إسلام ويب

الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على منكري الختانللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أعداء الإسلام كثر، فمنهم من يسيء إليه وهم من بني جلدتنا، ومنهم من يكشر أنيابه عداوة وبغضاً من أهل الكفر والطغيان، فيروجون الشبهات ويعقدون المؤتمرات لمحاربة هذا الدين، كإنكار مشروعية الختان الثابت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي آثار السلف رحمة الله عليهم، لاسيما ختان الإناث الذي شرعه الله عز وجل مكرمة للمرأة ونظارة لوجهها وحفظاً لشرفها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

    1.   

    الفريقان المسيئان إلى الإسلام

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    فريقان من الناس يسيئان غاية الإساءة إلى دين الله عز وجل:

    أما الفريق الأول: فهو من بني جلدتنا وممن يتكلم بلساننا ويدين بديننا، المسلم والمسلمة كلاهما يمارس شعائر الدين على غير الوجه المرضي الذي أراده الله تبارك وتعالى، فلا هو أدى الشعيرة كما ينبغي، ولا هو صان الشريعة عن لعبه وعبثه.

    ولذلك هذا مدخل عظيم جداً لأهل الإلحاد زمن العلمنة، أنهم ينسبون الأخطاء إلى الدين نفسه، فيقولون مثلاً: إذا أخطأ فلان من الناس شيخ أو عالم أو شاب من شباب الصحوة في مسألة يقول مرضى القلوب: انظروا أهذا هو دينكم؟ أهذا هو الإسلام؟!

    ولذلك يحسن بي في هذه المناسبة أن أنبّه شباب الصحوة إلى أن كل خطأ منهم -وإن كان خطأ شخصياً- محسوب عليهم وعلى دين الله عز وجل، فليتق الله تبارك وتعالى شباب الصحوة في أقوالهم وأفعالهم؛ لأن العلمانيين ينسبون الأخطاء إلى دين الله عز وجل؛ لأنهم يتغافلون أو يتناسون القاعدة التي تقضي بإن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يُعرفون بالحق، ولذلك أهل العلم من السلف قالوا: اعرف الحق تعرف أهله، فمعرفة الحق أولاً.

    فالميزان الذي تُقاس به الأمور ويُقاس به الصواب والخطأ، ويُقاس به البطلان وغيره هو الكتاب والسنة، هذا هو الميزان المنضبط الذي تُقاس وتوزن به الأعمال والأقوال، فهو الحاكم على الرجال، وليس الرجال هم الحاكمون عليه.

    هذا الفريق الأول من بني جلدتنا، يسيء إلى الإسلام باستخدام الإسلام نفسه، وبعبادة الله عز وجل على غير مراد الله عز وجل.

    ولذلك فنحن ننبه مرة ثانية إلى أنه ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يراعي مراد الله تبارك وتعالى في النص، فليس النص وحده كافياً حتى يقال: إنك متبّع، بل فهم النص أولى من النص نفسه.

    هذا الفريق الأول، وسنعلم في أمر الختان -وهو محل الدرس- أن الإسلام قد أُتي من هذه الزاوية، أي من قِبل هؤلاء الجُهّال المغفلين.

    وأما الصنف الثاني: عدو كاشح ليس من الإسلام أصلاً، أو أن يكون مظهراً للإسلام مبطناً للكفر، أي: من المنافقين، عدو كافر يتلمس الأخطاء التي أخطأ بها الفريق الأول، فيدفعه بغضاؤه إلى الحمل على هذا الدين والكيد له، وإطلاق ألسنة حداد على شرائعه وفرائضه، وهؤلاء هم الذين قال الله تبارك وتعالى في شأنهم: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217].

    إنَّ الحرب دائرة بين الخير والشر، بين الإيمان والكفر، بين الصواب والخطأ منذ أن خلق الله تبارك وتعالى آدم ووقعت الخطيئة، وافترق الناس فريقين، والحرب دائرة بين الخير والشر يتناطحان إلى قيام الساعة، وأهل الشر لا يرضون أبداً من أهل الإيمان أن يضبطوا أفعالهم ولا أقوالهم، ولا يرضون إلا بالخروج من هذا الإيمان والدخول في الكفر؛ ولذلك الله تبارك وتعالى قال: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    فاليهود والنصارى ليس غاية أمانيهم أن يترك المسلمون الختان، وإنما غاية أمانيهم أن يخرجوا من دائرة الإيمان فيدخلون معهم في الكفر فيكونون سواء، في هذه اللحظة يتم الرضا، وبدون هذا لا يكون هناك رضا، ولذلك قال تبارك وتعالى: وَلَنْ تَرْضَى [البقرة:120] فالرضا لن يكون إلا بعد خلع الإيمان ولبس لباس الكفر، عافانا الله تبارك وتعالى منه.

    وهذا الفريق أيضاً قال الله تبارك وتعالى فيه: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [الصف:8] الكلام الذي يخرج من أفواههم غايتهم ومرادهم به أن يطفئوا نور الله، وأن يطفئوا نور الكتاب ونور السنة، ليس لهم مراد ولا غاية إلا هذا وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف:8-9] أي: على جميع الأديان والملل الكافرة، ولا يكون هناك دين ظاهر إلا دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9].

    وإن شئت أن تضيف إلى هذين الفريقين فريقاً ثالثاً فتقول: وفريق يفتي وهو لا يدري من حوله، ولا يدري أن المجتمع أراد منه أن يتلقف تلك المعلومة ليفسد بها في الأرض، وليبين بزعمه عوار الشريعة وفسادها.

    فمثلاً أضرب أمثلة: نوادي الروتاري، والماسونية، والعلمانية، كل هؤلاء لهم نواد معينة، ويعلمون تمام العلم أنهم مهما فعلوا فلن تروج بضاعتهم إلا في وسط إيماني شرعي، فماذا هم فاعلون؟ فكّروا وقدّروا، فقالوا: لا بد من إضفاء صفة الشرعية على هذه النوادي الكفرية الماسونية، فماذا يفعلون؟ يذهبون إلى عالم من العلماء فيقولون: نحن أعضاء جمعية كذا الخيرية، لا يذكرون ماسونية ولا علمانية ولا غير ذلك، وإنما سموا جمعياتهم بأسماء وهمية ظاهرها أنها جمعية خيرية، فيقول أحدهم: أنا رئيس مجلس إدارة جمعية كذا الخيرية، ونحن نود من فضيلة الشيخ فلان أن يشرفنا في يوم كذا بإلقاء محاضرة بمناسبة كذا، فهذا العالم المسكين الذي لا يدري من الذي دعاه، ولا في أي موطن يضع قدمه يقبل هذه الدعوة بحسن نية، فيذهب إلى هناك ويكونون في هذا اليوم قد أخفوا أي لافتة تُظهر ما في بطنها من كفر، فيذهب الشيخ المحترم ويعطي محاضرة بحسن نية، فيأتون بعد ذلك بدفتر يسمى (دفتر الضيافة) فيقولون: لو أن فضيلة الشيخ سجّل زيارته وتاريخ الزيارة، وأبدى رأيه فيما نحن عليه من نشاط ودعم لكان ذلك مشكوراً له، ولا شك أن هذا الدفتر قد أُعد إعداداً لسحق أرجل أهل العلم إلى أن يكونوا أعضاء -شاءوا أم أبوا- في هذه النوادي، فيوقّع الشيخ على هذا، ويسجّل رأيه في نشاط الجمعية، وفي الغالب يكون هذا الرأي حسناً، ثم تستخدم هذه الجمعيات الكفرية توقيع الشيخ وزياراته ومحاضراته لبث سمومها وسط الشباب المسلم، ويكون هذا الدفتر الذي قُدّم للشيخ ليس هو دفتر المحاضرين ولا الضيافة، وإنما هو دفتر العضوية، فتنزل كتب هذه النوادي بعد ذلك والأعضاء فيها هم فلان وفلان وفلان.. فتفاجأ بأن أهل العلم جميعاً من أعضاء هذا المجلس الإداري، مما ينتج عنه بعد ذلك فقدان الثقة بين شباب الصحوة وعلمائها، فإذا قلت لك: إن فلاناً العالم يُعطي محاضرة في المسجد الفلاني، فتقول: أنا لا أسمعه، وهذا رجل علماني، هذا ماسوني، وبين يدي الدليل، وتخرج هذا الكتاب الذي أصدرته تلك الجمعية الماسونية فتقول: هو -أي: هذا العالم- قد سجّل اسمه وهذا توقيعه وهذه صورته، وكان يلقي المحاضرات في هذه الجمعية وهو من أعضائها.

    فأعداء الدين يكيدون للإسلام وأهله بكل وسيلة وسبيل، ولذلك أهل العلم على جهة الخصوص وطلبة العلم لا بد أن ينظروا إلى أعمالهم وأقوالهم نظرة من بعد، أي: ينظر أمامه ثم ينظر في موضع قدمه، ليرى أين يضع قدمه؟ هل يضعها في الوحل والطين والعفن، أو يضعها موضعاً يخدم به دين الله عز وجل؛ لأن حسن النية وحده لا يكفي، لا بد من الاستقامة ولا بد أن يكون العالم عالماً بواقعه، يبصر مواقع نبل الأعداء وسهامهم، لا بد أن ينظر إليها نظرة متفحّص، وسوء الظن بأعداء الإسلام عصمة من الزلل والهلاك.

    1.   

    المؤتمرات المنعقدة للنقاش حول مشروعية ختان الإناث

    فهنا يتبين أن من شرائع الإسلام وشعائره ختان الذكور والإناث، وخاصة ختان الإناث، فقد كثُر حوله اللغط والغلط والجدل، ويجعلونه من الموضوعات الشائكة التي نالت النقاش الطويل من قديم الزمان قبل الإسلام وبعده، وكل يفتي ويدلي برأيه، والله تبارك وتعالى من وراء القصد، فجاءت السنة النبوية بعد القرآن الكريم موضحة ومفسرة لنصوص القرآن الكريم.

    وقضية الختان من القضايا التي أولتها الشريعة الإسلامية الغراء اهتماماً خاصاً، فأزالت عنها الغموض وتكلم فيها أئمة الفقه الإسلامي، ولم يغفلوا هذا الجانب.

