إسلام ويب

أصول أهل السنة والجماعة - وسطية الأمةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • توسط أهل السنة والجماعة مأخوذ من توسط الأمة بين سائر الأمم، فإن الله سبحانه أكرمنا بنعمتين عظيمتين: نعمة الهداية إلى الإسلام، ونعمة العصمة من سبل أهل البدع والأهواء، فأهل السنة والجماعة وسط بين سائر الفرق الأخرى، كما أن الأمة الإسلامية في مجموعها ومعتقدها وأحكامها وتوحيدها وسط بين سائر الأمم الأخرى.

    1.   

    وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة كوسطية الأمة بين سائر الأمم

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    فموعدنا بمشيئة الله تعالى في هذه المحاضرة مع مواصلة الكلام عن خصائص أهل السنة والجماعة، وبعد أن مرت بنا محاضرات في بيان هذا الشأن، فموعدنا اليوم مع توسط أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة، فإن هذه خاصية عظيمة جداً، وهي من أهم ما يميز أهل السنة والجماعة عن غيرهم من أصحاب الأهواء والبدع، لكن قبل الدخول في المطلوب لابد أن نقول: إن توسط أهل السنة والجماعة مأخوذ من توسط الأمة، فكما أن الأمة وسط بين سائر الملل والشرائع السابقة، فكذلك أهل السنة وسط في فرق الأمة؛ ولذلك قال أبو الأسود الدؤلي وميمون بن مهران وغير واحد من السلف: لا ندري أي النعمتين علينا أعظم: أن هدانا الله للإسلام أو عصمنا بالإسلام إلى سنة وسبيل، وحفظنا من اتباع الهوى.

    هذا كلام في غاية النور، فإن السلف رضي الله عنهم تحيروا في نعم الله عز وجل عليهم: أيها أعظم؟ فبعضهم يقول: أعظم نعمة هي الإسلام، والأمر كذلك ولاشك، ولكن الأقوى من ذلك: أن يعصمك الله تعالى في إسلامك من اتباع الهوى وركوب البدع، وأن يوفقك إلى الاستقامة على الصراط المستقيم والنهج القويم، هذه سعادة ما بعدها سعادة، وتوفيق وسداد ما بعده توفيق ولا سداد؛ ولذلك وجه سؤال إلى شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في بيان توسط الأمة، وبيان توسط أهل السنة والجماعة في سائر الفرق الضالة، المأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة -أي: أمة النبي محمد عليه الصلاة والسلام- إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، في رواية: (وهي الجماعة)، وفي رواية: (من كانوا مثل ما أنا عليه وأصحابي).

    توسط أمة محمد بين سائر الأمم

    فهذه الفرقة الناجية -وأخص منها الطائفة المنصورة- هم أهل السنة والجماعة، أما غيرهم فأهل الأهواء والبدع والضلال أعاذنا الله وإياكم، فالأمة في مجموعها وفي أصل معتقدها وفي أصل أحكامها وفي أصل توحيدها هي وسط بين أكثر من سبعين أمة سبقتها، فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله بعد مقدمة لطيفة لبيان ما كانت عليه الأمم من قبل، وذلك في المجلد الثالث من مجموع الفتاوى. حيث قال: (فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله عز وجل، وجعلهم -أي: جعل الأمة في مجموعها- أمة وسطاً -أي: عدلاً خياراً- ولذلك جعلهم شهداء على الناس).

    كما في قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، قال الله عز وجل هذا الكلام بعد أن اعترض اليهود والمنافقون والسفهاء على تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، فقال سبحانه: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:142].

    ثم قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143].

    قال: (ولذلك جعلهم شهداء على الناس، هداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم بعد ذلك بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم).

    ولذلك قال الله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، فاختلاف الشرائع باختلاف الأنبياء، ومع كل نبي شريعة تخصه، أما الدين فهو واحد لا تبديل ولا تغيير فيه بين نبي وآخر.

