إسلام ويب

مصابيح الهدى - عثمان بن عفانللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عثمان رضي الله عنه هو ثالث الخلفاء الراشدين، بويع له بالخلافة بعد مقتل عمر رضي الله عنه بإجماع الصحابة الموجودين في عصره، وهو من العشرة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وزوجه النبي صلى الله عليه وسلم بنته، فلما ماتت زوجه الأخرى، وفضائله رضي الله عنه كثيرة، وقد قتله الخوارج الموتورون ظلماً وعدواناً.

    1.   

    بعض فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه

    إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله! ونضر الله هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم دائماً وأبداً في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أحبتي في الله! مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى: نحن على موعد مع الأواب التواب، مع الحيي الكريم، مع التقي العابد النقي الورع، إنه التقي النقي الحيي ذو النورين ، وصاحب الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، إنه الرجل الذي كان إسلامه غضاً وديعاً كأنفاس الزهر في فجر الربيع، مع أول إشراقة وإطلالة للإسلام، فلم يكد الصديق يهمس في أذن هذا الرجل التقي النقي بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وينفتح قلبه للإسلام عن آخره، ويمضي ليسابق الزمن إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم ليشهد شهادة الحق والصدق بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه الرجل الذي لم يقرأ الموتورون والمرجفون والمجرمون تاريخه إلا من آخره، فأصابوا تاريخه كله من أوله إلى آخره بالأذى والتشويه، مع أن النور أقوى من الظلام، ومع أن الفضيلة أقوى من الخطأ، ومع أن الإيمان أقوى من الزلل، وإن الخطأ مهما يكن شأنه لا يستطيع أن يقهر عظمة الفضيلة أو أن يطفئ نورها، أو أن يرد تاريخها وروحها تراباً في تراب! إننا اليوم على موعد مع الشهيد المظلوم، إننا على موعد مع عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.

    استحياء النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان رضي الله عنه

    أحبتي في الله! تعالوا بنا مباشرة لنستهل حديثنا المبارك عن هذا الرجل التقي النقي الحيي المبارك بقول الحق، وشهادة الصدق، وقول الفصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق هذا الرجل المظلوم المفترى عليه؛ لتكون هذه الشهادة من أول الطريق إلى آخره بمثابة النور الذي سيبدد لنا كل الشبهات، والذي سيدمر لنا كل المؤامرات، فهي بمثابة النور الذي من خلاله سنرى عثمان التقي النقي الحيي. ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حاله -أي: وهو كاشف لفخذيه أو ساقيه- ودخل الصديق رضي الله عنه فحدث النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج، تقول عائشة : فاستأذن عمر فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ذلك -أي: وهو على تلك الحال- فدخل عمر بن الخطاب فحدث النبي صلى الله عليه وسلم وخرج، ثم استأذن عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فقبل أن يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم جلس وسوى ثيابه، واعتدل في جلسته، ثم أذن لـعثمان رضي الله عنه، فدخل عثمان بن عفان فحدث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج عثمان فطنت الذكية التقية النقية الأمر وأرادت أن تسأل عن الخبر، فقالت عائشة : يا رسول الله! دخل أبو بكر وأنت كاشف عن ساقيك أو فخذيك، فحدثك وأنت على هيئتك، فلم تهتش له، ولم تبال به، ودخل عمر فحدثك وأنت على هيئتك، فلم تهتش ولم تباله، فلما دخل عثمان جلست وسويت ثيابك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ! ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!) يا خالق عثمان سبحانك أي طراز كان هذا الرجل! عثمان تستحي منه ملائكة الرحيم الرحمن! عثمان ينال هذه الشهادة، ويتوج بهذه الكرامة، ويوصف بهذه الفضيلة، ويحلى بهذا الوسام العالي الغالي الكريم: (يا عائشة ! ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة!) يا لها من شهادة! والله! لو لم يخرج عثمان من الدنيا إلا بها لكفته شرفاً وفخراً في الدنيا والآخرة.

    بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بالجنة

    وخذوا المزيد أيها الأحباب! ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (توضأت يوماً في بيتي وخرجت قائلاً: لألزمن اليوم رسول الله، ولأكونن معه يومي هذا، فخرجت أتبع أثره، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بئر أريس، فتوسط قف البئر وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، يقول أبو موسى : فدخلت على رسول الله فسلمت عليه صلى الله عليه وسلم، ثم انصرفت وجلست عند الباب، وقلت: لأكونن اليوم بواب رسول الله -الله أكبر!- يقول: وإذا رجل يحرك الباب، فقلت: من؟ قال: أبو بكر ، فقال أبو موسى : على رسلك، -أي:انتظر- ودخل أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذن له وبشره بالجنة، يقول أبو موسى : فجئت أبا بكر فقلت: ادخل، ورسول الله يبشرك بالجنة. فدخل أبو بكر رضي الله عنه، فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على القف، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلست عند الباب وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يقصد أبو موسى أخاه رضي الله عنهما- يقول: فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من؟ قال: عمر بن الخطاب ، فقال أبو موسى : على رسلك، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عمر بن الخطاب يستأذن عليك يا رسول الله! فقال الحبيب: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت عمر فقلت: ادخل، ورسول الله يبشرك بالجنة، ثم جلست عند الباب وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً -يعني: أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من؟ قال: عثمان بن عفان ، قلت: على رسلك، فذهبت إلى رسول الله وقلت: يا رسول الله! هذا عثمان بن عفان يستأذن عليك) يقول أبو موسى كما في بعض الروايات في غير صحيح مسلم : (فسكت النبي صلى الله عليه وسلم هنيهة، ثم قال: يا أبا موسى ! ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه) . بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]. يقول: فذهبت إلى عثمان وقلت: ادخل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة مع بلوى تصيبك، فقال عثمان -كما في بعض الروايات-: نصبر، وفي بعض الروايات قال: الله المستعان! ودخل عثمان فوجد القف قد امتلأ، فجلس مقابلاً للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، وكشف عن ساقيه ودلاهما كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه.

    تبشير عثمان رضي الله عنه بالشهادة

    وبعد البشارة بالجنة تأتي البشارة بالشهادة، لقد بُشر عثمان بالشهادة في سبيل الله بعد البشارة بالجنة، كما في الحديث الذي رواه البخاري والترمذي وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحداً -أي: على جبل أحد- وأبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم الجبل، فخاطب النبي الجبل وقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، والنبي هو: محمد صلى الله عليه وسلم، والصديق: هو أبو بكر ، والشهيدان هما: عمر وعثمان رضي الله عنهما.

    شراء عثمان رضي الله عنه لبئر رومة

    ولن نخرج في هذا اللقاء عن أوسمة الشرف، وشهادات البطولة والفضيلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعثمان بن عفان؛ ليقف المرجفون وليخرس الموتورون في كل زمان ومكان، الذين ما زالوا إلى يومنا هذا على صفحات الجرائد وفي الإذاعات يتهمون عثمان ، ويظلمون عثمان رضي الله عنه، ويتكلمون عنه وعن إخوانه من الصحابة كما يتكلمون عن سفلة الخلق وحطمة الناس!! لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة اشتكى الصحابة رضي الله عنهم أزمة خطيرة، اشتكوا أزمة الماء؛ لأنه لم يكن بالمدينة ماء يستعذب غير بئر رومة، وكانت ليهودي جشع وقح، يبيع ملء القربة بأغلى الأثمان! فاشتكى الفقراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جشع هذا اليهودي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن لو وجد من بين الصحابة من يشتري بئر رومة ويجعل ماءها للمسلمين بغير ثمن ولا حساب، وقام النبي صلى الله عليه وسلم يعلن رغبته هذه بين الصحابة، كما في الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن قال صلى الله عليه وسلم: (من يشتري بئر رومة، ويجعل دلوه مع دلاء المسلمين، وله بها عين في الجنة؟! -وفي رواية: وله بها خير منها في الجنة؟!-) ولم تجد الأزمة إلا عثمانها المعطاء رضي الله عنه، الذي سمع الدعوة من رسول الله، وأن فيها عيناً في الجنة! فعلم أنها نعم التجارة، وأنها أربح التجارة، وينطلق عثمان سريعاً إلى هذا اليهودي يريد أن يشتري منه البئر بكاملها، فيرفض اليهودي الجشع أن يبيع البئر، فساومه عثمان على أن يشتري نصفها، فاشترى عثمان نصفها باثني عشر ألف درهم! على أن يكون لليهودي يوم ولـعثمان يوم آخر، وكان المسلمون يستسقون في يوم عثمان ما يكفيهم ليومين، فلما رأى اليهودي الغبي أن تجارته قد بارت، وأن سوقه قد كسدت، ذهب بنفسه إلى عثمان ليعرض عليه النصف الآخر، فاشترى عثمان نصفها الآخر بثمانية آلاف درهم؛ ليجعل ماء البئر كله إلى المسلمين بغير ثمن ولا حساب، أقصد: بغير ثمن ولا حساب مادي زائل؛ لأن حطام الدنيا ظل زائل، ولأن المال عارية مسترجعة، وإنما الثمن الأعظم والحساب الأكبر في صحائف عثمان هو يوم القيامة: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    توسعة عثمان رضي الله عنه للمسجد النبوي