    إن أعداء هذا الدين عقدوا المؤتمرات والندوات الطويلة منذ العقد الخامس من هذا القرن، بل وقبل ذلك، ولم ينصب العداء إلا في سنة 1951م عندما عُقد مؤتمر في (نيروبي) في دراسة موضوع رأي الدين في ختان الإناث، وبناء على دعوة من الهيئة الدولية لصحة الأمومة والطفولة دعت الهيئة فضيلة الشيخ: عبد الوهاب النجار، وأوضح فضيلته أن الختان لم يرد في القرآن الكريم، وورد عنه في السنة أحاديث قال العلماء فيها: إن أسانيدها فيها طعون، وإذا افترضنا صحتها فلا نجد أمراً من النبي صلى الله عليه وسلم بختان الأنثى أو دعوة صريحة منه تفيد هذا الختان، وذلك فضلاً عما يترتب على الختان من متاعب صحية ونفسية على الفتاة قبل الزواج وبعده؛ ولذلك فإن بعض الدول العربية التي تشدد في تطبيق السنة -يقصد بذلك السعودية- لا تمارس عادة الختان للفتاة.

    وكان قد دعا فضيلته الأمهات في المؤتمر إلى أن يُعلن في نساء بلادهن ضرورة الإقلاع عن هذه العادة التي ثبت أن إثمها أكثر من نفعها كالخمر تماماً.

    وبذلك نحمي الفتاة من العدوان البدني عليها عن طريق أحب الناس إليها وهم الآباء والأمهات.

    هذه فتوى فضيلة الشيخ، واستمر الوضع كذلك حتى طالعتنا الأنباء بعقد مؤتمر السكان المشئوم المنعقد سنة 1994م الذي عُقد في صعيد مصر، واجتمع إليه حثالة العالم أجمع؛ ليقرروا بعد ذلك شرعية اللواط وحرمة الختان، بل أوجبوا على الأمم الأعضاء التي شاركت في هذا المؤتمر تقرير الإباحية وجواز الاختلاط، وجواز الاستمتاع بين الرجال والنساء دون عقد زواج أو غير ذلك، كل في دولة العلم والإيمان، وقد استضفناهم وأكرمناهم غاية الإكرام كما أكرمونا وأفسدوا علينا ديننا وشريعتنا، ولذلك في هذه المناسبة بالذات سنة 1994م وفي أثناء انعقاد المؤتمر شُغل الشعب المصري أجمع بمشروعية الختان من عدمه، هل هو مشروع أم غير مشروع؟

    والناس يحيكون الكيد والفساد والانحلال هناك في أقصى الصعيد، ونحن هنا مشغولون بالختان، هل هو مشروع أم غير مشروع؟

    حتى انفض ذلك الاجتماع، ولا يزال الناس مشغولون بالختان: أهو جائز أم غير جائز؟

    في الشهر العاشر من سنة 1996م قامت هذه الحملة من جديد: الختان جائز أم غير جائز؟ فتطالعنا أخبار 2/10 / 1996م تقول: أعلن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، أنه يتحدى أن يأتي أحد بحديث نبوي صحيح أو بحديث حسن يبيح أو يلزم بختان الإناث، وقال: إنه يتحدى أيضاً أن يثبت أحد أن صحيح البخاري أو مسلم يوجد به حديث يفهم منه مشروعية ختان الإناث بمجرد إشارة، وأضاف أنه سبق أن أعلن بصراحة رأيه في الختان، وأن ختان الذكور أمر واجب، أما ختان الإناث لا سند له من الشرع، وأن الرأي فيه يرجع إلى الأطباء المتخصصين؛ لأنه عادة وليست عبادة، وأن الأطباء إن قالوا: إن الختان عادة حسنة نقول لهم كعلماء للدين: سمعاً وطاعة.

    وإن قالوا لنا: إن ذلك عادة سيئة وضارة نقول لهم: سمعاً وطاعة.

    وأضاف شيخ الأزهر أن الأطباء جميعاً قالوا: إن ختان الإناث شيء ضار، إذاً: عادة سيئة.

    ولذلك (المانشت) يقول: الختان عادة مصرية سيئة ولا سند لها في الشريعة، والبنوك التي تحدد الربح هي البنوك الأقرب للإسلام.

    دعونا من فتوى البنوك؛ لأن الفلاحين ردوا عليها فضلاً عن أهل العلم، الذي يمسك المعول ويضرب به الأرض قد رد هذه الفتوى ولم يقبلها لنفسه.

    فدعونا منها ولنكن مع الختان، جاء هذا مساء أمس الأول خلال الحوار الذي أداره شيخ الأزهر والدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف، والدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر مع طلاب جامعة القاهرة فرع (بني سويف)، وشاركت فيه جماهير المحافظة، وأداره صبري القاضي محافظ (بني سويف)، وأكد الدكتور زقزوق وزير الأوقاف أن هناك من افترى على الداعية الإسلامي الراحل الشيخ محمد الغزالي وقال: إن الشيخ الغزالي يرى أن ختان الإناث سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو لم يقل ذلك مطلقاً، أي: أن الشيخ الغزالي لم يقل ذلك مطلقاً -يدافع عنه- بل كان رأيه في كل جلسات مجمع البحوث الإسلامية وجوب التوقف عن هذه العادة السيئة.

    وأضاف: إنه لم يثبت أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قام بختان أي واحدة من بناته، كما أكد الدكتور عمر هاشم كعالم حديث أنه لا يوجد حديث صحيح يبيح هذه العادة السيئة أو ينسبها للشرع، وأن الموجود منها من قبيل الآثار الضعيفة.

    واختتم شيخ الأزهر الإجابة على أسئلة المشاركين في الحوار من الطلاب والجماهير أن ختان الإناث عادة قال عنها الأطباء: إنها عادة ضارة!

    انظر إلى هذه الفتوى، وفي أي ظروف قيلت هذه الفتوى، لتعرف أن المقصود: محاربة شرعية الختان، إن هؤلاء العلماء الذين قالوا: إنه لا يوجد حديث صحيح ولا حسن يشير إلى شرعية الختان، وهم يعلمون جيداً بأن أحاديث الختان في البخاري ومسلم ، والدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر، أستاذ ورئيس قسم الحديث في الجامعة لا يظن به أنه لم يقرأ البخاري ومسلم مرة واحدة ولو في العمر، بل يكون قد قرأ أكثر من ذلك؛ لأنه كان أستاذاً في عشرات من الأعوام يدرّس الحديث، واهتمام أهل العلم إنما ينصب على الصحيحين في الدرجة الأولى خاصة المتخصصين في هذا الفن، فلا يتصور أن هذه الأحاديث خفيت على فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم ، وكذلك شيخ الأزهر والدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف، وإني أريد أن أحسّن الظن بهؤلاء الثلاثة، وأقول: إنهم ما قالوا هذا، وأبرئ ساحتهم من هذا الكلام القبيح وإن كان قد صدرت عدة فتاوى هي شر من هذه الفتوى، لكني باق على حسن الظن بهؤلاء، فإنهم علماؤنا وأئمتنا ومشايخنا، ولكني أقول: لماذا ارتبطت هذه الفتوى بتسلّط رئيس وزراء إسرائيل على بيت المقدس في هذا الوقت بالذات؟

    أمة يضيع تراثها هناك، ويداس المسجد الأقصى بالنعال، وتُحفر تحته الأنفاق؛ لأجل هدمه وقيام هيكل، فنجد مثلاً أن:

    المناسبة الأولى لظهور هذه القضية على الساحة -وخاصة الساحة المصرية- ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بانعقاد مؤتمر السكان.

    والمناسبة الثانية ارتبطت كذلك ارتباطاً وثيقاً بمحاولة هدم المسجد الأقصى على يد الجهول الغاشم نتنياهو رئيس الوزراء لإسرائيل.

    إذاً: فلا بد أن يكون هذا الكلام غير مقصود لذاته، ولا بد أن يكون هناك خلفية أخرى تعيّن على أهل العلم أن ينظروا إليها وأن يحكموا من خلالها، فهل قضية الختان بهذه المثابة حتى تثار كل عدة أعوام على الساحة، وينشغل الناس بها؟ إن المراد بإثارتها في مثل هذه الأيام: هو شغل الناس جميعاً عما يدور هناك بأرضنا الحبيبة فلسطين وبمقدساتنا، هذا هو المراد؛ ولذلك تجد الناس الآن كلهم يتكلمون عن الختان، ويختلفون اختلافاً عظيماً كما سمعوا من علمائهم على الشاشات المرئية والمسموعة، وقل أن تجد رجلاً يفهم هذا، ويعلم أن المراد هو صرف الناس عن الأهم.

    لو أنك ربطت هذا بسن القوانين التي تحرّم وتجرّم من يفعل هذا، وترتب على ذلك العقوبات المالية والبدنية، سواء أجرى ذلك الطبيب أو الطبيبة أو حلاق الصحة، لو أنك نظرت إلى فرض هذه العقوبات وسن القوانين من أجل تأديب المخالف، وتربط هذه العقوبات بمنع الفتيات من لبس النقاب والحجاب في المدارس والجامعات؛ فإنك ستجد أن خيوط العملية طويلة واللعبة مكتملة، لماذا تمنع البنت من الختان، وتُعاقب من ختنها، بل وتُعاقب وليها؟ ولماذا يطلق للبنت العنان أن تخرج كاسية عارية غير ملتزمة باللباس الذي أمرها الله تبارك وتعالى أن ترتديه؟!

    ولماذا ارتبطت كل هذه الحملات بالضرب في الإسلام من خلفه؟! فلا بد وأن يكون هناك مخطط، ولا بد أن يكون لهذا المخطط أناس يحملونه عن جهل أو عن علم، فالذي يطعن في الإسلام وهو يعلم أنه يطعن في الإسلام هو العدو الكاشح الذي تكلمنا عنه، وأما الذي يطعن في الإسلام بحسن نية؛ فهذا إما جاهل بما يدور حوله، وغالباً هم من أهل العلم من المسلمين طيبي النيات، وإما أن يكونوا من المسلمين والمسلمات الذين تعاملوا مع نصوص الكتاب والسنة بجهل مثلاً.

    ولذلك نرى كثيراً ممن يقوم بعملية ختان المرأة يستأصل الجزء من جذره، مما يجعل المرأة بعد ذلك مصابة بما يسمى بالبرود الجنسي، فيحرمها حقها وحظها من التمتع بملذات الجماع وغيره.

