إسلام ويب

شرح أخصر المختصرات [47]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المريض مرضاً مخوفاً له أحكام خاصة تتعلق بتصرفاته المالية؛ من وصية وعطية وغيرها، وقد بين الفقهاء تلك الأحكام، وبينوا فروقاً دقيقة بين كثير منها.

    1.   

    متى يحرم قبول الهدية؟

    حكم قبول الهدية في مقابل العمل المراد به وجه الله

    عرفنا أن الهدية: هي التبرع بجزء من المال أو بمنفعة لقصد التودد والمحبة، وأن العطية هي إعطاء الإنسان غيره شيئاً من المال بغير مقابل، وأن الهدية قسمان: هدية تبرر، وهدية ثواب، فهدية الثواب تكون كالبيع، إذا لم يعط مقابلها فله الرجوع، وهدية التبرع لا يجوز الرجوع فيها.

    وقد ورد في فضل الهدية حديث مشهور هو: (تهادوا تحابوا)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، مع أن أهلها لا يشترطون ثواباً، ولكنه يحب مكافأتهم، فقد ورد في حديث: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه).

    وبهذا يعرف أن الهدية تكون مالاً، وتكون منفعة، فالإنسان الذي يعلمك، ويفهمك مسألة من المسائل، يعتبر قد فعل معك معروفاً، وأنت تحب أن تكافئه، لكن يستحب له إذا كان قصده الثواب والأجر ألا يأخذ هديتك؛ لأنها قد تنقص أجره، وقد جاء في حديث أبي الدرداء: (أنه علم رجلاً من أهل الصفة آيات من القرآن، فأهدى إليه قوساً، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أحببت أن تطوق مثله من النار فخذه)؛ وذلك لأنه أراد الأجر بتعليمه، فلا يحق له أن يفسد أجره، وأن يأخذ عليه عوضاً.

    ويقال كذلك في كل من عمل عملاً يحتسبه عند الله، فلا يفسد أجره بقبول تلك الهدية، سيما إذا كان ذلك الذي علمته أو دللته فقيراً كأهل الصفة الذين هم من فقراء المهاجرين، فمن فعل ذلك يحتسب الأجر، فليس له أن يأخذ ما يقابله، وقد ورد في حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال ما معناه: (من عمل عملاً يبتغي به وجه الله فأهدي إليه شيء فلا يأخذه)، بل عد في بعض الروايات أنه من الربا، وإن لم يكن من الربا الصريح، فإذا عملت لإنسان عملاً تحتسبه فلا تأخذ عليه أجراً، كما إذا حملت له متاعه أو رفعته له، أو أوصلته له إلى منزله وأنت محتسب أنه فقير ذو حاجة، أو شفعت له عند من قضى حاجته، أو أما أشبه ذلك، وأنت تحتسب الأجر، فليس لك إفساد أجرك بأخذ هدية، وقد قصدت الأجر الأخروي، فلا تأخذ أجراً دنيوياً.

    حكم قبول الهدية إذا قصد بها الرشوة

    ومن الهدايا التي لا تجوز، إذا كان ذلك المهدي يقصد مقصداً دنيوياً، فليس له أن يهدي، وليس للمهدى إليه أن يقبل، فإذا أهديت للطبيب لأجل أن يقدمك على المراجعين، فهذه هدية شبيهة بالغلول، وهدايا هؤلاء العمال غلول، أو أهديت لمدرس ليزيد في درجاتك، فهذه من جنسها، ولا يحق له أن يقبلها، أو أهديت للموظف ليقبل وظيفتك، وليقدمك في الوظيفة على من هو أحق منك، فإن هذه من الغلول أو من المحرم.

    ومثله: ما ورد في هدية القاضي فإنها تسمى رشوة، فإذا أهدى أحد الخصمين للقاضي أو نفعه، وأراد بذلك أن يميل معه، وسماها هدية، ولو -مثلاً- ضيافة، بأن استضافه وأكرمه ويريد أن يميل معه، فإنها تسمى رشوة، وكذلك إذا كان يراجع كاتباً ويريد أن يقدمه على غيره، فإنه بذلك يكون قد أعطاه ما يشبه الرشوة، فليس للآخذ أن يأخذ، ولا للمعطي أن يعطي في هذه الحالات وأشباهها.

