اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلوكيات خاطئة في الأذان للشيخ : سلمان العودة


سلوكيات خاطئة في الأذان - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الشيخ حفظه الله عن السلوكيات الخاطئة التي يقع فيها المؤذنون في أنحاء العالم الإسلامي، وقسمها الى قسمين أساسيين: أخطاء في جانب القصد والإرادة، وأخطاء في جانب المتابعة والموافقة للسنة. فكان من القسم الأول: طلب الأجرة والدنيا عن طريق الأذان، والرياء والسمعة به، وكان من القسم الثاني التمطيط وزيادة حروف وإبدال بعضها ببعض في كلمات الأذان، والجهر بالصلاة على النبي بعد الأذان وزيادة ما لم يشرع مثل(حي على خير العمل) (أشهد أن علياً ولي الله) كما تعرض لبعض الأحاديث الموضوعة في فضل الأذان والمؤذنين.
أخطاء الناس في نية الأذان
الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تعلمون بارك الله فيكم أنني ابتدأت في هذا المسجد درساً آخر كما كنا اتفقنا في أول الفصل السابق من أول العام الهجري وأن هذا الدرس هو درس علمي عام غير مخصص في موضوع معين؛ بل سيتناول موضوعات عدة، في جميع ألوان العلوم والفنون التي يحتاجها الناس، ولذلك فإن ذلك الوقت الذي بين الأذان والإقامة في درس بلوغ المرام، سوف أجعله غالباً للحديث عن بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس، فيما يتعلق بالباب الذي أشرحه من كتاب بلوغ المرام، فإذا كنت الآن أشرح -مثلاً- باب الأذان من كتاب الصلاة، فسأجعل ما بعد الأذان للتنبيه على بعض الأخطاء والأغلاط التي يقع فيها الناس في شأن الأذان، مما لا يتسع المجال لبسطه في الدرس نفسه، لضيق الوقت وكثرة الأحاديث التي تحتاج إلى شرح وبيان وبسط وإيضاح.فسأجعل هذا الوقت القصير بين الأذان والإقامة للحديث عن بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس في أي باب من الأبواب التي تشرح من بلوغ المرام، وفي ذلك توفيق بين كون الدرس بين الأذان والإقامة ليس في صلب بلوغ المرام بحيث يفوت على الإخوة الذين يخرجون، وكذلك ليس بعيداً عنه بحيث أن الإخوة الذين يستفيدون فائدة تتعلق بالموضوع نفسه.فيما يتعلق بالأذان هناك في الواقع في الأمصار الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها بدع وانحرافات وأخطاء كثيرة تحتاج إلى بيان، وسأذكر شيئاً منها في هذه الجلسة، وأكمل ما تبقَّى في جلسات قادمة إن شاء الله تعالى.وأول ما يتبادر إلى الذهن في موضوع الأذان وغيره موضوع النية في الأذان.فإن الأذان عبادة بلا شك، بل هو من أجّل العبادات، قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] ذكر كثير من أهل التفسير أن هذه الآية نـزلت في المؤذنين، وهذا ليس على ظاهره، إنما المعنى أن المؤذنيين داخلون في هذه الآية، فهم ممن دعا إلى الله؛ لأنهم يدعون إلى شعيرة من أعظم الشعائر وهي الصلاة، ينادون إليها في اليوم والليلة خمس مرات، فهم داخلون متى ما أخلصوا وصدقوا مع ربهم في دلالة هذه الآية مبشرون بما بشّر إليه تعالى به أهلها: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].وورد في فضله أحاديث كثيرة سبق ذكر شي منها، وإنما يكون الفضل لمن أخلص في عمله، فإنه -كما هو معلوم- لابد في العمل الصالح من شرطين:- أولهما: الإخلاص في القلب في نيته وإرادته وجه الله تعالى والدار الآخرة.والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يزيد الإنسان وينقص على الهدي الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم.وبناءً عليه نستطيع أن نقول: إن أخطاء الناس في الأذان تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: يتعلق بالشرط الأول من شروط صلاح العمل وهو الإخلاص.والقسم الثاني: يتعلق بالشرط الثاني من شروط قبول العمل وهو المتابعة، فيخلون بمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذانهم.