    قال: (مثل أصول الإيمان، وأعلاها وأفضلها هو توحيد الله عز وجل، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله).

    الإيمان بها إيماناً جازماً، والقول بها قولاً بيناً، والعمل بمقتضاها على النحو الذي أمر الله عز وجل، وأمر به رسوله عليه الصلاة والسلام.

    قال: (كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45]، وقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى:13]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:51-52] ].

    هذه الآية: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] أي: عدولاً كما جاء في تفسير النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الوسط قال: العدل، فهذه الأمة في مجموعها أمة عدل، ولذلك ارتضى الله عز وجل لها -أي: كلفها- أن تشهد على الأمم من قبلها، ثم يكون الرسول عليه الصلاة والسلام شهيداً على هذه الأمة.

    قال: (ومثل الإيمان بجميع كتب الله وجميع رسل الله، كما قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136]، ومثل قوله تعالى: وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى:15]، ومثل قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    ومثل الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم، حيث قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا [البقرة:62] -أي: اليهود- وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62]).

    وهذه الآية وما شاكلها من آيات تثبت الإيمان لليهود والنصارى والصابئين، فهذا يعني: أنهم آمنوا بأنبيائهم لما لم يبعث الله تعالى محمداً، أما وإذ بعث محمداً صلى الله عليه وسلم فإنهم إن آمنوا به جوزوا خيراً، وأثيبوا على إيمانهم الأول وإيمانهم بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأما كونهم تنكبوا طريق الله عز وجل، وانحرفوا عن الصراط المستقيم ولم يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، فهم كفار. هذه الآية وأشباهها يطنطن ويدندن بها اليهود والنصارى، حتى رد القس لبيب ميخائيل على شيخ الأزهر لما كان مفتياً للديار المصرية، وذهب إلى أميركا في سنة 1995م وبين هناك في مجمع كنسي أن دين الإسلام هو دين السماحة والرحمة والود والرأفة، وهو دين الإخاء مع جميع أصحاب الملل، قام هذا القس وقال له: إذا كنت تقول هذا، فأنت خير من يكفكف الشباب في مصر عن قتل الطائفة القليلة من المسيحيين، خاصة ما حدث في قرية الكش وغيرها من بلاد الصعيد، ثم جاء بعد ذلك المفتي من بلاد الغرب وعين شيخاً للأزهر هنا، كأن هذه مهمة عظيمة قام بها، فنحن نقر أن الإسلام هو دين السلام والود والإخاء، لكن لمن أظهر السلام، ولمن أظهر الود، أما أن يظهروا الحرب والتقتيل في شرق الأرض وغربها، ولا يلتفتون إلا إلى قتل عشرين من نصارى مصر في صعيد مصر، فنقول لهم: انظروا ما كان منكم في البوسنة والهرسك، انظروا ما كان منكم في الشيشان، انظروا ما كان منكم في إريتريا، انظروا ما كان منكم في شرق الأرض وغربها، ألا تتذكرون هذا؟ ثم إن الذي حدث في قرية الكش لا علاقة له بالمعتقد، وإنما كان نزاعاً وخلافاً بين عامة الناس من المسلمين والنصارى، لا علاقة له بما يسمونه الإرهاب، ولا علاقة له بما هو معروف في شرعنا بالولاء والبراء.

