إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [106]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخطئ كثير من الناس عندما يظنون أن الشرك مقصور على الإشراك في عبودية الأفعال، والصواب: أن الشرك داخل في جميع أنواع العبادة: القلبية واللسانية والقائمة على الجوارح، وقد جاء النهي عن اتخاذ الأنداد والشفعاء من دون الله في كل ذلك.

    1.   

    باب قول الله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]].

    سبق أن التوحيد هو إخلاص العمل لله جل وعلا، وأن الإخلاص هو أن يكون العمل خالصاً ليس فيه شيء لغير الله جل وعلا، وأن تحقيق التوحيد أن يكون لله وحده، وتحقيقه تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك ومن الذنوب ومن البدع، فجميع الأعمال تصفى وتخلص من شوائب الشرك فلا يكون لأحد فيها شيء.

    وأن يجتنب الإنسان البدع كلها والذنوب، فإذا كان بهذه الصفة فهو من المحققين للتوحيد، وإذا مات على ذلك دخل الجنة بلا حساب.

    والند هو المثيل والنظير، ولا يلزم أن يكون مماثلاً من جميع الوجوه، فإذا كان مماثلاً ولو بوجه من الوجوه، في صفة من الصفات، أو مماثلاً في فعل من الأفعال صح أن يقال: إنه ند، وقول الله جل وعلا: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] هذا جاء بعد قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، فهنا جعل الخطاب عاماً (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، فأمر بالعبادة، (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ)، ومعلوم أنه ليس هناك أحد ينفك عن عبادة الله، فجميع الخلق لا ينفكون عن العبادة ولو جزئياً بأن يعترفوا بأن الله هو خالقهم، ولكن هذه العبادة لا تكون عبادة شرعية، وإنما تكون شرعية إذا كانت على وفق أمر الله وليس فيها شيء من الشرك، فهنا تكون عبادة مفيدة ومثمرة.

    قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ)، فبدأ بأنه خلقهم لأنهم يعترفون بهذا، وهذا يدل على أن المعبود يجب أن يكون الخالق الذي خلق، وأن الخالق هو الذي يستحق العبادة، أما الذي لا يخلق ولا يرزق فلا يستحق العبادة؛ لأنه مخلوق.

    (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ والذين مِنْ قَبْلِكُمْ) يعني: ليس الخلق خاصاً بكم أنتم، بل خلق كل شيء، فهو الخالق لكل شيء، وهم يعترفون بهذا ولا ينكرونه، وهذا معناه أنهم يقرون بتوحيد الأفعال، أو إن شئت فقل: بتوحيد الربوبية.

    فالأفعال التي تصدر من العبد يؤمر فيها أن تكون أفعاله خالصة لله، وعبادته خالصة لله، وإلا كان هناك تناقض، فلو كان التوحيد شيئاً واحداً لصار هذا الكلام متناقضاً؛ فكيف يقول: اعبدوا ربكم. ثم يقول: الذي خلقكم والذين من قبلكم؟ فيقال: العبادة موجودة؛ لأنهم يعترفون أن الله هو الذي خلقهم، فهذا هو التوحيد، ولكن لما جعل هذا موجباً للعبادة الصادرة منهم دل على أنهم لو استمروا على الاعتراف بأن الله هو الذي خلقهم والذين من قبلهم وهو الذي أوجد لهم النعم فهذا لا يجدي شيئاً، وأنهم على الكفر، فهم كفار وإن اعترفوا بهذا، ولهذا قال بعد ذلك: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) عطفاً على قوله: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: يبين لكم هذا الأمر لعلكم تجعلوا بينكم وبين عذاب الله شيئاً واقياً وذلك بامتثال أمره، وليس معنى ذلك أن الله لا يعلم ما يحدث منهم.

    فالتعليل الذي يذكره الله جل وعلا لا يدل على أنه يخفى عليه شيء، بل هو عالم بكل شيء، وعالم بما سيكون منهم، ولكن التعليل بالنسبة لما يُذكرهم به علَّهم أن يحدث لهم اتعاظ وخوف ورجوع إلى الحق، قال الله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً [البقرة:22] أي: جعلها ممهدة تطمئنون فيها بالاستقرار عليها والمسير فيها والانتفاع بها، ولم تكن مضطربة لا تستطيعون الاستقرار عليها، بل جعلها كالفراش الذي تجلس عليه وتنام.

    قوله: (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)، أي: جعلها فوقكم تشاهدونها، ولا يعتقد أحد أن مخلوقاً ما هو الذي سوى الأرض بهذا الشكل، أو أنه هو الذي رفع السماء وجعلها فوق الأرض، أو أنه شارك الله في ذلك، بل كلهم يعترفون بأن الله جل وعلا هو الخالق لكل شيء.