    وينظر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المسجد، فيرى المسجد يضيق بأصحابه، ويرى بعضهم لا يجد مكاناً للصلاة، فينظر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (من يزيد في مسجدنا؟!) وتجد الدعوة مرة أخرى عثمانها المعطاء، وينطلق سريعاً لشراء قطعة أرض مجاورة لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليقدمها كريمة سخية بها نفسه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    ذهاب عثمان رضي الله عنه لمفاوضة قريش عام الحديبية

    وفي العام السادس للهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للعمرة، وسمعت قريش الخبر، فاستعدت قريش لقتال النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: إنه لن يدخلها علينا عنوة، ووصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقر النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه عند الحديبية على مشارف مكة، وقد ساق الهدي بين يديه؛ ليخبر قريشاً أنه ما جاء محارباً ولا مقاتلاً ولا غازياً، وإنما جاء زائراً ومعظماً لبيت الله جل وعلا، ولكن قريشاً أبت، وبعثت قريش رسلها؛ لتحول بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مكة، ولتحذر الرسول صلى الله عليه وسلم بأس قريش، وعاد الرسل؛ ليحذروا قريشاً بأس محمد وأصحابه، فهذا عروة بن مسعود الثقفي آخر هؤلاء الرسل، يرى مكانة النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فيرجع إلى قريش قائلاً: يا معشر قريش! إني جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر في ملكه، وجئت النجاشي في ملكه، والله! ما رأيت ملكاً يعظمه قومه مثل ما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمداً! وما رأيت ملكاً يحبه قومه مثل ما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً، ووالله! إنهم لن يسلموه أبداً، فروا رأيكم!! ويرى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل رسولاً من عنده؛ ليقنع قريشاً وأشرافها بأنه ما جاء محارباً ولا غازياً ولا مقاتلاً، وإنما جاء معظماً للبيت وزائراً، وها هو الهدي قد ساقه بين يديه، فمن يختار لهذه المهمة؟ انتدب لهذه المهمة صحابياً جليلاً يقال له خراش بن أمية الخزاعي ، وذهب خراشاً لهذه المهمة الخطيرة، ولم تكد قريش ترى خراشاً رضي الله عنه حتى عقرت ناقته وكادت قريش أن تقتله لولا أن الأحابيش خلصت خراشاً من الموت، وعاد خراش إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليقص عليه ما حدث، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب لهذه المهمة الكبيرة الخطيرة، فقال عمر رضي الله عنه: (يا رسول الله! إنك تعلم أنه ليس بمكة أحد يمنعني، ولقد علمت قريش عداوتي وبغضي لها، ولكني سأدلك على رجل أعز مني في قريش). أتدرون من هو هذا الرجل الذي يصلح وحده للقيام بهذه المهمة الكبيرة؟! إنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه، وكلفه بهذه المهمة، ولم يتردد عثمان لحظة، ولم يتلعثم برهة، وإنما انطلق على الفور لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يفكر أيرجع حياً أم يموت شهيداً بمكة! لكنه الامتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عن عثمان وأرضاه. وانطلق عثمان إلى أشراف قريش، فبلغهم رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن النبي ما جاء غازياً ولا محارباً ولا مقاتلاً، وإنما جاء لزيارة البيت ولتعظيمه، وسمع أشراف قريش من عثمان ، ونظر عثمان إلى البيت، فلما رآه أشراف قريش ينظر إلى البيت قالوا له: إن أردت أن تطوف بالبيت فطف ولا مانع، أتدرون ماذا قال عثمان ؟! نظر إليهم وقال: (والله! ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله!) إنها التربية. فاحتبسته قريش، وشاع الخبر بأن عثمان قد قتل، وهنا قام الصحابة رضي الله عنهم؛ ليبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الموت، وهي أعظم بيعة عرفها التاريخ كله! إنها البيعة التي سميت ببيعة الرضوان، والتي سجل القرآن ذكرها إلى يوم القيامة، فقال ربنا جل وعلا عن هؤلاء الأطهار الأبرار: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح:18]، بل ويثني الله جل وعلا على هؤلاء بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، فقام الصحابة ليمدوا أيديهم ويبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، بعدما بلغهم خبر مقتل عثمان ، أتدرون ماذا فعل النبي وماذا قال؟! رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: (هذه يد عثمان ، وضرب بها على يده الأخرى)، يقول أنس : فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعثمان خير من أيديهم لأنفسهم. والحديث رواه الإمام الترمذي بسند حسن، وله شاهد في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. هكذا أيها الأحباب! كانت يد النبي صلى الله عليه وسلم مكان يد عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    تجهيز عثمان رضي الله عنه لجيش العسرة

