاني هو الذي يتنزل عليه مصطلح الحديث الحسن لغيره.

    وقوله: (ويروى من غير وجه) مقصوده: أن يكون له أسانيد متعددة، كل إسناد فيه علة وفيه آفة، لكنها علة في ذاتها يسيرة، وأنا أقول: يسيرة؛ لأن هناك عللاً شديدة جداً، لو أتت من غير طريق على هذا النحو ونفس النسق لا يرتقي بها الحديث، ولذلك يقول: (ولا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة أن يكون حسناً)، يعني: ليس بلازم، يعني: تعدد الطرق ليس شرطاً أن يرتقي به الحديث؛ لأن الضعف يتفاوت فمنه ما لا يصلح في المتابعات، كرواية الكذابين أو المتروكين ونحوهم، ومنه ضعف يزول بالمتابعات، كرواية المستور ونحوه.

    1.   

    ذكر أول من أصل الحديث الحسن

    الحديث الحسن أول من أصَّل له الإمام الترمذي ، أول من أصل له لا أول من عرفه؛ لأن الحديث الحسن كان معروفاً قبل الترمذي ، كان معروفاً من كلام علي بن المديني ومن كلام البخاري ، وهؤلاء من شيوخ الترمذي ، وكان معروفاً أيضاً من كلام الإمام أحمد بن حنبل ، وكان أيضاً معروفاً من كلام الشافعي ، وكان يعبر عنه بالإسناد الجيد، أو بالحديث الجيد.

    فرتبة الحديث الحسن كانت معروفة لدى أهل العلم قبل الترمذي ، لكن الترمذي هو الذي أصل له تأصيلاً، ولذلك إذا نظرت في سنن الترمذي ستجد أنه الوحيد الذي يقول: هذا حديث حسن صحيح، هذا حديث صحيح، هذا حديث حسن، هذا حديث حسن صحيح غريب، هذا حديث حسن غريب، هذا حديث غريب، يكثر من هذه الرتب للأحاديث، ويحكم عليها بهذه الأحكام.

    1.   

    تفسير جمع الترمذي أكثر من وصف للحديث الواحد

    ونحن عرفنا أن الترمذي في تعريفه إنما قصد الحسن لغيره، وتَعْرِيف الترمذي هذا ينطبق على كل حديث قال فيه في سننه: (حسن) فقط، إلا ما ندر، بخلاف ما لو قال: (حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، وهذا مصطلح آخر له، يقول: وهذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، يعني: ليس له إلا هذا الطريق، ومع هذا فهو حسن.

    فأنا عندما أرى مصطلح الترمذي حينما يقول في عقب الحديث: هذا حديث حسن صحيح، أقول: كيف ذلك؟

    ففي هذا الكلام إشكالية، فإذا كان صحيحاً فهل هو لذاته أم لغيره؟ وكيف يكون صحيحاً سواء لذاته أو لغيره وحسناً في نفس الوقت؟ هذه إشكالية تحتاج إلى حل، وحلها من وجهين:

    الوجه الأول: إما أن يكون هذا الحديث له طريقان: أحدهما صحيح، والآخر حسن، فجمع الترمذي بين الوصفين اللذين روي بهما هذا المتن وهذا الحديث، فالحديث له طريقان: أحدهما رواته ثقات، والآخر في رواته صدوق، فبدلاً من أن يقول: حسن وصحيح قال: حسن صحيح، فهو بهذا جمع بين وصفين في قول واحد على حديث واحد.

    الوجه الثاني: اختلاف النقاد في رتبة راوٍ في هذا الإسناد، ولم يترجح لدى الترمذي أحد القولين، فبعض النقاد قال عن راوٍ: ثقة، والبعض الآخر قال عنه: صدوق، فنظر الترمذي في ترجمة هذا الراوي وسبر غور حديثه حتى يترجح لديه أهو ثقة أم صدوق فلم يترجح لديه ذلك، فقال عن حديثه: حديث حسن صحيح، (حسن) باعتبار قوم، و(صحيح) باعتبار قوم آخرين، فالحديث هنا ليس له طرق متعددة، إنما هو طريق واحد، وحكم الترمذي بحكمين إنما هو لاختلاف النقاد في الراوي الواحد، فالبعض يقول عنه: ثقة، فإذاً الحديث باعتبار هذا القول صحيح، والبعض الآخر يقول عنه: صدوق، فالحديث باعتبار هذا القول حسن، وكأن الإمام الترمذي أراد أن يقول في هذا الحديث: صحيح أو حسن، وفي الأول أراد أن يقول: صحيح وحسن؛ باعتبار تعدد الطرق، فالطرق أحدها صحيح والآخر حسن.

    وفي الحكم الثاني على حديث آخر كأنه أراد أن يقول: صحيح أو حسن، غير أنه حذف حرف الاختيار (أو) فقال: حسن صحيح، كما قال في الأول: حسن صحيح.

