إسلام ويب

سلوكيات خاطئة في الأذانللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله عن السلوكيات الخاطئة التي يقع فيها المؤذنون في أنحاء العالم الإسلامي، وقسمها الى قسمين أساسيين: أخطاء في جانب القصد والإرادة، وأخطاء في جانب المتابعة والموافقة للسنة. فكان من القسم الأول: طلب الأجرة والدنيا عن طريق الأذان، والرياء والسمعة به، وكان من القسم الثاني التمطيط وزيادة حروف وإبدال بعضها ببعض في كلمات الأذان، والجهر بالصلاة على النبي بعد الأذان وزيادة ما لم يشرع مثل(حي على خير العمل) (أشهد أن علياً ولي الله) كما تعرض لبعض الأحاديث الموضوعة في فضل الأذان والمؤذنين.

    1.   

    أخطاء الناس في نية الأذان

    الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    تعلمون بارك الله فيكم أنني ابتدأت في هذا المسجد درساً آخر كما كنا اتفقنا في أول الفصل السابق من أول العام الهجري وأن هذا الدرس هو درس علمي عام غير مخصص في موضوع معين؛ بل سيتناول موضوعات عدة، في جميع ألوان العلوم والفنون التي يحتاجها الناس، ولذلك فإن ذلك الوقت الذي بين الأذان والإقامة في درس بلوغ المرام، سوف أجعله غالباً للحديث عن بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس، فيما يتعلق بالباب الذي أشرحه من كتاب بلوغ المرام، فإذا كنت الآن أشرح -مثلاً- باب الأذان من كتاب الصلاة، فسأجعل ما بعد الأذان للتنبيه على بعض الأخطاء والأغلاط التي يقع فيها الناس في شأن الأذان، مما لا يتسع المجال لبسطه في الدرس نفسه، لضيق الوقت وكثرة الأحاديث التي تحتاج إلى شرح وبيان وبسط وإيضاح.

    فسأجعل هذا الوقت القصير بين الأذان والإقامة للحديث عن بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس في أي باب من الأبواب التي تشرح من بلوغ المرام، وفي ذلك توفيق بين كون الدرس بين الأذان والإقامة ليس في صلب بلوغ المرام بحيث يفوت على الإخوة الذين يخرجون، وكذلك ليس بعيداً عنه بحيث أن الإخوة الذين يستفيدون فائدة تتعلق بالموضوع نفسه.

    فيما يتعلق بالأذان هناك في الواقع في الأمصار الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها بدع وانحرافات وأخطاء كثيرة تحتاج إلى بيان، وسأذكر شيئاً منها في هذه الجلسة، وأكمل ما تبقَّى في جلسات قادمة إن شاء الله تعالى.

    وأول ما يتبادر إلى الذهن في موضوع الأذان وغيره موضوع النية في الأذان.

    فإن الأذان عبادة بلا شك، بل هو من أجّل العبادات، قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] ذكر كثير من أهل التفسير أن هذه الآية نـزلت في المؤذنين، وهذا ليس على ظاهره، إنما المعنى أن المؤذنيين داخلون في هذه الآية، فهم ممن دعا إلى الله؛ لأنهم يدعون إلى شعيرة من أعظم الشعائر وهي الصلاة، ينادون إليها في اليوم والليلة خمس مرات، فهم داخلون متى ما أخلصوا وصدقوا مع ربهم في دلالة هذه الآية مبشرون بما بشّر إليه تعالى به أهلها: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    وورد في فضله أحاديث كثيرة سبق ذكر شي منها، وإنما يكون الفضل لمن أخلص في عمله، فإنه -كما هو معلوم- لابد في العمل الصالح من شرطين:-

    أولهما: الإخلاص في القلب في نيته وإرادته وجه الله تعالى والدار الآخرة.

    والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يزيد الإنسان وينقص على الهدي الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم.

    وبناءً عليه نستطيع أن نقول: إن أخطاء الناس في الأذان تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: يتعلق بالشرط الأول من شروط صلاح العمل وهو الإخلاص.

    والقسم الثاني: يتعلق بالشرط الثاني من شروط قبول العمل وهو المتابعة، فيخلون بمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذانهم.

    أخذ الأجرة على الأذان وأثره على الإخلاص

    وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص أن يتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً، كما سيأتي في حديثه: {واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً } والمقصود أن هذا أقرب إلى الإخلاص، وليس أخذ الأجر على الأذان مانعاً من الإخلاص فيه.

    فإن الإنسان قد يكون مخلصاً في أذانه يريد ما عند الله تعالى، ولكن جاءه أجر فأخذه، ولو فاته أجر مادي أو راتب أو وظيفة أو ما أشبه ذلك، لما ترك الأذان لفواتها، بل لاستمر على ما هو عليه.

    إذاً لا بد من الإخلاص وإرادة وجه الله تعالى في الأذان، فالأذان عبادة يشترط فيها الإخلاص، كما يشترط الإخلاص في الصلاة وفي غيرها من العبادات.

    وفي هذا يقع كثير من الناس في أخطاء، فإن من الناس من يريد الدنيا بعمله، فيؤذن من أجل وظيفة -مثلاً- أو من أجل وجود بيت في المسجد يسكن فيه، ويكون هذا غرضه بحيث لو فاته هذا الأمر الدنيوي لما أذن، وهذا لا شك أنه آثم بنيته وفعله، لأنه أراد الدنيا بالدين -يأخذ الدنيا بالدين- وقد قال الله عز وجل في محكم تنـزيله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].

    وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن عمر رضى الله عنه: {إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه}.

    وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر النية في الهجرة، وهي عمل من أعظم العبادات، وفيها تجشّم المشاق والصعاب وترك البلد والأهل والولد والمال إلى بلد لا يعرفه الإنسان وإلى قوم غرباء عنه في سبيل الله، الظاهر إذا كان مثل هذا العمل تشترط فيه النية، فغيره كذلك، بل قد يكون غيره أولى من ذلك.

    فكل عمل لابد فيه من النية الصالحة، فمن أراد الدنيا بعمله الذي عمل -شرعي أو تعبد- فهو آثم بهذه النية والإرادة، وتركه لهذا العمل خير له عند الله تعالى، فإن الدنيا لا يجوز أن تطلب بالدين.. هذا من كان قصده الدنيا محضاً، أي: لا يريد من الأذان إلا كما أسلفت، إما الراتب أو الوظيفة وإما البيت الذي يكون تابعاً للمسجد، في بعض المساجد لا في كلها، إن كان هذا مراده فحسب فهو آثم، ويجب عليه ترك هذا العمل إذا لم يصحح نيته.

    المراءاة وحب المدح

    الحال الثاني: أن بعض الناس قد يؤذن رياءً أو سمعةً، وكيف يؤذن رياءً وسمعةً؟

    يؤذن حتى يمدح بذلك أو يعرف، فإذا سمع الناس أنحاء البلد صوته، سُرَّ بذلك وأُعجِبَ ونظر في عطفيه، ورأى أنه قد عمل شيئاً عظيماً، وهذا أيضاً من الرياء، والرياء إذا خالط عملاً؛ فإنه حابط غير مقبول عند الله تعالى، والرياء شرك بل صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يسير الرياء شرك} وفيما يتعلق بالصلاة قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:7] فتوعد المصلي إذا كان مرائياً في صلاته، فغير المصلي أيضاً متوعد إذا كان قصده بالعمل الرياء والسمعة وهذا أيضاً صنف من الناس.

    من تلبيسات إبليس على المؤذنين

    الصنف الثالث: من الناس من يكون قصده بالأذان وجه الله تعالى، يؤذن ليدعو الناس إلى الصلاة، يؤذن بقصد الأجر والمثوبة، يؤذن طلباً لموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يسمع صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شجر ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة} وموعوده صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر الذي قال فيه: {إن المؤذن يُغفر له مدى صوته} وفي بعض الأحاديث: {من حافظ على الأذان اثنتي عشرة سنة -وورد أقل من ذلك- فإنه يكتب له براءة من النار} والحديث صححه جماعة من أهل العلم، فيؤذن طلباً لهذا الموعود الذي وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذنين.

    ولكن تأتي الأشياء الأخرى تبعاً، فقضية الوظيفة والراتب والمسكن وغيرها أمور ليست مقصودة له ابتداءً، إنما هي تأتي تبعاً، وهذا ولاشك أنه مأجور عند الله تعالى على آذانه ومثاب، وله الوعد الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله، ولا يضيره كونه أخذ شيئاً من لعاعة الدنيا ما دام ليس مقصود له في الأصل لا يضيره ذلك، لأن الأعمال كما سبق بالنيات.