    وبعد ثلاثة أعوام من عام الحديبية تترامى الأنباء إلى مسامع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هرقل ملك الروم يستعد لغزو المسلمين في المدينة المنورة نفسها، وكان الحر شديداً، وكان الصيف حاراً يصهر الجبال ويذيب الحجارة، ولو أن المسلمين خرجوا بإيمانهم للجهاد في سبيل الله تحت وطأة هذا الحر القاتل، وعلى هذه الصحراء الملتهبة المتأججة فأين السلاح؟! وأين العتاد؟! وأين النفقات التي يتطلبها القتال؟! وقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليحث أصحابه على الإنفاق في سبيل الله لتجهيز جيش العسرة، وتجد الأزمة مرة أخرى عثمانها المعطاء، ففي الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن من حديث عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: (جاء عثمان بن عفان بألف دينار فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي يقلبها بيده وهو يقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم! ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم!) يا لها من شهادة! أيشهد رسول الله لـعثمان بقوله: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)، ويأتي المجرمون والموتورون والمرجفون ليشهدوا على عثمان بالخيانة؟! وفي الحديث الذي رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن خباب وفيه فرقد أبو طلحة وهو مجهول، وبقية رجال الإسناد ثقات، قال الحافظ ابن حجر في (الإصابة): وقد ورد هذا الحديث من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان رضي الله عنه، يقول عبد الرحمن بن خباب رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الصحابة إلى تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان وقال: يا رسول الله! عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تجهيز الجيش فقام عثمان للمرة الثانية وقال: يا رسول الله! عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تجهيز الجيش فقام عثمان للمرة الثالثة فقال: يا رسول الله! عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد اليوم! ما على عثمان ما عمل بعد اليوم!).

    1.   

    بيعة عثمان رضي الله عنه

    واستمر عثمان على ذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عن عثمان راضٍ، واستمر عثمان على ذلك مع أبي بكر حتى توفي وهو عن عثمان راضٍ، واستمر عثمان على ذلك حتى طعن الفاروق رضي الله عنه، فكان عثمان واحداً من الستة الذين اختارهم عمر رضي الله عنه ليكون من بينهم الخليفة الجديد. وبعد موت عمر قام الناس جميعاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعون عثمان رضي الله عنه؛ ليصبح عثمان خليفة المسلمين بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً، وها هي الأيام تمر والأشهر تجري وراءها وتسحب معها السنين ليقف عثمان بن عفان -ذلكم التقي النقي الحيي- ليأخذ البيعة من المسلمين ومن المهاجرين والأنصار أصحاب نبينا المختار صلى الله عليه وسلم. ويذكر الحافظ ابن كثير أن عثمان استهل عهده المبارك بالكتب إلى الأمراء والولاة وأئمة الصلاة وأمناء بيت المال يأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحثهم على الاتباع وعدم الإحداث والابتداع، ورأى عثمان بيت المال مليئاً بالخيرات، فزاد في عطاء الناس، وأمر بأن يقدم الطعام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة مستمرة دائمة للمتعبدين والمتعلمين وأبناء السبيل. ولم يكد عثمان يستقر إلا وانتشرت الإشاعات بأن الفوضى قد نشبت في بلاد المسلمين بعد مقتل الخليفة القوي عمر ! ولم يجد المسلمون إلا الخليفة الشيخ الذي هو في سن السبعين ليولوه خليفة على المسلمين! ولكن هذا الخليفة الشيخ سرى تحت إهابه شباب التاريخ، وقام ليعلم هؤلاء الموتورين: أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يقاسون بالسنين والأعمار، وأصدر عثمان الأوامر، واختار بنفسه قيادة الجيش؛ لتأديب وتقليم أظفار هؤلاء، بل ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أمرهم بأن يتجاوز المد الإسلامي هذه البقاع إلى أبعد وأبعد، وبالفعل أيها الأحباب! مهدت الأرض لهذا المد الإسلامي الجسور، وانطلق المد الإسلامي في عهد عثمان كأنه الليل والنهار، والخليفة الراشد قابع في المدينة المنورة تأتيه الغنائم والأموال بغير حساب. ولكن لم تلبث هذه الريح الهادئة الباردة أن تتحول إلى عاصفة شديدة يشد بعضها بعضاً، وينادي بعضها بعضاً؛ لتتحول أخيراً إلى إعصار مدمر قاتل، تسقط فيه شراسة المتآمرين والمجرمين إلى الحضيض، ويتسامى تسامق الخليفة إلى القمة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    عبد الله بن سبأ اليهودي هو من أثار الفتنة على عثمان