    ثم يقول هذا القس: إن شيخ الأزهر الآن أقدر إنسان في مصر على أن يكفكف هذه الدماء، وأن يحفظ كرامة الطائفة القليلة من المسيحيين أو من نصارى مصر، نقول له: إن الإسلام فوق شيخ الأزهر وإنه يحفظ الدماء، كما يحفظ الأعراض والأموال، لكن كل بقدر، ووجه السؤال لشيخ الأزهر، وقال: إذا كنت قد أعطيتنا صورة حسنة وجيهة عن الإسلام وأنه دين السلام، فما بال هذه الآيات التي جاءت في قرآن محمد التي تدعو المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله، وإلى قتال اليهود والنصارى والكافرين عامة؟ فأجاب شيخ الأزهر -هذا إن كان القس صادقاً فيما يقول، وقد وعد بأنه سيرسل نسخة من هذا الكلام إلى شيخ الأزهر في مصر، وقد أذاع هذا الكلام على شبكة الإنترنت، وقرأه العالم كله، وقد بلغتني هذه الرسالة في هذا الأسبوع من أخ كريم- أجاب شيخ الأزهر: إن هذه الآيات التي تدعو إلى قتال اليهود والنصارى إنما هي آيات مخصوصة نزلت في وقت مخصوص، ولا يجوز تطبيقها في هذه الأيام!

    نقول: هذا الكلام ظاهره النسخ لكلام الله عز وجل، ولا ينسخ كلام الله عز وجل إلا الله عز وجل أو رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا يحل للصحابة -وهم خير القرون- نسخ آية من كتاب الله عز وجل، بل لا يحل للأمة بأسرها أن تنسخ كلمة من كلام الله عز وجل، إلا إذا ورد النسخ بالكتاب أو السنة، هذا تعليق يسير، ولعله يكون لنا موقف بعد ذلك من رسالة هذا القس والتعليق عليها.

    الشرائع التي شرعها الله لأمة محمد وميزها بها عن غيرها

    قال: (ومثل أصول الشرائع كما ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وسبحان وغيرهن من السور المكية، من أمر الله تعالى لعباده بعبادته وحده لا شريك له، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والعدل في المقال، وتوفية الميزان والمكيال، وإعطاء السائل والمحروم، وتحريم قتل النفس بغير الحق، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الإثم والبغي بغير الحق، وتحريم الكلام في الدين بغير علم مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله تعالى، والتوكل على الله، والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله، والصبر لحكم الله، والقيام لأمر الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين.. إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن كالسور المكية وبعض السور المدنية.

    وكذلك ما أنزل الله عز وجل في السور المدنية من شرائع دينه، وما سنه الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته، فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك، فقال: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113] -أي: يا محمد- وقال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:164]، وقال تعالى آمراً أزواج نبيه: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأحزاب:34] -أي: القرآن- وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34] أي: السنة النبوية؛ ولذلك قال حسان بن عطية : كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ).

    إجماع أهل السنة والجماعة أن المثلية هنا هي مثلية الوحي كتاباً وسنة، وهذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته، مثل التوجه إلى القبلة والمنسك والمنهاج أي: الشريعة، وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها والقراءة والركوع والسجود واستقبال القبلة، كل ذلك أمرنا الله عز وجل به في كتابه، كما أمرنا بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم.

    قال: (ومثل فرائض الزكاة وأنصبتها التي فرضها الله في أموال المسلمين من الماشية والحبوب والثمار والتجارة والذهب والفضة، ومن جعلت له، حيث قال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ [التوبة:60] أي: الزكوات: لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60].

    ومثل صيام شهر رمضان، ومثل حج بيت الله الحرام، والحدود التي حدها الله تعالى لهم: في المناكح، والمواريث، والعقوبات، والمبايعات، ومثل السنن التي سنها الله تعالى لهم من الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات، والجماعات في الكسوف والاستسقاء وصلاة الجنازة والتراويح ).

    كل هذا شرع الله تعالى تميزت به هذه الأمة عن غيرها من سائر الأمم.

    قال: (وما سن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في العادات، مثل: المطاعم، والملابس، والولادة، والموت، ونحو ذلك من السنن والآداب، والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم: في الدماء، والأموال، والأبضاع، والأعراض، والمنافع، والأبشار، وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وحبب الله تعالى إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم من قبلهم) -وهذه كذلك خاصية أخرى سنتعرض لها بإذن الله تعالى؛ أن الأمة في مجموعها معصومة، أما أفراداً أفراداً فليس أحد معصوماً إلا النبي صلى الله عليه وسلم- إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى إليهم رسولاً، كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24] -أي: رسول- ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله تعالى أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة على سائر الخلق، ولهذا كان إجماعهم -أي: إجماع الأمة- حجة كما كان الكتاب والسنة حجة؛ ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب، ويعرضون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما مضت عليه جماعة المسلمين).