 الفرق بين المخلص والمرائي
والدليل على أن الإنسان الذي قصده الدنيا -وهذا ضابط جيد في نظري في كثير من الأمور- الإنسان الذي قصده الدنيا لا يبالي بالدين، فإذا كان الإنسان قصده الدنيا في عمل من الأعمال في دراسة أو في إمامة أو في تعليم أو في أذان أو في غيرها، الدليل أن قصده الدنيا أنه لا يعبأ بما تضرر به في دينه من وراء هذا العمل، فهو يقول بينه وبين نفسه: أنا قصدي الدنيا بهذا العمل، وقد حصلت الدنيا.. ولا يضيق صدره لذلك، ولا يكترث له، لأنه قصد الدنيا كما ذكرت.أما الإنسان الذي يضيق صدره، ويخاف من سوء النية، ويخاف من حبوط العمل، وتكثر عنده هذه الواردات، وهذه الهواجس والوساوس والخواطر، فهو الإنسان الذي يوجد عنده في قلبه إخلاص ورغبة في العمل الصالح لوجه الله، فيخشى أن يتأثر هذا العمل بنيةٍ غير حسنة، أو بإرادة دنيوية، ومثل هذا لا ينبغي أن يتساهل معه في ترك الأعمال؛ لأنه لوكل من ورد عنده هذا الوارد ترك العمل الصالح الذي يقوم عليه لما قام الإنسان بعمل صالح، فالشيطان يوسوس في الصلاة، في الزكاة، في الصوم، في الحج، في العمرة، في الإقامة، في الأذان في التعليم، وفي الوعظ، وغيرها، حتى تترك الأعمال كلها، ومن جهة أخرى لاضطرب أمر الناس؛ لأنه لوكل إنسان استجاب لهذا الوسواس، فمن يؤم الناس؟! ومن يؤذن لهم؟! ومن يعلمهم؟! ومن يعظهم؟! ومن يرشدهم؟! ومن يحسن إليهم؟! ومن؟! ومن؟! ربما لم يكد يوجد من يعمل ذلك؛ ولهذا كان السلف يقولون عن النفاق كما نقل عن الحسن البصري وغيره يقولون: [[ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن]] والمعنى أن المؤمن الذي دائماً يحاسب نفسه على أعماله ماذا قصدت؟ ماذا أردت؟ هل أردت وجه الله أم أردت الدنيا؟ هذا عنده أصل الإيمان، وعنده الوازع الديني؛ ولهذا يحاسب نفسه ويلومها: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] فهو مؤمن. لكن المنافق هو يعلم في قرارة نفسه أنه منافق، وقد واطأ نفسه على هذا الأمر، ورضي به وأقره فلا يكترث؛ لأنه يعرف في حقيقة نفسه أنه منافق، وهو يريد النفاق واختاره والعياذ بالله طريقاً له ومنهجاً له في الحياة، فقد أمن الأمر فهذا ظاهر. ولذلك ليس من الحسن ولا من الجيد أن بعض طلاب العلم -بل وبعض الدعاة والمصلحين أحياناً- يصل بهم الخوف من النفاق أو الخوف من الرياء في الأعمال إلى حد أن منهم من يقول عبارات مخيفة موحشة في هذا الباب، حتى إني سمعت أحدهم، وهو يتكلم في مناسبة عامة، ويتحدث عن النفاق والمنافقين فيقول: وإنه -يعني- نفسه -والله- وأقسم بالله على ما أراد أن يقول- من الراسخين في النفاق! وهو يعني أنه يتهم نفسه بالنفاق بل وبالرسوخ فيه، هذا لا يجوز أن يقال. بل هو غلط كبير، واستجابة لوساوس الشيطان، وإلقاءاته على نفس الإنسان الضعيفة، والمؤمن ينبغي أن يتقي ذلك ويتجنبه، كما أنه لا ينبغي للإنسان ولا يصح له أن يستجيب لهذه الوساوس في ترك العمل الصالح، إلا من صح عنده العزم على إرادة الدنيا كما ذكرت في أول حديثي، فهذا يطلب منه أن يترك العمل، فقد ذكرت في أول الحديث أن من عرف من نفسه معرفة جازمة لا إشكال فيها ولا شك أنه لا يريد وجه الله، ولا يريد الخير، ولا الأجر، ولا المغفرة، ولا يريد أن يشهد له كل شيء، وإنما يريد الدنيا، فمثل هذا يقال له: يجب عليه أن يصحح نيته وقصده، فإن كان لا يفعل، فإنه يجب عليه أن يترك هذا العمل؛ لأنه آثم به، ويَدَعَه لغيره ممن يظن فيهم الإخلاص.إذاً: هذا كلام عام عن مراتب الناس ومقاصدهم ونياتهم في موضوع الأذان وفي غيره.
