إسلام ويب

مصابيح الهدى - خديجة بنت خويلدللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القدوة الصالحة في تاريخ أسلافنا الأماجد ليست محصورة في الرجال، فإن هناك من النساء اللواتي كملن من لو وزنت بآلاف الرجال لرجحت بهم، ومن تلك النساء العظيمات الكاملات أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، إنها أول الناس إسلاماً، وهي التي واست رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسها ومالها، وهي التي أقرأها الله السلام وبشرها بالجنة، وهي أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    الإسلام أعطى المرأة حقها

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمّن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم وكما آمنا به ولم نره، فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، وأوردنا بفضلك وكرمك ورحمتك حوضه الأصفى، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره، إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين وسيد الدعاة في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا العاشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ولا زلنا بفضل الله جل وعلا نطوف مع حضراتكم في بستان سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ذلكم البستان المبارك، الذي لا ينقطع عبيره، ولا ينتهي شذاه، ولا تذبل أزهاره، ولا تموت وروده، ومن ثَم فمن الصعوبة بمكان أن نقف أمام جميع زهرات هذا البستان، لنستنشق عبيرها، ولنسعد بجمالها ونضرتها وبهائها، أجل! من الصعب أن نتحدث عن جميع هؤلاء الصحب الخيار؛ لأنهم عمر الزمن ونبض الحياة، ومن المحال أن نحسب أنفاس الزمن وأن نقدر نبض الحياة! فاسمحوا لي أيها الأحبة في الله، بعد أن قدمنا في اللقاءات الماضية نماذج مشرقة من القدوة الصالحة الطيبة، والمثل العليا لشباب الصحوة الإسلامية خاصة، ولجميع أبناء الأمة عامة، اسمحوا لي أن نكتفي بهذا القدر من الصحب الكرام رضوان الله عليهم جميعاً، لنقدم من اليوم وفي اللقاءات المقبلة -إن قدر الله لنا البقاء واللقاء- نماذج أخرى مشرقة من القدوة الطيبة، والمثل العليا لأخواتنا المسلمات، لأصل العز والشرف، لمربية الأجيال، ومخرجة الأبطال، هذه اللؤلؤة المكنونة، والدرة المصونة، للمسلمة التي تربعت على عرش حيائها طيلة القرون الماضية، تهز المهد بيمينها وتزلزل عروش الكفر بشمالها، للقلعة الشامخة أمام طوفان الباطل والكذب، لهذه المسلمة العظيمة، التي رفعت بيمينها كتاب ربها، وبشمالها لواء سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، في وقت خطط فيه أعداء الإسلام في الليل والنهار، وشنوا حملة وحرباً شرسة ضارية على المرأة المسلمة، وراحوا يخططون لها في كل لحظة وفي كل وقت وحين؛ للزج بها في مواقع الفتنة، ومستنقع الرذيلة الآسن، تنفيذاً عملياً لقولتهم الخبيثة الخطيرة التي تقول: كأس وغانية يفعلان في تحطيم الأمة الإسلامية ما لا يمكن أن يفعله ألف مدفع! فلقد علم أعداء ديننا أن أصل العز في هذا المجتمع الإسلامي، وأن ركن السيادة والطهارة والعفة هو المرأة المسلمة، فراحوا يخططون لها في الليل والنهار؛ ليقوضوا صرح هذا المجتمع الإسلامي، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولكن وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]، ولكن وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، ولكن فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]. وها نحن نرى الصحوة الإسلامية المباركة في جميع أنحاء العالم يمدها كل يوم فتيات في عمر الورود، زانهن حجاب أصاب أعداء الإسلام من الغرب والشرق وأفراخهم في بلاد المسلمين بالذهول والطيش والجنون والشرود! فها نحن الآن نرى حملة شرسة وحرباً علنية على كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، لا سيما على هذا الشباب النقي الطاهر، الذي أعلن تمسكه بكتاب الله وشرع رسول الله، وعلى هؤلاء الفتيات الطاهرات العفيفات، اللائي تزين بحجاب رب الأرض والسماوات. ولكن أيها الأحبة! أقولها بملء فمي: إن الله جل وعلا سيظهر دينه، وسيعلي كلمته، وسينصر نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا وعد الله، والله لا يخلف وعده، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33].