    كثير من الناس يقولون: لا علاقة لنا بالسنة، السنة دخلها التحريف، ورواها من لم يكن أهلاً للرواية، ولذلك نحن نتمسك ونستمسك بالكتاب دون السنة. فنقول لهم: إن ما سردناه عليكم الآن لا تعرفونه تفصيلاً إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف تصلون؟ وكيف تصومون؟ وكيف تحجون؟ وكيف تزكون؟ وكيف.. وكيف.. وكيف..؟ لا يعرف ذلك إلا من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا قول باطل في ظاهره وباطنه، ولا يحل لأحد أن يأخذ بالكتاب وأن يدع السنة، وإلا لو كنت مصيباً فيما تقول فإن القرآن الذي تزعم أنك تأخذ به أمرك باتباع الرسول وطاعته، فكيف تطيع الرسول حينئذ؟ هذا قول باطل، وهؤلاء إلى يومنا هذا يسمون بالقرآنيين، وحقيقة لا علاقة لهم بالقرآن ولا بالسنة، بل لا علاقة لهم بالإسلام.

    قال: (فإن الله تعالى أمر في كتابه باتباع سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ولزوم سبيله، وأمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] -جعل طاعة الرسول من طاعة لله عز وجل- وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64]، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران:31] أي: على الحقيقة فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31] أي: فاتبعوا محمداً عليه الصلاة والسلام يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء:65] -نفى عنهم الإيمان- حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65] -يا محمد!- فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159] -لست منهم يا محمد! ولا هم منك- وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105]، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، وقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، وقال تعالى في أم الكتاب: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7] ].

    أي: غير صراط المغضوب عليهم وهم اليهود، وغير صراط الضالين وهم النصارى كما جاء ذلك صحيحاً عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون).

    قال: (فأمر سبحانه في أم الكتاب التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، والتي أعطيها نبينا صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش، التي لا تجزئ صلاة إلا بها؛ أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم كاليهود، ولا الضالين كالنصارى ).

    وهذا الصراط المستقيم هو دين الإسلام، وهو دين المسلمين الذي يجب أن يدينوا الله تعالى به، فهو دين الإسلام المحض، وهو ما في كتاب الله تعالى، وهو ما في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما أجمعت عليه الأمة، ومن تمسك به فقد تمسك بالسنة والجماعة، فإن السنة المحضة هي دين الله، وهي دين الإسلام المحض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه من وجوه كثيرة حديث افتراق الأمة وقد ثبت.

    المؤمنون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: ( والمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله عز وجل، كما اتخذوا المسيح ابن مريم إلهاً من دون الله: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] -يعني: لم يغالوا في الأنبياء فيبلغوا مرتبة الإلهية- كما أن المسلمين لم يجفوا عنهم جفاء اليهود، الذين قتلوا الأنبياء بغير حق، والذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا فقتلوا فريقاً وكذبوا آخر من أنبياء الله ورسله ).

    فالأمة وسط بين الغلاة -أي: بين الغلو والجفاء- فيما يتعلق بمعتقدهم في الأنبياء؛ يعتقدون أنهم بشر، وأن الله تعالى إله واحد لا إله غير ولا رب سواه.

    كما زعمت النصارى أن عيسى إله، وزعموا أنه ابن الإله، وزعموا أنه ثالث ثلاثة، وكذلك قالت اليهود: عزير ابن الله، تعالى الله عز وجل عن قولهم علواً كبيراً.