    (وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) المقصود بالسماء العلو، أي: أنه أنزل من فوق رءوسكم ماء خلقه في الجو، بل جبال من المياه تحملها السحب، ولو شاء لأغرقكم بذلك، ولكنه برحمته جعل نزولها على صفة لا يضر من نزل عليه رحمة منه بكم، من الذي يتصرف هذا التصرف؟ هل الماء نفسه يتصرف بذلك؟ لا يمكن.

    وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ [البقرة:22] ثمرات الأرض: كل شيء تأكلونه وتأكله أنعامكم، وهو الذي أنزل الماء، وفتق الأرض له فخرجت منها أنواع متعددة. التراب واحد والماء واحد، ولكن الخارج متنوع الطعوم والألوان .. كل هذا دليل على أن الله جل وعلا هو المتصرف في كل شيء.

    1.   

    إبطال اتخاذ الأنداد في الشرع

    قال الله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] أي: لا تجعلوا له نظراء في الحق تصرفون لهم العبادة، مثل الأصنام وغيرها.

    وكونهم يعلمون، أي: أنهم يعلمون أنه جل وعلا هو الفاعل لما ذكر من الخلق وفرش الأرض ورفع السماء وإنزال المطر وإنبات النبات، فإذا كانوا يعلمون هذا كيف يعبدون معه غيره؟ هذا ضلال في الواقع.

    إذاً: المعرفة ليست معرفة العبادة، وإنما هي المعرفة في الأفعال التي يفعلها الله جل وعلا، وبهذا يتضح أن توحيد الأفعال الصادرة من الله وكونها تضاف إليه وحده ولا يشرك معه فيها غيره؛ أنها لا تفيد في إسلام الإنسان وفي نجاته حتى يضم إليها توحيد العبادة الصادرة من العبد لله وحده.

    أما الأمور التي تصدر من الله فهو يعتقد أنه هو المتوحد في إيجادها، وهذا دليل على وجوب أن تكون العبادة له، وهذا كثير في القرآن جداً، وبهذا يتبين أن توحيد العبادة غير توحيد الربوبية؛ فعلى هذا قوله: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً) هو الذي له المثل أو النظير ولو في جزئية من الجزئيات، ولا يلزم أن يفعل الند كفعل الله، ولكن إذا جعل له شيء مما هو لله صار نداً له.

    شرك الألفاظ

    يبين هذا ويوضحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً؟) ، ومن المعروف أن العبد له مشيئة يتصرف فيها، ولكن هذه المشيئة مخلوقة لله، وهو الذي وهبها للإنسان، ولما قال له: ما شاء الله وشئت في شيء فعله، قال: (أجعلتني لله نداً؟) ، فلما جمع مشيئة الله ومشيئة الرسول صلى الله عليه وسلم بالواو كان الإشراك واقعاً، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (قل: ما شاء الله ثم شئت) ؛ لأن (ثم) تأتي للترتيب ولا تدل على الجمع والاشتراك، فهذا يدل على أن الشرك يحصل ولو في اللفظ، مع أن الذي قال له هذا القول لا يعتقد أنه شريك لله جل وعلا في أفعاله، لكنه لما جمع بين مشيئة الله ومشيئة الرسول صلى الله عليه وسلم بالواو قال: (أجعلتني لله نداً).

    وكذلك لو قال الإنسان: لولا الله وفلان. فيكون جاعلاً له نداً لما جمع بين الله جل وعلا وبين فلان في الفعل.

    فهذه التنديدات تكون شركاً بالألفاظ، وهي قادحة في التوحيد ومنقصة له، ومثل ذلك ما سبق من إضافة النعم إلى أسبابها، فإنه يكون أيضاً من التنديد.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [الند : المثل والنظير، وجعل الند لله هو صرف أنواع العبادة أو شيء منها لغير الله؛ كحال عبدة الأوثان الذين يعتقدون فيمن يدعونه ويرجونه أنه ينفعهم ويدفع عنهم ويشفع لهم.

    وهذه الآية في سياق قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22]، قال العماد بن كثير رحمه الله في تفسيره: قال أبو العالية : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً ، أي: عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد

    وقال ابن عباس : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: لا تشركوا بالله شيئاً من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه ربكم لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم الرسول إليه من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وكذلك قال قتادة.

    وعن قتادة ومجاهد : فلا تجعلوا لله أنداداً قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله. وقال ابن زيد : الأنداد هي الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.

    وعن ابن عباس : فلا تجعلوا لله أنداداً : أشباهاً.

    وقال مجاهد رحمه الله: فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.

    شرك الأوثان والأصنام

    ومن عادة السلف في تفسير القرآن: أن أحدهم يذكر الجزئية من المعنى الكلي للآية بحسب حاجة السامع، وإلا فالمعلوم أن خطاب الله جل وعلا في كتابه يشمل جميع أفراد ما دخل تحت هذا المعنى، والند ليس من اللازم أن يكون شبيهاً لله جل وعلا، فالله جل وعلا ليس له شبيه ومثيل تعالى وتقدس، ولكنه يدعى ذلك في شيء من الأشياء التي تجب أن تكون لله، وهذه الأشياء التي يمكن أن تكون لله هي الأفعال التي تصدر من المخلوق فقط، أما أفعال الله جل وعلا مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة ومحاسبة الخلق وجزائهم وعقابهم وغير ذلك، فهذا لا يمكن أن يكون له ند فيه، ولا أحد يدعي أن الله جل وعلا يشاركه أحد في شيء من ذلك إلا إذا كان مكابراً أو في عقله آفة، فمثل هذا لا يلتفت إليه.