    ولو أن الذين يحاربون ختان الإناث حاربوه من هذه الزاوية لوضعنا أيدينا في أيديهم، وقلنا: إن هذا الخطأ كبير ممن تصدر للتطبيب وهو ليس بطبيب، أو تصدر للعلاج وهو ليس بمعالج، وليس الخطأ في ذات الإسلام، وإنما الظاهر والواضح: أن الطعون قد وجّهت إلى الإسلام، ولم توجه لمن قام بعملية الختان.

    فالظاهر أن الإسلام يُحارب من اتجاهات عدة، وهذا يدل على أن هذا الدين بوضوحه ونصاعته وبياضه دين متين، لا تؤثر فيه الرياح والأعاصيف الباطلة.

    ولذلك بجدر بنا أن نقول: إن السحاب لا يضره نبح الكلاب، ويبقى بعد ذلك أن نعالج على أصل موضوع الختان؛ لإثبات مشروعيته من عدمه، وما هي الأدلة الواردة في الكتاب والسنة التي تكلمت عن الختان؟

    ونجد العلماء الذين تكلموا عن الختان بعضهم قال: ليس في كتاب الله آية واحدة أشارت من قريب أو من بعيد إلى الختان، والرد عليهم في هذا أننا نقول: إن الكتاب جاءنا بالقواعد الكلية لا الجزئية التفصيلية، فإذا كنتم تقولون: إن الكتاب لم يتكلم عن الختان، نقول لكم أيضاً: إن الكتاب لم يتكلم عن عدد الصلوات ولا عن كيفياتها ولا أوقاتها، وكذلك لم يتكلم عن الزكاة من حيث التفصيل، وإنما أتانا بالقواعد الكلية وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] ، والسنة جاءت مبيّنة وموضّحة ومفسّرة، فلا بد من أخذ العلم من الكتاب والسنة على السواء، فمثلاً: لو علمنا أن الختان فيه الخير كل الخير للذكور والإناث، وأنه يضبط شهوة الرجل وشهوة المرأة على السواء، ويجعلها بين الإفراط والتفريط وخير الأمور أوسطها؛ لعلمنا أن ذلك يندرج تحت قول الله تبارك وتعالى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77]، والختان من فعل الخير؛ لأنه يضبط الشهوة عند الذكر والأنثى.

    1.   

    الرد على من نفى وجود حديث في الصحيحين يفهم منه مشروعية الختان

    وقائل يقول: ليس في صحيح البخاري ولا مسلم حديث واحد يفهم منه مشروعية الختان، والرد على هذه المقولة من زاويتين:

    الرد الأول: أنه ليس بلازم أن يأتيك النص في البخاري أو مسلم ، فليس البخاري ومسلم هما الكتابين اللذين يعتمد عليهما في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فحسب، فقد وضع أهل العلم شروطاً لقبول الحديث أو رده، ولم يضعوا من بين هذه الشروط أن يكون الحديث في البخاري ومسلم ، ولا يشرط هذا الشرط إلا جاهل بقواعد أهل العلم في اعتبار الأدلة من عدمها، فهل يلزم أن يكون الحديث الذي أحتج به في البخاري ومسلم؟!

    إن البخاري ومسلماً لم يزيدا عن مجموع ستة آلاف حديث.

    إذاً: أين نحن من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم لا نأخذها من أبي داود أو من الترمذي أو من ابن ماجة أو من النسائي أو من مسند أحمد ، أو من المعاجم الثلاثة للطبراني وغيرها من دواوين السنة؟

    هذا الكلام لم يقل به أحد، بل الشرط أن يكون الحديث صحيحاً أو حسناً، ويستوي ذلك كونه في الصحيحين أو في غيرهما، فالمهم لاعتبار الحديث والعمل به أن يكون صحيحاً.

    فهذه أول شبهة، وإنما قال بهذه المقولة من قال ليلبّس على عوام الناس، فهو الذين لا يريد لهم في يوم من الأيام أن يتعلموا العلم؛ وما ذلك إلا ليلبّس عليهم أمر دينهم، فالعوام يجلّون صحيحي البخاري ومسلم ، فيقول ويبني أنه ليس فيهما حديث واحد يفيد مشروعية الختان، فيقول العوام: نعم، فيفرح بذلك ويسعد كأنه وقع على فريسته، وهذه شبهة أوهى من بيت العنكبوت.

    الرد الثاني: أن الأحاديث قد ثبتت في البخاري ومسلم تصرّح صراحة ما بعدها صراحة بالختان ومشروعيته، وستأتي هذه الأدلة.

    1.   

    الرد على شبهات المخالفين والمعاندين لمشروعية الختان

    يتبين لنا من مجموع شبه المخالفين والمعاندين للختان أن الختان إنما هو عملية وحشية تسبب للفتاة أضراراً نفسية واجتماعية خطيرة، فنقول لهم: ما هي هذه الأضرار النفسية والاجتماعية الخطيرة؟ وهل الختان عملية وحشية؟! إن العمليات الجراحية كلها عمليات وحشية بهذا المنطلق، فلماذا لا تحرمون المساس ببدن المرء سواء كان كافراً أو مسلماً؟ ثم من الذي قال: إن الختان عملية وحشية؟ الجواب: (الخواجات) الذين قالوا هذا، ووجدوا لهم أبواقاً ممن يتكلمون بأسمائنا وينتحلون نحلتنا وهم من بني جلدتنا.

    فالختان ليست عملية وحشية، لا، يقول بعض الطبيبات وكثير من الأطباء: الختان عملية تجميلية تكميلية لأصل خلق الإنسان وجبلته وفطرته التي فطر الله تبارك وتعالى الناس عليها، فهو عملية تجميلية وتحسينية وليست عملية وحشية.

    الشبهة الثانية: أنهم قالوا: إن الختان عادة سيئة وقبيحة.

    أقول: لا ينبغي أبداً أن نقول عن الختان: إنه عادة فضلاً عن كونها عادة سيئة وقبيحة لوجهين:

    الوجه الأول: أن الختان عبادة وليست عادة، يتقرب بها المرء إلى الله تبارك وتعالى، وسيأتينا الدليل الذي يبيّن صحة ما نقول وما ندّعي.

    ثم قولك: إن الختان عادة سيئة وقبيحة فهذا ينافي الأدب من وجهين:

    الوجه الثاني: بعد أن قلنا: إنه عبادة، فلا يجوز أن تكون هذه العبادة سيئة وقبيحة، وإنما الذي يوصف بذلك العادات دون العبادات، والختان عبادة.

    وهب أنه عادة فلا يوصف بالسوء والقُبح؛ لأنه أقل ما يقال فيه: إنه خلاف معتبر بين أهل العلم، فلو أني معك اختلفت في مسألة من المسائل فاستندت أنا إلى أدلة وأنت قد استندت إلى أدلة أخرى وكل له وجهة نظره، فلا يوصف المخالف بأنه على سوء وعلى قبح، أو أن رأيه قبيح وسيئ، إلا أن يكون طاعناً في الدليل وفي النص، وليس أمر الختان كذلك: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]، ولم يكن قولهم كما قالت بنو إسرائيل: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [البقرة:93] فالسمع والطاعة يدخل فيه كثير من أبواب الابتلاء، فينبغي للمرء المسلم أن يستسلم لله عز وجل ولأحكامه، ولا يسعه إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، علم العلة أو لم يعلمها، ولا يوصف شيء من دين الله عز وجل بالقبح أبداً، فدين الله تبارك وتعالى خير كله، وما وجد النبي صلى الله عليه وسلم الأمة على خير إلا وقد أقرها عليه، بل ما وجد خيراً إلا قد دلّ أمته عليه، وما وجد شراً إلا نهاها عنه.

    والله تبارك وتعالى بيّن ذلك في كتابه فقال: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] فالكتاب قد اشتمل على كليات وأصول ما يلزم المسلم في دينه ودنياه إلى قيام الساعة، وقال الله تبارك وتعالى آمراً لهذه الأمة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله تبارك وتعالى، فقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59]، وقال تبارك وتعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال تعالى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77].

    فتبيّن من هذه الأدلة أنها قواعد كلية تفيد طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك نجد أن من تكلم في أمر الختان من بعض أهل العلم قال: لا توجد في السنة أي إشارة. نقول: قد وجد، بل وجد التصريح بجواز ذلك فضلاً عن استحبابه. ويقولون: ولا يوجد شرع يبرر هذا الإجرام، وسموه إجراماً، وقالوا: لا يوجد طبيب يبرر هذا، ولا يوجد في الفقه الإسلامي نص عن إمام من الأئمة المعتبرين يشير إلى ختان البنات من قريب أو من بعيد، وسنعلم أن الأئمة الأربعة تكلموا عن الختان وعلى مشروعيته، ومعلوم أن الأمة لا تجتمع على ضلال.

    ويقولون: إن الختان يسبب البرود الجنسي، أي: أن الختان عند الإناث يسبب البرود الجنسي، فنواة المرأة التي هي محل الطهارة في أعلى فرجها بعد الشطرين الصغيرين لها عرف كعرف الديك، هذا العرف يطول ويقصر حسب حجم البنت وصحتها، وحسب الجو والطقس من البلاد الحارة عنه في البلاد الباردة، فهو في البلاد الحارة يطول عند البنات، وفي البلاد الباردة يصغر وينكمش، فمن النساء من تحتاج إلى عملية الختان، ومنهن من لا تحتاج إلى ذلك، والبحث هنا أن بعض الجاهلات من الفلاحات ومن ليس له تمرّس بهذا الأمر إذا دُعي إلى ختان البنت استأصل هذا العرف من جذره، فهذا خطأ عظيم؛ لأنه يفقد البنت شهوتها بالكلية، فتُصاب بالبرود الجنسي، والخطأ هنا ليس متعلقاً بالشرع، وإنما هو متعلق بذلك الجاهل الذي أجرى عملية الختان؛ لأنه استأصل العضو من جذره، وتأتينا بعد ذلك السنة لتبيّن ما هو القدر الذي يؤخذ من ذكر الرجل ومن فرج البنت، حتى نعلم أن الإسلام كله خير.

    فالختان معناه: التطهّر والتطهير، ولذلك كثير من الناس يطلقون على الختان الطهارة، فيقول: أنا سأطهّر ابنتي، أو أطهّر ابني، فدل على أن الختان طهارة، مما يدل على أن عدم الختان -لا أقول: نجاسة- هو سبب للنجاسة.