    ويقع كثيراً التساهل في هذا، ويسأل كثيرون من أصحاب المنح هذا السؤال: إني طلبت منحة أرض سكنية، وإذا أعطيت هذا المسئول أعطاني في مكان مرغوب، وإذا ما أعطيته دفعني وأبعدني؟

    فالجواب أن نقول: هذه رشوة ولو سميتها هدية، فإنك بذلك تضر غيرك، والواجب عليه أن يسوي بين جميع الممنوحين ونحوهم، فلا يقدم هذا لأنه يعرفه، أو هذا لأنه صديقه، أو هذا لأنه من أسرته، أو هذا لأنه كبير القوم، أو هذا لأنه أهدى إليه أو ما أشبه ذلك.

    وأما حديث: (هدايا العمال غلول) فهو مشهور، وإن كان هذا اللفظ في إسناده مقال، والأصل فيه قصة ابن اللتبية الذي ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على جمع الزكاة من البهائم، فجاء وقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (هلَّا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً) المعنى: أنهم أهدوا له حتى يتسامح معهم، إذا كان عليهم -مثلاً- خمس شياه ثمينة، أهدوا له شاة وأعطوه خمساً هزيلة، وقبلها، فمثل هذا يعتبر رشوة، ولو سموها هدية؛ لأنهم يقصدون بذلك أن يخفف عنهم، وكذلك أصحاب الثمار، لا يجوز له أن يستضاف عندهم؛ لأنه قد يزيد في خرص من لم يضيفه أو لم يكرمه ويتغاضى عن الذي أكرمه، والذي زاد في إكرامه ينقص عليه من الزكاة، فلذلك لا يجوز له والحال هذه.

    فأمر الهدايا والهبات فيه تساهل كثير، ويقع به ضرر على الفقراء الذين لا يجدون ما يهدون، حيث إن أولئك الذين هم أهل طمع وأهل مقاصد دنيوية؛ يقدمون من أهدى إليهم في القضايا وفي الكتابات وإخراج الصكوك، وكذلك في المنح وما أشبهها، وهذا لا يجوز، وإذا عرفنا هذا الحكم فلا يصح لأحد أن يقبل شيئاً من هذه الهدايا ونحوها.

    1.   

    لا يطالب الأب بالدين بل بالنفقة الواجبة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وليس لولد ولا لورثته مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقه واجبة، ومن مرضه غير مخوفٍ تصرفه كصحيح، أو مخوف كبرسامٍ أو إسهال متداركٍ، وما قال طبيبان مسلمان عدلان عند إشكاله إنه مخوفٌ، لا يلزم تبرعه لوارثٍ بشيءٍ، ولا بما فوق الثلث لغيره إلا بإجازة الورثة.

    ومن امتد مرضه بجذام ونحوه ولم يقطعه بفراش فكصحيح، ويعتبر عند الموت كونه وارثاً أو لا، ويبدأ بالأول فالأول بالعطية، ولا يصح الرجوع فيها، ويعتبر قبولها عند وجودها، ويثبت الملك فيها من حينها، والوصية بخلاف ذلك كله].

    تقدم فيما يتعلق بالعطية ما يحل للأب أن يأخذ من مال ولده، وعرفنا شروطه، ثم يقول المصنف: (وليس لولد ولا لورثة مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقة واجبة) أي: إذا كان لك دين على والدك فليس لك أن تطالب أباك بهذا الدين، وتقول: إن عندك لي ديناً يا أبي، بل إن دفعه الأب ورده فلك أخذه، وإلا فله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإذا استدان منه ديناً فليس له أن يطالبه ويقول: أعطني يا أبي الدين الذي عندك، وكذلك إذا مات الابن فليس لورثته مطالبة أجدادهم، ويقولون: إن أبانا كان له دين عندك أيها الأب الأبعد، أيها الجد، ليس لهم ذلك.

    وظاهر هذا أنه يجوز له أن يأخذ من مال أولاد ابنه، وأن الجد بمنزلة الأب يأخذ من مال ابنه، ومن مال ابن ابنه وإن نزل؛ لأن الجد أب، فله أن يأخذ من ماله ابنه وابن ابنه ما لا يضر الابن، ولا تتعلق به حاجته.