    1.   

    خديجة نموذج للأسبقية

    تعالوا بنا أيها الأحبة لنعيش في هذه الدقائق المعدودات، ولنقدم لأختنا المسلمة القدوة الصالحة، والمثل الأعلى، تعالوا بنا لنعيش في هذه الدقائق مع رمز الوفاء، وسكن سيد الأنبياء، مع أول صديقة في عالم المؤمنات، مع أول من صلت لله مع رسول الله، مع أول من أنجبت الولد لحبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم، مع أول من بشرت بالجنة، مع أول من نزل جبريل ليبغلها من ربها السلام، مع رمز الوفاء، ونهر الرحمة، وينبوع الحنان، مع القلعة الشامخة: قلعة الإسلام والإيمان، إنها أمنا أم المؤمنين خديجة بنت خويلد عليها من ربها الرحمة والرضوان. أعيروني القلوب والأسماع، فوالله الذي لا إله غيره إني أرى الكلمات تتوارى خجلاً وحياء أمام هذه القلعة الشامخة، وأمام هذه الزوجة الصابرة الوفية المخلصة، أمام خديجة رضي الله عنها وأرضاها، تلك المرأة التقية النقية الطاهرة، التي لقبت بالطاهرة في الجاهلية قبل الإسلام، آمنت بالحبيب المصطفى حين كفر به الناس، وصدقت الحبيب المصطفى حين كذبه الناس، وواست الحبيب المصطفى بمالها حين حرمه الناس.

    1.   

    ترجمة موجزة لخديجة وزواج النبي صلى الله عليه وسلم بها

    من هي خديجة أيها الأحباب؟! وما الذي تعرفه نساء المسلمين عن خديجة؟ وما الذي نعرفه عن أمنا رضي الله عنها وأرضاها؟ إنها سكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبلسم آلامه، وشفاء جراحه وأتعابه. خديجة ذلك العلم، ذلكم الشرف، خديجة التي نشأت في مكة المكرمة شرفها الله في بيت شرف وحسب ومال، وتزوجت أول الأمر في شبابها بـعتيق المخزومي ، وما لبث أن مات عنها، فتزوجت مرة أخرى بـأبي هالة التميمي ورزقها الله جل وعلا منه الولد، فرزقت منه بـهند بن أبي هالة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه وأرضاه، وبعدما مات زوجها الثاني أعرضت خديجة رضي الله عنها عن الزواج، وظلت أيّماً حتى بلغت الأربعين من عمرها، وكانت هذه المرأة العاقلة الشريفة تتاجر بأموالها، وتستأجر من الصالحين والصادقين من يتاجر لها بالمال، عن طريق المضاربات التي أقرها الإسلام بعد ذلك. وسمعت خديجة عن صدق محمد بن عبد الله قبل البعثة، وقبل الرسالة، فلقد شهد اجتماع مكة في دار الندوة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالصدق والأمانة قبل أن يبعث، يوم أن دخل عليهم وهم يختلفون: من الذي سيضع الحجر الأسود في مكانه، ويوم أن التفتت الأنظار وشخصت تجاه الباب، وإذ بهم يرون محمداً صلى الله عليه وسلم، فهتفوا جميعاً على لسان رجل واحد: لقد دخل عليكم محمد الأمين، لقد أطلق أهل مكة في دار الندوة على محمد لقب الأمين قبل البعثة. فلما سمعت خديجة عن أمانته وعن صدقه وعن عفته؛ أرسلت إليه ليتاجر بمالها، ولبى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تلبية لرغبة عمه أبي طالب ، وذهب النبي عليه الصلاة والسلام ليتاجر لـخديجة بمالها، وعاد غلامها ميسرة -الذي لا نعلم عنه شيئاً في الإسلام كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة- ليحدثها عن أمانة محمد، وعن صدق محمد، وعن وفاء وإخلاص وبر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ودب الحب في قلب خديجة رضي الله عنها لهذا الصدق وهذه الشيم وتلك الأخلاق الكريمة التي سمعت في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أجمعت الروايات كلها على: أن خديجة رضي الله عنها هي التي خطبت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتتشرف بالزواج منه، ولن نقف طويلاً عند هذه الأحداث الصغيرة، وذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة رضي الله عنها ليخطبها مع أعمامه، وعلى رأسهم حمزة وأبو طالب ، ووقف أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ليخطب خديجة رضي الله عنها، وكان من أروع ما قاله أبو طالب حيث قام خطيباً: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وفرع إسماعيل، وجعلنا حجبة البيت وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً، ثم إن هذا ابن أخي محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- الذي لو وزن به أي شريف من أشراف مكة شرفاً وعقلاً ونبلاً وفضلاً لرجحه محمد، ومحمد من قد عرفتم، وقد جاء اليوم يخطب خديجة ، فله رغبة فيها، ولها رغبة فيه، وما أحببتم من الصداق فعلي. هذه هي خطبة أبي طالب . فقام عمها عمر بن أسد، ونظر إلى أبي طالب وقال: هو الفحل لا يقدح أنفه. أي: هو الكريم الذي لا يرد.