    وإنما الأنداد التي تقع من العباد هي في أفعالهم التي تصدر منهم من التأله والدعاء والتعبد وما أشبه ذلك، وذلك كما إذا دعا الله ودعا معه مخلوقاً من المخلوقات سواء كان نبياً أو ملكاً أو ولياً أو غير ذلك فقد جعل لله نداً، وإن زعم أنه بذلك يتعلق بالوسيلة التي يزعم أنها تقربه إلى الله، فإن هذا ند لله جل وعلا؛ لأنه جل وعلا حكم أن لا يكون بينه وبين عبده وساطة في الدعاء والتعبد، بل يجب أن يتجه العبد إلى ربه في كل ما يهمه ولا يطلب من العبد أن يفعله؛ فإذا التفت إلى غير الله جل وعلا ولو في جزئية من الجزئيات فقد جعل لله نداً.

    فهذا المقصود بالند الذي يصدر من العبد نفسه في اعتقاده وفعله، فلو أنه نذر للولي الفلاني أو القبر الفلاني وهو يعتقد أنه يقبل ذلك ويثيب عليه أو يعاقب عليه إذا لم يفعله، فهذا قد جعله نداً لله؛ لأن النذر عبادة يجب أن تكون لله خالصة.

    وكذلك إذا جلس عند القبر يطلب البركة، أو طاف به، أو التمس البركة منه بأن يتمسح بجدرانه أو ما أشبه ذلك مما يفعله الجهال، أو أشباههم ممن هو محسوب على أهل العلم.. إذا فعل ذلك فقد جعل لله نداً؛ لأن التبرك وكذلك العكوف عبادة يجب أن تكون مطلوبة من الله جل وعلا لا من غيره.

    وكذلك في الألفاظ كما سيأتي، فإن الألفاظ التي تضاف إلى الأفعال الصادرة من الله أو الواقعة في قوله، يجب أن تكون لله وحده، ولا تضاف إلى سبب ولا جزء السبب؛ فإذا قال الإنسان: لولا الله وفلان، شاء الله وشاء فلان، وما أشبه ذلك، فإن هذا من التنديد، وكل هذه أمور جزئية، وهي من الأقوال التي تدخل في قوله جل وعلا: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً ، مع أن ظاهر الآية أنها نزلت في العبادة التي وقعت من الكفار لأصنامهم، ولكن كثيراً من الناس اليوم لا يعرف العبادة التي تصدر من المشركين، ويظن أنها إنما كانت سجوداً وركوعاً، وأنهم يعتقدون أن هذه الأصنام شريكة لله في التصرف، وهذا ظن بعيد عن الواقع جداً؛ إذ كانوا يعبدون أشجاراً وأحجاراً والملائكة والجن والأنبياء وغيرهم، فكل عبادتهم لهم جميعاً يطلبون بها وساطة لهم عند الله ويطلبون شفاعتها، كما أخبر الله جل وعلا عنهم في ذلك فقال: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] ، وهم يعلمون أنهم ليس لهم من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، ولكنهم قاسوا ما يطلبونه من الله على ما يقع بينهم عند المعظمين من بني آدم، فقالوا: إذا كان لك حاجة عند الملك وأردت أن تحصل لك فاذهب إلى من هو قريب منه من وزير أو أمير أو ما أشبه ذلك، فتجعله وساطة لك حتى تلبى حاجتك، وزعموا أنك إذا جعلت وساطة بينك وبين الله أن هذا من باب التعظيم، لكنه قياس فاسد، وذلك أن الله جل وعلا ليس دونه حجب، وليس له أعوان، ولا يخفى عليه شيء، ولا يمكن أن تخفى عليه بعض حاجات العباد حتى يوصلها بعضهم إليه ويعلمه بها تعالى الله وتقدس عن ذلك.

    فكل الشرك جاء من باب القياس الفاسد، قياس الخالق على المخلوق.

    والمقصود: أن عبادة الكفار كانت طلب الشفاعة ممن يتوجهون إليهم، سواء كانت أشجاراً أو أحجاراً أو أولياء أو ملائكة أو أنبياء أو غيرهم، فهم يدعون من يدعونه ويقولون: (حتى يقربنا إلى الله زلفى)، يعني: يتوسط لنا فيشفع لنا؛ ولهذا ذكر الله جل وعلا الشفاعة في أماكن متعددة في الكتاب، وأن الشفاعة التي يطلبها الكفار غير واقعة.