    وهانحن نرى أن المجاهد يخرج إلى المعركة فيقاتل فيها، يبتغي ما عند الله، ويبتغي إعزاز الإسلام وإذلال الكفر، ثم تكون الغنائم فيأخذ منها، فلا يضيره ذلك، وإن كان قد ينقص من أجره، لكن لا يضره ذلك من حيث أنه يحبط عمله، كلا! بل أجره له، وبعضهم يقول: ينقص أجره بقدر ما أخذ، كما في الحديث الذي ذكر فيه {ألا تعجلوا ثلثي أجرهم} كما ورد.

    لكن على كل حال مادام قصده ما عند الله، فلا يضره أن تجيء الدنيا تبعاً لذلك، وهاهم الفقهاء يذكرون -أيضا- الحج فيقولون: إن من حج بقصد أداء الحج، وفي نيته أيضاً أن يشتغل بالتجارة في الحج، فهذا لا يضره بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك وأنه جائز، يعني الإنسان إذا ذهب إلى بيت الله الحرام للحج، وفي نيته التجارة -أيضاً- فحج وتاجر هناك، فقد نقل بعض العلماء الإجماع على أن هذا جائز لا بأس به، وصح عن ابن عباس أنه في مثل هذا نـزل قول الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة:198] فالآية نـزلت في الحج وفيها: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198] أي: بالتجارة، لكن هؤلاء لم يكن غرضهم التجارة فقط لا! كان غرضه الحج والتجارة مع الحج أيضاً، فهذا جائز كما ذكرت، وإن كان ينقص أجره.

    إنما بعض الناس إذا حَدَثَ عنده هذا الأمر، ورأى أن في عمله الديني التعبدي الحصول على مكسب من مكاسب الدنيا، فإنه يترك هذا العمل ويُعرِضُ عنه.

    فقد يترك الإمامة في المسجد، أو يترك الأذان، أو يترك الدراسة وطلب العلم، أو يترك غيرها من المقاصد الشرعية، بحجة أن هذا العمل يجلب لي شيئاً من الدنيا، وأخشى أن تكون نيتي قد دخلها شيء، وأقول: إن الإنسان ينبغي أن يدرك أن الترك والفعل كل واحد منهما يحتاج إلى تأمل وفيه مدخل للشيطان، وقد ذكر أهل العلم كـابن حزم وغيره أن الشيطان يأتي أحياناً من جهة تشكيكه في نيته ليترك العمل، ونقل عن عياض أنه كان يقول: [[العمل لأجل الناس رياء، وترك العمل لأجل الناس شرك]] فإن الإنسان لا ينبغي له أن يعمل من أجل الناس، ولا أن يترك من أجل الناس وينبغي أن يدرك أن الشيطان أحياناً يأتي من جهة تشكيكه في صلاح نيته ليترك العمل الصالح، وعلى الإنسان حينئذ أن يدفع هذا الوارد أو الخاطر الذي خطر له، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويعمل على تصحيح نيته ما استطاع، ويستمر على عمله.

    الفرق بين المخلص والمرائي

    والدليل على أن الإنسان الذي قصده الدنيا -وهذا ضابط جيد في نظري في كثير من الأمور- الإنسان الذي قصده الدنيا لا يبالي بالدين، فإذا كان الإنسان قصده الدنيا في عمل من الأعمال في دراسة أو في إمامة أو في تعليم أو في أذان أو في غيرها، الدليل أن قصده الدنيا أنه لا يعبأ بما تضرر به في دينه من وراء هذا العمل، فهو يقول بينه وبين نفسه: أنا قصدي الدنيا بهذا العمل، وقد حصلت الدنيا.. ولا يضيق صدره لذلك، ولا يكترث له، لأنه قصد الدنيا كما ذكرت.

    أما الإنسان الذي يضيق صدره، ويخاف من سوء النية، ويخاف من حبوط العمل، وتكثر عنده هذه الواردات، وهذه الهواجس والوساوس والخواطر، فهو الإنسان الذي يوجد عنده في قلبه إخلاص ورغبة في العمل الصالح لوجه الله، فيخشى أن يتأثر هذا العمل بنيةٍ غير حسنة، أو بإرادة دنيوية، ومثل هذا لا ينبغي أن يتساهل معه في ترك الأعمال؛ لأنه لوكل من ورد عنده هذا الوارد ترك العمل الصالح الذي يقوم عليه لما قام الإنسان بعمل صالح، فالشيطان يوسوس في الصلاة، في الزكاة، في الصوم، في الحج، في العمرة، في الإقامة، في الأذان في التعليم، وفي الوعظ، وغيرها، حتى تترك الأعمال كلها، ومن جهة أخرى لاضطرب أمر الناس؛ لأنه لوكل إنسان استجاب لهذا الوسواس، فمن يؤم الناس؟!

    ومن يؤذن لهم؟!

    ومن يعلمهم؟!

    ومن يعظهم؟!

    ومن يرشدهم؟!

    ومن يحسن إليهم؟!

    ومن؟!

    ومن؟!

    ربما لم يكد يوجد من يعمل ذلك؛ ولهذا كان السلف يقولون عن النفاق كما نقل عن الحسن البصري وغيره يقولون: [[ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن]] والمعنى أن المؤمن الذي دائماً يحاسب نفسه على أعماله ماذا قصدت؟

    ماذا أردت؟

    هل أردت وجه الله أم أردت الدنيا؟

    هذا عنده أصل الإيمان، وعنده الوازع الديني؛ ولهذا يحاسب نفسه ويلومها: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] فهو مؤمن.

    لكن المنافق هو يعلم في قرارة نفسه أنه منافق، وقد واطأ نفسه على هذا الأمر، ورضي به وأقره فلا يكترث؛ لأنه يعرف في حقيقة نفسه أنه منافق، وهو يريد النفاق واختاره والعياذ بالله طريقاً له ومنهجاً له في الحياة، فقد أمن الأمر فهذا ظاهر.

    ولذلك ليس من الحسن ولا من الجيد أن بعض طلاب العلم -بل وبعض الدعاة والمصلحين أحياناً- يصل بهم الخوف من النفاق أو الخوف من الرياء في الأعمال إلى حد أن منهم من يقول عبارات مخيفة موحشة في هذا الباب، حتى إني سمعت أحدهم، وهو يتكلم في مناسبة عامة، ويتحدث عن النفاق والمنافقين فيقول: وإنه -يعني- نفسه -والله- وأقسم بالله على ما أراد أن يقول- من الراسخين في النفاق! وهو يعني أنه يتهم نفسه بالنفاق بل وبالرسوخ فيه، هذا لا يجوز أن يقال.

    بل هو غلط كبير، واستجابة لوساوس الشيطان، وإلقاءاته على نفس الإنسان الضعيفة، والمؤمن ينبغي أن يتقي ذلك ويتجنبه، كما أنه لا ينبغي للإنسان ولا يصح له أن يستجيب لهذه الوساوس في ترك العمل الصالح، إلا من صح عنده العزم على إرادة الدنيا كما ذكرت في أول حديثي، فهذا يطلب منه أن يترك العمل، فقد ذكرت في أول الحديث أن من عرف من نفسه معرفة جازمة لا إشكال فيها ولا شك أنه لا يريد وجه الله، ولا يريد الخير، ولا الأجر، ولا المغفرة، ولا يريد أن يشهد له كل شيء، وإنما يريد الدنيا، فمثل هذا يقال له: يجب عليه أن يصحح نيته وقصده، فإن كان لا يفعل، فإنه يجب عليه أن يترك هذا العمل؛ لأنه آثم به، ويَدَعَه لغيره ممن يظن فيهم الإخلاص.

    إذاً: هذا كلام عام عن مراتب الناس ومقاصدهم ونياتهم في موضوع الأذان وفي غيره.

    1.   

    التهوين من شأن الأذان

    والخطأ الثاني: الذي يقع فيه الناس كثيراً هو أن كثيراً من الناس يتساهلون في شأن الأذان، ويقللون من أهميته، بل إن في بعض البيئات وفي بعض البلاد يعتبرون الأذان والعياذ بالله نوعاً من المسبة ويُعيَّرون به، وهذا من الانحراف عن دين الله، بل يوشك أن يكون هذا ردة عن الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66].

    إذاً الأذان شريعة الله، شريعة رب العالمين، وهو الفارق بين الأمم المسلمة والأمم الكافرة، وورد في فضله كيت وكيت من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فلا يُتصور من مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وٌيصِّدق بما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يهوِّنَ من شأن الأذان، أو يقلل من قيمته، أو يعتبر أنه لا يتولى هذا العمل إلا إنسان فيه وفيه، أو يعير أحداً بذلك أو يسبه والعياذ بالله! هذا لا يتصور من مؤمن مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحدث منه، وكيف يحدث من مسلم هذا؟!

    وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والدين والجنة، يقول كما روى سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما بسند صحيح [[لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت]] فكان يتمنى أن يكون عنده وقت واستطاعة أن يتولى الأذان مع الخلافة، ولكنه ابتلى بهذه الخلافة فلا يطيق معها أن يؤذن.

    فكل مسلم يتمنى أن يكون من أهل هذه الشعيرة العظيمة والقائمين بها، مع إخلاص النية والقصد ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها.

    1.   

    الإخلال بوقت الأذان

    الخطأ الثالث: الذي يقع فيه بعض الناس هو ما يتعلق بوقت الأذان، فإن الأذان في غالبه إعلام بدخول وقت الصلاة ودعاء ونداء إلى فريضة الله، لا يخرج عن ذلك إلا الأذان الأول في الفجر الذي يكون قبل الوقت كما سبق مراراً، فإنه أذان لإيقاظ النائم، وتنبيه القائم الذي يصلي، حتى يخفف من صلاته لُيدرك السحور قبل طلوع الفجر في رمضان وما أشبه ذلك من المقاصد، وكذلك الأذان الأول يوم الجمعة الذي فعله عثمان رضي الله عنه على مشهد ومرأى ومسمع من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فأقروه كافتهم وعامتهم على ذلك، وصار شريعةً باقيهً في هذه الأمة، فإنه يكون قبل وقت الجمعة على المشهور في تحديد وقتها، أما فيما عدا ذلك فإن الأذان هو إعلام بدخول الوقت، والناس يعرفون أنه كذلك، فيلتزمون به في إقامة الصلاة وأدائها، وفي الإمساك في رمضان في أذان الفجر، وكذلك في الإفطار في رمضان في أذان المغرب، وما أشبه ذلك من الأمور المبنية على معرفة دخول الوقت وهي أمور كثيرة جداً لعلة عرف بعضها أو كثير منها في باب المواقيت الذي سبق وأن شرحته.

    فإن المواقيت يترتب على دخولها أشياء كثيرة جداً لا تكاد تحصر بيسر، سواء في موضوع الطهارات، أو في موضوع أصحاب الأعذار، أو في غيرها من الأحكام، فالأذان هو في عمومه إعلام بدخول الوقت، وقد أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، فقال: {أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن} فالمؤذن مؤتمن على الوقت ويجب عليه أن يراقب الله تعالى في تحديد الوقت، فلا يؤذن قبل الوقت ولا يتأخر عن الوقت في المساجد العامة.

    فمن الناس من يؤذن قبل الوقت وخاصة في رمضان، يؤذن بعضهم أذان الفجر الثاني قبل الوقت، فإذا قلت له: لماذا؟ قال لك: أذان على سبيل الاحتياط، حتى يُمسِك الناس عن الأكل والسحور، وهذا الاحتياط غلط، بل لا مجال للاحتياط في هذا الباب.

    مفاسد الإخلال بوقت أذان الفجر بدعوى الاحتياط

    هذا من الأنواع والأبواب التي ليس هناك مجال فيها للاحتياط، بل يترتب على أذانه قبل الوقت مفاسد عديدة وعظيمة منها:

    أولاً: أن هناك نساء في دورهن وأناساً في أماكن بعيدة إذا سمعوا أذان الفجر أقاموا الصلاة وصلوا، ظنوا أن الوقت قد دخل، فيكون هذا الذي احتاط بزعمه للصيام، قد فرّط في أمر أعظم، وهو أمر الصلاة، وباء بإثم أولئك القوم من الرجال والنساء الذين صلوا قبل الوقت اغتراراً بأذانه، فهذا ضرر.

    الضرر الثاني: أن كثيراً من الناس إذا سمعوا الأذان أمسكوا عن السحور، ومن المعلوم أن من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام تأخير السحور، كما ورد في الصحيحين من حديث جماعة من الصحابة: {ما تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور} فتأخير السحور مشروع ومستحب وسنة، فيترتب على تعجيل بعضهم بالأذان - أذان الفجر الثاني- أن يمتنع الناس من السحور ويتوقفوا قبل خروج الوقت، فيفرط بسنة.

    الضرر الثالث: من الناس من لا يستيقظ إلا متأخراً، فإذا سمع الأذان لم يتسحر، وربما صام طاوياً في ذلك اليوم، ولا شك أن الذي تسبب له في ذلك يتحمل الوزر، فالتبكير بالأذان هذه بعض مضاره.

    مفاسد تأخير الأذان واختلاف المؤذنين

    وآخرون يؤخرون الأذان عن الوقت، وقد يؤخرونه تأخيراً ظاهراً يترتب عليه تفريط الناس في الصلاة، وتأخرهم عن المجيء إلى المساجد، وكثيراً ما نكون نحن قد أحرمنا بالصلاة -مثلاً- دخلنا في الصلاة أي صلاة- فبعدما ينتصف الأمام في الصلاة وأحياناً بعد السلام تسمع مؤذناً يؤذن للصلاة، وهذا أيضاً فيه ضرر عظيم؛ لأن كون الناس في البلد الواحد يصلون في وقت واحد، أو في وقت متقارب فيه مصالح كثيرة من أهمها:

    مصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تفاوت المساجد يجعلك لا تستطيع أن تأمر أحداً أو تنهاه، فإذا قلت له قال: صليت في المسجد الفلاني!

    بل إن هذا يحدث فقد أتيت يوماً من الأيام على جماعة، قد فتحوا دكاكينهم يبيعون فسألتهم، فقالوا: إننا قد صلينا في المسجد وأشاروا إلى مسجد، فذهبت فوجدت الناس قد صلوا فعلاً، وذهبت إلى مسجد آخر، فإذا به لم يقم الصلاة بعد، فَكَون وقت الأذان ووقت الصلاة في البلد الواحد يكون متقارباً في الجملة فيه مصالح عظيمة، ومن أهمها: مصلحة انضباط موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه مصالح أخرى كثيرة، هذا وللحديث بقية والله تبارك أعلى وأعلم وصلى الله على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك اللهم وبحمدك ونشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

    1.   

    بدع الأذان

    الحمد لله رب العالمين؛ اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعــد:

    كنت تكلمت في المجلس السابق عن بعض أخطاء الناس في الأذان، وخاصة ما يتعلق بالنية، ثم انتقلت إلى ما يتعلق بضبط الوقت وتقديم بعضهم للأذان أو تأخيرهم له وما يترتب على ذلك من الأضرار والمخالفات، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للمؤذن أن يؤذن قبل الوقت بحال من الأحوال، إلا أذان الفجر الأول كما هو معروف، وكما سبق التنويه به، فأواصل الآن الحديث عن بعض الأخطاء والمخالفات التي يقع فيها الناس في الأذان.

    وحين أقول: يقع فيها الناس ينبغي أن يعلم أنني أقصد الناس في العالم الإسلامي كله، أي أن هناك أخطاء كثيرة -ولله الحمد- لا توجد في هذه البلاد، بسبب أن الله تعالى مَنّ على أهل هذه البلاد بعلماء ومصلحين، حفظوا لهذه الأمة في هذه الجزيرة كثيراً من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا نجد في هذه البلاد كثيراً من البدع العملية والأخطاء التي قد نجدها في بلدان أخرى، وقد تكلم جماعة من أهل العلم في بدع الناس وأخطائهم في الأذان، كما تكلم فيه الشيخ علي محفوظ والشيخ جمال الدين القاسمي وغيرهما من العلماء المصنفين،فذكروا أخطاء الناس وبدعهم في الأذان، وسوف أشير إلى أمور، منها ما ذكروها، ومنها ما لا يذكرونها، ولكني لاحظته من واقع ملاحظتي للناس:

    الأذان المُسَجَّل

    فمن الأخطاء أن بعض الناس -وسوف أركز الآن على الأخطاء في ألفاظ الأذان وأدائه- أن كثيراً من الناس يستغنون عن مباشرة الأذان باستخدام أجهزة التسجيل، فيأتون بأذان مسجل لأشخاص معروفين مقرئين أو غيرهم، ويضعونه في مكبر الصوت! وهذا يحدث في كثير من الأحيان، وأحياناً نسمعه بالميكروفون من مسافات بعيدة ولا شك أن هذا فيه خسارة كبيرة؛ فكيف يَسْتَبْدِلُ الإنسانُ الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويُفوت على نفسه الخير الكثير الذي وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذن: {أنه لا يسمع مدى صوته جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له به عند الله تعالى يوم القيامة} فهذا من الأمور التي ينبغي تجنبها، وينبغي للعبد المؤمن أن يباشر الأذان بنفسه، ويحتسب الأجر في ذلك عند الله تعالى.