    فإن قيل: كيف ذلك؟

    الجواب: هب أن رجلاً لم يُختن، والختان عند الذكر هو قطع القلفة أو الجلدة التي فوق حشفة الذكر، والتي تغطي رأس الذكر، فتُقطع هذه الجلدة ليبدو مقدم ذكر الغلام، فلو أن هذه الجلدة أو هذه القلفة لم تُقطع وبال الغلام لبقيت فضلات البول مختبئة في هذه الجلدة، ولبقيت بعض بقايا المني لا تخرج خارج هذه القلفة ولا هذا الغلاف، مما يسبب نتناً وعفونة؛ ولذلك كثير من أهل العلم يقولون: إن عدم ختان الذكر يسبب سرطان القضيب، الذي هو نتاج عن الصنان، والصنان: هي الرائحة الكريهة المنتنة الناجمة عن استبقاء بعض قطرات البول والمني في قلفة الذكر، هذا كلام الأطباء.

    والختان بمعنى: القطع، ختن بمعنى: قطع، والختانة هي صناعة الخاتن، والختان: هو موضع القطع من الذكر والأنثى على السواء، هكذا قال أهل اللغة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) وسيأتي شرح لهذا الحديث، والختانان: هما موضع القطع من الذكر والأنثى، ومعنى التقاء الختانين غيبوبة حشفة الذكر في فرج المرأة، حتى يصير ختانه بحذاء ختانها، كذا قال الشافعي وغير واحد من أهل العلم.

    فالختان معروف عند جميع الأنبياء والمرسلين، منذ آدم عليه السلام، وحينما كان الختان هو قطع القلفة عند الذكر والخفض لنواة المرأة، وهذا يعني بدوره: نظافة هذه الأجزاء وطهارتها، فإن المسلمين -وخاصة في مصر- يطلقون على هذه العملية: الطهارة.

    1.   

    أدلة مشروعية الختان من السنة المطهرة وآثار السلف

    فأدلة مشروعية الختان من السنة النبوية المطهرة رداً على من زعم أنه ليس في السنة حديث صحيح على مشروعيته:

    حديث سنن الفطرة

    أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس من الفطرة: الاستحداد) أي: حلق العانة، وهو استخدام الحديدة والموسى في حلق العانة (والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار) .

    إذاً: هذه الخمس من سنن الفطرة، ولذلك قال الخطابي كما نقل عنه أكثر العلماء: إن المقصود بالفطرة: السنة أو الدين.

    فهذه الخصال الخمس من السنة ومن الدين، ولذلك قال بعض أهل العلم: بل هي الخلق والجبلّة والإبداع والاختراع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة) أي: على فطرة الإسلام وعلى جبلّة الإسلام (فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه) فأصل خلقته على الإسلام؛ ولذلك أهل العلم يقولون: إذا تزوج المسلم من كافرة فأبناؤه مسلمون.

    وإذا تزوجت المسلمة من نصراني كان الأبناء نصرانيين، وهذا لا يجوز، لقول الله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] فلا يجوز أبداً زواج المسلمة من كافر.

    فلو أن رجلاً كافراً تزوج بامرأة كافرة فأسلم هل يصير الولد له أم لها؟ له، ولكن إذا أسلمت المرأة فيخيّر الأولاد عند البلوغ بين الإسلام والكفر.

    فهنا قال البيضاوي : الفطرة المذكورة في الحديث: هي السنة القديمة. السنة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلّي فُطروا عليها، أي: خُلقوا عليها.

    وقال الحافظ ابن حجر : المراد بالفطرة في حديث الباب: أن هذه الأشياء الخمس إذا فُعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة، والتي من بينها الختان.

    وقال الخطابي : هذه الخصال كلها من السنن إلا الختان، فقد اختلف أهل العلم في وجوبه من عدمه، أي: كلها سنن إلا الختان فقد اختلفوا فيه بين الوجوب والندب والاستحباب.

    هذا هو الدليل الأول وكما ذكرنا أنه في الصحيحين، نرد به على من يقول: ليس في الصحيحين دليل يُفهم منه مشروعية الختان.

    حديث التقاء الختانين

    الدليل الثاني:

    قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسل) والختانان: هما موضع القطع عند الذكر وعند الأنثى، لم يقل: إذا التقى ختان الرجل مع فرج المرأة فقد وجب الغسل، بل قال: (إذا التقى الختانان) دل على مشروعية الختان عند الرجل وعند المرأة على السواء، أما تقسيم الحديث بوجوب الختان للرجل، وأنه عادة سيئة قبيحة للنساء فهذا تقسيم بغير دليل؛ لأن معنى الختان لا يتم إلا بهذا؛ ولذلك ورد في صحيح مسلم : (إذا مس الختان الختان وجب الغسل).

    يقول الإمام النووي وغيره من أهل العلم: المس ليس مقصوداً على حقيقته، وإنما المقصود به: ملاقاة الختان للختان ومحاذاة الختان للختان؛ لأن المس بإجماع أهل العلم لا يوجب الغسل، ولو أن رجلاً وامرأة تماسّا، بمعنى: أن الرجل مس ذكره فرج المرأة هل يجب عليه الغُسل؟ إجماع أهل العلم: أنه لا يجب غليه الغسل، ولا يجب الغسل إلا بتغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، أما المس من الخارج وإن كانا عريانين لا يوجب الغُسل، وهذا إجماع أهل العلم.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا مس الختان الختان) أي: إذا حاذى والتقى، يشهد له الحديث الثاني: (إذا التقى الختانان وجب الغُسل).

    والمراد: ختان الرجل والمرأة على السواء؛ مما يدل على مشروعيته عند الإناث كما فهم ذلك أهل العلم كـأحمد بن حنبل وغيره، ونقله عنهم ابن قدامة في كتاب المغني كتاب الطهارة، قال: فيه بيان أن النساء كن يختتن. وهذا رد على من يقول: ليس هناك أحد من أهل العلم ولا من الفقهاء تكلم عن هذا، والجواب: جميع الفقهاء تكلموا عن هذا.

    حديث أم عطية الأنصارية في ختان الأنثى

    الحديث الثالث: هو حديث في غاية الأهمية، حديث أم عطية الأنصارية ، وكانت خاتنة بالمدينة، قال لها النبي عليه الصلاة والسلام عندما قدم المدينة: (يا أم عطية! إذا خفضتِ فأشمي ولا تنهكي) ويقال لختان البنات: خفض، كما يقال لختان الذكور: إعذار، فالختان عند الذكور يسمى إعذاراً، وعند الإناث يسمى خفضاً؛ ولذلك يقال للخاتنة: خافضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أم عطية ! إذا خفضتِ فأشمي) أي: خذي القدر الزائد فقط، قال لها: (ولا تنهكي) أي: ولا تستأصلي كل العضو. ومن هنا تعرف أن الخطأ ليس في الشريعة، وإنما فيمن يطبّق الشريعة، وهذا ما قلته في بداية المحاضرة: أن الإسلام أُتي من قِبل أهله الجُهّال أو الذين يحسنون النية. قال: (يا أم عطية ! إذا خفضتِ) أي: إذا ختنتِ (فأشمي) والإشمام: هو أخذ القدر الزائد من العضو عند النساء.

    ولذلك ترى بنات في سن السابعة والثامنة قد خرج العرف من فرجها وظهر وبدا للناظر، هذا القدر الزائد هو الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأخذه وقطعه؛ لأنه يؤذي الزوج ويتأفف منه، وربما يكون سبباً لوقوع البغضاء والشحناء بين الزوجين، وسبب صرف الرجل عن امرأته والزهد فيها.

    فقال لها: (فأشمي ولا تنهكي) أي: لا تستأصلي كل العضو؛ لأن إبقاء العضو على حاله رغم حاجته الماسة إلى أخذ الزائد منه ينفّر الزوج، ويجعل المرأة في حياة بئيسة في بيتها ومع زوجها، واستئصال العضو بالكامل يجعل المرأة مصابة بالبرود الجنسي الذي تكلمنا عنه، فلا تلتذ بمساس زوجها لها، وإبقاء هذا العضو بطوله وبالقدر الزائد يجعل المرأة تهيج، وتطلب الرجال في حل وحرمة، فبمجرد مساس ذلك العضو الزائد بالملابس يهيج الشهوة عند النساء، وناهيك عن هيجان البنت الجامعية التي حُرمت من الحجاب والنقاب، وسُنت لأجل انحرافها القوانين التي تحرم وتجرّم من يختنها، ومن يضبط لها شهوتها في منتصف الطريق بين الإفراط والتفريط، وكيف لو أن فتاة الجامعة هُيّجت من جهة ملابسها وهي تعيش بين ذئاب في صورة آدميين، ماذا تفعل هذه المرأة؟ وماذا سيكون موقفها من الشباب الخنع المقنّع المتسكّع على قارعة الطريق وعلى النوادي، وهي تأكل نفسها أكلاً بسبب هياجها وزيادة شهوتها؟

    ونحن نعيش في بلاد حارة، وهذا أيضاً أحد العوامل التي تهيّج الشباب فضلاً عن التلفاز والمسرحيات والأفلام والسينمائيات والبث المباشر والفيديو والدش الذي ينقل إليك إذاعات العالم كله، وأنت بين أربعة جدر، ماذا سيكون موقف الشباب؟ وماذا سيكون موقف الفتيات؟ فلا بد من ضبط الشهوة عندهن، ولا يمكن ضبطها إلا من خلال دين الله عز وجل، فقال لها: (يا أم عطية ! إذا خفضتِ فأشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه) يجعل في الوجه السرور والنضرة (وأحظى عند الزوج) أي: أن المرأة إذا كانت معتدلة في شهوتها فإن ذلك يكسبها نضرة وسروراً في وجهها يظهر على بدنها وعلى صحتها، كما أنه يكون أحظى وأكرم عند الزوج.

    ولذلك بين الحين والحين نجد رجلاً يشكو من إقبال امرأته عليه جنسياً، ويقول: أنا أريد أن أُطلّق هذه المرأة؛ لأنها تحتاج إلى عملية الجماع في اليوم عدة مرات، فهي تكاد تهلكني، ويقول: من الخطورة بمكان أن أعيش مع هذه المرأة وهي مختتنة، فما بالك لو أنها لم تختتن، كيف تكون شهوتها؟

    إن حديث أم عطية رضي الله عنها وإن كان في سنده مقال -أي: ضعف- إلا أن له شواهد كثيرة من حديث أنس بن مالك ، وحديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة، وشاهد آخر من حديث الضحاك بن قيس عند البيهقي في السنن؛ ولذا ذهب إلى تحسين هذا الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال شيخنا الألباني حفظه الله في كتاب السلسلة الصحيحة في الحديث رقم (722) بعد أن أورد شواهد هذا الحديث: ومجيء الحديث من طرق متعددة ومخارج متباينة -أي: مختلفة- لا يبعد أن يعطي ذلك للحديث قوة يرتقي بها إلى درجة الحسن، بل إنه بهذه الطرق والشواهد حديث صحيح، والله أعلم.