    ويجوز للابن مطالبة أبيه بالنفقة الواجبة، فإنه يجب عليه أن ينفق على أولاده، والأصل أن الأب لا يجمع الأموال إلا لأولاده، فإذا احتاجوا للنفقة الواجبة الضرورية وجب عليه أن ينفق عليهم بقدر كفايتهم طعاماً وشراباً وكسوة وسكناً، وكذلك الحاجات الضرورية كتزويج وما أشبهه.

    وللأب أن يسوي بينهم في النفقة، فلا يزيد لهذا عن هذا، أو لهؤلاء عن هؤلاء لأنه يحبهم، بل يعطيهم بالسوية، فلا يشتري لهذا كسوة غالية وهذا كسوة رخيصة، أو يطعم هؤلاء من اللحوم والفواكه، وهؤلاء من يابس الخبز وما أشبهه، بل عليه أن يسوي بينهم، وإذا قصر عليهم وكادوا أن يجوعوا، فلهم مطالبة أبيهم حتى يسد خلتهم وحاجتهم.

    1.   

    تصرفات المريض

    حكم تصرفات المريض إذا كان مرضه غير مخوف

    ذكر المصنف بعد ذلك تصرفات المريض، متى تكون نافذة أو غير نافذة؟

    إذا كان المرض غير مخوف فتصرفه كتصرف الصحيح، فإذا كان مرضه وجع ضرس، أو وجع عين، أو ألماً في إصبع، أو صداعاً في رأسه أو حرارة، أو سعلة يسيرة، أو ألماً في يد أو رجل؛ فإنه يتصرف تصرفاً صحيحاً، فله أن يهدي، وله أن يتصدق، وله أن يوقف؛ وذلك لأنه شبيه بالصحيح، والإنسان في صحته يتصرف كما يشاء.

    والصدقة في حالة الصحة أفضل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمسك حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان)، فلا يجوز له أن يتصدق في حالة المرض المخوف إلا بالثلث فأقل.

    فإذا كان الإنسان صحيحاً وتصدق بنصف ماله أو بالثلثين أو سبله، أو أعطاه لمستحق أو ما أشبه ذلك، فليس لورثته منعه، وكذلك لو أوقف أموالاً كثيرة أو تبرع بها وأعطاها لبعض أقاربه، أو بنى بها مساجد أو ما أشبه ذلك؛ فكل ذلك جائز في حالة الصحة.

    حكم تصرفات صاحب المرض المخوف

    إذا كان المرض مخوفاً فليس له تصرف إلا في الثلث.

    والمرض المخوف مثلوا له بالبرسام أو بالإسهال، والبرسام: مرض في الرأس يختل به الدماغ، تسميه العامة أبو دمغة؛ لأنه يختل به الدماغ؛ فالعادة في مثل هذا أنه يموت، وأما الإسهال المتدارك فاسمه عند الأطباء (الكوليرا)، وهو مرض يحصل به الإسهال المتدارك، ويتمادى به إلى أن يموت.

    فإذا كان مرضه مخوفاً أو قرر طبيبان مسلمان عدلان أن هذا المرض مخوف، أي: يخاف منه الموت؛ فمثل هذا تصرفاته لا تنفذ إلا في الثلث؛ وذلك لأن حقوق الورثة إذا تعلقت بالمال فيخاف أن يقصد إضرار الورثة، مثل ما يسمى عند العامة بتوليج المال، أي: إخراجه من ملكه حتى يتضرروا، ولا يبقى لهم شيء يملكونه؛ إما لأنهم أساءوا صحبته، أو أنهم ما أطاعوه ولا خدموه، أو أنهم أقارب غير رافقين به إذا لم يكن له أولاد، وكان له إخوة أهل قطعية وعقوق، أو بنو عم مقاطعون له، فأراد أن يخرج المال من ملكه في حياته حتى لا ينتفعوا به إضراراً بهم.