    المبالغة في التمطيط وإبدال بعض الحروف ببعض

    و من ذلك أن بعض المؤذنين يبالغون في تمطيط أصواتهم بالأذان مبالغةً ممقوتةً ممجوجةً، فإذا قال مثلاً: "لا إله " مده مداً طويلاً قد يزيد على عشر حركات أو اثنتي عشرة حركه أو أكثر، وكذلك قوله: (الله) (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) يمدونه مداً زائداً شديداً يخرج بالأذان عن شرعيته وحكمته، وهذا لا أعتقد أنه يكون أذاناً مشروعاً صحيحاً، لأن الإنسان إذا مد مداً مبالغاً فيه خرج اللفظ عن اعتباره اللغوي ووضعه اللغوي.

    ولذلك أذكر أن أحد الإخوة من الذين يمططون الأذان ويبالغون في ذلك، وكان في أحد المساجد في الرياض فأذن، وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حاضراً لإلقاء محاضرة في ذلك المسجد، فلما انتهى من الأذان قام الشيخ -حفظه الله وبارك في عمره- وبين أن هذا ليس آذانا شرعياً، وبيّن الأذان، ثم أذن بنفسه حتى يُعلم غيره تعليماً عملياً، ولعله -والله تعالى أعلم- قصد إلى أمر آخر، وهو كأنه رأى أن الأذان الأول لا يكفي، فأذن عوضاً عنه، وهذا مجرد التماس مني، وقد يكون كذلك أو لا يكون، وبعض الناس يمدون الأذان مداً في غير محله، فمثلاً بعضهم يمدون بعد الهمزة يضعون ألفاً (آلله) فيقول: (آلله أكبر) مثلاً، وهذا لا يجوز، لأنه هنا كأنه أوجد عدة همزات، وكأنه صار استفهاماً، كما في قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59] فبدلاً من أن يكون خبراً أصبح استفهاماً، وهذا ولا شك أنه لحن يحيل المعنى، ولا يجوز.

    وبعضهم يمدون الباء في قوله "أكبر" فيقول: أكبار! وهذا أيضاً لا يجوز، وقد ذكر أهل العلم أن هذا اللحن يحيل المعنى، وأن (أكبار) هذا له معنى آخر لا يليق ذكره بهذه المناسبة، ولا يليق أن يلحن الإنسان هذا اللحن الملبس، الذي فيه سوء أدب.

    ومن أخطائهم: أن بعضهم إذا نطق باسم الرسول صلى الله عليه وسلم يضع مداً في غير محله، إما يضع واواً بعد الميم فيقول مثلاً: "موحمداً " أو يمد الحاء بعضهم فيقول " محامدا " فيضع بعد الحاء ألفاً وهذا كله كما سبق، يعتبر لحناً ومداً في غير محله، ومثله المد بعد الحاء في قوله: "حي" فبعضهم يضع بعد الحاء ألفا " حايّ " وكذلك في (اشهد) قد يضع بعد الدال واواً يشبع الضمه حتى يتولد منها واو فيقول " أشهدو أن "، ومثله أن بعضهم يشبع الكسرة في (إله)، فيتولد منها ياء، فيقول "لا إيله إلا الله "، وكل هذه ناتجة عن الجهل، والعجمة، وعدم التعلم، وإن بعضهم قد يبالغ في تمطيط الأذان وتحسينه بصورة غير مشروعة.

    وأحياناً أحدهم يبدل حرفاً بآخر، ومن أشهر الأشياء الموجودة عندنا -مثلاً- أن بعض الناس يقول: (وكبر)(الله وكبر)، ولا شك أن هذا لحن ومحيل للمعنى أيضاً، فإن المعنى الصحيح (الله أكبر) وأكبر أفعل تفضيل مبدوء بالهمزة فبعضهم يبدلون الهمزة واواً فيقولون: " الله وكبر "، وكذلك بعضهم يبدلون الحاء هاء في قوله " حي " فيقول " هي " وبعضهم يبدلون العين، أو يحذفون العين فبدل من أن يقول: "حي على الصلاة" تسمع بعض المؤذنين وخاصة من العوام يقولون: "حي لها الصلاة " وهو معبر عنها بمعنى عندهم، ولكن اللفظ الوارد عن الرسول عليه الصلاة والسلام هو بعلى "حي على الصلاة " وبعضهم قد يبدلون الهاء حاء فيقولون: "حي على الصلاح " وهم لا يشعرون بذلك؛ فهذه كلها وأمثالها كثير من الأخطاء التي يقع فيها بعض المؤذنين إما من العامة وإما ممن أسلفت ممن يبالغون في تمطيط أصواتهم بالأذان وتحسينه بصورة ليست مشروعة.

    تسييد اسم الرسول في الأذان

    ومن الأخطاء التي يقع فيها الناس في الأذان، أن بعضهم يضيفون إلى لفظ اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، لفظ سيدنا فبعضهم يقول: " أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله " ونحن بلا شك نعلم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، ولكن ذكر لفظ السيادة في الأذان أو في غيرها من الأذكار الشرعية، يعتبر زيادة لم يأذن بها الله، مثلما لو قال الإنسان مثلاً في التشهد " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم " فنحن نقول هؤلاء سادة وأنبياء لا شك، لكن لم يرد لفظ (سيد) في لفظ من الأذكار الشرعية، لا في الأذان، ولا في الإقامة، ولا في التشهد الأول، ولا في التشهد الأخير، ولا في غيرها من الأذكار، ولعلكم تستغربون إذا قلت لكم: إن أحد الإخوة كان إذا قرأ اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن يقدم بين يديه بلفظ سيدنا! وهذا جهل عظيم وضلال مفرط.

    فمثلاً: إذا أراد أن يقرأ آخر سورة "الفتح مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: 29] لا يقول محمد رسول الله والذين معه، يقول: سيدنا محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار! والعياذ بالله لأنه أدخل كلام المخلوق في كلام الخالق؛ لأن القرآن كلام الله وهو قد أدخل كلامه الذي يقول فيه: إن سيدنا محمداً رسول الله، أدخله في كلام الله عز وجل، وهذا لا شك -كما أسلفت- ضلال عظيم، وبعضهم يدخله في الأذان أو في الإقامة وهذا أيضاً لا يجوز.

    الجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان

    وكذلك بعض المؤذنين في عدد من الأمصار الإسلامية يختمون الأذان أو الإقامة بالصلاة على رسول الله بصوت مرتفع يشبه الأذان، فإذا قال: " لا إله إلا الله " منتهياً من الأذان، قال: اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وما أشبه ذلك من التواشيح والألفاظ والأهازيج والأناشيد التي يقولونها ويقحموها في العبادات، دون أن يوجد من يأمرهم أو ينهاهم أو يعلمهم أن هذا مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    بدعة التثويب

    ومن البدع المحدثة المضافة في الأذان بدعة التثويب، وقد أشرت إليها، وما زالت موجودة، بل قد انتقلت عدواها إلى بعض هذه البلاد، وأعنى بالتثويب: أنه ينادى ببعض ألفاظ الأذان بين الأذان والإقامة، فإذا استبطأ الناس بعض الشيء أو بقي على الإقامة سبع دقائق أو نحوها؛ قام المؤذن: فقال: حي على الصلاة حي على الفلاح، وقد يقولون ألفاظاً أخرى: الصلاة رحمكم الله أو هلموا إلى الصلاة أو يخاطب أشخاصاً معينين أو ما أشبه ذلك، وهذه من البدع المحدثة حتى إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه دخل مسجداً، فلما ثوب فيه المؤذن بين الأذان والإقامة خرج غاضباً، وقال: أخرجتني البدعة!

    الزيادة في دعاء الوسيلة بألفاظ غير واردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم

    ومن الأشياء التي يفعلها ويقولها الناس فيما يتعلق بالأذان ولا أصل لها، أن بعضهم إذا سمعوا الأذان قالوا: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وهذا الدعاء مشروع ولكن بدون قول " الدرجة العالية الرفيعة " فأن هذا اللفظ لا أصل له في السنة، بل الثابت من أذكار الأذان -كما ستمر الإشارة إلى شيء منه الثابت أن الإنسان يقول كما يقول المؤذن هذا أولاً.

    وثانياً: إذا انتهى المؤذن من قول أشهد أن محمداً رسول الله قال الذي يتابعه: "رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً " وقد ثبت هذا في صحيح مسلم وفي مسند أبي عوانة بسند صحيح أنه يقال بعد الشهادتين.

    ثالثاً: أنه إذا انتهى المؤذن من أذانه يُصلي المتابع للمؤذن على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته " هذا الثابت من أدعية الأذان.

    أما قول بعضهم وهذا كثيراً ما يُسمع من المذيعين وغيرهم، يقولون: آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، فلفظ "والدرجة العالية الرفيعة" لا أصل له فيما أعلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحسن بالإنسان أن يقوله أو يحافظ عليه.