    1.   

    خديجة نموذج للزوجة المسلمة

    تزوج الحبيب بـخديجة رضي الله عنها، وكان زواجاً ميموناً كريماً مباركاً، ضربت فيه خديجة رضي الله عنها أروع الأمثلة للبر والصبر والوفاء والكرم والجود والإيثار، فوالله ما سمع منها رسول الله كلمة تغضبه قط. استمعن أيتها المسلمات! استمعي أيتها الأخت المسلمة! يا من يعيش معها زوجها في قلق وهم وغم واضطراب! يا من تتفنن كل يوم في إيلام قلب زوجها! وتعكر صفو حياته، استمعي إلى بر الزوجة المخلصة، واستمعي إلى وفاء الزوجة المثالية والقدوة الطاهرة الطيبة، تعلمن يا مسلمات! من أمكن خديجة رضي الله عنها وأرضاها، تلك المرأة التي ملأت حياة النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً وسروراً، وراحة وحبوراً، وأمناً وأماناً، وسكينة وهدوءاً، وإيماناً واطمئناناً، تعلمن أيتها المسلمات من خديجة رضي الله عنها وأرضاها. تزوج النبي عليه الصلاة والسلام بها وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وهي في الأربعين من عمرها كما قال جمهور أهل العلم. ظللت السعادة على هذا البيت، وضربت الصابرة أروع الأمثلة في البر والوفاء، فهي الغنية، وزوجها الفقير الذي كان يعمل عندها يوماً من الأيام، هل قالت له يوماً: يا فقير؟! هل قالت له يوماً: يا من عملت عندي؟! تعلمي أيتها المسلمة الموظفة التي تمتن على زوجها في الليل والنهار، تعلمن من خديجة رضي الله عنها وأرضاها، والله ما قالت له قط كلمة تجرحه، ولا كلمة تؤذيه، ولا كلمة تغضبه، وإنما يوم أن سعدت وشرفت بزواجها منه صلى الله عليه وسلم وضعت مالها كله بين يديه، وأسلمت له قلبها وعقلها وروحها وبيتها واستقرارها، وأحبت كل ما أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبغضت كل ما أبغضه رسول الله، وتلك هي أركان الوفاء وبنود البر، وبنود الإيثار، ورحم الله المودودي حين قال: إن الحياة الزوجية إن خلت من المودة والرحمة أصبحت كالجسد الميت إن لم يدفن فاح عفنه ونتنه.

    1.   