    إبطال اتخاذ الشفعاء من دون الله

    ثم قال جل وعلا: أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر:43] المقصود بها (بل اتخذوا من دون لله شفعاء)، وهي العبادة التي يتعبدون بها، وقال جل وعلا: قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شيئاً وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر:43] ، أي: كيف تتخذونهم شفعاء وهم لا يملكون شيئاً؟

    ثم كثير منهم لا عقل عنده؛ لأن ما يعبده إما حجر أو شجر أو ميت لا يدري ماذا يدور للأحياء، أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شيئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر:43-44]، وفي هذا إبطال دعوة المشركين، المتقدمين منهم والمتأخرين حيث يقولون: نحن نتوسل بالأولياء .. نحن نجعلهم وسيلة لنا، والتوسل معناه: الدعاء، ثم يزعمون أن الأولياء بدورهم يدعون الله لهم، وهذا هو شرك المشركين بعينه.

    وقد يربو شرك هؤلاء المتأخرين على شرك القدماء بأن يزعموا أن الأموات أو الأولياء يتصرفون في المطلوبات منهم بدون أن يأذن الله جل وعلا في شيء من ذلك، وهذا شرك ما بلغه شرك المشركين الأوائل؛ لأنهم أتم عقولاً من هؤلاء، فلم يصلوا إلى مثل هذا.

    والمقصود: أن الأنداد التي يمكن أن يجعلها العباد لله جل وعلا هي في الأفعال التي تصدر منهم من الدعاء أو الاعتقاد، أو النذور، أو الذبح، أو بغير لله عز وجل، ومن حلف بغير لله فقد جعل ذلك المحلوف به نداً لله جل وعلا كما سيأتي.

    1.   

    شرح حديث: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ...)

    قال الشارح رحمه الله [ وذكر حديثاً في معنى هذه الآية الكريمة، وهو ما في مسند الإمام أحمد، عن الحارث الأشعري : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات: أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى عليه السلام: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن؛ فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي! إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي. قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقُعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن لله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟! وإن الله خلقكم ورزقكم؛ فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً.

    وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده مالم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا.

    وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صُرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خَلوف فم الصائم أطيب عند الله من المسك.

    وآمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدّوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي بالقليل والكثير حتى فَكَّ نفسه.

    وآمركم بذكر الله كثيراً؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى حصناً حصيناً فتحصن فيه، وإن العبد أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله.

    قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا آمركم بخمسٍٍ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل لله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم. قالوا: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سماهم الله عز وجل: المسلمين المؤمنين عباد الله) ]

    الأمر بتوحيد الله دين كل الأمم

    هذا حديث عظيم يجب أن يتأمل ثم يعمل به، ولا شك أنه خرج من مشكاة النبوة وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فيه من العبر: أن التوحيد دين الأنبياء كلهم، فالله جل وعلا أوحى إلى زكريا -وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل- بهذه الأمور الخمسة، وأمره أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وزكريا وعيسى عليهما السلام كلاهما كان في وقت واحد، وهما أبناء خالة، ومعلوم كثرة أنبياء بني إسرائيل؛ وقد يبعث فيهم في وقت واحد عدد منهم.

    وقد علم عيسى عليه السلام أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بهذه الكلمات وأنه تأخر قليلاً عن إبلاغها، فقال له عيسى: إما أن تبلغهن أو أبلغهن، فقال له: يا أخي! والله لو سبقتني-يعني: في إبلاغهن- أخشى أن يعذبني ربي جل وعلا عذاباً عظيماً، فجمع بني إسرائيل في المسجد الأقصى حتى لم يتسع لهم فجلسوا فوق الجدران، ثم أمرهم بهن، فقال: (الأولى: أن الله جل وعلا أمركم أن تعبدوه وحده لا شريك له)، وضرب لهم مثلاً في ذلك، فقال: مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله، ثم أعطاه عملاً يعمل فيه وينتج، وقال: إذا أنتجت شيئاً فهذا مالي، فصار هذا العبد إذا أنتج شيئاً ذهب به إلى غير سيده، وهذا مثل المشرك، فالله خلق الناس ولم يشاركه في خلقهم أحد، ورزقهم وعافاهم وأنعم عليهم بسائر النعم، ثم كثير منهم يعبد غيره، فمثالهم مثل العبد الذي أساء المعاملة لسيده، اشتراه بخالص ماله، فصار يأخذ غلة عمله ويذهب بها إلى غير سيده، من الذي يرضى مثل هذا؟ لهذا قال: (أيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟) ، لا أحد يرضى هذا لنفسه فكيف يرضاه لربه جل وعلا؟!

    والمقصود: أن الخلق كلهم عبيد لله جل وعلا : فلا يسوغ للعبد أن يخضع لعبد مثله، وأن يصرف العبادة إلى عبد فقير محتاج مثله، فإن فعل ذلك فهو ضال في دينه وعقله.