    وبعضهم -أيضاً- يضيف في آخر هذا الدعاء " إنك لا تخلف الميعاد " {وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد} وهذه اللفظة قد اختلف أهل العلم فيها، وذلك لأنها جاءت في حديث رواه البيهقي، وقال شيخنا عبد العزيز بن باز: إسناده صحيح، وكذلك جاءت في إحدى نسخ البخاري، ويدل على ذلك أن الإمام الحافظ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في كتاب التوسل والوسيلة ذكر أنه رواه البخاري، وذكر هذه الزيادة فيه، وبالتحري تبين أنها موجودة في إحدى روايات البخاري لكنها يبدو غير ثابتة في الصحيح، وقد رجّح جماعة من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين أن زيادة { إنك لا تخلف الميعاد } زيادة شاذة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخرون من أهل العلم من علمائنا، حتى من المعاصرين قالوا: حتى على فرض عدم ثبوتها فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى عن المؤمنين ودعائهمك: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:194] فقالوا: لا بأس أن يدعو بها أو يذكرها في آخر الدعاء.

    والذي أميل إليه ألا يقولها الإنسان، وإن قالها فلا يحافظ عليها، بل يقولها حيناً، ويدعها حيناً حتى يميز بين السنة الثابتة بلفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أمر ورد واختلف العلماء في صحته أو عدم صحته، اللهم إلا أن يقول الإنسان: أنا مقلد لفلان من الناس من العلماء الذين صححوا هذا الحديث، فحينئذٍ لا بأس أن يتابعه في قول هذه الكلمة.

    1.   

    أخطاء في الإقامة

    أما فيما يتعلق بالإقامة فإن من الأشياء التي يخطئ الناس فيها، أولاً: كما سبق في بعض ألفاظ الأذان أن بعض الناس يخطئون في ألفاظ الإقامة، وفي قولهم: "قد قامت الصلاة" بعضهم يفتحون التاء وبعضهم يضمونها فيقول بعضهم: "قد قامتَ الصلاة" وبعضهم يقولون: "قد قامتُ الصلاة"، والصواب بالكسر "قد قامتِ الصلاة".."قد قامتِ الصلاة".

    وأما بالنسبة للأدعية والأذكار الواردة في أثناء الإقامة فإن بعضهم إذا سمعوا قوله: "قد قامت الصلاة..قد قامت الصلاة " يقولون: أقامها الله وأدامها -أو وأدامه على لغة العامة- اللهم قنا شر الحسرة والندامة، وهذه لا تصلح إلا أن تكون عامية "أقامها الله وأدامه، اللهم قنا شر الحسرة والندامة " أما لو أردت أن تعرِّبها تخرِّبها إذا قلت أقامها الله وأدامها ذهب السجع، وعلى كل حال هذه الكلمة، لم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أنها وردت في حديث ضعيف جداً فيه ِشهر بن حوشب وهو متكلم فيه، وفيه رجل مبهم مجهول لا يدري من هو، فالحديث إسناده ضعيف فلا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قول: {أقامها الله وأدامها} عند قول: "قد قامت الصلاة" فلذلك فإن ما ذكره بعض طلاب العلم من أنه يشرع أن تقال عن قد قامت الصلاة: {قد قامت الصلاة } -والله تعالى أعلم- ضعيف، لأن الشرعية لا تثبت إلا بدليل صحيح، وكوننا نأمر الناس أن يلتزموا بذكر هذه الكلمة وهذا الذكر عند هذا الموضع لابد أن يكون بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما "اللهم قنا الحسرة والندامة" التي يقولها العامة أيضاً، فإنه لا أصل لها في السنة مطلقاً فيما أعلم، ولا شك أن الدعاء بأن يقي الله العبد شر الحسرة وشر الندامة، الدعاء هذا بحد ذاته دعاء جيد وحسن، لكن ذكره في هذا الموضع مذموم، لأنه قد يترتب عليه أن يظن الإنسان أو يظن غيره أنه سنة، وفي الواقع أن المحافظة عليه أقرب إلى البدعة منها إلى السنة.

    وإن كنت في الواقع لست ممن يشددون في هذه الألفاظ ما دامت صحيحة بنفسها، لكن ينبغي أن ننهى الناس عن التزام هذه الألفاظ والمداومة عليها، حتى لو أن إنساناً قالها مرة نقول له: هذه الكلمة معناها صحيح؛ ولكن كونك تقولها في هذا الحيز -في هذا المكان- بهذه المناسبة وتحافظ عليه هذا غير مشروع، لأن المحافظة إنما تكون على السنن الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي الأسبوع القادم إن شاء الله نواصل ونذكر أموراً أخرى تتعلق بالآذان والإقامة وأخطاء الناس فيهما، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صلَِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    أحاديث في فضل الأذان

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصّلَّى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مما صح في فضل الأذان

    في هذه الليلة سنتحدث عن بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي وردت في فضل الأذان، وبعضها مشهور عند بعض الكُتّاب والمصنفين وغيرهم، وأود أن أقول في البداية: إن فضل الأذان ورد فيه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، فهو لا يحتاج إلى أن توضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث في فضله.

    - فقد سبق معنا حديث أبي سعيد الخدري: {لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة}.

    - وسبق حديث معاوية في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة}.

    - وكذلك جاء في حديث أبي هريرة: {يغفر له مدى صوته}.

    وفي كتاب الله تعالى قول الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] جاء عن جماعة من السلف أن هذه الآية نـزلت في المؤذنين، روى ذلك عبد بن حميد وابن مردويه وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ [فصلت:33] قالت: المؤذن. وعمل صالحاً، قالت: صلى ركعتين.

    وهذا من باب التفسير بالمثال كما هو مشهور عند السلف، يفسرون الآية بالمثال، وليس المقصود حصر الآية في المؤذنين، ولا حصر العمل الصالح في الصلاة ركعتين، بل الآية عامة في كل دعوة وفي كل عمل صالح، لكن عائشة رضي الله عنها فسرتها بمثال وهو المؤذن، ومثل ذلك أيضاً جاء عن قيس بن أبي حازم رواه الخطيب البغدادي في تاريخه أنه قال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً [فصلت:33] دعا إلى الله، قال: المؤذن.

    وجاء عن جماعة من الصحابة الإشادة بفضل الأذان ومكانته، أذكر منها بل ومن أعظمها وأجملها الكلمة التي سبقت عن عمر رضي الله عنه، والتي رواها سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي وسندها صحيح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: [[والله لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت]] ويقصد بالخليفى: الخلافة التي وليها، وفي لفظ: [[لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت]].

    ومثله جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال لرجل: ما عملك؟ قال: الأذان. قال: [[نعم ما تعمل! يشهد لك كل شيء]] والأثر هذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.

    وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: [[لأن أؤذن -أو لأن أقوى على الأذان- أحب إليَّ من أن أحج وأعتمر وأجاهد في سبيل الله]].

    وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه: [[لوددت أني أؤذن وأن لا أحج ولا أعتمر]] فدل على أن الأذان عندهم من أفضل الأعمال، حتى إنهم قد يفضلونه على نوافل العبادات من الحج والعمرة ونحوها، فالآذان له فضلٌ كبير في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي آثار الصحابة والتابعين هذا من جهة.

    فضائل بلال رضي الله عنه

    ومن جهة أخرى فإن أول من أذّن من هذه الأمة هو بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه، وهو من أفاضل الصحابة وأكابرهم، حتى إن عمر رضي الله عنه كان يقول: [[أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا]] يعني بلال بن رباح رضي الله عنه، ويكفي في فضل هذا الرجل الصابر المجاهد ما ورد في الصحيح أنه كان أحد سبعة، هم أول من أظهروا الإسلام فضايقتهم قريش، حتى لم يكن منهم أحد إلا وقد جاراهم في بعض ما يريدون، إلا بلال رضي الله عنه؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله عز وجل، فكانوا يجرونه في صحراء مكة ورمضائها، ويضعون الحصى على صدره، ويقولون: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد فيقول: أَحَدٌ أَحَدْ، أَحَدٌ أَحَدْ.

    وقد ورد في روايات أنه كان يقول: [[والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم من هذه الكلمة لقلتها]]. هكذا رواه ابن إسحاق في السيرة.

    وصبر رضي الله عنه وأرضاه ويكفي في فضل هذا العبد الصابر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشّره بالجنة، كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعتُ دف نعليك أمامي في الجنة! فقال: يا رسول الله! ما تطهّرت طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما كتب الله لي} فكفاه فضلاً وفخراً أن يكون من الثابتين الصابرين على الإسلام، ثم أن يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الختام، وبجنات ونهر: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].

    وليس الصحابي الجليل بلال بن رباح بحاجة أيضاً إلى أن توضع أحاديث في فضله ومكانته وحسن أدائه وما أشبه ذلك، ولكن أعداء الله يفترون على الله وعلى رسوله، ويضعون الأحاديث التي فيها السخرية والتي تثير الاشمئزاز، ربما لتنفير الناس أحياناً من بعض الأعمال وبعض الشرائع وبعض الأحكام.