    فضائل خديجة رضي الله عنها

    ظللت الأبوة الرحيمة هذا البيت، وأنعشت الأمومة الكريمة أنفاس هذا البيت، ما ظنكم بأب هو رسول الله، وبأم هي خديجة الطاهرة صاحبة الشرف والعقل والكمال؟! أجل! إنه وسام سيد الرجال لـخديجة ، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم -واسمعوا إلى هذا المثال، وإلى هذه المنقبة يا عباد الله! والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري -: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). وفي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران ، خير نسائها خديجة بنت خويلد)والراجح كما قال الحافظ ابن حجر : أن المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: (خير نسائها) أي: خير نساء زمانها، فـمريم بنت عمران خير نساء زمانها، وخديجة بنت خويلد خير نساء زمانها بشهادة من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. إن خديجة لم تبلغ هذه المنزلة الرفيعة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما بلغت خديجة هذه المنزلة الرفيعة عند ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، هل سمعت يا عبد الله بامرأة أنزل الله جل وعلا جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليبغلها من ربها جل وعلا السلام؟! إنها خديجة رضي الله عنها، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى خديجة مقبلة، فقال جبريل عليه السلام: (يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني) فإذا أتت فأقرئها السلام ممن؟! من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، والله إن الحلق ليجف، وإن القلب ليخشع، وإن الجوارح لتسكن أمام هذا السلام الإلهي الكريم من الله جل وعلا، وعلى لسان من؟! على لسان جبريل، إلى لسان من؟! إلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم، إلى من؟! إلى خديجة رضي الله عنها، (يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت فأقرئها السلام من ربها ومني) أي: ومن جبريل، وانظروا إلى فقهها، انظروا إلى عقلها، انظروا إلى علمها، انظروا إلى ذكائها وفطنتها، ما قالت: وعلى الله السلام، انظروا إلى كمال العقل والفطنة والذكاء، اسمعوا ماذا قالت خديجة العالمة الذكية العاقلة، فقد ورد في سنن النسائي: (إن الله هو السلام، ومنه السلام -فالسلام اسم من أسمائه-، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته). يا له من علم! هل انتهت البشارة والمنقبة والفضيلة عند هذا الحد؟! كلا. فتعالوا بنا لنقرأ الحديث كله، ولنستمع إلى الفضل كله، قال جبريل: (يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب - أي: من لؤلؤة مجوفة- لا صخب فيه ولا نصب). وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فهل أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً صخباً؟! هل أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ضجيجاً؟! هل رفعت صوتها يوماً على حبيب الله صلى الله عليه وسلم؟! كلا، وإذا كان ذلك كذلك فإن الجزاء من جنس العمل، فليكن بيت خديجة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، هدوء كامل وراحة تامة؛ نظير ما أسعدت النبي صلى الله عليه وسلم بالهدوء والراحة التامة.

    1.   

    خديجة أم أولاده صلى الله عليه وسلم

    وأتم الله السعادة لهذا البيت الكريم بعدما أنجبت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الولد، فأنجبت: القاسم ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وهناك خلاف في عبد الله الذي لقب بـالطيب والطاهر كما ذكر علماء السلف المحققين، وخيمت السعادة على هذا البيت، بل وضم هذا البيت المبارك إلى جوار هذه الصفوة الكريمة من أبناء الحبيب صلى الله عليه وسلم هند بن أبي هالة ، الذي رزق الله عز وجل به خديجة من زوجها الثاني أبي هالة التميمي ، وضم هذا البيت المبارك علي بن أبي طالب ، وضم هذا البيت المبارك زيد بن حارثة ، وضم هذا البيت المبارك أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكفى خديجة شرفاًوفضلاً أن هذا البيت هو أول بيت وحد الله في الأرض، وهو أول بيت صلى لله جل وعلا، وهو أول بيت تلي فيه كتاب الحق جل جلاله.

    1.   