    مشروعية الختان واحتفاء السلف به

    ثم قال الألباني حفظه الله: واعلم أن ختن النساء كان معروفاً عند السلف، خلافاً لما يظنه من لا علم عنده. فإليك بعض الآثار في ذلك:

    عن الحسن البصري قال: دُعي عثمان بن أبي العاص إلى طعام فقيل: هل تدري ما هذا؟ قال: هذا ختان جارية.

    أي: صُنع بسبب ختان جارية، أي: بنت، فقال عثمان بن أبي العاص : هذا شيء ما كنا نراه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يأكل من هذا الطعام.

    هذا النص بظاهره يفيد أن الختان بدعة، ولكن هذا اللغز يُحل عندما نعرف أن السلف كانوا يُظهرون ختان الذكور ويُخفون ختان الإناث.

    ولذلك يقول أبو عبد الله بن الحاج في كتاب (المدخل): إن السنة إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الأنثى.

    وقال الحافظ في كتاب النكاح في باب الوليمة: مشروعية الدعوة للختان. قال: وهذا يصدّق ما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة والبيهقي وابن أبي الدنيا في كتاب (العيال) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام) (نحر) بمعنى: صنع وليمة وطعاماً، وختنهما لسبعة أيام.

    قال الحافظ في الفتح: إن القلفة من المستقذرات عند العرب، أي: تلك الجلدة في ذكر الغلام من المستقذرات عند العرب، وقد كثر ذم الأقلف -أي: الذي لم يُختن- في أشعار العرب، وكان للختان عندهم قدر وقيمة وله وليمة خاصة به، وأقر الإسلام ذلك.

    إذاً: تحوّل من كونه عادة إلى كونه عبادة؛ لأن الإسلام أقر ذلك.

    وأخرج ابن أبي الدنيا الآثار الآتية:

    عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: (دخل عليّ خالد بن عبيد الله الملائي وقد ختنت، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة)، وهذا نص يدل على مشروعية الختان وقيام الحفلات له.

    وعن نافع قال: كان ابن عمر يُطعم على الختان، أي: إذا ختن أولاده صنع وليمة، ونافع هو مولى ابن عمر وهو أروى الناس عن ابن عمر ، ومعلوم أن من لازم أحداً فهو أدرى بأحواله، فـنافع ينقل إلينا أن عبد الله بن عمر ؛ وما أدراك من هو عبد الله بن عمر ، وتمسكه بسنة النبي عليه الصلاة والسلام في كل كبيرة وصغيرة، بل كذلك العادات كان يلتزم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا نافع ينقل أن عبد الله بن عمر كان يُطعم على الختان.

    وعن ابن سيرين قال: إن ابن عمر كان إذا سمع صوت دُف أنكر ذلك، فإذا قيل له: عرس أو ختان سكت، وهذا إقرار منه على مشروعية هذا الأمر والاحتفاء به.

    وقال مكحول لـنافع : أكان ابن عمر يجيب دعوة صاحب الختان إلى طعامه؟ قال: نعم.

    وعن القاسم قال: أرسلت إليّ عائشة رضي الله عنها بمائة درهم، فقالت: أطعم بها على ختان ابنك، أي: وكأنها أرسلت إليه بهذا المال مساعدة له على ختان ابنه في صنع الوليمة والعقيقة.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ختن بنيه وأرسل عكرمة فجاءه بلعّابين فلعبوا وأعطاهم أربعة دراهم، أي: يأتي بأناس يلعبون كثيراً ويقيمون هذا الحفل.

    وعن القاسم : أن وصياً أنفق على ختان (500) دينار، والدينار عند العرب بمعنى: دينار الذهب، والدينار الذهب بـ( 160) جنيهاً الآن، فهو مبلغ ضخم أنفقه على الختان.

    وهذا خير ممن يزوّج ابنته بمليار دولار من بلاد العرب، والعرب كلهم جرب إلا من بر واتقى، وهذا بلاء عظيم، فإن هذه الأمة لا يمكن أن تنتصر إلا أن ترجع وتتوب وتبرأ إلى الله تبارك وتعالى من معاصيها، فهي سنن كونية وربانية، فالله تبارك وتعالى يجريها على أيدينا نحن؛ حتى يبيّن أننا نحن السبب فيما نحن فيه من ذلة وهوان على كل أمم الأرض؛ لأننا قد تخلينا عن أعظم دستور على الإطلاق وهو الكتاب والسنة.

    وعن عبد الله بن يزيد أنه سئل عن واثلة بن الأسقع -وهو آخر الصحابة موتاً على الإطلاق-: هل رأيته؟ أي: يا عبد الله بن يزيد ! أرأيت واثلة بن الأسقع ؟ قال: نعم. كان في ختان ابنه حين صنع طعاماً، وكان يقول: كلوا واشربوا بارك الله فيكم.

    وهكذا نجد السلف والخلف قد درجوا على إشهار هذه السنة المباركة، والاحتفاء بها إلى درجة الضرب بالدفوف وإطعام الطعام.

    وأخرج البخاري في كتاب الأدب المفرد عن أم المهاجر قالت: سُبيت وجواري من الروم. أي: أن المسلمين أخذونا سبياً في الحرب التي دارت بين المسلمين والروم، وكنت أنا من السبي الذي سباه المسلمون، فعرض علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه الإسلام، فلم يُسلم منا غيري وغير أخرى، فقال عثمان : أخفضوهما وطهّروهما، وهذا مما يدل على جواز ختان الكبير، فـأم المهاجر من السبي.

    قالت أم المهاجر : فكنت أخدم عثمان في بيته.

    وأخرج أيضاً البخاري في كتاب الأدب المفرد عن أم علقمة قالت: إن بنات أخي عائشة خُتنَّ، فقيل لـعائشة : ندعو إليهن من يلهيهن؟ قالت: بلى.

    وأنتم تعرفون أن الأطفال إذا ختنوا يحتاجون إلى من يسليهم ويخرجهم من هذا الجو، فكان هناك أناس معروفون في المدينة بالروح الخفيفة والمزاح والتسلية، بحيث أن المهموم ينسى همومه.

    الختان ملة أبينا إبراهيم عليه السلام

    رابعاً: أخرج البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه -لا يقال: لم يذكر مشروعية الختان في الصحيح، أو أنه لا يوجد حديث في الصحيحين- من حديث أبي هريرة مرفوعاً قال: (اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم).

    قال يحيى بن سعيد الأنصاري راوي الحديث: القُدوم: هو الفأس، ولذلك هذا يرد تفسير من فسّر القدوم باسم الموضع في الشام، هناك قرية في الشام اسمها القدّوم بتشديد الدال، فقالوا: اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين بالقدّوم، والرواية بالتخفيف: بالقُدوم، والقُدوم: هو الفأس، وإذا كان الراوي هو الذي فسّر مروياته فهو أولى الناس بفهم هذا المروي، فإذا خالفه غيره لا يعتبر كلام الغير، ناهيك أن القدوم: اسم موضع أو اسم آلة، فالنص يقول: إن إبراهيم عليه السلام اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وهناك بعض الروايات: أن إبراهيم عليه السلام هو أول من اختتن، وهناك روايات أخرى وردت في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل: أن آدم أول من خُتن، بل وردت بعض الروايات التي تقول: إن آدم نذر لله إن قبِل الله توبته ليستأصلن شيئاً من بدنه، فنزل جبريل ولفت نظره إلى قطع القلفة فقطعها.

    لكن نحن لا نعتمد هذا الخبر ولا نعده أصلاً من الأصول، ولنكن مع الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في شأن إبراهيم عليه السلام.

    وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124].

    صح عن ابن عباس أنه قال: هذه الكلمات خمس في البدن وخمس في الرأس، ابتلى الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام -أي: اختبره وامتحنه- فيها، ومعنى (فأتمّهن): أتى بهن إبراهيم عليه السلام على التمام والكمال، خمس في الرأس منها: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وحلق الشعر.

    والتي في البدن منها: نتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والختان من ملة أبينا إبراهيم.

    فإن قيل: هذا إبراهيم عليه السلام قد أمره الله تبارك وتعالى بهذا ولم يأمرنا؟ فالجواب: أن الله تبارك وتعالى أمرنا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس من الفطرة)، وقال: (يا أم عطية ! أشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج).

    وقال صلى الله عليه وسلم حاكياً عن إبراهيم: (اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة).

    يقول ابن عباس : هي خصال الفطرة ومنهن الختان، والابتلاء غالباً إنما يقع إذا كان الأمر واجباً، فدل على أن الختان واجب، وقد أقر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وأمره باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فقال: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [النحل:123] الضمير عائد على النبي محمد صلى الله عليه وسلم أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [النحل:123] ومن ملة إبراهيم الختان، وقال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة:4]، وليس إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، بل قد وردت نصوص في الكتب السابقة تفيد أن أول من اختتن هو آدم عليه السلام، بل يدّعي الشعب اليهودي أن الله خصهم بميزة دون سائر الأمم وهي الختان، وأن الله قد أخذ عليهم العهد بذلك، فهو محفوظ بينهم وبين الله تبارك وتعالى أبد الآبدين، وعندهم ما يسمى بخرافة كرسي (النبي إلياهو) بمعنى: النبي (إيليا)، ومضمون هذه الخرافة عندهم: أنهم يقيمون حفلاً للمختون، فتوضع الكراسي للمدعوين، ويبقى كرسي في مكان مميز عال عن بقية الكراسي، هذا الكرسي فارغ تماماً ويحرم على أحد من المدعوين أن يجلس عليه، ويعتقدون أن النبي (إلياهو) ينزل فيجلس على هذا الكرسي، فيشهد حفل الختان، ولا يراه أحد من الحاضرين.