    وأذكر بعض هذه الأحاديث، وما ذكره العلماء في شأنها، فمن هذه الأحاديث:

    1.   

    أحاديث موضوعة في فضل الأذان

    1- ما ورد {أن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، المؤذن يؤذن، والملبي يلبي، وأن المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد كل حجر أو شجر أو جن أو إنس، أو مدر ويكتب له بعدد صلاة من صلى معه بعدد أجورهم حسنات} وهو حديث طويل جداً فيه فضائل كثيرة للمؤذنين لا تثبت ولا تصح.

    أما ما سبق فبعضه صحيح. فأما كونه {يغفر له مدى صوته} فهذا صحيح وسبق، وأما كونه {يشهد له كل شيء} فهو صحيح وسبق. وأما كونه يخرج من قبره وهو يؤذن، فنقول: إن مات وهو يؤذن؛ فإنه يمكن أن يقال: إنه يبعث مؤذناً؛ كما ورد في الصحيحين في قصة الرجل الذي وقصته ناقته، وكان عليها في يوم عرفة؛ فقال: النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بأن يكفنوه في ثوبين، ولا يمسوه طيباً، ثم قال صلى الله عليه وسلم: {فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، ومن مات على شيء بعث عليه}.

    وأما بقية الحديث والذي فيه مبالغات في فضائل المؤذنين، وأنه له ألف ألف حسنة ويحط عنه… إلى آخره، فهذا الحديث حديث موضوع ساقه ابن شاهين وفي إسناده سلام الطويل عن عباد بن أبي كثير وهما يرويان الأكاذيب، قال بعض أهل العلم أحدهما وضعه، إما سلام الطويل أو عباد بن أبي كثير.

    2- والحديث الآخر يقول الحليجي: {إذا كان يوم القيامة جيء بكرسي من ذهب مكلل بالدر والياقوت، وعليها قباب من نور، ثم يُنادَى: أين المؤذنون؟ فيجلسون على هذه الكراسي} وهذا الحديث ذكره الخطيب البغدادي عن أبي سعيد الخدري وقال الخطيب: حديث غريب جداً تفرد به إسماعيل بن أبي يحيى، وهو ضعيف سيئ الحال جداً، فالحديث أيضاً حديث موضوع لا يصح بحال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    3- ومن الأحاديث الموضوعة ما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال: {يجيء بلال يوم القيامة على راحلة رحلها من ذهب، وزمامها من در وياقوت، ويتبعه المؤذنون حتى يدخل أو يدخلهم الجنة} وهذا الحديث أيضاً حديث موضوع فيه خالد بن إسماعيل، وكان يضع الأحاديث ويلصقها عن الثقات، ويدخلها في حديثه، فهو كذاب وضاع وأحاديثه كلها موضوعة.

    4- ومن الأحاديث الموضوعة في شأن الأذان أنه: {ما من مدينة يكثر مؤذنوها أو يكثر آذانها إلا قل بردها} والحديث ذكره الأزدي عن علي رضي الله عنه وفي إسناده رجل اسمه عمرو بن جميع وهو المتهم بوضع هذا الحديث.

    5- ومن الأحاديث الموضوعة: {من قال حين يسمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله من قال: مرحباً بحبيبي وقرة عيني محمد، ثم يقبل إبهاميه، ويضعهما على عينيه، لم يَعْمَ ولم يرمد أبداً} أي: لا يصيبه العمى ولا الرمد أبداً، وهذا الحديث -أيضاً- موضوع ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة وغيره، والواقع أن هذا الحديث إنما اختلقه بعض المتصوفة ونسبوه إلى الخضر عليه الصلاة والسلام، وهو بسند منقطع فيه مجاهيل، وبينهم وبين الخضر أزمنة متطاولة فمن منهم رأى الخضر؛ حتى ينقل عنه هذه الرواية المختلقة الموضوعة المكذوبة؟! وجميع الروايات عن الخضر روايات مكذوبة ملفقة لا أصل لها، وهذا أحدها.

    6- ومن أشهر القصص الموضوعة في شأن الآذان، قصة بلال رضي الله عنه والتي جاءت من طريق أنس ومن أقدم من رأيته ذكرها ابن عساكر في تاريخ دمشق ذكر في ترجمة إبراهيم بن محمد والذي جده أبو الدرداء الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، وفي هذه القصة أن بلال لما ذهب إلى الشام -كان ذهب إلى الغزو- نام ذات ليلة فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال ما هذه الجفوة - كان بلال أبطأ عن زيارة المدينة- فاستيقظ بلال فزعاً مذعوراً خائفاً وذهب إلى المدينة من ليلته.

    قال: فلما دخل على المسجد جاء إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - هكذا تقول الرواية المكذوبة - دخل على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكب عليه يلثم تربه ويقبله ثم جاءه الحسن والحسين، فقام إليهما يقبلهما ويبكي، فقالا له: يا بلال! أذن لنا كما كنت تؤذن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: فلما كان عند السحر صعد بلال في المسجد في الموضع الذي كان يؤذن فيه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر فلما وصل إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله ارتفع الضجيج والبكاء وارتجت المدينة به، فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله لم يبق أحد إلا صاح وبكى حتى خرجت العواتق من خدورهن، وخرج الناس يقولون: هل بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    هل بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    فما رئي يومئذ أكثر باكياً ولا باكية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومئذٍ.

    وهذه القصة على أنها قصة عاطفية ومثيرة إلا أنها قصة موضوعة، وفي إسنادها محمد بن أبي الفيض ولذلك قال الشوكاني في الفوائد المجموعة عن هذا الحديث: لا أصل له، وقبله قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: هذا الحديث بين الوضع وهو ظاهر جداً أنه مكذوب ملفق من وجوه عديدة:

    أولاً: قضية أن بلالاً يأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيقبله ويلثمه، حاشاه من ذلك! لم يكن هذا الأمر من دأب الصحابة ولا من دأب الجيل الأول، بل كانوا على شدة محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتقون كل أمر أو فعل يمكن أن يؤدي إلى الشرك، وإنما هذا حدث في المتأخرين من الرافضة والمتصوفة وأمثالهم، هم الذين كانوا يعكفون على القبور، ويطوفون حولها، ويتمسحون بها، ويلثمون تربها، أما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا منـزهين عن ذلك، وكانوا أكثر الناس تجريداً وتوحيداً وأبعد الناس عن الشرك ومظانه.

    ثانياً: أنه لا يحفظ الأثر والنقل إلا من هذا الطريق الذي فيه هذا الراوي الضعيف جداً وهو محمد بن أبي الفيض ولا عبرة بروايته.

    ثالثاً: أن بلالاً رضي الله عنه نقل كثير من أهل السير، كالحافظ ابن حجر في الإصابة وابن عبد البر في الاستيعاب وغيرهما ممن ترجموا له، وكذلك ابن أبي شيبة في مصنفه ذكر مجموعة من الآثار، في بعضها أن بلالاً رضي الله عنه لم يؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى أبو بكر أراد بلال أن يذهب إلى الشام، ليجاهد مع المؤمنين هناك فقال له أبو بكر: بل تبقى وتكون عندي، فقال بلال لـأبي بكر رضي الله عنهما: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لوجه الله فدعني أذهب للجهاد في سبيل الله، فخلى أبو بكر رضي الله عنه سبيله ثم خرج إلى الجهاد.

    ويقال: إن عمر رضي الله عنه حين خرج إلى الشام وذهب إلى بيت المقدس، لقي الصحابة وفيهم بلال، وطلب عمر من بلال أن يؤذن، فأذن بالشام حتى بكى عمر وبكى المسلمون جميعاً، وتذكروا الحالة التي كانوا عليها زمان حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالصحيح أن بلال خرج إلى الشام للغزو والجهاد، وظل هناك حتى مات رضي الله عنه وأرضاه، وكان موته سنة عشرين تقريباً، وقال بعضهم: وكان بطاعون عمواس، وطاعون عمواس كان في السنة الثامنة عشرة، المهم أنه كان في سنة عشرين تقريباً، ودفن بـالشام إما بـداريا أو بـدمشق أو بما حولهما.

    فالمهم: أن بلالاً خرج إلى الشام في الغزو، وظل هناك حتى مات رضي الله عنه ودفن بها، فهذه القصة المروية عن بلال لا تصح ولا تثبت بوجه من الوجوه.

    هذا والله تبارك أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    الليلة سوف نختم بإذن الله تعالى الكلام على بعض البدع المتعلقة بالأذان وفي الأسابيع القادمة سأتكلم بإذنه تعالى عن الآداب المشروعة للمؤذن مما لا يرد في بلوغ المرام وقد أخصص درساً للإجابة على أسئلة الإخوة عموماً حول الأذان.