    فإن كان صحيحاً ولو كان عمره مائة سنة، ولكن معه عقله وإدراكه، ومعه قوته يذهب ويجيء، فتصرفه تصرف نافذ، فإذا بنى مساجد، أو عمر مدارس خيرية، أو أصلح طرقاً، أو تصدق بصدقات، أو أوقف أوقافاً وسبلها، فإنه ينفذ؛ وذلك لأنه في حالة صحته وفي حالة قوته، والعادة أن الصحيح القوي يمسك المال، وأنه يحتاج إليه.

    حكم العطية للوارث في المرض المخوف

    الحاصل أنه إذا كان صحيحاً فتصرفه صحيح، وأما إذا كان مرضه مخوفاً فإن تصرفه لا ينفذ إلا في الثلث، ولا ينفذ إذا أوصى للوارث، وقال: لك يا ولدي كذا، أو لك يا أمي أو يا زوجتي كذا، ففي هذه الحال لا ينفذ ذلك؛ لأنهم وارثون، وقد ورد في الحديث: (لا وصية لوارث) ، وهذا شبيه بالوصية؛ لأنه عطية في المرض، وقد تعلقت حقوق الورثة بالمال، فهذه العطية تعتبر من الثلث إلا إذا كانت لوارث، ففي الحديث: (لا وصية لوارث).

    وفي قصة سعد لما قال: (أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: النصف؟ قال: لا. قال: الثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير) يعني أراد أن يتصدق بالثلثين، ثم بالنصف، فصرفه إلى الثلث، ثم قال: (والثلث كثير)، فإذا أجاز الورثة ذلك جاز، أي: إذا تصدق بنصف ماله أو بثلثيه ووافق الورثة على ذلك جاز؛ لأن الحق لهم، وكذلك لو تبرع لأحدهم، فمثلاً: إذا كان له ثلاثة أولاد أغنياء، وعندهم تجارات، وعندهم أملاك، وله واحد فقير لا يملك شيئاً ولا سكناً، وأوصى له أو تبرع في مرض الموت، فقال: أعطوه مسكناً. ووافق الورثة، نفذ ذلك إذا أجازه الورثة؛ لأن الحق لهم.

    المرض الممتد وحكم التصرف فيه إذا لم يقعده

    هناك أمراض تمتد ولا يكون المرض مخوفاً، فمن امتد مرضه بجذام ونحوه، ولم يقطعه بفراش؛ فتصرفه صحيح، والجذام: قروح تخرج في الأنف أو في الوجه، وهو الذي ورد الاستعاذة منه: (أعوذ بك من البرص والجذام وسيء الأسقام) وفي الحديث: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، وذلك لأن ينتقل بإذن الله.

    فالجذام قد يطول بصاحبه عشر سنين أو عشرين سنة، فلا يكون مخوفاً، ومثله مرض السل في ابتدائه، ومرض الصدر أو التدرن الصدري، فهذا في أول الأمر يبقى سليماً معافى، ولكن في آخره تخرج قروح في الرئة، ثم تشتد إلى أن تقضي عليه، ولكن تطول مدته، فقد يبقى عشر سنين أو نحوها.

    ومثل ذلك الفالج في آخره، والفالج هو الشلل النصفي، ففي أوله خطر، أما في آخره فإنه قد يبقى عشر سنين أو عشرين سنة وهو مشلول يد أو رجل، فتصرفه صحيح، ولو طالت مدته، إلا إذا كان على الفراش، فمن كان مرضه قد ألزمه الفراش بحيث لا يستطيع أن يتحول ولا أن يذهب ويجيء، بل هو دائم على الفراش فإن هذا مخوف، فتصرفه غير صحيح إلا بإجازة الورثة.

    1.   

    الفرق بين عطية المريض ووصيته

    الفرق بين الوصية والعطية

    هناك فروق بين العطية والوصية: فالعطية هي التبرع في الحياة، والوصية هي: التبرع بعد الموت وبعد الوفاة، فيعتبر عند الموت كونه وارثاً أو لا، فمثلاً: إذا تبرع لقريبه فقال في مرض موته: أعطوا أخي هذه السيارة أو عشرة آلاف، وكان أخوه لا يرث؛ لأنه محجوب بابن للميت، ثم قدر أن ابن الميت مات قبل أبيه، ثم مات الأب، فأصبح الأخ وارثاً، فهل يأخذ هذه العطية أو الوصية؟

    لا يأخذها إلا بإجازة الورثة؛ لأنه أصبح وارثاً، وفي الحديث: (لا وصية لوارث)، فيعطى حقه من الميراث، ولا يأخذ هذه العطية.