    تثبيت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية نزول الوحي

    ومن هذا البيت انتشر ضياء ونور الإسلام على الدنيا كلها، وبدأ طور جديد في حياة خديجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الأربعين من عمره الشريف المبارك بدأت إرهاصات النبوة تتوالى، وكان أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح كما ورد في صحيح البخاري ، وحبب الله للنبي صلى الله عليه وسلم الخلوة والعزلة، فأحبت خديجة الخلوة والعزلة؛ لأنها تحب كل ما يحبه رسول الله، وهكذا الزوجة الصالحة، طالما أن زوجها ما أحب إلا طاعة الله عز وجل، وما أحب شيئاً فيه معصية لله ولرسوله، فلتحب الزوجة كل ما يحبه الزوج، أحبت الخلوة والعزلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى غار حراء بعيداً عن ضوضاء مكة، وبعيداً عن أصوات الشرك، وعن مشاهد القرابين التي تقدم للآلهة المكذوبة المدَّعاة؛ ليتفكر ويتدبر في غار حراء؛ تمده زوجته الصابرة الوفية بالطعام والشراب الذي يحتاج إليه. وفي ليلة كريمة مباركة من ليالي شهر رمضان المبارك خشع جبل النور بصخوره وحبات رماله وذرات ترابه، بل وخشع الكون كله بوحوشه وهوامه ودوابه، بل وكأن كواكب السماء قد تركت أفقها البعيد ونزلت لتعانق جبل النور في هذه الليلة الكريمة المباركة. ما الذي حدث؟ وما الذي جرى؟! إنه جبريل أمين وحي السماء يتنزل -لأول مرة- على جبل النور، على قلب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فها هو يدق على باب الغار ليضم الحبيب صلى الله عليه وسلم ضمة شديدة، ثم يرسله ويقول له: (اقرأ، فيقول الحبيب: ما أنا بقارئ، فيضمه جبريل ويغطه بشدة ثم يرسله ويقول: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ، ثم يضمه الثالثة ثم يرسله فيقول: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1-4]) وتركه جبريل وانصرف. وعاد الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى سكنه، عاد الحبيب إلى مصدر راحته، عاد الحبيب إلى مصدر شفائه وطمأنينته وسكينته، عاد إلى خديجة ، عاد إلى هذا البيت الآمن المطمئن، عاد وهو يرجف فؤاده وهو يقول: (زملوني زملوني)، فزملته الزوجة الصابرة الوفية رضي الله عنها، وانتظرت حتى هدأ روعه، ولما ذهب عنه الروع ذهبت إليه؛ لتستفسر منه الخبر، وهو يقول: (لقد خشيت على نفسي يا خديجة !) ما الذي جرى؟! فيقص عليها النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، فماذا قالت؟ هل فزعت؟! هل خافت؟! هل ضربت وجهها؟! هل رفعت صوتها؟! إنما سكبت الطمأنينة والهدوء والأمن والأمان في قلبه وهي تقول له: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق، والله لا يخزيك الله أبداً). ولم تكتف الصابرة التقية الطاهرة بذلك، وإنما أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر، وكان يقرأ الكتاب العبراني، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فذهبت إليه خديجة وقالت له: يا ابن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة : ماذا ترى يا ابن أخي! فقص عليه النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة : هذا والله الناموس الذي أنزله الله على موسى، ليتني فيها جذعاً -أي: شاباً صغيراً- ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أومخرجي هم؟! قال: نعم، ما من أحد جاء بمثل ما جئت به إلا عودي). وما لبث أن توفي ورقة ، وفتر الوحي، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    صبر خديجة رضي الله عنها ووفاؤها للنبي عليه الصلاة والسلام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! وهكذا مرحلة جديدة في حياة خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما بعدما فتر الوحي ونزل عليه بعد ذلك قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:1-5]، نزل عليه صدر سورة المدثر فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تبارك وتعالى، ولاقى من أصناف العذاب والاضطهاد والبلاء ما تنوء بحمله الجبال الراسيات، وكان في كل مرة يرجع إلى بيته النقي التقي ليجد في بيت خديجة رضي الله عنها وأرضاها السكينة. أيها الأحبة! ضربت خديجة رضي الله عنها أروع الأمثلة في الصبر على البلاء، والوفاء لزوجها، والإيثار، والجود، والمحبة، والإخلاص، والكرم، وكانت تشد من أزره، وتقف خلفه ليدعو إلى الله جل وعلا، حتى بلغ البلاء أقصاه، ودخل المسلمون في حصار اقتصادي رهيب، وهي دندنة قديمة حديثة من أهل الكفر والشرك على أهل التوحيد والإيمان في كل زمان ومكان، فرض على المسلمين حصار اقتصادي رهيب من المشركين في مكة، واستمر هذا الحصار ثلاثة أعوام، ودخل في هذا الحصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته الصابرة الوفية خديجة رضي الله عنها، وقدمت كل ما تملك من مال، واتصلت بابن عمها وابن خالها ليأتي بالطعام للمسلمين المحاصرين في هذا الشعب، الذين أكلوا ورق الشجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما صدهم ذلك عن دين الله جل وعلا، ولا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخيراً -أيها الأحباب- نصر الله عبده وعباده، وأخرجهم من هذا الحصار، وقد انتصروا انتصاراً إيمانياً كبيراً على أنفسهم، وعلى ذواتهم، وعلى الوقوف إلى جوار نبيهم، وعلى نصرة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وفاة خديجة رضي الله عنها