    ولذلك: (أتى آت فهم بالسجود للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد أتى من اليمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا تصنع؟ قال: يا رسول الله! أنت أحق بذلك، إنما رأيت الناس هناك يسجدون لبطارقتهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تفعل)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، فهذا تقرير لعبودية النبي عليه الصلاة والسلام لربه، وأنه ليس إلهاً، كما أن الله تبارك وتعالى أمر بإجلاله وتعظيمه وتوقيره وتعزيره، وألا نناديه كما ينادي أحدنا أخاه، بل أمر الله عز وجل في أول الأمر أن من أراد أن ينادي رسول الله، فليقدم بين يديه صدقة، ثم نسخ الله تعالى ذلك، وأمرنا إذا ناديناه أن نقول: يا رسول الله! ولا نقول: يا محمد!

    المؤمنون وسط فيما يتعلق بشرائع دين الله

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: ( وكذلك المؤمنون وسط فيما يتعلق بشرائع دين الله، فلم يحرموا على الله عز وجل أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء ويثبت كما قالته اليهود، وكما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة:142] ).

    لو كانوا مسلمين حقاً لآمنوا بالتحويل، وما جعلها الله عز وجل إلا ابتلاء لينظر من يؤمن ويسمع ويطيع، ممن ينقلب على عقبيه، وكان المنافقون واليهود أول من انقلب على عقبيه وأظهر الاعتراض على الله عز وجل، وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة:91].

    قال: ( ولا جوز المؤمنون لعلمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله كما فعلت النصارى ).

    ولذلك (دخل عدي بن حاتم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، فقال عدي : يا رسول الله! ما عبدوهم؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عدي ! ألم يحرموا لهم الحلال ويحلوا لهم الحرام فاتبعوهم؟ قال: نعم. قال: فتلك عبادتهم إياهم)، وهذا فيما يتعلق بالأحبار والرهبان، أي: علماء كل شرعة ومنهاج.

    فلما أحلوا لهم ما لم يحله لهم الله تعالى ولا رسوله الذي بعث فيهم، وكذا فعلوا في الحلال أو في الحرام، فاتبعت الأمة علماءها ولم تتبع أنبياءها؛ فكان هذا ضرب من ضروب العبادة والربوبية لغير الله عز وجل، أما أمتنا فإنها ترد على أعلم أهل الأرض من أبناء المسلمين إذا حاد عن الطريق وإذا أخطأ.

    لو أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو أعظم رجل في الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم قال قولاً لم يوافق الحق لوجب على الأمة أن ترد عليه، لا تعبده من دون الله، فهذه الأمة محروسة معصومة محفوظة بحفظ الله تبارك وتعالى لها، وهذا في مجموعها، ولا يمنع أن يخطئ مجتهد في اجتهاده، وهو مأجور أجراً واحداً، ومن أصاب فهو الأصل وله أجران.

    المؤمنون وسط في باب الخلق والأمر والصفات

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: ( والمؤمنون قالوا: (لله الخلق والأمر)، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره ).

    أي: ليس لأحد حق الأمر إلا من كان له حق الخلق، فلما أجمعت الأمة أنه لا خالق إلا الله، فكذلك ليس لأحد أن يأمر وينهى إلا بأمر الله وأمر رسوله.

    قال: ( وقالوا: سمعنا وأطعنا فأطاعوا كل أمرٍ أمر الله به، وقالوا: إن الله يحكم ما يريد، أما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً.

    وكذلك الأمة في صفات الله عز وجل -وسط بين الأمم السابقة- فإن اليهود -عليهم لعنة الله- وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت! ).

    أي: تعب من خلق الكون فاستراح في اليوم السابع! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، فإن الله لا يمسه نصب ولا تعب.

    قال: ( والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به سبحانه وتعالى ).

    أما المؤمنون المسلمون فهم وسط بين هذا وذاك، فلم يصفوا الله تعالى بصفات النقص، بل أثبتوا له صفات الكمال والجلال على المعنى اللائق بالله تعالى، كما أنهم كذلك لم يعطوا أحداً من البشر ولو كان رسولاً أرسل من عند ربه أو نبياً شيئاً مما يجب صرفه لله عز وجل، كما أنهم كذلك لا يعطون لآحاد الأمة حقاً هو حق للرسول عليه الصلاة والسلام، فلكل حقه عند مجموع الأمة وعند أهل السنة والجماعة على جهة الخصوص.