    1.   

    الأصل في العبادات التوقيف

    وفي هذه الليلة أود أن أقف عند قضية أساسية في العبادات جميعاً وهي قاعدة معروفة عند أهل العلم، " أن الأصل في العبادات التوقيف " كما "أن الأصل في المعاملات والعقود الإباحة"، وهذه قاعدة نفيسة ومهمة جداً ونافعة للإنسان، فبالنسبة للعبادات لا يجوز للإنسان أن يخترع من نفسه عبادةً لم يأذن بها الله عز وجل، بل لو فعل لكان قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله، فلم يكن لأحدٍ أن يتصرف في شأن الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج زيادة أو نقصاً أو تقديماً أو تأخيراً أو غير ذلك، ليس لأحد أن يفعل هذا، بل هذه الأمور إنما تتلقى عن الشارع، ولا يلزم لها تعليل، بل هي كما يقول الأصوليون: غير معقولة المعنى، أو تعبدية، بمعنى أنه ليس في عقولنا نحن ما يبين لماذا كانت الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والفجر ركعتين، ليس عندنا ما يدل على ذلك إلا أننا آمنا بالله جل وعلا، وصدّقنا رسوله صلى الله عليه وسلم، فجاءنا بهذا فقبلناه، هذا هو طريق معرفة العقائد وطريق معرفة العبادات، فمبناها على التوقيف والسمع والنقل لا غير، بخلاف المعاملات والعقود ونحوها، فإن الأصل فيها الإباحة والإذن إلا إذا ورد دليل على المنع منها، فلو فرض مثلاً أن الناس اخترعوا طريقة جديدة في المعاملة في البيع والشراء عقداً جديداً لم يكن موجوداً في عهد النبوة، وهذا العقد ليس فيه منع، ليس فيه رباً ولا غرر ولا جهالة ولا ظلم ولا شيء يتعارض مع أصول الشريعة، فحينئذٍ نقول: هذا العقد مباح؛ كما ذكر الفقهاء ذلك في عقود كثيرة، فنقول: الأصل في العبادات التوقيف، والأصل في المعاملات والعقود ونحوها الإباحة والإذن.

    التوقيف في صفة العبادة

    العبادة توقيفية في كل شيء، توقيفية في صفتها -في صفة العبادة- فلا يجوز لأحد أن يزيد أو ينقص، كأن يسجد قبل أن يركع مثلاً أو يجلس قبل أن يسجد، أو يجلس للتشهد في غير محل الجلوس، فهيئة العبادة توقيفية منقولة عن الشارع.

    التوقيف في زمن العبادة

    زمان العبادة توقيفي -أيضاً- فلا يجوز لأحد أن يخترع زماناً للعبادة لم ترد، مثل أن يقول مثلاً: الليلة ليلة الإسراء والمعراج أو الليلة ليلة النصف من شعبان سوف أخترع عبادة معينة أو أزيد أو أنقص في العبادة من غير دليل، بل لا بد أن يكون زمان العبادة منقولاً أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يمكن أن نسميه زمان ويمكن أن نسميه سبب العبادة، فلابد أن يكون السبب مشروعاً، أما لو أدّى عبادة لسبب غير مشروع كأن قال: ليلة الإسراء والمعراج أو ليلة المولد النبوي أو ما أشبه ذلك يكون في ذلك مبتدعاً.

    وبالنسبة للزمان يمكن أن تقول: كصيام رمضان والوقوف بـعرفة فإنه في زمان معلوم لا يجوز أن يتقدم أو يتأخر، ومثله مواقيت الصلوات لا يجوز أن يصلى قبل دخول الوقت أو بعد خروج الوقت، فلابد أن يصلى في الوقت.

    التوقيف في نوع العبادة

    كذلك لابد أن تكون العبادة مشروعة في نوعها، وأعني بنوعها أن يكون جنس العبادة مشروعاً، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بأمر لم يشرع أصلاً، مثل من يتعبدون بالوقوف في الشمس، أو يحفر لنفسه في الأرض ويدفن بعض جسده ويقول: أريد أن أهذب وأربي وأروض نفسي مثلاً، فهذه بدعة! ومثله لو أن الإنسان مثلاً ضحى أو تقرب إلى الله تعالى بقربان لم يشرع، ولم يرد في النصوص ما يدل على شرعيته.

    التوقيف في مكان العبادة

    كذلك مكان العبادة لابد أن يكون مشروعاً، فلا يجوز للإنسان أن يتعبد عبادة في غير مكانها، فلو وقف الإنسان -مثلاً- يوم عرفة بالـمزدلفة فلا يكون حجاً أو وقف بـمنى، أو بات ليلة المزدلفة بـعرفة، أو بات ليالي منى بالـمزدلفة أو بـعرفة، فإنه لا يكون أدّى ما يجب عليه، بل يجب أن يلتزم بالمكان الذي حدده الشارع إلى غير ذلك.

    فالعبادة باختصار لابد أن تكون توقيفية في كل شيء، ومن ذلك الأذان، فهو عبادة لاشك في هذا، عبادة متلقاة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانت شرعيتها بالرؤيا، لكن أقر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا وأمر بها، وكان الناس يؤذنون حتى قبضه الله تعالى، ثم صار المسلمون يؤذنون في كل مكان من عهده عليه الصلاة والسلام إلى يوم الناس هذا، أذاناً معروفاً يتلقاه الأصاغر عن الأكابر، ويتلقاه الأحفاد عن الأجداد، ولذلك فإنه ليس من حق أحد أن يتصرف في الأذان بغير ما شرع الله.

    1.   

    من بدع المؤذنين

    وأذكر بعض ما وقع فيه الناس مما يخالف هذه القاعدة الثابتة المستقرة الوطيدة، فمن ذلك:

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري بعد الآذان

    إن بعض المسلمين مع الأسف -وهذا أسلفته ولكن أعيده الآن للمناسبة- يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام بصوت جهوري بعد الأذان، وكأنها جزء من الأذان، فإذا انتهى المؤذن من قول لا إله إلا الله، قال بنفس الصوت وبنفس القوة: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، حتى اعتقد كثير من العوام والجهال أن هذا من الأذان، فلو تركه لاستنكروا ذلك واستغربوا وتعجبوا، فهذا من الزيادة في الشرع وفي الدين بما لم يأذن به الله، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك إلا أن يُصلي ويسلم الإنسان على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان سراً مرة أو عشر مرات، ورد {ثم صلوا علي فإنه من صلى على واحدة صلى الله عليه بها عشرا} فأمر بالصلاة عليه دون تحديد بعدد قل أو كثر.

    المهم أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يتحقق بأن تصلى عليه مرة واحدة، وما زاد فهو فضل، وهو خير لك، على أي حال، هذه الصلاة للمؤذن وغيره والمشروع فيها الإخفات والسر، وليس الجهر والإعلان.

    قول: حي على خير العمل

    الثانية: مما زاده الناس في الأذان وليس منه (حي على خير العمل) وهذه زيادة وجدت عند الرافضة في كافة طوائفهم من الإمامية والزيدية وغيرها يضيفون في أذانهم بعد حي على الفلاح "حي على خير العمل" حي على خير العمل وهذه الزيادة أيضاً لا تثبت في حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحال من الأحوال، والأحاديث الواردة في حي على خير العمل والآثار تنقسم إلى ثلاثة أقسام:-

    القسم الأول: منها أحاديث صريحة، لكنها مكذوبة ملفقة لا أصل لها، وذلك كالحديث الذي رُوي عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {إذا أذنت فاجعل في آخر الأذان حي على خير العمل حي على خير العمل} وهذا الحديث في سنده أبو بكر أحمد بن محمد بن السري، قال فيه الذهبي: رافضي كذاب غير ثقة، ونقل عنه جماعة من العلماء من الكفر والفجور ما يدل على أنه لا خير فيه قبحه الله، قالوا: إن هذا الرجل كان يقول في تفسير قوله تعالى: وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ [الحاقة:9] أنه يفسر هذه بـعمر رضي الله عنه قال: وجاء فرعون فذكر أمير المؤمنين ومن قبله فذكر الخليفة الراشد الأول، والمؤتفكات فذكر أمهات المؤمنين عائشة وحفصة فلعنة الله عليه وجزاه الله تعالى بما يستحق على هذا البهت والفجور والإفك العظيم.