    وعكسه: لو قدر أنه أوصى لأخيه، أو أعطاه في آخر حياته، وكان أخوه يرث في ذلك الحال، ثم قدر أن الموصي أو المعطي ولد له ابن قبل موته، ولما ولد له حجب الأخ، فأصبح الأخ لا يرث، فهل تصح تلك العطية له؟

    نعم تصح، إن خرجت من الثلث أو إن سمح بها الورثة، هذا معنى قوله: (يعتبر عند الموت كونه وارثاً أو لا)، بمعنى أنه أوصى له وهو يرث، وقبل موت الموصي حجب وأصبح لا يرث، فتصح الوصية، والعكس: إذا أصبح الموصى له وارثاً، وذلك إذا مات ابن الموصي أو المعطي في حياته، وأصبح الموصى له من الورثة، فلا تصح تلك الوصية أو العطية.

    كيفية البدء في العطية والوصية

    قال المصنف رحمه الله: (ويبدأ بالأول فالأول في العطية).

    صورة ذلك: إذا قال وهو مريض مرضاً مخوفاً: أعطوا زيداً خمسة آلاف، ثم في اليوم الثاني قال: أعطوا سعداً عشرة آلاف، ثم في اليوم الثالث قال: أعطوا إبراهيم ثلاثة آلاف. فنظرنا فإذا الجميع ثمانية عشر ألفاً، ثم قدر أنه لما مات حصرنا الثلث، ووجدنا الثلث عشرة آلاف، ففي هذه الحال يأخذ زيد منها خمسة آلاف، وسعد خمسة آلاف فقط، ولا يأخذ إبراهيم شيئاً.

    وكذلك لو قالوا يوم الجمعة: أعطوا زيداً ثلاثة آلاف، فإنا نعطيه الثلاثة الآلاف، فنبدأ بالأول، وقال يوم السبت: أعطوا سعداً خمسة آلاف، فإنا نعطيه ذلك من هذا الثلث الذي هو عشرة آلاف، يبقى عندنا من الثلث ألفان، وعندنا إبراهيم قد أمر له بعشرة آلاف يوم الأحد، فنقول له: خذ هذين الألفين بقية الثلث، فإذا قال: لماذا أعطيتموهم حقهم تماماً، وما أعطيتموني إلا القليل؟

    فالجواب: لأنهم قبلك، أي: لأنه تبرع لهم قبل أن يتبرع لك، فليس لك إلا بقية الثلث؛ وذلك لأن العطية تنفذ في الحياة، وإنما منعنا من إخراجها لأنه مريض، فإن شفي من مرضه أعطاهم ما يريدون أو منعهم؛ لأن العطية والهبة لا تلزم إلا بالقبض، وأما إن مات فإنها ترجع إلى الثلث، فإن خرجت أعطياته كلها من الثلث أخذوها، وإن كان الثلث قليلاً لم يخرج منه إلا الثلث، ويبدأ بالأول الذي هو زيد فيعطى الثلاثة الآلاف، ثم سعد يعطى الخمسة الآلاف، ثم يبقى لإبراهيم من الثلث ألفان، وليس له إلا ذلك، هذا معنى قوله: (يبدأ بالأول فالأول في العطية).

    بخلاف الوصية، فإنهم يستوون، فلو قال: إذا مت فأعطوا زيداً ثلاثة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا سعداً خمسة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا إبراهيم عشرة آلاف. فنظرنا وإذا المجموع ثمانية عشر ألفاً، ووجدنا الثلث تسعة آلاف، ففي هذه الحال يسوى بينهم في الوصية، وكيفية التسوية أن يعطى كل واحد منهم بقدر حصته.

    ننظر في الثلث فإذا هو تسعة آلاف، والوصية ثمانية عشر ألفاً، فنسبتها النصف، فنقول: لك يا زيد ألف ونصف، ولك يا سعد ألفان ونصف، ولك يا إبراهيم خمسة آلاف، هذا هو الثلث، فيبدأ بالأول فالأول في العطية، ويستوي المتقدم والمتأخر في الوصية.