التهوين من شأن الأذان
والخطأ الثاني: الذي يقع فيه الناس كثيراً هو أن كثيراً من الناس يتساهلون في شأن الأذان، ويقللون من أهميته، بل إن في بعض البيئات وفي بعض البلاد يعتبرون الأذان والعياذ بالله نوعاً من المسبة ويُعيَّرون به، وهذا من الانحراف عن دين الله، بل يوشك أن يكون هذا ردة عن الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66].إذاً الأذان شريعة الله، شريعة رب العالمين، وهو الفارق بين الأمم المسلمة والأمم الكافرة، وورد في فضله كيت وكيت من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فلا يُتصور من مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وٌيصِّدق بما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يهوِّنَ من شأن الأذان، أو يقلل من قيمته، أو يعتبر أنه لا يتولى هذا العمل إلا إنسان فيه وفيه، أو يعير أحداً بذلك أو يسبه والعياذ بالله! هذا لا يتصور من مؤمن مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحدث منه، وكيف يحدث من مسلم هذا؟! وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والدين والجنة، يقول كما روى سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما بسند صحيح [[لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت]] فكان يتمنى أن يكون عنده وقت واستطاعة أن يتولى الأذان مع الخلافة، ولكنه ابتلى بهذه الخلافة فلا يطيق معها أن يؤذن.فكل مسلم يتمنى أن يكون من أهل هذه الشعيرة العظيمة والقائمين بها، مع إخلاص النية والقصد ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها.
 الفرق بين المخلص والمرائي
والدليل على أن الإنسان الذي قصده الدنيا -وهذا ضابط جيد في نظري في كثير من الأمور- الإنسان الذي قصده الدنيا لا يبالي بالدين، فإذا كان الإنسان قصده الدنيا في عمل من الأعمال في دراسة أو في إمامة أو في تعليم أو في أذان أو في غيرها، الدليل أن قصده الدنيا أنه لا يعبأ بما تضرر به في دينه من وراء هذا العمل، فهو يقول بينه وبين نفسه: أنا قصدي الدنيا بهذا العمل، وقد حصلت الدنيا.. ولا يضيق صدره لذلك، ولا يكترث له، لأنه قصد الدنيا كما ذكرت.أما الإنسان الذي يضيق صدره، ويخاف من سوء النية، ويخاف من حبوط العمل، وتكثر عنده هذه الواردات، وهذه الهواجس والوساوس والخواطر، فهو الإنسان الذي يوجد عنده في قلبه إخلاص ورغبة في العمل الصالح لوجه الله، فيخشى أن يتأثر هذا العمل بنيةٍ غير حسنة، أو بإرادة دنيوية، ومثل هذا لا ينبغي أن يتساهل معه في ترك الأعمال؛ لأنه لوكل من ورد عنده هذا الوارد ترك العمل الصالح الذي يقوم عليه لما قام الإنسان بعمل صالح، فالشيطان يوسوس في الصلاة، في الزكاة، في الصوم، في الحج، في العمرة، في الإقامة، في الأذان في التعليم، وفي الوعظ، وغيرها، حتى تترك الأعمال كلها، ومن جهة أخرى لاضطرب أمر الناس؛ لأنه لوكل إنسان استجاب لهذا الوسواس، فمن يؤم الناس؟! ومن يؤذن لهم؟! ومن يعلمهم؟! ومن يعظهم؟! ومن يرشدهم؟! ومن يحسن إليهم؟! ومن؟! ومن؟! ربما لم يكد يوجد من يعمل ذلك؛ ولهذا كان السلف يقولون عن النفاق كما نقل عن الحسن البصري وغيره يقولون: [[ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن]] والمعنى أن المؤمن الذي دائماً يحاسب نفسه على أعماله ماذا قصدت؟ ماذا أردت؟ هل أردت وجه الله أم أردت الدنيا؟ هذا عنده أصل الإيمان، وعنده الوازع الديني؛ ولهذا يحاسب نفسه ويلومها: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] فهو مؤمن. لكن المنافق هو يعلم في قرارة نفسه أنه منافق، وقد واطأ نفسه على هذا الأمر، ورضي به وأقره فلا يكترث؛ لأنه يعرف في حقيقة نفسه أنه منافق، وهو يريد النفاق واختاره والعياذ بالله طريقاً له ومنهجاً له في الحياة، فقد أمن الأمر فهذا ظاهر. ولذلك ليس من الحسن ولا من الجيد أن بعض طلاب العلم -بل وبعض الدعاة والمصلحين أحياناً- يصل بهم الخوف من النفاق أو الخوف من الرياء في الأعمال إلى حد أن منهم من يقول عبارات مخيفة موحشة في هذا الباب، حتى إني سمعت أحدهم، وهو يتكلم في مناسبة عامة، ويتحدث عن النفاق والمنافقين فيقول: وإنه -يعني- نفسه -والله- وأقسم بالله على ما أراد أن يقول- من الراسخين في النفاق! وهو يعني أنه يتهم نفسه بالنفاق بل وبالرسوخ فيه، هذا لا يجوز أن يقال. بل هو غلط كبير، واستجابة لوساوس الشيطان، وإلقاءاته على نفس الإنسان الضعيفة، والمؤمن ينبغي أن يتقي ذلك ويتجنبه، كما أنه لا ينبغي للإنسان ولا يصح له أن يستجيب لهذه الوساوس في ترك العمل الصالح، إلا من صح عنده العزم على إرادة الدنيا كما ذكرت في أول حديثي، فهذا يطلب منه أن يترك العمل، فقد ذكرت في أول الحديث أن من عرف من نفسه معرفة جازمة لا إشكال فيها ولا شك أنه لا يريد وجه الله، ولا يريد الخير، ولا الأجر، ولا المغفرة، ولا يريد أن يشهد له كل شيء، وإنما يريد الدنيا، فمثل هذا يقال له: يجب عليه أن يصحح نيته وقصده، فإن كان لا يفعل، فإنه يجب عليه أن يترك هذا العمل؛ لأنه آثم به، ويَدَعَه لغيره ممن يظن فيهم الإخلاص.إذاً: هذا كلام عام عن مراتب الناس ومقاصدهم ونياتهم في موضوع الأذان وفي غيره.
الإخلال بوقت الأذان
الخطأ الثالث: الذي يقع فيه بعض الناس هو ما يتعلق بوقت الأذان، فإن الأذان في غالبه إعلام بدخول وقت الصلاة ودعاء ونداء إلى فريضة الله، لا يخرج عن ذلك إلا الأذان الأول في الفجر الذي يكون قبل الوقت كما سبق مراراً، فإنه أذان لإيقاظ النائم، وتنبيه القائم الذي يصلي، حتى يخفف من صلاته لُيدرك السحور قبل طلوع الفجر في رمضان وما أشبه ذلك من المقاصد، وكذلك الأذان الأول يوم الجمعة الذي فعله عثمان رضي الله عنه على مشهد ومرأى ومسمع من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فأقروه كافتهم وعامتهم على ذلك، وصار شريعةً باقيهً في هذه الأمة، فإنه يكون قبل وقت الجمعة على المشهور في تحديد وقتها، أما فيما عدا ذلك فإن الأذان هو إعلام بدخول الوقت، والناس يعرفون أنه كذلك، فيلتزمون به في إقامة الصلاة وأدائها، وفي الإمساك في رمضان في أذان الفجر، وكذلك في الإفطار في رمضان في أذان المغرب، وما أشبه ذلك من الأمور المبنية على معرفة دخول الوقت وهي أمور كثيرة جداً لعلة عرف بعضها أو كثير منها في باب المواقيت الذي سبق وأن شرحته. فإن المواقيت يترتب على دخولها أشياء كثيرة جداً لا تكاد تحصر بيسر، سواء في موضوع الطهارات، أو في موضوع أصحاب الأعذار، أو في غيرها من الأحكام، فالأذان هو في عمومه إعلام بدخول الوقت، وقد أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، فقال: {أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن} فالمؤذن مؤتمن على الوقت ويجب عليه أن يراقب الله تعالى في تحديد الوقت، فلا يؤذن قبل الوقت ولا يتأخر عن الوقت في المساجد العامة.فمن الناس من يؤذن قبل الوقت وخاصة في رمضان، يؤذن بعضهم أذان الفجر الثاني قبل الوقت، فإذا قلت له: لماذا؟ قال لك: أذان على سبيل الاحتياط، حتى يُمسِك الناس عن الأكل والسحور، وهذا الاحتياط غلط، بل لا مجال للاحتياط في هذا الباب.