    الصلاة وعظم قدرها في الشرع

    قال: (وآمركم بالصلاة) ، وهذا دليل على أن الصلاة كانت مفروضة على بني إسرائيل، ولكنها ليست على مثل هذه الصفة التي فرضت علينا، ثم قال: (فإن الله ينصب وجهه لوجه المصلي مالم يلتفت) ، ومعنى ذلك: أن المصلي إذا قام في الصلاة أن الله يستقبله وينظر إليه، وقوله: (ما لم يلتفت)، يعني: أنه إذا التفت انصرف الله عنه وتركه، ومن يرضى بأن ينصرف الرب جل وعلا عنه في صلاته؟ ثم الالتفات هنا يقصد به شيئان: الالتفات بالبدن عن القبلة ولو التفت تكون صلاته باطلة، ويعرض الله جل وعلا عنه، والالتفات إذا كان بالبدن جميعاً بحيث صارت القبلة عن يساره أو يمينه أو خلفه فإن الصلاة تكون باطلة، أما إذا التفت برأسه وبدنه مستقبل القبلة؛ فمثل هذا يكون مكروهاً، وهو اختلاس من الشيطان يختلسه به من صلاة العبد، وينقصها، وإما أن يكون شيئاً يسيراً لحاجة؛ فلا بأس به.

    القسم الثاني: التفات القلب، وهو أعظم من التفات البدن، ويظهر أنه هو المقصود في الحديث؛ لأن روح الصلاة حضور القلب وخشوعه، فإذا التفت الإنسان بقلبه إلى غير ما هو فيه من صلاته؛ فإن الله يعرض عنه، ويكله إلى ما اشتغل به من أفكار الدنيا وغيرها.

    وعلى هذا يجب على العبد أن يحرس قلبه عن الاشتغال في الصلاة بغير صلاته، والتفكر فيما يقوله ويسمعه ويفعله، فإنه إذا دخل في الصلاة ورفع يديه وكبر كأن معنى ذلك: أن الحجاب رفع بينه وبين ربه، فهو يقابل ربه فليفكر ماذا يقول له، وهل هناك شيء أكبر من الله؟ يجب أن يكون في قلبه تقدير لله جل وعلا، وأنه أكبر من كل شيء؛ فلا يلتفت إلى غير ربه جل وعلا، ثم يفكر بما يقول ويتأمله، ويجاهد الوساوس والشيطان، وأحرص ما يكون الشيطان على إفساد صلاة العبد؛ ولهذا جاء: (أنه إذا سمع النداء ذهب وله ضراط)؛ لأنه الذكر يطرده، فإذا انقطع صوت المؤذن جاء مسرعاً إلى المصلي، ويقول: له اذكر كذا .. اذكر كذا، ويذكره بالأشياء التي لم يكن يذكرها.

    ثم هو يعرف قلب الإنسان ويدرك ميوله إلى أي شيء يكون؛ فيذكر له الأشياء التي يميل قلبه إليها، فيذكره بها ليشتغل بها عن الصلاة، فيجب أن يجاهد الإنسان نفسه ويجاهد الشيطان في هذه الدقائق القصيرة، حتى لا ينصرف الرب جل وعلا عنه ويعرض عنه، وهذا من الأمور المهمة جداً والتي ينبغي للإنسان أن يتفطن لها وأن يعمل عليها، عله يكون ممن يستمع له ربه وينظر إليه في صلاته حتى ينتهي؛ فتكون صلاته محفوظة، ويكون من الذين أقاموا الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة هي أن يأتي بها كاملة على الوجه المطلوب.

    الصدقة وتكفيرها لذنوب العباد

    قال: (وآمركم بالصدقة) ، والظاهر أنها صدقة التطوع لا الفرض، وذكر مثالاً لها قال: مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو في أثره سراعاً حتى أدركوه، يريدون قتله، فصار يفتدي منهم بكل ما معه من قليل وكثير حتى فك نفسه من ذلك ونجا.

    ومعنى ذلك: أن الصدقة تكفر الذنوب؛ لأن الذنوب هي عدو الإنسان، وهي التي تطلبه حتى تهلكه، فإذا بذل الصدقة فإنه يفك نفسه من عدوه بالصدقات، فيصبح طليقاً حراً بعد أن كان مأسوراً يراد قتله.

    أجر الصيام

    قال: (وآمركم بالصوم) ، وذكر مثل الصوم: أنه كمثل رجل في جماعة معه صرة من مسك، وكلهم يجد رائحة المسك الطيب، فالصوم جعل لصاحبه رائحة طيبة؛ لأنه في الواقع سر بين العبد وربه، وقد جاء نظير ذلك في الحديث الصحيح : (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ، ومعنى الخلوف: هو الآثار التي تخلفها المعدة وتتصاعد منها الأبخرة عند خلو الطعام، ومعلوم أنها رائحة عند الناس كريهة مستكرهة ولكنها عند الله طيبة، حيث إنها أثر الطاعة التي حبس نفسه عليها، والصوم صبر، والصبر ليس له جزاء إلا الجنة.