    قال: ( والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، فإنه رب العالمين وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:93-95] ].

    المؤمنون وسط في باب الحلال والحرام

    وكذلك في باب الحلال والحرام، فإن اليهود تنكبوا طريق الحلال والحرام، فارتكبوا الحرام وتركوا الحلال، وعلى العكس منهم فعل النصارى، ولكن هذه الأمة توسطوا في باب الحلال والحرام، فإنهم لم يحلوا شيئاً إلا أحله الله، ولم يحرموا شيئاً إلا حرمه الله؛ ولذلك أنزل الله تعالى عقوبته على اليهود والنصارى، ولم ينزلها على المؤمنين الموحدين.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ( فإن اليهود كما قال الله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء:160] -كانت حلالاً، وبسبب ظلمهم حرمها الله تعالى عليهم- فلا يأكلون ذوات الظفر مثل: الإبل والبط، ولا شحم الثرب والكليتين ولا الجدي في لبن أمه.. إلى غير ذلك مما حرم الله تعالى عليهم من الطعام واللباس، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً ).

    وكذلك شدد الله عز وجل عليهم في النجاسات، فإذا أصاب ثوب أحدهم بول فلا يطهره الماء ولا التراب، إنما يلزمه أن يقرضه بالمقاريض، ويرميه ويلقيه على المزابل.

    قال: ( أما النصارى فاستحلوا الخبائث والمحرمات، وباشروا جميع النجاسات ).

    فالواحد منهم يصيب ثوبه البول والنجاسة، فيدخل الكنيسة فيصلي على هذا النحو.

    أما نحن فإننا وسط في باب الحلال والحرام وفي باب النجاسات بين اليهود والنصارى، إذا أصاب ثوب أحدنا نجس أو خبث أزاله وغسله بالماء، ثم دخل في الوقوف بين يدي ربه لا حرج عليه، لم يؤمر بقرض الثوب بالمقراض، كما أننا كذلك لا تصح عبادتنا بهذه النجاسة، فإننا أمة طاهرة مطهرة بتطهير الله عز وجل لها من الأرجاس والأدران.

    المؤمنون وسط في باب القصاص

    وكذلك القصاص شرط على اليهود لابد أن يفعلوه، لا يحل لصاحب المظلمة أن يتنازل، والتسامح شرط على النصارى لا يحل لأحدهم أن يأخذ قصاصاً ولا دية.

    وأما نحن أمة الإسلام في مجموعها وفي كتاب ربها وسنة نبيها، فإنها مخيرة بين القصاص وبين الدية وبين العفو: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178]، وأما المؤمنون فكما نعتهم الله عز وجل في قوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، فذنبك يا عبد الله مهما عظم شيء، ورحمة ربك وسعت كل شيء: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157].

    فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها، ووهبهم الله تعالى من العلم والحلم والعدل والإحسان ما لم يهبه لأمة من الأمم، فلذلك كانوا أمة وسطاً، وهذا بيان لوسطية الأمة في مجموع الأمم السبعين من قبلها، وقد رأيتم محاسن الدين فيما ذكرنا.

    أسأل الله تعالى أن يغفر لي ولكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ...)

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    في قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم؛ ولتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل.

    جميع الأمم يعترفون لأمة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بالفضل، ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال الله تعالى: هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج:78] أي: اصطفاكم من بين الخلق: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الحج:78].

    قال الإمام أحمد : عن أبي سعيد الخدري : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. قال: فذلك قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم) وكذلك رواه البخاري .

    ومن طريق أبي سعيد : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. يا رب! فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، قال: عدلاً).