    حكم الرجوع في العطية وفي الوصية

    العطية لا يصح الرجوع فيها؛ وذلك لأنه تبرع بها، وإنما منعنا إخراجها انتظار أن يموت فتخرج من الثلث أو يشفى فيخرجها، فإذا قال وهو مريض: لك يا سعد هذه السيارة، ولك يا عمرو هذه الأرض، ولك يا إبراهيم هذه النقود المصرورة، فلا تنفذ في هذه الحال، ولكن إذا قدر أنه شفي، فهل له أن يرجع؟

    ليس له أن يرجع في العطية، لحديث: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) ، وإن كانت لا تلزم كما تقدم إلا بالقبض، ولكن هذا قد تبرع بها، وأصبحت كأنها ملك للمعطى، فليس له الرجوع، بخلاف الوصية فإن له الرجوع، فإذا قال: إذا مت فأعطوا زيداً هذه السيارة، وأعطوا سعداً هذه العمارة، وأعطوا بكراً هذه القطعة من الأرض، ثم شفي، فهل يلزم إعطاؤهم؟

    لا يلزم، وله أن يرجع؛ وذلك لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، فله أن يرجع في الوصية، ولا يرجع في العطية.

    وقت اعتبار قبول العطية وقبول الوصية

    إذا قدر أنه قال وهو مريض: أعطوا زيداً هذه الشاة، وأعطوا سعداً هذه الناقة، فكل منهم قال: قبلت. ولكن منعناهما من أخذها مخافة ألا تخرج من الثلث، فولدت الشاة ونتجت الناقة، ثم مات، وخرجتا من الثلث، ففي هذه الحال هل يكون ولد الناقة وولد الشاة تركة أو يكونان للمعطى؟

    الجواب: يكونان للمعطى؛ وذلك لأنها دخلت في ملكه من وقت القبول، فهذا معنى قوله: (يعتبر قبولها عند وجودها)، لما اعتبر قبولها عند وجودها صار نماؤها تبعاً لها.

    وهكذا لو قال: أعطوا زيداً هذه النخلة. ثم لم يمت حتى حملت، وزيد قد قبلها، ولما مات طالبه الورثة بالحمل، فهل لهم ذلك؟

    ليس لهم، فلو قالوا: إنها حملت قبل الموت، فالجواب: أنها تلزم بالقبول، والقبول قد حصل.

    وهكذا لو كانت داراً فقال: أعطوا زيداً هذه الدار، وأعطوا عمراً هذا الدكان، وقبل كل منهما، ولكن ما سلمناها مخافة أن يموت ولا تخرج من الثلث، ولما مات نظرنا فإذا الدار قد أجرت بعشرة آلاف، والدكان بخمسة آلاف مثلاً، ففي هذه الحال نقول: إنه والحال هذه تكون الأجرة للمعطَى؛ لأنها خرجت من الثلث، وملكها من وقت القبول، هذا معنى: (يعتبر قبولها عند وجودها).

    وقوله: (يثبت الملك فيها من حينها):

    (من حينها) قيل: إنه من حين العطية، وقيل: من حين القبول.

    والفرق بين القولين: أنه لو قال: أعطوا زيداً الدكان، ولم يقل زيد: قبلت إلا بعد الموت، فلا يثبت الملك إلا بعد الموت، وليس له الأجرة قبل القبول، بل أجرة الدكان للورثة، وله عين الدكان، وله قسطه من الأجرة بعد القبول.

    وأما إذا قلنا: إن الملك قبل القبول يثبت من حين العطية، ففي هذه الحال له أجرة هذا الدكان، بمعنى أنه لو قال في شهر المحرم: أعطوه هذا الدكان. وزيد ما قال: قبلت. إلا في شهر رجب، أي: بعد نصف سنة، والمعطي ما مات إلا في ذي الحجة بعد سنة، فالصحيح أن أجرة نصف السنة قبل القبول للورثة، والنصف الثاني للمعطى، والملك يثبت من حين القبول.

    وأما الوصية فإنها لا تثبت إلا بعد الموت، فلو قال الموصى له: قبلت. ثم قال الموصي: رجعت. فله الرجوع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047686075

    عدد مرات الحفظ

    738496368