 مفاسد تأخير الأذان واختلاف المؤذنين
وآخرون يؤخرون الأذان عن الوقت، وقد يؤخرونه تأخيراً ظاهراً يترتب عليه تفريط الناس في الصلاة، وتأخرهم عن المجيء إلى المساجد، وكثيراً ما نكون نحن قد أحرمنا بالصلاة -مثلاً- دخلنا في الصلاة أي صلاة- فبعدما ينتصف الأمام في الصلاة وأحياناً بعد السلام تسمع مؤذناً يؤذن للصلاة، وهذا أيضاً فيه ضرر عظيم؛ لأن كون الناس في البلد الواحد يصلون في وقت واحد، أو في وقت متقارب فيه مصالح كثيرة من أهمها:مصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تفاوت المساجد يجعلك لا تستطيع أن تأمر أحداً أو تنهاه، فإذا قلت له قال: صليت في المسجد الفلاني! بل إن هذا يحدث فقد أتيت يوماً من الأيام على جماعة، قد فتحوا دكاكينهم يبيعون فسألتهم، فقالوا: إننا قد صلينا في المسجد وأشاروا إلى مسجد، فذهبت فوجدت الناس قد صلوا فعلاً، وذهبت إلى مسجد آخر، فإذا به لم يقم الصلاة بعد، فَكَون وقت الأذان ووقت الصلاة في البلد الواحد يكون متقارباً في الجملة فيه مصالح عظيمة، ومن أهمها: مصلحة انضباط موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه مصالح أخرى كثيرة، هذا وللحديث بقية والله تبارك أعلى وأعلم وصلى الله على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك اللهم وبحمدك ونشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
بدع الأذان
الحمد لله رب العالمين؛ اللهم صلَّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.أما بعــد: كنت تكلمت في المجلس السابق عن بعض أخطاء الناس في الأذان، وخاصة ما يتعلق بالنية، ثم انتقلت إلى ما يتعلق بضبط الوقت وتقديم بعضهم للأذان أو تأخيرهم له وما يترتب على ذلك من الأضرار والمخالفات، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للمؤذن أن يؤذن قبل الوقت بحال من الأحوال، إلا أذان الفجر الأول كما هو معروف، وكما سبق التنويه به، فأواصل الآن الحديث عن بعض الأخطاء والمخالفات التي يقع فيها الناس في الأذان. وحين أقول: يقع فيها الناس ينبغي أن يعلم أنني أقصد الناس في العالم الإسلامي كله، أي أن هناك أخطاء كثيرة -ولله الحمد- لا توجد في هذه البلاد، بسبب أن الله تعالى مَنّ على أهل هذه البلاد بعلماء ومصلحين، حفظوا لهذه الأمة في هذه الجزيرة كثيراً من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا نجد في هذه البلاد كثيراً من البدع العملية والأخطاء التي قد نجدها في بلدان أخرى، وقد تكلم جماعة من أهل العلم في بدع الناس وأخطائهم في الأذان، كما تكلم فيه الشيخ علي محفوظ والشيخ جمال الدين القاسمي وغيرهما من العلماء المصنفين،فذكروا أخطاء الناس وبدعهم في الأذان، وسوف أشير إلى أمور، منها ما ذكروها، ومنها ما لا يذكرونها، ولكني لاحظته من واقع ملاحظتي للناس:
 الزيادة في دعاء الوسيلة بألفاظ غير واردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم
ومن الأشياء التي يفعلها ويقولها الناس فيما يتعلق بالأذان ولا أصل لها، أن بعضهم إذا سمعوا الأذان قالوا: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وهذا الدعاء مشروع ولكن بدون قول " الدرجة العالية الرفيعة " فأن هذا اللفظ لا أصل له في السنة، بل الثابت من أذكار الأذان -كما ستمر الإشارة إلى شيء منه الثابت أن الإنسان يقول كما يقول المؤذن هذا أولاً. وثانياً: إذا انتهى المؤذن من قول أشهد أن محمداً رسول الله قال الذي يتابعه: "رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً " وقد ثبت هذا في صحيح مسلم وفي مسند أبي عوانة بسند صحيح أنه يقال بعد الشهادتين.ثالثاً: أنه إذا انتهى المؤذن من أذانه يُصلي المتابع للمؤذن على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته " هذا الثابت من أدعية الأذان.