    اليهود يفعلون هذا، ويعتقدون هذا فيما بينهم، ويدّعون أن الختانة عند المسلمين وحشية وعملية إجرامية ويجب محاربتها، في الوقت الذي يعتقدون فيه أن الأنبياء يحضرون حفل الختان، فيأمروننا نحن بعدم ختان الإناث؛ لأنها عملية وحشية، والوحشية كل الوحشية في ترك البنات عرضة للوقوع في الفواحش بسبب التهييج الذي تقدم ذكره.

    ويذكر التاريخ أنه حينما ظهر اليونان على اليهود جعل اليونان عقوبة من قام بإجراء عملية الختان الإعدام، وكان هذا قبل ميلاد المسيح عليه السلام، فقد كان اليهود واليونانيون قوتين عظيمتين، ودارت الحروب الكثيرة بينهما، وسبب هذه الحروب هو الختان، وهم الآن يحاربوننا في الختان، لكن بشكل آخر، وطالما هم وجدوا أبواقاً منا فلماذا يحاربوننا بالسيف؟ فقد علموا على مر التاريخ أن السيف لا يجدي معنا، وأننا أمة مجاهدة نحظى بإحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر، فلجئوا إلى أسلوب آخر من أساليبهم الخبيثة، وهي تربية أبناء منا ليتكلموا باسم الإسلام يهدمون بهم الإسلام.

    فجعل اليونان حينما ظهروا على اليهود عقوبة من ختن الإعدام، ولم يترك اليهودي الختان في ذلك الوقت، بل كان الواحد منهم يختن نفسه بنفسه، وهذه العملية شاقة، فلو أنك كُلّفت بأن تقص ظفرك مع قليل من اللحم فإنك لا تقوى على ذلك، فضلاً أن يختن الرجل ويقطع من قلفته جزءاً، والمرأة تقطع من فرجها جزءاً، فالعملية في غاية المشقة، ومع هذا كان اليهودي واليهودية يحافظان على ذلك، حتى قامت الحروب والثورة المكابية سنة (165) قبل الميلاد بين اليهود واليونان، فوضعت الحرب أوزارها، وتخلّص اليهود من سلطة اليونانيين، وأظهروا سنتهم في الختان.

    والختان سبب حربهم كذلك مع الرومان، والمسيحية تعمّد كل مختون، فإن الولد إذا بلغ سن الثامنة وجب ختانه في ذلك السن عند طائفة معينة من النصرانية؛ لأنه ليس كل النصارى يختنون، والفريق الذي يختن لا يعد النصراني نصرانياً إلا إذا تعمد في الكنيسة وخُتن في سن الثامنة.

    الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء

    خامساً: قوله صلى الله عليه وسلم: (الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء). أي: يسبب الحظوة للنساء عند الأزواج، أي: تكون للمرأة كرامة وحظوة عند زوجها، فمن بركات الختان أن يقبلها زوجها.

    قال: (والختان سنة للرجال) وقوله: (سنة) ليس المقصود بها: التي تقابل الواجب عند الأصوليين، بل يقصد بها السبيل والطريق والهدي الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ادعى قوم أن ذكر الختان مع بقية المسنونات يدل على أنه سنة، كما في حديث: خمس من الفطرة، وقد ذكرنا أن الخطابي يقول: وكلها مسنونة إلا الختان، فإنه واجب عند كثير من أهل العلم.

    فقال ابن القيم : دلالة الاقتران -أي: اقتران الختان بغيره من سنن الفطرة- لا تقوى على معارضة أدلة الوجوب التي اختص بها الختان دون سائر سنن الفطرة، ثم إن الخصال المذكورة في الحديث منها ما هو واجب كالمضمضة والاستنشاق والاستنجاء، ومنها ما هو مستحب كالسواك، وأما تقليم الأظفار فإن الظفر إذا طال جداً بحيث يجتمع تحته الوسخ وجب تقليمه لصحة الطهارة، وأما قص الشارب فالدليل يقتضي وجوبه إذا طال، وهذا الذي يتعين القول به لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقوله: (من لم يأخذ شاربه فليس منا) من حديث البراء بن عازب عند أحمد والترمذي والنسائي بإسناد جيد، أي: فليس على سنتنا ومنهجنا وطريقتنا وشريعتنا.

    وهذا يدل على أن السنة: هي الطريقة والشريعة والمنهاج والسبيل، لا السنة الاصطلاحية التي تقابل الواجب عند الأصوليين، فقوله: سننت لك كذا، أي: شرعت، فقوله: (الختان سنة للرجال) أي: مشروع لهم، لا أنه ندب غير واجب، فالسنة هي الطريقة المتبعة وجوباً واستحباباً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي).

    وقول ابن عباس رضي الله عنهما: (من خالف السنة كفر) فليس المقصود: السنة التي تؤديها أنت بعد صلاة المغرب، أو بعد العشاء، أو بعد الظهر، إنما يقصد بها: الهدي والطريق والسبيل، وتخصيص السنة بما يجوز تركه اصطلاح حالي، وإلا فالسنة هي ما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من واجب ومستحب ومندوب.

    ولذا نرى أن بعض الأئمة -كـالشافعي مثلاً- يستعمل الكراهة بمعنى التحريم، كما أن بعض أهل العلم استخدموا لفظ السنة في الشرعة والمنهاج والسبيل والطريق، وللشافعي رحمه الله في ذلك دليل من كتاب الله عز وجل في أوائل سورة الإسراء، حينما عد الله تبارك وتعالى الشرك والقتل وأكل مال اليتيم وغير ذلك، ثم قال: في آخر الآيات: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38] هل الشرك مكروه؟ قتل النفس بغير حق مكروه؟ أكل مال اليتيم مكروه؟ أبداً بل ذلك حرام أشد الحرمة، ومع هذا عبر عنه بالمكروه، أي: مبغّض عند الله تبارك وتعالى.

    فقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الختان سنة للرجال) أي: شريعة ومنهاج وسبيل وهدي (مكرمة للنساء). هذا الحديث أخرجه أحمد والبيهقي والطبراني والبغوي من حديث شداد بن أوس مرفوعاً بسند ضعيف، والمعنى صحيح، وإن كان الحافظ ابن حجر في الفتح أشار إلى تحسينه بشواهده، وكذا في التلخيص، ورجّح البيهقي وقفه على ابن عباس من قوله.

    مشروعية الختان في الكبر

    سادساً: أخرج البخاري في كتاب الاستئذان: (باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط).

    عن ابن عباس (سُئِل: مثل من أنت حين قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون)، فلو لم يكن الختان معروفاً عند العرب وعند المسلمين وعند الأوائل وفي القرون الخيرية لما قال ابن عباس : أنا يومئذ مختون.

    قال: (وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك)، أي: حتى يبلغ.

    وقد ورد أن إبراهيم عليه السلام ختن ولده إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام، هذا الأثر والحديث أخرجه البيهقي وغيره.

    وهذا يدل على أن وقت الختان ثلاثة: وقت اختيار، ووقت استحباب، ووقت وجوب.

    فوقت الاختيار أول يوم من الولادة، فلو أن المولّدة أو الطبيبة ختنت الولد مع ولادته جاز هذا وإن كان بعض أهل العلم -وخاصة الأطباء- بيّنوا خطورة هذا الأمر؛ لأن الجلطات لم تتكون بعد عند المولود، ولا يتكون الدم الذي يُجلّط ويسد هذه الشعيرات إلا بعد أسبوع من الولادة، ولذلك قالوا: وقت الاستحباب هو وقت السابع، وقد ختن إبراهيم ولده في اليوم السابع.

    وأما ابن عباس وإسماعيل عليه السلام فقد خُتنا في سن الثالثة عشرة، وهذا وقت الوجوب، مع جواز ختان الكبير إن قوي على ذلك وقدر عليه، كما في حديث أم المهاجر ، وأي: إنسان دخل في الإسلام ولم يكن قد خُتن فإن قدر على الختان وجب عليه، وإن لم يقدر عليه فليس إلى ختانه من سبيل ولا بأس بتركه؛ لأن أهل العلم بوّبوا باباً لمسقطات الختان. قالوا: لا تحتاج المرأة إلى ختان لكونها عليلة أي: فيها علة، فلو خُتنت ماتت.

    قالوا: وربما تكون البنت في بلاد باردة فلا تحتاج إلى ختان بخلاف البلاد الحارة فإنها في الغالب تحتاج إلى ختان، وقالوا: ربما تكون البنت هزيلة البدن، ويكون عضوها صغيراً فلا يحتاج إلى الأخذ منه؛ لأنه ليس فيه زيادة؛ ولذلك سألت بعض الطبيبات وبعض الأطباء، بل قد سألت بعض الأطباء النصارى: هل يحتاج كل مخلوق إلى الختان؟ قالوا: لا، فمن البنات من تحتاج، ومنهن من لا تحتاج، وأيضاً في مصر هذا باعتبار الحر؛ لأن الأمر يختلف من طبيعة البنت عن طبيعة بنت أخرى، وقد ذهبت عدة مرات مع بعض أصدقائي لختان بناتهم، فقالت الطبيبة: هذه تختن وهذه لا تُختن، وقد اختارت إحدى الطبيبات ذات مرة الصغرى للختان، والكبرى قالت: لا تحتاج إلى ختان، والإسلام لم يأمر بختان جميع البنات وإنما بختان من تحتاج إلى ختان، هذا يُفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: (أشمي ولا تنهكي) أي: خذي القدر الزائد، فإذا لم يكن هناك قدر زائد فلا يستحب أخذ القدر الموجود، وإلا أدى إلى المفاسد التي ذكرناها.

    وكان ابن عباس يشدد في وجوب الختان فيقول: الأقلف -أي: الرجل الذي لم يُختن- لا تجوز شهادته، ولا تؤكل ذبيحته، ولا تُقبل صلاته.

    وسُئل الحسن البصري عن الغلام يُختن يوم سابعه، فكرهه خلافاً لليهود، أي: أن اليهود يختنون أبناءهم في السن السابعة، فيكون الختان في أي يوم غير اليوم السابع مخالفة لليهود، ولكن النص يرد عليه.

    وسُئل زيد بن أسلم عن خفض الجارية: إلى متى يؤخر؟ قال: إلى ثمان سنين.