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيأيها الأحباب! أعيروني القلوب والأسماع؛ لنعيش بعض الدقائق مع هذه الفتنة الحالكة التي انتهت بمقتل الخليفة الراشد رضي الله عنه وأرضاه. نشأت الفتنة على يد اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ المكنى بـابن السوداء ، هذا الرجل الذي دخل في الإسلام في ظروف غامضة! وانتحل الإسلام، وادعى حرصه وغيرته الشديدة على قيمه وحدوده وحرماته! وانطلق ابن السوداء إلى المدينة المنورة؛ ليدرس أحوال المدينة في صمت وخبث ودهاء، وليتسمع أخبار الأمصار والأقاليم، وليرسم خطته بإحكام وإتقان، ولما انتهى من رسم الخطة انطلق في الأمصار وفي البلاد؛ لينفث سمومه الكبيرة! ووجدت هذه السموم بعض الآذان الصاغية من الموتورين! وهؤلاء لا يخلو منهم زمان ولا مكان، حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانطلق هذا الرجل الخبيث بهذه العبارة الخطيرة، وبهذه الفتنة الكبيرة التي بدأها بالطعن في خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وقال عبارته الشهيرة: إن لكل رسول وصياً، وإن علياً وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن عثمان وثب على الأمة، وأخذ الحق من صاحبه! هذه هي بداية الفتنة، وانطلق في البلاد والأمصار، فبدأ بالبصرة، ثم ذهب إلى الكوفة، ثم إلى الشام، ثم إلى مصر، ونجح ابن السوداء في أن يستقطب بعض الموتورين من ضعفاء النفوس وأصحاب أمراض القلوب، واتفقوا جميعاً تحت هذه المظلة التي تخدع الكثير والكثير في كل زمان ومكان! ومما قال لهم محبباً لمنهجهم: تظاهروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -انظروا إلى المنهج!- لتستميلوا الناس إليكم! وابدءوا بالطعن في أمرائكم، وقولوا: إن علياً وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن عثمان قد اعتدى عليه، وأخذ الحق من صاحبه، فانهضوا؛ لتردوا الحق إلى أهله! واتفق هؤلاء على أن يلتقوا جميعاً بالمدينة المنورة، وخرجوا وقد تظاهروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأبلغوا الناس أنهم ما خرجوا إلا للقاء عثمان رضي الله عنه وأرضاه؛ ليستعفوا بعض عماله، ووصلوا إلى المدينة المنورة في أعداد تقل قليلاً عن ثلاثة آلاف رجل، في الوقت الذي كان فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في البعوث والغزوات، بل ومنهم من خرج إلى حج بيت الله الحرام. ولما سمع عثمان الخبر أرسل إليهم رجلين من بني مخزوم من رجاله، فوصل الرجلان إلى القوم فعلما حقيقة الأمر، وأن القوم ما خرجوا إلا لأمرين: إما لخلع عثمان ، أو لقتله.

    1.   