أما قول بعضهم وهذا كثيراً ما يُسمع من المذيعين وغيرهم، يقولون: آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، فلفظ "والدرجة العالية الرفيعة" لا أصل له فيما أعلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحسن بالإنسان أن يقوله أو يحافظ عليه.وبعضهم -أيضاً- يضيف في آخر هذا الدعاء " إنك لا تخلف الميعاد " {وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد} وهذه اللفظة قد اختلف أهل العلم فيها، وذلك لأنها جاءت في حديث رواه البيهقي، وقال شيخنا عبد العزيز بن باز: إسناده صحيح، وكذلك جاءت في إحدى نسخ البخاري، ويدل على ذلك أن الإمام الحافظ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في كتاب التوسل والوسيلة ذكر أنه رواه البخاري، وذكر هذه الزيادة فيه، وبالتحري تبين أنها موجودة في إحدى روايات البخاري لكنها يبدو غير ثابتة في الصحيح، وقد رجّح جماعة من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين أن زيادة { إنك لا تخلف الميعاد } زيادة شاذة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخرون من أهل العلم من علمائنا، حتى من المعاصرين قالوا: حتى على فرض عدم ثبوتها فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى عن المؤمنين ودعائهمك: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:194] فقالوا: لا بأس أن يدعو بها أو يذكرها في آخر الدعاء.والذي أميل إليه ألا يقولها الإنسان، وإن قالها فلا يحافظ عليها، بل يقولها حيناً، ويدعها حيناً حتى يميز بين السنة الثابتة بلفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أمر ورد واختلف العلماء في صحته أو عدم صحته، اللهم إلا أن يقول الإنسان: أنا مقلد لفلان من الناس من العلماء الذين صححوا هذا الحديث، فحينئذٍ لا بأس أن يتابعه في قول هذه الكلمة.
أخطاء في الإقامة
أما فيما يتعلق بالإقامة فإن من الأشياء التي يخطئ الناس فيها، أولاً: كما سبق في بعض ألفاظ الأذان أن بعض الناس يخطئون في ألفاظ الإقامة، وفي قولهم: "قد قامت الصلاة" بعضهم يفتحون التاء وبعضهم يضمونها فيقول بعضهم: "قد قامتَ الصلاة" وبعضهم يقولون: "قد قامتُ الصلاة"، والصواب بالكسر "قد قامتِ الصلاة".."قد قامتِ الصلاة". وأما بالنسبة للأدعية والأذكار الواردة في أثناء الإقامة فإن بعضهم إذا سمعوا قوله: "قد قامت الصلاة..قد قامت الصلاة " يقولون: أقامها الله وأدامها -أو وأدامه على لغة العامة- اللهم قنا شر الحسرة والندامة، وهذه لا تصلح إلا أن تكون عامية "أقامها الله وأدامه، اللهم قنا شر الحسرة والندامة " أما لو أردت أن تعرِّبها تخرِّبها إذا قلت أقامها الله وأدامها ذهب السجع، وعلى كل حال هذه الكلمة، لم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أنها وردت في حديث ضعيف جداً فيه ِشهر بن حوشب وهو متكلم فيه، وفيه رجل مبهم مجهول لا يدري من هو، فالحديث إسناده ضعيف فلا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قول: {أقامها الله وأدامها} عند قول: "قد قامت الصلاة" فلذلك فإن ما ذكره بعض طلاب العلم من أنه يشرع أن تقال عن قد قامت الصلاة: {قد قامت الصلاة } -والله تعالى أعلم- ضعيف، لأن الشرعية لا تثبت إلا بدليل صحيح، وكوننا نأمر الناس أن يلتزموا بذكر هذه الكلمة وهذا الذكر عند هذا الموضع لابد أن يكون بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم.وأما "اللهم قنا الحسرة والندامة" التي يقولها العامة أيضاً، فإنه لا أصل لها في السنة مطلقاً فيما أعلم، ولا شك أن الدعاء بأن يقي الله العبد شر الحسرة وشر الندامة، الدعاء هذا بحد ذاته دعاء جيد وحسن، لكن ذكره في هذا الموضع مذموم، لأنه قد يترتب عليه أن يظن الإنسان أو يظن غيره أنه سنة، وفي الواقع أن المحافظة عليه أقرب إلى البدعة منها إلى السنة.