    لأن هذا الجزء وهذا العضو في البنت أو في الجارية لا يظهر طوله ونموه إلا في سن متأخرة مثل (8) أو (10) أو (12) ؛ ولذلك يستحب للرجل أن يعرض ابنته على طبيبة في سن السابعة أو الثامنة، فإذا قررت الطبيبة أنها لا تحتاج إلى ختان يعرضها على الطبيبة في سن العاشرة من عمرها، وفي سن الثانية عشرة، وقد حدثتني طبيبة أنها أجرت عملية الختان لامرأة مع الولادة، أي: أن المرأة قد تزوجت، فالدكتورة رأت هذا العضو طويلاً فأجرت عملية الولادة مع عملية الختان في وقت واحد، وهو ألم واحد.

    فالشاهد من هذا أن المرأة لا تُختن إلا إذا احتاجت إلى الختان.

    حشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً

    سابعاً: أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلاً يوم القيامة) والأغرل: هو الأقلف التي لم تُقطع غُرلته أو قلفته أو جلدته.

    وعندهما برواية أخرى: (يا أيها الناس! إنكم تُحشرون إلى الله حفاة عراة غُرلاً: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104]) وذكر الحديث.

    وعند مسلم من حديث عائشة بنحوه.

    قال النووي رحمه الله: الغرل -بضم الغين وإسكان الراء- معناه: غير مختونين، جمع أغرل، وهو الذي لم يُختن وبقيت معه غرلته وهي قلفته، وهي الجلدة التي لم تُقطع في الختان.

    والمقصود: أنهم يُحشرون كما خُلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء، أي: أنه ليس لهم زيادة ولا نقصان، حتى الغرلة تكون معه.

    قال ابن القيم رحمه الله ليرد شبهة من قال: الله خلقه بغرلة فلماذا قطعتها؟ قال ابن القيم : إنما شُرع الختان في الدنيا لتكميل الطهارة والتنزّه من البول، وأهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون.

    إذاً: هناك ضرورة في الدنيا ليست في الآخرة.

    إذاً: قطعت القلفة للضرورة فضلاً عن ورود النص؛ ولعدم احتباس البول والمني في القلفة وفي فرج المرأة، فليس هناك نجاسة تُصيب الغرلة فيحتاج إلى التحرج منها، كما أن القلفة لا تمنع لذة الجماع، هذا إن قُدّر استمرارهم على الحالة التي هم عليها، فلا يبعد أن يتغير داخل الجنة على غير هذه الهيئة التي نعلمها، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

    أحاديث الختان وعمومها للرجال والنساء

    ثامناً: إن هذه الأحاديث الواردة في الختان ثبت بها أن الختان من سنن الفطرة والدين وأصل الخلقة، ولا يجوز ادعاء أن هذه الأدلة خاص بالرجال دون النساء؛ لأن هذا تخصيص للأدلة دون مخصص، والعام يبقى على عمومه ما لم يرد له مخصص كما هو معروف عند الأصوليين، ولا مخصص لهذه الأحاديث والأدلة؛ فتبقى على عمومها لتشمل الذكور والإناث جميعاً، بل قد خُص ختان الإناث بحديث أم عطية.

    الختان عند الفقهاء

    تاسعاً: الختان عند الفقهاء:

    أجابت دار الإفتاء المصرية سنة 1950م على لسان العلامة علام نصار بيك مفتي الديار آنذاك قائلاً: إن ختان الأنثى من شعائر الإسلام، لا يجوز لأهل بلد الاجتماع على خلافه، وإلا وجب على الحاكم أن يحاربهم، وقد وردت به السنة النبوية واتفقت كلمة المسلمين وأئمتهم على مشروعيتها، مع اختلافهم في كونه واجباً أو سنة.

    والحكمة في مشروعيته ما فيه من توطيد الميل الجنسي في المرأة، والاتجاه به إلى الاعتدال الممدوح والمحمود.

    أرأيتم الحكمة! توطيد الشهوة وجعلها بين الإفراط والتفريط، وخير الأمور أوسطها.

    قال فضيلة الأستاذ محمد إبراهيم سالم بيك رئيس المحكمة الشرعية العليا: ختان البنات عادة قديمة جاء الإسلام فأقرها؛ لما فيها من المصلحة والخير للمرأة نفسها وللمجتمع، وجعل ختان البنات مكرمة مستحبة، فهو مندوب ومن الخير فعله كما قال تعالى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77].

    وقد أجمع الفقهاء على استحسان ختان البنات؛ لما فيه من الحفظ والصيانة من التعرض للالتهابات العضوية والتضخم في أجهزة التناسل الظاهرية والانفعالات النفسية، وإثارة الغرائز الجنسية التي تؤدي إلى الاضطراب العصبي في حالة كبتها، أو إلى السقوط في مهاوي الرذيلة إذا أُطلقت من عقالها، وخاصة في سن الشباب ونشاط الغدة التناسلية.

    وحين كان الختان الشرعي هو إزالة الجزء البارز من البذر المرتفع عن البشرة؛ لينخفض إلى مستواها حتى لا يكون عرضة للتهييج من الحركة أو الملابس أو الركوب، حين كان الختان على هذا النحو من الاعتدال دون إفراط أو تفريط؛ فإنه يُكسب المختونة صحة في الجسم وجمالاً في الأنوثة، وصيانة في الخلق، ومناعة في العفّة والشرف، مع الإبقاء على الحساسية الجنسية بالقدر المناسب الذي لا شطط فيه.

    وبهذا يتضح أنه لا وجه لاعتراض بعض الأطباء في ختان البنات بالطريقة الشرعية، ولا مبرر لاقتراحهم منعه منعاً مطلقاً، ولعل اعتراضهم منصب على ما تخيلوه من أن ختان البنات يجري كله على طريقة الجهلة من أهل الريف، أو بالطريقة الوحشية المتّبعة في السودان.

    انتهت الفتوى للأستاذ محمد إبراهيم سالم .

    وقال فضيلة الأستاذ محمد اللبان بعد أن ساق الأدلة في مذاهب الفقهاء: من هذا نرى أن الحكم بتعاليه عن الاستحباب -أي: الختان أعلى من كونه مستحباً- وتنزله عن الوجوب يفيد السنة المؤكدة -أي: أنه ذهب إلى أن الختان سنة مؤكدة- والسنة بمعنى الطريقة والمنهج، وهذا أصل من الأصول أخذ به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وأن الترك لا يكون إلا لعارض -أي: جواز ترك الختان لا يكون إلا لعلة- كمرض أو ظواهر كونية، كالمناطق الباردة والمناطق الحارة.

    ثم يقول: كما أن الإشمام للنساء -أي: أخذ القدر الزائد- فيه إزالة لذلك الزائد الذي يمنع من نقاء دماء الحيض والبول، ولا تصل به المياه المطهّرة إلى الداخل، فتبقى رواسب وبقايا دماء الحيض والبول على جوانبه، مما يؤدي إلى الصنان وهي الرائحة الكريهة المنتنة، ويفسد بتكون البقايا نشاط دورة الشعيرات الدموية.

    وبهذا قال أيضاً فضيلة الأستاذ القاضي الشرعي محمود عرنوس رئيس التفتيش الشرعي الأسبق، وفضيلة الأستاذ الدكتور زكريا البري رحمه الله أستاذ رئيس قسم الشريعة في كلية الحقوق جامعة القاهرة سابقاً، ووزير الأوقاف الأسبق، وكذا الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العدوي الأستاذ في كلية الدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف سابقاً.

    الختان عند الأئمة الأربعة

    عاشراً: لو نظرنا إلى حكم الختان عند الأئمة -أي: الأئمة الأربعة لوجدنا أن الإمام الشافعي وربيعة الرأي والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد قالوا: هو واجب، وشدد فيه مالك حتى قال: من لم يُختتن لم تجز إمامته ولم تُقبل شهادته.

    ولكن الإمام مالك قال: الختان سنة ولم يقل: واجب، لكن بمعنى الشريعة والمنهاج.

    قال: ونقل كثير من الفقهاء عن مالك سنة، حتى قال القاضي عياض : الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة، ولكن السنة عندهم يأثم تاركها، فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب.

    وقال الحسن البصري وأبو حنيفة : لا يجب، بل هو سنة.

    وفي فقه الإمام أبي حنيفة أن الختان للرجال سنة وهو من الفطرة، وهو للنساء مكرمة، فلو اجتمع أهل مصر أي بلد على ترك الختان قاتلهم الإمام؛ لأنه من شعائر الإسلام وخصائصه، والمشهور في فقه الإمام مالك في حكم الختان للرجال والختان للنساء كالحكم في فقه الإمام أبي حنيفة ، وأما فقه الإمام الشافعي فالختان واجب على الرجال والنساء.

    بعد هذا الخلاف كله هل يقال: إن الفقهاء لم يتعرضوا للختان ولم يقولوا فيه قولهم؟! بل تكلموا فيه.

    وعند أحمد بن حنبل : إن الختان واجب على الرجال ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن؛ لأنه ليس بواجب إلا إذا احتاجت المرأة إلى ذلك، وفي رواية أخرى عنه: أنه واجب على الرجال والنساء كمذهب الإمام الشافعي .

    وخلاصة هذه الأقوال: أن الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق الإناث مشروع، أي: أنهم اتفقوا على مشروعية الختان في حق الرجال وفي حق النساء على السواء، وكل ما هنالك أنهم اختلفوا في الوجوب أو الندب والاستحباب، ولم يقل منهم أحد: عادة سيئة قبيحة يجب محاربتها، ولم يؤلبوا الحُكام على سن القوانين التي تجرّم وتحذّر الأطباء والطبيبات من إجراء عملية الختان، حتى صار الواحد والواحدة سؤاله: أنا أريد أن أختن ابني أو ابنتي، ماذا أعمل؟ أنا خائف، والطبيب خائف، والمستشفى لا يقبل هذا!

    أقول: يكفيك دعوة الطبيبة في بيتك، وإجراء هذه العملية في بيتك لا إله إلا الله! يعبد ربه في بيته خفية وخلسة، فتأتي بالطبيبة عندك في البيت، واجعلها تجري هذه العملية ولا داعي أن يشعر بذلك أحد.

    وانظر -يا أخي-! إلى فتوى الشيخ جاد الحق رحمه الله تبارك وتعالى، أليس هذا من مشايخ الأزهر المعتمدين والمعتبرين؟! لكي لا نعترض ونرد نحن على شيخ الأزهر الموجود، فهذا المفتي هو الذي يرد عليه، وشيخ الأزهر السابق هو الذي يرد عليه، لا يذهب يوم إلا والذي بعده شر منه.