    ولذلك عندما تنظر في كلام الترمذي وتتبع أنت الطرق تجد الترمذي يحكم على حديثين يقول عن واحد منهما: حسن صحيح، وحديث آخر يقول عنه: حسن صحيح، فتأتي تبحث عن الحديثين تجد أن أحد هذين الحديثين له طرق متعددة، والحديث الآخر ليس له إلا طريق واحد، والحكم واحد، فكيف ذلك؟

    تأتي تبحث عن رواة الإسناد تجد أن فيه راوياً وقع النقاد في اختلاف فيه، فبعضهم وثقه، وبعضهم قال عنه: صدوق، ففي هذه الحال يقصد الترمذي : (حسن) باعتبار قوم، (صحيح) باعتبار قوم آخرين.

    بخلاف تعدد الطرق فإنه يقصد فيها: أحدها حسن والثاني صحيح.

    ولو قال الترمذي : (حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فإنه يقصد الحسن لذاته؛ لأنه يقول: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، يعني: ليس له إلا إسناد واحد، وقال عنه: حسن؛ فهو حسن لذاته.

    ولو قال: (حسن) فقط، فنظرت أنت في إسناد هذا الحديث فوجدت فيه راوياً ضعيفاً ضعفه يسير، فيا ترى كيف حكم عليه الترمذي بأنه حسن مع ضعف هذا الراوي؟ تأتي تبحث في متون كتب السنة عن طريق آخر، تجد طريقاً آخر وثانياً وثالثاً ورابعاً، وكلها على هذه الشاكلة.. كل طريق فيه نوع ضعف، ففي هذه الحالة ستقول: الترمذي في هذا الحديث قصد أنه حسن لغيره، وإلا فكيف قال في هذا الحديث: حسن، وقال في الثاني: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه؟ فهو يفرق بذلك بين الحسن لغيره والحسن لذاته.

    ولو قال: (حديث صحيح حسن غريب)، فمعنى قوله: (غريب) أي: فرد، ليس له إلا إسناد واحد، فهو (حسن) باعتبار قوم (صحيح) باعتبار قوم آخرين، (غريب) أي: ليس له إلا هذا الإسناد.

    ولو قال عن حديث أو عن إسناد: (حديث غريب)، فالغالب على كلامه أنه قصد به الضعف، فإذا قال الترمذي في سننه عن حديث: هذا حديث غريب؛ فاعرف أنه حديث ضعيف.

    الشاهد من هذا: أن كتاب سنن الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن.

    وكذلك أبو داود له كلام جميل جداً في تقسيم سننه وبيان ما أودعه فيه من فوائد ونكت، كتب بهذا رسالة إلى أهل مكة يصف لهم فيها سننه.

    1.   

    منهج البغوي في تقسيم الحديث في كتابه مصابيح السنة

    أما كتاب مصابيح السنة للإمام البغوي فقد ذهب فيه مذهباً في غاية العجب، لم يسبق ولم يلحق إليه؛ حيث قسم الحديث في كل باب من أبواب هذا الكتاب إلى قسمين:

    قسم الصحيح.

    وقسم الحسان.

    فمثلاً: الإمام البغوي يقول: باب الاستنجاء:

    القسم الأول: روى البخاري ومسلم .. روى البخاري .. روى مسلم .

    القسم الثاني: روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، روى أبو داود .. روى ابن ماجه .. روى أحمد . والإمام البغوي في هذا الكتاب، قال: أنا منهجي أنني أجعل في كل باب من الأبواب الأدلة إلى قسمين:

    قسم أسميه الصحيح، وقسم أسميه الحسن، قالوا: كيف هذا الكلام؟

    قال: الصحيح: هو الأحاديث التي رويت في الصحيحين أو في أحدهما.

    والحسن: هو ما روي في السنن أو في أحدها.

    وهناك في السنن أحاديث في القوة والمتانة أقوى وأعظم من بعض أحاديث الصحيحين، فقال: لا مشاحة في الاصطلاح، هذا اصطلاح خاص بي، فقال العلماء: نحتمله على مصطلحه هذا، وإن كان أهل العلم يخالفونه في هذا التقسيم.

    وأظن أن مسألة الحديث الحسن أصبحت متضحة جداً، ولو أردنا أن ننهي القول لقلنا: إننا درسنا في علم المصطلح التعريفات الأولية التي لا ينبغي لطالب علم الحديث أن يجهلها، مثل المتن والإسناد والمسنَد والمسنِد، والمعلق والمعضل وغيرها، وهي تعريفات سريعة لكنها تفيد المقصود بإذن الله تعالى هذا أمر.

    الأمر الثاني: أننا قلنا: إن الحديث من جهة وروده إلينا -أي: بالنظر إلى الطرق التي روي بها الإسناد- إذا كانت طرقه كثيرة جداً فيكون الحديث متواتراً، وإذا كانت الطرق محدودة رواية أو اثنتين أو ثلاثاً لا يبلغ مرتبة التواتر فيكون حديثاً آحاداً، وقلنا: إن الحديث المتواتر لا علاقة له بعلم الإسناد؛ لأنه صحيح قطعاً.

    وعلم مصطلح الحديث ينظر في الإسناد والمتن من جهة القبول والرد، وهذا لا يستقيم إلا مع قسم الآحاد؛ لأن المتواتر صحيح وثابت يقيناً، مثل القرآن، فالمتواتر حكمه حكم القرآن الكريم.

    والحديث الآحاد قسمناه إلى مقبول ومردوده فالمقبول أربعة أنواع:

    صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره.

    والمردود هو الضعيف بجميع أنواعه.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.