    رد عثمان على الشبه التي نقموا عليه بها

    وأُخبر عثمان بذلك، فجمع عثمان الناس في المسجد، وقام على المنبر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وأخبرهم بحقيقة القوم، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار: اقتلهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: (من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله، واقتلوه)، أتدرون ماذا قال الحيي التقي النقي؟ لقد قال: (كلا، بل نعفو ونقبل، ونبصرهم بجهلنا، ولا نقتل أحداً حتى يرتكب حداً أو يبدي كفراً) ثم بدأ عثمان يرد على المسائل التي نقموا عليه فيها، ويرد اتهامات القوم، ويرد إشاعات الناس؛ لأنهم قالوا: إنه خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وأتم الصلاة في المزدلفة في الحج وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقصر الصلاة وأبو بكر وعمر ، فقال عثمان : (أما وإني قد أتيت بلداً فيه أهلي فأتممت الصلاة لذلك -وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه- ثم التفت إلى القوم وقال: أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال عثمان : وقالوا: بأنني أحميت الحمى -أي: كثرت أموالي وكثرت المراعي الخاصة بي- أما والله لقد وليت عليكم وليس في العرب من هو أكثر مني بعيراً وشاة، وأنا اليوم لا أملك بعيراً ولا أملك شاة إلا بعيرين اثنين لحجي، أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم. قال عثمان : واتهموني بأنني أكثرت العطاء لـعبد الله بن أبي سرح، ووالله! ما أفأت عليه إلا بما أفاء الله عليه من قبل، وإلا بما فعله أبو بكر وعمر ، أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم. وقال عثمان : واتهموني بأن القرآن كان صحفاً فجعلت القرآن كتاباً واحداً، ووالله! إن القرآن لكتاب واحد نزل من عند واحد ولم أفعل إلا ما فعله صاحباي: أبو بكر وعمر ، أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم. وقال عثمان: واتهموني بأني أحب أهلي وأعطيهم من مال المسلمين، أما والله! إن حبي لهم لم يملني معهم على جور، وإنما أقمت حقوق الله عليهم، وأما عطائي لهم فمن مالي، ووالله إنني إلى يومي هذا ما أكلت من مال المسلمين، وإنما آكل إلى اليوم من خالص مالي!). وفند عثمان رضي الله عنه هذه الشبهات، وهذه الأقاويل والافتراءات، وهذه الادعاءات، وهل نصدق أحداً بعد عثمان رضي الله عنه وأرضاه؟!

    1.   

    هدف الخارجين على عثمان رضي الله عنه

    وظن عثمان أن الناس قد انطفأت نار الفتنة في قلوبهم، ولكنه نسي أن هؤلاء ما خرجوا لله، وما خرجوا للدار الآخرة، وما خرجوا ابتغاء مرضاة الله، وإنما خرجوا لنار تتأجج في قلوبهم، وتشتعل في صدورهم، وعاد القوم وقد اتفقوا على أن يعودوا مرة أخرى لحصار المدينة، ولو أرادوا الخير لعادوا إلى أوطانهم، ولو أرادوا الحق لانشرحت صدورهم بعد هذه الحجج، ولكنهم عادوا وما جاءوا إلا بما عادوا به، وما عادوا إلا بما جاءوا به. واتفقوا على أن يعودوا إلى المدينة مرة أخرى، واصطبح أهل المدينة ذات صباح بهؤلاء الثوار الموتورين المسلحين وهم يحاصرون ا لمدينة من كل جانب، وينتشرون في شوارعها، ولم يراعوا حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حرمة خليفة رسول الله، ولا حرمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل وحاصروا بيت الخليفة، ومنعوا عنه زواره، ومنعوا عنه الطعام، بل ومنعوا عنه الشراب وهو الذي اشترى بئر رومة من خالص ماله رضي الله عنه وأرضاه!

    1.   

    عدم دفاع عثمان عن نفسه وورعه عن إراقة الدماء

    وذهب بعض الصحابة إلى عثمان رضي الله عنه؛ ليعرضوا عليه الأمر في خفية، فقالوا: يا خليفة رسول الله! أرسل إلى البلاد أن يبعثوا إليك مدداً لقتال هؤلاء، أتدرون ماذا قال؟! قال بيقين وثبات عجيبين: (ما أحب أن ألقى الله وفي عنقي قطرة دم لامرئ مسلم) يا سبحان الله! فأشاروا عليه مشورة ثانية فقالوا: فلتخرج إلى الشام إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه؛ فإن الأمر في الشام على خير ما يرام. فقال: (والله! ما كنت بالذي يختار جواراً على جوار رسول الله) فأشاروا عليه أمراً ثالثاً أشار به معاوية فقال: أرسل إليك جيشاً من الفرسان لحفظ حياتك؟! أتدرون ماذا قال؟! قال: (يزاحمون أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار في المدينة؟!). فقال معاوية : إذاً: ستغتال! فقال عثمان : (حسبي الله ونعم الوكيل!) الله أكبر!