وإن كنت في الواقع لست ممن يشددون في هذه الألفاظ ما دامت صحيحة بنفسها، لكن ينبغي أن ننهى الناس عن التزام هذه الألفاظ والمداومة عليها، حتى لو أن إنساناً قالها مرة نقول له: هذه الكلمة معناها صحيح؛ ولكن كونك تقولها في هذا الحيز -في هذا المكان- بهذه المناسبة وتحافظ عليه هذا غير مشروع، لأن المحافظة إنما تكون على السنن الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وفي الأسبوع القادم إن شاء الله نواصل ونذكر أموراً أخرى تتعلق بالآذان والإقامة وأخطاء الناس فيهما، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صلَِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 الزيادة في دعاء الوسيلة بألفاظ غير واردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم
ومن الأشياء التي يفعلها ويقولها الناس فيما يتعلق بالأذان ولا أصل لها، أن بعضهم إذا سمعوا الأذان قالوا: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وهذا الدعاء مشروع ولكن بدون قول " الدرجة العالية الرفيعة " فأن هذا اللفظ لا أصل له في السنة، بل الثابت من أذكار الأذان -كما ستمر الإشارة إلى شيء منه الثابت أن الإنسان يقول كما يقول المؤذن هذا أولاً. وثانياً: إذا انتهى المؤذن من قول أشهد أن محمداً رسول الله قال الذي يتابعه: "رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً " وقد ثبت هذا في صحيح مسلم وفي مسند أبي عوانة بسند صحيح أنه يقال بعد الشهادتين.ثالثاً: أنه إذا انتهى المؤذن من أذانه يُصلي المتابع للمؤذن على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته " هذا الثابت من أدعية الأذان.أما قول بعضهم وهذا كثيراً ما يُسمع من المذيعين وغيرهم، يقولون: آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، فلفظ "والدرجة العالية الرفيعة" لا أصل له فيما أعلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحسن بالإنسان أن يقوله أو يحافظ عليه.وبعضهم -أيضاً- يضيف في آخر هذا الدعاء " إنك لا تخلف الميعاد " {وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد} وهذه اللفظة قد اختلف أهل العلم فيها، وذلك لأنها جاءت في حديث رواه البيهقي، وقال شيخنا عبد العزيز بن باز: إسناده صحيح، وكذلك جاءت في إحدى نسخ البخاري، ويدل على ذلك أن الإمام الحافظ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في كتاب التوسل والوسيلة ذكر أنه رواه البخاري، وذكر هذه الزيادة فيه، وبالتحري تبين أنها موجودة في إحدى روايات البخاري لكنها يبدو غير ثابتة في الصحيح، وقد رجّح جماعة من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين أن زيادة { إنك لا تخلف الميعاد } زيادة شاذة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخرون من أهل العلم من علمائنا، حتى من المعاصرين قالوا: حتى على فرض عدم ثبوتها فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى عن المؤمنين ودعائهمك: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:194] فقالوا: لا بأس أن يدعو بها أو يذكرها في آخر الدعاء.والذي أميل إليه ألا يقولها الإنسان، وإن قالها فلا يحافظ عليها، بل يقولها حيناً، ويدعها حيناً حتى يميز بين السنة الثابتة بلفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أمر ورد واختلف العلماء في صحته أو عدم صحته، اللهم إلا أن يقول الإنسان: أنا مقلد لفلان من الناس من العلماء الذين صححوا هذا الحديث، فحينئذٍ لا بأس أن يتابعه في قول هذه الكلمة.