    تحصن العبد بذكر الله

    قال: (وآمركم أن تذكروا الله كثيراً) ، وضرب لذلك مثلاً، وقال: مثل الذكر كمثل رجل طلبه العدو، ثم تحصن بحصن منيع، فلم يستطع الوصول إليه، ومعنى ذلك: أن الذكر حصن يتحصن به الإنسان من الشيطان.

    وقد ذكر الله ذلك في القرآن أن العدو قسمان: قسم مشاهد يواجه ويرى. فهذا يمكن أن يدافع ، وقسم غير مرئي وغير مشاهد، فقال للمشاهد: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ، فهذا العدو المشاهد الإنسان، يعني: أن علاجه أنك تدفعه بالإحسان إليه إذا أساء إليك، فإن هذا يجعله لك صديقاً حميماً حبك وتذهب العداوة، هذا علاج ولكن هذا كما قال الله جل وعلا: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] أي: حظ من العلم والحلم والدين والتوفيق من الله جل وعلا؛ لأنه صعب على النفوس أن تحسن إلى من أساء إليها، ولكن أثره حسن جيد جميل؛ لأنه يجعل العدو صديقاً.

    القسم الثاني: ذكره جل وعلا في قوله: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200] ، فهذه طريقة التحصن من الشيطان.. فالاستعاذة من الشيطان بذكر أسماء الله وصفاته والتحرز بها منه، وهذا كثير جداً في القرآن وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الخمس التي أمر بها يحيى عليه السلام قومه، نحن مأمورون بها أيضاً، ولم تأت هذه مجرد حكاية وإنما لنعمل به؛ لأنه جاء على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه يأمر بهذه الخمس التي هي: عبادة الله وحده. وهي دين الرسل كلهم، وكذلك الصدقة، والصوم، وذكر الله جل وعلا، والصلاة وعدم الالتفات فيها، وهذه كلها نحن مأمورن بها.

    من وصايا الرسول لأمته

    أضاف الرسول صلى الله عليه وسلم زيادة على تلك الوصايا خمساً فقال: (وأنا آمركم بخمس: بالجماعة) هذه واحدة، والجماعة معناها: الاجتماع على الحق، وأن يعتصم المسلمون بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والجماعة ما كان هو الحق ولو كان عليه فرد واحد، أما إذا كان الناس على خلاف الحق فليسوا جماعة وإن كثروا، كما قال الصحابة رضوان الله عليهم: الجماعة من كان على الحق وإن كان وحده. إذ قال الله جل وعلا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً [النحل:120].

    الثانية: السمع.

    الثالثة: الطاعة لولي الأمر، وولاة الأمور هم العلماء والأمراء، فالعلماء يبينون الحق والشرع والأمراء ينفذونه.

    هؤلاء هم الذين يسمع لهم ويطاع ما أطاعوا الله جل وعلا، أما إذا أمروا بشيء فيه معصية فقد جاءت الأحاديث الصحيحة أنه لا سمع لهم ولا طاعة، فالسمع والطاعة فيما وافق الحق، وفيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كان السمع والطاعة في الحق موافقاً له وجب على كل مأمور أن يقوم به وإن كان الآمر ظالماً، وإن كان يعتدي على الإنسان ويضربه ويأخذ ماله، فيجب أن يسمع له ويطيع ما دام أنه يأمر بما أمر الله به وأمر به رسوله وإن منع حقه؛ لأنه يطاع في أمر الله وأمر رسوله، أما الحق الذي منعه فهو يطلب من الله وسوف يحاسبه الله جل وعلا على ذلك، فأمره إلى الله كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذا.

    الرابعة: الهجرة، قال: (وآمركم بالهجرة ) والهجرة هنا معناها: هجر المعاصي سواء كانت المعاصي مقاربة الكفار والمكوث معهم في ديارهم أو في أعمالهم فيجب أن تهجرهم، أو كانت غير ذلك.

    و( تهجرها) أي: تتركها، فهي تشمل الانتقال من بلد الكفر أو البدع إلى بلد الحق والإسلام، وتشمل ترك المعاصي مطلقاً، فهذه كلها يأمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم.

    الخامسة: الجهاد في سبيل الله جل وعلا، فهو مما أمر به صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر به كثير في كتاب الله جل وعلا.

    ثم نهى عن دعوى الجاهلية، ودعوى الجاهلية هي كل دعوى تخالف الإسلام، فالدعوة التي تكون ضد الخصلة الأولى -الجماعة- والتي تدعو إلى التفرق، كأن يكون هناك أحزاب أو جماعات، فيكون بينهم معاداة، وكل جماعة تعادي الأخرى، فهذا من أمر الجاهلية.