    1.   

    مقتل عثمان رضي الله عنه

    وفي الليلة الموعودة أيها الأحباب! يأتيه حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه ويقول: يا عثمان! أفطر عندنا غداً كما رواه الإمام الطبري بسند صحيح، وذكره الإمام ابن الأثير في (الكامل)، واطمأن عثمان ، وعلم أن الحياة إلى زوال، وأن الحياة إلى فناء، فابن الثمانين ماذا يريد بعد ذلك؟! وهو الذي تربى في مدرسة النبوة، وهو الذي كان يردد دائماً قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:45]، فاطمأن عثمان ، وعاد إلى كتاب الله الذي خطه بيمينه المباركة، فجعل يقرأ؛ ليخالط القرآن روحه، وليخالط القرآن دمه كما خالطت آيات القرآن روحه من قبل. ودخل هؤلاء الموتورون على عثمان من دار أخرى إلى جوار داره، فلم يلبث أن رآهم أمام عينيه، فلم يتلفت ولم ينتبه! وإنما انكب على كتاب الله يقرأ آيات الله، ويرتل قرآن الله جل وعلا، فانقض عليه الوقح الغافقي ، ونظر إلى عثمان وبيده حديدة، فضرب عثمان بالحديدة في رأسه! وركل المصحف برجله! فاستدار المصحف وعاد بين يدي عثمان مرة أخرى، ويأبى إلا أن يخالط دماءه كما خالط روحه وقلبه! فبالله عليكم! أهؤلاء قوم يريدون الله والدار الآخرة، وهم يركلون كتاب الله بأرجلهم! ويدعون أنهم يريدون الله ورسوله؟!! ويأتي التجيبي -عليه من الله ما يستحقه- بالسيف مخترطاً ليضعه في بطن عثمان رضي الله عنه! فتأتي زوجته الصادقة المخلصة؛ لتخلص زوجها، فيقطع هذا الوغد يدها! ويضع السيف في بطن عثمان رضي الله عنه وأرضاه، فيقتله! ويأتي الأحمق الآخر عمر بن الحمق ليطعن عثمان رضي الله عنه بعد هذا كله تسع طعنات في صدره! ويقول: طعنته ثلاثاً لله! وستاً لما كان في صدري عليه! ولو صدق عدو الله لقال: طعنته تسع طعنات لما كان في صدري عليه، ويأتي واحد منهم؛ ليجرد البيت من كل شيء حتى الملاءة التي كانت تلتف بها نائلة رضي الله عنها، فيأخذ الملاءة من على جسدها، فتظهر عظامها، ويظهر جسدها، فيقول الخبيث الوقح: ما أعظم عظامها! فتقول المرأة الذكية النقية: يا سبحان الله! إن القوم لا يريدون الله والدار الآخرة، وإنما يريدون الدنيا، فهل هناك رجل يريد الله والدار الآخرة يقول هذه القولة الخبيثة في زوج خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويزداد ورعهم الكاذب والخبيث، فيقفون على الطرقات؛ ليمنعوا عثمان أن يدفن في مقابر المسلمين، وقالوا: عثمان لا يدفن في البقيع، ولا يدفن في مقابر المسلمين! أيها الأوغاد عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب بئر رومة، ومجهز جيش العسرة، وزوج أم كلثوم ورقية لا يدفن في مقابر المسلمين؟!! نعم! إنه الورع الكاذب المدعى! والورع المفترى؛ لأنهم تظاهروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليستميلوا الناس إليهم، ويدفن عثمان في حش كوكب في مكان خلف البقيع، ولما تولى معاوية رضي الله عنه أدخله في مقابر المسلمين في البقيع، وأمر الناس بالدفن حول قبر عثمان رضي الله عنه وأرضاه. أيها الأحبة! ماذا نقول؟! لا نقول أكثر من قولنا: جزى الله عثمان عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى صالحاً أو مصلحاً. وأسأل الله جل وعلا أن يجمعنا مع عثمان ومع صاحبيه، ومع أستاذهم محمد صلى الله عليه وسلم في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. اللهم هيئ لأمة التوحيد أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم أصلحهم يا رب العالمين! وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذه البلاد سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك في محكم تنزيله فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه! والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002884381

    عدد مرات الحفظ

    718618636