    وهذا ليس بغريب على أعداء الله الرافضة؛ فإنهم في الواقع أشد كفراً من كثير من أعداء الإسلام، وأكثر حقداً على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ولذلك فإنما نسمعه في هذا العصر من كلام من يسمى بسلمان رشدي وغيره في الصحابة إنما هو غيض من فيض مما تقوله الرافضة في كتبها، ومع ذلك يُصدرون الفتاوى بقتله وإعدامه، ولو عرفوا لأعدموا من علّمه هذه النغمة الجائرة الظالمة قبل، المقصود أن هذا الرجل أبو بكر أحمد بن محمد بن السري كذاب لا يقبل له حديث، ومع ذلك فقد روى هذا الحديث عن يحيى الحماني، وخالفه في ذلك غيره، فروه الحديث عنه، وفيه أنه قال: {واجعل في آخر الأذان الصلاة خير من النوم} مع أن يحيى نفسه غير مستقيم الرواية، وقد وقع فيه جماعة من أهل العلم حتى رماه الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه بالكذب ورماه غيره، فهو أيضاً غير ثقة والحديث موضوع مختلق مكذوب لا حجة فيه.

    من النصوص والآثار: الواردة في "حي على خير العمل" نصوص صريحة، وقد لا تكون ضعيفة جداً؛ ولكنها ليست بحجة، لأن الحجة كما سلف في كلام الله تعالى أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف الأصوليون في كلام الصحابة إذا لم يعارض نصاً هل يكون حجة أو لا؟

    على قولين، لكنهم لم يختلفوا أبداً في أن قول الصحابي إذا عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بحجة، كما أنهم لم يختلفوا أبداً في أن أقوال التابعين ليست بحجة في الدين، إنما يحتج بقال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط:

    العلم قال الله قال رسوله      قال الصحابة هم أولو العرفان

    أما قال فلان قال علان، خاصة إذا كان مخالفاً لما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم فلا حجة فيه.

    فالنوع الثاني: آثار موقوفة على بعض التابعين، أو قد تكون مقطوعة إلى بعض التابعين، أو قد تكون موقوفة على بعض الصحابة، وأشهرها أثران:

    أولهما: أثر مروي عن علي بن الحسين بن علي المعروف بـزين العابدين، وهذا الأثر فيه أن علي بن الحسين: حي على خير العمل، يقول: هذا هو الأذان الأول، والأثر رواه البيهقي في سننه وفي سنده ضعف.

    ولكن على فرض أنه حسن فقد حسنه بعض أهل العلم فإنه مقطوع من علي بن الحسين، فبين علي بن الحسين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، فلا حجة في قوله.

    الأثر الثاني: ما رواه البيهقي وعبد الرازق وغيرهما أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يُؤذن بها في السفر، وسندها إلى ابن عمر لا بأس به جيد، والجواب على ما نقل عن ابن عمر من وجوه:

    الوجه الأول: ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى، قال: " إن بعض الصحابة كانوا ينادون بها في حال معينة، لتحريض الناس على الصلاة، وليست من الأذان " أي: ليس يدخلها في الأذان إنما ينادي بها هكذا من عند نفسه، ليست داخلة في صلب الآذان.

    الجواب الثاني: أن يقال: إنه من الثابت أن ابن عمر رضي الله عنه كان لا يرى الأذان في السفر، وهذا رأي خاص له، ذكره عنه البيهقي بأسانيد جيدة وهو رأي مرجوح على كل حال، والصحيح خلافه، لكن هذا رأيه رضي الله عنه كان لا يرى الأذان في السفر إنما يشرع للمقيم فحسب، وإذا لم يكن ابن عمر أصلاً يؤذن في السفر إنما كان ينادي، فإذا جاء وقت الصلاة، قد يقول: حي على الصلاة وقد يقول: حي على الفلاح وقد يقول: حي على خير العمل وقد يقول: حي على عمود الإسلام، وقد يقول أي كلمة يقصد فيها دعوة الناس إلى الصلاة، إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن لها؛ لأن الناس يحتاجون إلى الأذان، ولو كان في سفر، فهذا هو الجواب عما نقل عن ابن عمر رضي الله عنه.

    النوع الثالث: الذي يستدل بها بعضهم على لفظة "حي على خير العمل" نصوص صحيحة، لكنها لا تتعلق بالأذان لا من قريب ولا من بعيد، تذكر أن الصلاة هي خير العمل، لكن لم تقل قولوا في الأذان هذا الكلام، كلا! مثل حديث ابن مسعود، وقد سبق معنا في الصحيحين: {أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها}.

    فالحديث نص على أن الصلاة على وقتها أفضل الأعمال، لكن هل قال الرسول صلى الله عليه وسلم اجعلوا هذا في الأذان؟ كلا! وهل كلما صح شيء نجعله في الأذان؟

    كلا، فالصلاة خير العمل هذا لا شك فيه، خير العمل بعد الشهادتين، بل ورد في حديث ثوبان والذي رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه البيهقي وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن}.

    فالحديث نص على أن الصلاة هي خير الأعمال، والمقصود لا شك خير الأعمال البدنية، وإلا فإن الشهادتين هما أفضل الأعمال مطلقاً.

    فالصلاة أفضل الأعمال وآكد الأركان بعد الشهادتين، فلا شك أن الصلاة هي خير الأعمال؛ لكن قول هذا في الأذان بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، ولذلك نص العلماء على منعها، قال الإمام البيهقي بعدما عقد الباب في النداء للصلاة بحي على خير العمل، قال: " ولا يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نكره الزيادة على ما ثبت عنه وبالله تعالى التوفيق ".

    ومثله قال الإمام النووي في المجموع: " يكره النداء بحي على خير العمل " وأقول ما قاله النووي ومن قبله البيهقي من كراهية ذلك والله تعالى أعلم، ليس مقصودهم فيه أنه يكره كراهية تنـزيه، بل مقصودهم أنه يكره تحريماً، أي: يحرم، وهذا هو الصحيح بلا شك أنه يحرم أن ينادي أحدهم بحي على خير العمل، لأن هذه اللفظة لم ترد والآذان توقيفي لم تنقل لا عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا عن أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا عن غيرهم من الصحابة، إلا أن ابن عمر كان يقولها في غير الأذان، ولا حجة في فعل أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً هذه أيضاً من البدع التي أحدثها الرافضة في دين الله وما أكثر ما أحدثوا!

    زيادة " أشهد أن علياً ولي الله "

    ومثل ذلك وهي الزيادة الثالثة التي أضافوها أنهم يضيفون في أذانهم: أشهد أن علياً ولي الله! وهذا نسمعه كثيراً في أذانهم في مناسبات عديدة، والغريب أيها الإخوة أنهم في هذا العصر صار النداء بهذه الكلمة من شأن الرافضة في كل مكان، يتميزون به عن أهل السنة، مع أن هذا الأذان كان القدماء من شيوخهم ينكرونه ويحاربونه، وقد نقلت لكم نصاً بحروفه تقريباً عن ابن بابويه القمي، وهو أحد كبار مجتهديهم في القرن الثالث من كتابه من لا يحضره الفقيه، وذلك في الجزء الأول (ص: 203) حيث تكلم عن الأذان بأشهد أن علياً ولي الله وما أشبه ذلك.

    فقال وهذا نصه قال: " المفوضة لعنهم الله قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان محمد وآله خير البرية مرتين " وفي بعض رواياتهم بعد الشهادة: " أشهد أن علياً ولي الله " مرتين، ومنهم من يرويه" علي أمير المؤمنين حقاً " مرتين، قال: " ولا شك أن علياً ولي الله وأنه أمير المؤمنين حقاً وأن محمداً صلى الله عليه وسلم وآله هم خير البرية، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان، وإنما ذكرت هذا ليُعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم من جملتنا ".

    فقد تبرأ هذا الشيعي المحترق الهالك تبرأ من " أشهد أن علياً ولي الله " وبين أنه ليس أصلاً ومع ذلك هاهم قومه وأتباعه الآن يقولونها في أذانهم، وما قصدهم في ذلك إلا مخالفة أهل السنة ومخالفة ما ورد في الكتاب والسنة، فنسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين وأعداء الدين من المبتدعين والملحدين وغيرهم.

    تكرار " لا إله إلا الله "

    بعضهم أيضاً يزيدون في آخر الأذان الشهادة مرتين، فيقولون: لا إله إلا الله لا إله إلا الله، وهذا لا أصل له، بل ومخالف لإجماع العلماء، فإنهم قد أجمعوا على أن الشهادة في آخر الأذان مرة واحدة كما نقل إجماعهم الحافظ ابن حجر وغيره، وسبق أن سقته، وكذلك جميع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس فيها ذكر التهليل في آخر الأذان إلا مرة واحدة، وبذلك يعلم أن هذه كلها من الزيادات التي أحدثها الناس في دين الله، وفي الأذان المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأجدر بالمسلم الوقوف عند الحد الذي حدده الرسول صلى الله عليه وسلم لا يزيد عليه ولا ينقص منه.

    جعلنا الله وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وآله وأصحابه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.