    عن جابر بن عبد الله الأنصاري : (شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في بني مسلمة، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: والله يا رسول الله! لنعم المرء كان -يعني: هذا الميت كان نعم المرء- لقد كان عفيفاً مسلماً وكان وكان وكان، وأثنوا عليه خيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت بم تقول -يعني: احذر أيها القائل! لأنك مرهون بقولك يوم القيامة- فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: يا رسول الله! بئس المرء كان، إن كان لفظاً غليظاً، فأثنوا عليه شراً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لبعضهم: أنت بالذي تقول، فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجبت).

    قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    وفي مسند أحمد من طريق أبي الأسود الدؤلي أنه قال: (أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتاً ذريعاً -أي: سريعاً كثيراً- فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيراً فقال: وجبت، ثم مر بأخرى فأثني عليها شراً، فقال عمر : وجبت، فقال أبو الأسود : يا أمير المؤمنين! ما وجبت؟ قال: قلت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قال: فقلنا: وثلاثة؟ فقال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد)، وكذلك رواه البخاري والترمذي والنسائي .

    وعن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم، قالوا: يا رسول الله! بم؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض).

    وعند مسلم من حديث أنس بنصه، وعند البخاري بمعناه: (أن جنازة مرت على النبي صلى الله عليه وسلم فأثني عليها خيراً، فقال النبي: وجبت وجبت وجبت، ومرت أخرى فأثني عليها شراً، فقال: وجبت وجبت وجبت، قالوا: ما ذاك فداك أبي وأمي، -وفي رواية مسلم - فقال عمر : فدى لك أبي وأمي يا رسول الله! مرت جنازة فأثني عليها خيراً، فقلت: وجبت، ومرت أخرى فأثني عليها شراً، فقلت: وجبت، فما وجبت؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: من أثنيتم عليها خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليها شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)، وهذا يدل على وسطية الأمة، وأنها حاكمة بالعدل بين جميع الأمم كلها.

    وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (نحن الآخرون الأولون)، وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون) أي: نحن وإن كنا آخر الأمم، إلا أننا نسبق الأمم في البعث والحشر والحساب والثواب ودخول الجنة، وأن الله تعالى كذلك هدانا لما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق بإذنه سبحانه وتعالى، فإن الله تعالى أمر اليهود كما أمر النصارى أن يتخذوا يوماً عيداً لهم، فاختلفوا، فاتخذت اليهود يوم السبت، واتخذت النصارى يوم الأحد، ووفق الله تعالى هذه الأمة لاختيار أفضل الأيام وأحسنها، وهو يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، فاليهود لنا فيه تبع، والنصارى بعد غد، اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فالله تعالى هدانا لأحسن الأيام وأحسن الشرائع وأحسن الملل، وجعلنا أمة وسطاً بين هذا وذاك.

    هذه الأمة بهذه الخاصية وبهذه الوسطية بين سائر الملل والنحل ينبغي لها أن تراعي فضلها وكرامتها وخصائصها وسماتها وعلاماتها، وأن تعلم أن هذا ليس من باب التشريف فحسب، بل هذا من باب التكليف، وأن الأمة بهذه الخصائص وبهذه الميزات قد كلفها الله تعالى بما لم يكلف به الأمم من قبلها، فينبغي أن تراعي الأمة مهمتها التي خلقت لأجلها، وهي القيام بالليل والنهار على الدعوة إلى الله عز وجل، ودعوة الخلق إلى الحق، وإدخال الناس في دين الله أفواجاً، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

    حينئذ تتحقق لها السيادة والريادة على العالم أجمع، وما سقطت الأمة في الهاوية إلا بسبب أنها تركت حبل الله المتين، وأخذت تعاليمها وأخلاقها وآدابها من سائر ملل غيرها.

    أسأل الله عز وجل أن يردنا وإياكم ويرد الأمة كلها إلى دينه رداً جميلاً.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. وكل ذلك عندنا.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618479

    عدد مرات الحفظ

    699293238