    وكذلك كون الإنسان يجعل أسماء للمؤمنين والمسلمين ليست مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يسميهم بأسماء تدل على سلوكهم ونهجهم وأعمالهم، فإن هذا أيضاً من دعوى الجاهلية؛ ولهذا قال: (فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سماهم الله عز وجل: المسلمين، المؤمنين، عباد الله) ، ثم أخبر أن من صنع ذلك فإنه من جُثى جهنم، يعني: أنه يجثى ويلقى فيها، فقالوا له: (وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) .

    فهذا حديث عظيم والشاهد فيه: قول يحيى بن زكريا عليه السلام: (آمركم أن تعبدوا الله وحده) ، وهذه الخصلة هي دين الله جل وعلا منذ بعث الرسل إلى قيام الساعة وهم متفقون على هذا، وعلى وجوب عبادة الله وحده، وأن المشرك خارج على أمر الله، وعلى العقل والفطرة.

    [ وهذا حديث حسن ].

    الحديث صحيح ثابت رواه الإمام أحمد ، ورواه أبو يعلى في المسند، والحاكم في المستدرك، وهذا الحديث من الأحاديث التي استدركها الدارقطني على مسلم، يعني: ألزمه بها؛ لأن الدارقطني رحمه الله تعالى له كتاب الإلزامات التي يقول: إنه يلزم الإمام مسلماً أن يخرجها؛ لأنها على شرطه، فهذا منها، وهذا الحديث التي من هذه الأحاديث ذكرها الدارقطني ، والحديث ثابت لا شك فيه.

    1.   

    آيات الله في الآفاق والأنفس دليل على وجوده

    قال الشارح: [ والشاهد منه في هذه الآية قوله: (إن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً)، وهذه الآية دالة على توحيد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، والآيات الدالة على هذا المقال في القرآن كثيرة جداً، وسئل أبو نواس عن ذلك؛ فأنشد:

    تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليــك

    عيون من لُجين ناظـرات بأحداق هي الذهب السبيك

    على قُضُب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريــك ]

    مقصوده في هذا أن النبات دليل من دلائل وجود الله جل وعلا، والعيون الناظرات أي: الأزهار التي تختلف ألوانها، وروائحها وطعومها والتربة واحدة والماء والهواء واحد، فكيف خرجت هذه الزهور من هذا التراب؟ من الذي أخرجها؟ هذه كلها تدل على أن الله جل وعلا هو الذي خلقها، وهذه جزئية، وإلا ففي كل شيء دليل يشهد أن الله جل وعلا هو الخالق وحده وليس معه مشارك في ذلك؛ حتى لو أن الإنسان تأمل في نفسه: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، لوجد ذلك.

    وكذا لو نظر الإنسان في العالم كله لا يجد شخصاً يمكن أن يكون مشتبهاً بالآخر من كل وجه بحيث لا يميز عنه أبداً، هذا مع كثرتهم، وكذلك أصواتهم لا يوجد من يشبه صوته صوت الآخر، إذ الرجل صوته متميز عن الآخر وعن المرأة، والمرأة صوتها متميز عن الأخرى، وكذلك أبدانهم، مثل الأنامل التي لا يمكن أن تكون واحدة مطابقة للأخرى في كل الناس على كثرتهم، كما قال الله جل وعلا: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] .. فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:5-6] .. قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس:17-19].

    ماء مهين فكيف خرج منه هذا العاقل؟! كيف صار له السمع والبصر واللسان والأمعاء والفم والأيدي والأرجل؟! هل يستطيع أحد أنه يأتي بهذا من هذا الماء؟ ولو وضع على منضدة أمام طب العالم فلا يمكن أن يستخرجوا منه عظمة أو لحمة، والله جل وعلا خلق منه الذكر والأنثى بهذه الصفة العجيبة.

    المقصود: أن الآيات في الأنفس والآفاق الدالة على الله جل وعلا لا حصر لها.

    قال الشارح: [ وقال ابن المعتز :

    فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد؟!

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ].

    1.   

    شرك الألفاظ وأنواعه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي. وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم ].

    هذه ثلاثة أنواع تقع كثيراً من الناس، وجعلها أهل العلم من اتخاذ الأنداد:

    النوع الأول: الحلف بغير الله تعالى

    فلا يجوز أن يحلف الإنسان بغير الله جل وعلا؛ فإن حلفه هذا يجعله مشركاً، وهذا الشرك قد يكون أصغر لا يخرجه من الدين الإسلامي، وقد يكون أكبر؛ على حسب ما يكون في نفسه من تعظيم المحلوف به، فإن جعله مثل ما يجعله كثير من الجهلة وعبدة القبور؛ حيث إنه إذا طلب منه الحلف بالله حلف بلا مبالاة في كل ما يطلب منه، وإذا طلب منه أن يحلف بـ أحمد البدوي أو بـ الحسين أو بـ عبد القادر يتأذى ويرتعد، ويصفر لونه ويأبى أن يحلف، فمثل هذا شركه أكبر يجعله خارجاً من الدين الإسلامي؛ لأنه جعل المخلوق أعظم من الله، وأقدر من الله في عقابه، أما إذا كان شيء يجري على لسانه عادة، فهذا من شرك الألفاظ التي يجب أن يتنزه ويستغفر منه، والشرك وإن كان صغيراً فهو في الواقع أكبر من الكبائر.