    ولم تلبث الزوجة الصابرة الوفية الطاهرة أن لبت نداء ربها جل وعلا بعد الخروج من هذه المقاطعة الاقتصادية؛ لتلقى الله تبارك وتعالى مبشرة ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة: فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55]، وحزن الحبيب صلى الله عليه وسلم عليها حزناً يفتت الأكباد، بل ونزل بنفسه إلى قبرها، وكان أول قبر ينزل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ليدفنها الحبيب صلى الله عليه وسلم بيديه. ووالله إن كانت فارقته بجسدها فما فارقت قلب حبيبنا ونبينا صلى الله عليه وسلم، حتى دبت الغيرة بعد موتها في قلب عائشة التي أحبها صلى الله عليه وسلم، ورد في الصحيحين من حديثها رضي الله عنها قالت: (ما غرت من أحد من نساء النبي ما غرت من خديجة قط، من كثرة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها، وربما كان يذبح الشاة ويهدي لصديقات خديجة ، وربما قلت له -هكذا تقول عائشة - : ألا يوجد في الدنيا امرأة إلا خديجة ؟! فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إنها كانت وكانت -أي: ظل يعدد النبي محاسنها، وقال لها: ولقد رزقني الله منها الولد)، وفي رواية في صحيح مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة يوماً: (لقد رزقت حب خديجة) . هذا هو رمز الوفاء، وهذا هو سكن سيد الأنبياء، هذا رمز الإخلاص، هذه هي القدوة الطيبة والمثل الأعلى الذي نقدمه للمسلمات وللمؤمنات لا سيما بعد سنوات التيه والتغريب التي رأت المرأة المسلمة فيها ببصرها إلى الكافرات والماجنات، واستمعت المسلمة فيها إلى أدعياء التحرر والتبرج والسفور من أعداء الإسلام في الشرق الملحد وفي الغرب الكافر، أو من أفراخهم الذين تربوا في مدارسهم في بلاد المسلمين. فيا أيتها المسلمة! هذه هي القدوة، وذلكم هو المثال، فلتعودي مرة أخرى لتنظري ببصر، ولتنظري بقلب، ولتنظري بعقل إلى هذه القدوات الصالحات الطيبات الطاهرات؛ لتشقي طريق المجد والعزة والكرامة مرة أخرى من جديد. نسأل الله جل وعلا أن يصلح نساءنا، وأن يبارك لنا في ذرياتنا، وأن يجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك ومولاه. اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أقر أعيينا بنصرة الإسلام، اللهم أقر أعيينا بعز الإسلام والمسلمين، أنت ولي ذلك والقادر عليه يا رب العالمين. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003785185

    عدد مرات الحفظ

    718732122