    يقول الشيخ جاد الحق : وأميل إلى تفسيرها بما فسرها الشوكاني -أي: عملية الختان- بأنها السنة التي هي طريقة الإسلام، ومن شعائره وخصائصه كما جاء في فقه الحنفيين، وليس المراد: السنة الاصطلاحية كما تقدم آنفاً، ويؤيد هذا ما ذهب إليه الفقه الشافعي والحنبلي ومقتضى قول شيخ من المالكية من أن الختان واجب على الرجال والنساء، وهو مقتضى قول الحنفية: أنه لو اجتمع أهل بلدة على ترك الختان حاربهم الإمام كما لو تركوا الإمام، وهذا ما أميل إليه في الفتوى به.

    وإذ قد استبان مما تقدم أن ختان البنات -موضوع هذا البحث- من فطرة الإسلام وطريقته على الوجه الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يصح أن يترك توجيهه وتعليمه إلى قول غيره، أي: لا يصح أن يدع قول الرسول إلى قول طبيب جاهل، أو معاند عدو كاشح.

    قال: ولو كان طبيباً حاذقاً ماهراً؛ لأن الطب علم والعلم متطور.

    وهذا الكلام جميل جداً، وتحته شرح كبير جداً أختصره.

    يقول الشيخ: لا يجوز خضع الشرع للعلم؛ لأنك لو أخضعت الشرع للعلم فإنك تقول: أرأيت الآية الفلانية يؤيدها ويثبتها النظرية العلمية الفلانية، فحينما تتكلم عن الشمس والقمر يدوران أو لا يدوران؟ تقول: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء:33]، هل الأرض كروية أم غير كروية؟

    ثم تذهب إلى أن الأرض كروية، وتستشهد بآيات من الكتاب والسنة على صحة هذه النظرية العلمية، وبعد عشر سنين بالضبط يثبت فشل هذه النظرية العلمية، إذاً: أنت أثبت فشل الآية مع النظرية.

    نقول: إن كتاب الله تبارك وتعالى هو كتاب إيمان وشرع وأحكام وحلال وحرام ووعظ وقصص وكتاب علم، لكن لا يجوز أبداً أن تخضع كتاب الله للنظريات العقلية القاصرة؛ لأنك لو أثبت وربطت بين الاثنين ربطاً مؤكداً فمع فشل هذه النظرية العلمية تستحي، أو يلزمك أن ترد الآية، أو يشك ضعاف الإيمان وضعاف العلم والجهلة في الآية نفسها.

    ثم يقول الشيخ جاد الحق : وفي ختام هذا البحث وفي شأن الختان عامة للذكر والأنثى نذكّر المسلمين بما جاء في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة : لو اجتمع أهل بلد على ترك الختان قاتلهم الإمام أي: ولي الأمر؛ لأنه من شعائر الإسلام وخصائصه؛ إذ مقتضى هذا لزوم الختان للذكر والأنثى على السواء، وأنه مشروع في الإسلام.

    فالشيخ جاد الحق يذهب إلى وجوب الختان للذكر والأنثى على السواء، أبعد هذا كله يقال: إن الفقهاء لم يقولوا كلمتهم؟! أبعد هذه الأدلة التي ثبتت في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام منها ما في الصحيحين ومنها ما في غيرهما، والتي تحض على ختان الإناث والذكور على حد سواء، ومع ذكر الفقهاء لهذا الأمر واعتنائهم به هل يقال: إن الختان عادة قديمة مصرية سيئة وقبيحة يجب محاربتها؟!

    لا بد وأن تعلم جيداً أن المقصود: هو شغل هذه الأمة عن سنة نبيها صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مقتطفات من حكمة الختان وفوائده لابن القيم

    الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب (تحفة الودود بأحكام المولود) ذكر تحت باب الختان أربعة عشر فصلاً، سأذكر لك مقتطفات من فصل بعنوان: (حكمة الختان وفوائده).

    قال الإمام: الختان من محاسن الشرائع التي شرعها الله تبارك وتعالى لعباده، وكمّل بها محاسنهم الظاهرة والباطنة، فهو مكمل للفطرة التي فطرهم عليها؛ ولهذا كان من تمام الحنيفبة ملة إبراهيم، وأصل مشروعية الختان لتكميل الحنيفية، فإن الله عز وجل حينما عاهد إبراهيم وعده أن يجعله للناس إماماً، ووعده أن يكون أباً لشعوب كثيرة، وأن يكون الأنبياء والملوك من صلبه، وأن يكثر نسله، وأخبره أنه جاعل بينه وبين نسله علامة العهد أن يختنوا كل مولود منهم، ويكون عهدي هذا ميسماً في أجسادهم -أي: علامة وأمارة- فالختان علم للدخول في ملة إبراهيم، وهذا موافق لتأويل من تأول قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138]: أنها الختان.

    فالختان للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد لعبّاد الصليب، فهم يطهرون أولادهم بزعمهم حين يصبغونهم في ماء معمودية ويقولون: الآن صار نصرانياً، فشرع الله سبحانه وتعالى للحنفاء صبغة الحنيفية، وجعل ميسمها الختان فقال: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة:138] فجعل الله سبحانه الختان علماً وأمارة لمن يضاف إليه وإلى دينه وملته، وينسب إليه بنسبة العبودية والحنيفية، حتى إذا جُهلت حال إنسان في دينه عُرف بسمة الختان ودينه، وكانت العرب تدعى بأمة الختان؛ ولهذا جاء في حديث هرقل الذي أخرجه البخاري في صحيحه قال: إني أجد ملك الختان قد ظهر، أو مُلك الختان قد ظهر على روايتين، فقال له أصحابه: لا يهمنك. هذا فإنما تختتن اليهود فاقتلهم، فبينما هم على ذلك وإذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بكتابه -أي: إلى هرقل عظيم الروم- فأمر به أن يُكشف ويُنظر: هل هو مختون أم لا؟ فوجد مختوناً، فلما أخبره أن العرب تختتن قال: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.

    ولما كانت وقعة أجنادين بين المسلمين والروم جعل هشام بن العاص يقول: يا معشر المسلمين! إن هؤلاء القلف -أي: الذين لم يختنوا وهم الروم- لا صبر لهم على السيف: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر:14].

    ليس هناك شعوب أجبن من شعوب اليهود والنصارى، تصور أن الواحد منهم يكون مدججاً بالسلاح وبالآربيجي ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه، وقد حدثني أخ كريم من الذين ذهبوا إلى أفغانستان أراد أن يتسلق سوراً لجيش سوفيتي فقال له إخوانه: لا تذهب. قال: لا بد أني فاعل. قالوا: اذهب وقلوبنا معك. قال: فبمجرد أن قفزت على السور وأتيت على خيام معسكر العدو السوفيتي قلت: بخ. فترك الجميع أسلحتهم وخرجوا من الخيام رافعين الأيدي، فسقتهم أمام الجميع وكانوا (317) جندياً إلى أرض أفغانستان، (317) جندي بـ(بخ)! فهم يعرفون أنه لا شيء بعد القتل سوى النار، فهم من غير عقيدة، وهناك أناس يذهبون من هنا لأجل الشهادة، تصور أن واحداً يذهب من أجل أن يموت من ماذا يخاف وقد أتى من أجل الموت؟ ولذلك المسلم له هدف، وهذه سنن، والشهادة رزق من الله عز وجل، وينبغي الإيمان والصبر والتسليم بذلك، فمن الممكن أن عدم الشهادة خير لك، فأنت لا تدري أين الخير؟ فقد تكون الحياة خير لك؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان في دعائه يقول: (اللهم أحينا إذا كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا) .

    والمقصود: أن صبغة الله هي الحنيفية التي صبغت القلوب بمعرفته ومحبته والإخلاص له وعبادته وحده لا شريك له، وصبغت الأبدان بخصال الفطرة من الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، والاستنجاء، فظهرت فطرة الله على قلوب الحنفاء وأبدانهم في وقت واحد.

    قال محمد بن جرير قي قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة:138] يعني بالصبغة: صبغة الإسلام، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصّر أطفالها جعلتهم في أبوالهم، وتزعم أن ذلك مما يقدس بمنزلة الختان لأهل الإسلام -لا بأس! فالأصل فيهم النجاسة، أما نحن فالأصل فينا الطهارة- وأنه صبغة لهم في النصرانية، فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم حينما قال اليهود والنصارى: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135] إلى قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138].

    قال قتادة : إن اليهود تصبغ أبناءها يهوداً، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر.

    وقال مجاهد : صبغة الله هي فطرة الله، وقال غيره: هي دين الله، هذا مع ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزيين، وتحسين الخلقة، وتعديل الشهوة التي إذا هاجت وزادت ألحقت الإنسان بالحيوانات، وإن عُدمت بالكلية ألحقته بالجمادات، ستجد امرأتك تجلس بجوارك كالثلج؛ لأنها لا ترغب في الجماع، وليس هناك ما يدعو إلى إثارتها وإلى طلبها للجماع؛ وذلك لأن هذا العضو قد قُطع بفعل الجاهلات بالكلية واستؤصل؛ فليس لها شهوة، وهذا الذي ينبغي محاربته، فلابد أن يقوم بعملية الختان أهل التخصص لا الجاهلات ولا الجاهلون، فالختان يعدل الشهوة عند المرأة؛ ولهذا تجد الأقلف من الرجال والقلفاء من النساء لا يشبعان من الجماع؛ مما يؤدي إلى هلاكهما.

    ولهذا يذم الرجل ويشتم ويعير بأنه ابن القلفاء إشارة إلى غلمتها، وأي زينة أحسن من أخذ ما طال وجاوز الحد من جلدة القلفة وشعر العانة وشعر الإبط وشعر الشارب وما طال من الظفر، فإن الشيطان يختبئ تحت هذا كله ويألفه ويقطن فيه، حتى إنه ينفخ في إحليل الأقلف وفرج القلفاء ما لا ينفخ في المختون، ويختبئ في شعر العانة وتحت الأظفار، فالغرلة أقبح في موضعها من الظفر الطويل، والشارب الطويل، والعانة الفاحشة الطول، ولا يخفى على ذي الحس السليم قُبح الغرلة وما في إزالتها من التحسين والتنظيف والتزيين؛ ولهذا لما ابتلى الله خليله إبراهيم بإزالة هذه الأمور فأتمهن جعله إماماً للناس، هذا مع ما فيه من بهاء الوجه وضيائه، وفي تركه من الكسفة التي تُرى عليه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.