    النوع الثاني: إضافة الأسباب إلى غير خالقها

    أن تضاف الأمور إلى أسبابها أو إلى جزء سببها، فهذا شرك، فقوله: ( لولا البط في الدار لأتانا اللصوص، لولا كليبة فلان لأتانا اللصوص )، يعني: البط قد ينبه صاحب البيت حتى يتنبه للسارق، وكذلك الكلب ينبح ويتنبه الإنسان لما يأتيه، فيكون هذا جزءاً من السبب في الحراسة، فإذا أضيف الأمر الذي أوقعه الله جل وعلا إلى هذا الجزء أو إلى هذا السبب صار تنديداً وشركاً.

    النوع الثالث: إشراك الخالق والمخلوق في إيجاد شيء

    لا يجوز أن يشرك الرب جل وعلا مع المخلوق في إيجاد شيء، وقولك: ( ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان لصار كذا وكذا ). فجعل هذه الأمور كلها من التنديد؛ ولهذا قال: (لا تجعل فيها فلاناً) أي: قل: لولا الله. واترك فلاناً، هذا كله شرك بالله جل وعلا.

    فيجب أن ينزه الإنسان ألفاظه ولسانه وأعماله من الشرك وإن كان صغيراً؛ لأن هذا من الشرك الأصغر الذي لا يجعل الإنسان كافراً، وإنما يكون مرتكباً كبيرة بل أكبر من الكبيرة كما سيأتي في قول ابن مسعود رضي الله عنه: ( لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً ).

    1.   

    حكم الحلف بغير الله عز وجل

    قال الشارح: [ بين ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا كله من الشرك، وهو الواقع اليوم على ألسنة كثير ممن لا يعرف التوحيد ولا الشرك؛ فتنبه لهذه الأمور، فإنها من المنكر العظيم الذي يجب النهي عنه والتغليظ فيه؛ لكونه من أكبر الكبائر، وهذا من ابن عباس رضي الله عنهما تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى ].

    أجوبة العلماء عن حلف النبي بأبيه

    قد يحتج بعض الناس بما ثبت في صحيح مسلم وغيره : (أنه جاء أعربي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن شرائع الإسلام فقال: أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤدى الزكاة، فصار يقبضها بيده، ثم قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تتطوع، فذهب وقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها. فقال: أفلح وأبيه إن صدق) .

    واختلف العلماء في الجواب على هذا الحديث، منها ما قاله ابن عبد البر ، قال: هذا غلط من الراوي، والصواب: أفلح والله إن صدق، وقد جاء هذا في إحدى الروايات: (أفلح والله إن صدق) ، فيكون قوله: (وأبيه) غلطاً من الراوي، ولكن هذا الجواب لا يتأتى إلا في هذا الحديث فقط, وقد جاءت أحاديث أُخرى غير هذا ولا يتأتى عليها هذا الجواب، ثم تغليط الراوي لا يصار إليه؛ لأنه لو كانت كل لفظة فيها مخالفة قلنا: غلط الراوي؛ لكان كل إنسان يقول ذلك إذا لم ترق له بعض الألفاظ.

    الجواب الثاني: ما قاله الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: إن هذا كان يجري على ألسنتهم من دون قصد، وليس مقصوداً به الحلف. والواقع أن هذا كلام باطل، فلا يجوز أن يكون ذلك جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على عادة الذين يحلفون بغير الله، فالله يحمي رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجري على لسانه شيء من الباطل أو الشرك. وهذا جواب باطل.

    الجواب الثالث: أجاب بعض العلماء بأن هذا يراد به تأكيد الخبر ولا يراد به الحلف، كما كان على عادة العرب، وهذا أفسد مما قاله النووي، فهو أيضاً باطل، فلا يجوز أن يكون جرى على لسان رسول لله صلى الله عليه وسلم شيء من هذا القبيل، ومعروف أن الحلف يراد به التأكيد بذكر المعظم الذي يستطيع أن يعاقب الكاذب إذا كان كاذباً، هذا هو مقصود الحلف.

    الجواب الرابع -وهو الصواب الذي يجب أن يعتمد-: أن هذا الحديث وأمثاله منسوخ بالأحاديث التي ثبتت في الصحيحين: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقد جاء كثيراً أنهم كانوا يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي عن ذلك، فصار النهي ناسخاً؛ فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يحلف بأبيه، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، فقال عمر : ( والله ما حلفت بعدها بأبي لا ذاكراً ولا آثراً )، وكذلك جاء عن غيره، فهذا يدل على أنها منسوخة. وهذا هو الصواب.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010156525

    عدد مرات الحفظ

    721873308