أحاديث في فضل الأذان
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصّلَّى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 فضائل بلال رضي الله عنه
ومن جهة أخرى فإن أول من أذّن من هذه الأمة هو بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه، وهو من أفاضل الصحابة وأكابرهم، حتى إن عمر رضي الله عنه كان يقول: [[أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا]] يعني بلال بن رباح رضي الله عنه، ويكفي في فضل هذا الرجل الصابر المجاهد ما ورد في الصحيح أنه كان أحد سبعة، هم أول من أظهروا الإسلام فضايقتهم قريش، حتى لم يكن منهم أحد إلا وقد جاراهم في بعض ما يريدون، إلا بلال رضي الله عنه؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله عز وجل، فكانوا يجرونه في صحراء مكة ورمضائها، ويضعون الحصى على صدره، ويقولون: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد فيقول: أَحَدٌ أَحَدْ، أَحَدٌ أَحَدْ. وقد ورد في روايات أنه كان يقول: [[والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم من هذه الكلمة لقلتها]]. هكذا رواه ابن إسحاق في السيرة.وصبر رضي الله عنه وأرضاه ويكفي في فضل هذا العبد الصابر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشّره بالجنة، كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعتُ دف نعليك أمامي في الجنة! فقال: يا رسول الله! ما تطهّرت طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما كتب الله لي} فكفاه فضلاً وفخراً أن يكون من الثابتين الصابرين على الإسلام، ثم أن يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الختام، وبجنات ونهر: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].وليس الصحابي الجليل بلال بن رباح بحاجة أيضاً إلى أن توضع أحاديث في فضله ومكانته وحسن أدائه وما أشبه ذلك، ولكن أعداء الله يفترون على الله وعلى رسوله، ويضعون الأحاديث التي فيها السخرية والتي تثير الاشمئزاز، ربما لتنفير الناس أحياناً من بعض الأعمال وبعض الشرائع وبعض الأحكام.وأذكر بعض هذه الأحاديث، وما ذكره العلماء في شأنها، فمن هذه الأحاديث:
أحاديث موضوعة في فضل الأذان
1- ما ورد {أن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، المؤذن يؤذن، والملبي يلبي، وأن المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد كل حجر أو شجر أو جن أو إنس، أو مدر ويكتب له بعدد صلاة من صلى معه بعدد أجورهم حسنات} وهو حديث طويل جداً فيه فضائل كثيرة للمؤذنين لا تثبت ولا تصح.أما ما سبق فبعضه صحيح. فأما كونه {يغفر له مدى صوته} فهذا صحيح وسبق، وأما كونه {يشهد له كل شيء} فهو صحيح وسبق. وأما كونه يخرج من قبره وهو يؤذن، فنقول: إن مات وهو يؤذن؛ فإنه يمكن أن يقال: إنه يبعث مؤذناً؛ كما ورد في الصحيحين في قصة الرجل الذي وقصته ناقته، وكان عليها في يوم عرفة؛ فقال: النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بأن يكفنوه في ثوبين، ولا يمسوه طيباً، ثم قال صلى الله عليه وسلم: {فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، ومن مات على شيء بعث عليه}.وأما بقية الحديث والذي فيه مبالغات في فضائل المؤذنين، وأنه له ألف ألف حسنة ويحط عنه… إلى آخره، فهذا الحديث حديث موضوع ساقه ابن شاهين وفي إسناده سلام الطويل عن عباد بن أبي كثير وهما يرويان الأكاذيب، قال بعض أهل العلم أحدهما وضعه، إما سلام الطويل أو عباد بن أبي كثير.2- والحديث الآخر يقول الحليجي: {إذا كان يوم القيامة جيء بكرسي من ذهب مكلل بالدر والياقوت، وعليها قباب من نور، ثم يُنادَى: أين المؤذنون؟ فيجلسون على هذه الكراسي} وهذا الحديث ذكره الخطيب البغدادي عن أبي سعيد الخدري وقال الخطيب: حديث غريب جداً تفرد به إسماعيل بن أبي يحيى، وهو ضعيف سيئ الحال جداً، فالحديث أيضاً حديث موضوع لا يصح بحال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 3- ومن الأحاديث الموضوعة ما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال: {يجيء بلال يوم القيامة على راحلة رحلها من ذهب، وزمامها من در وياقوت، ويتبعه المؤذنون حتى يدخل أو يدخلهم الجنة} وهذا الحديث أيضاً حديث موضوع فيه خالد بن إسماعيل، وكان يضع الأحاديث ويلصقها عن الثقات، ويدخلها في حديثه، فهو كذاب وضاع وأحاديثه كلها موضوعة. 4- ومن الأحاديث الموضوعة في شأن الأذان أنه: {ما من مدينة يكثر مؤذنوها أو يكثر آذانها إلا قل بردها} والحديث ذكره الأزدي عن علي رضي الله عنه وفي إسناده رجل اسمه عمرو بن جميع وهو المتهم بوضع هذا الحديث. 5- ومن الأحاديث الموضوعة: {من قال حين يسمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله من قال: مرحباً بحبيبي وقرة عيني محمد، ثم يقبل إبهاميه، ويضعهما على عينيه، لم يَعْمَ ولم يرمد أبداً} أي: لا يصيبه العمى ولا الرمد أبداً، وهذا الحديث -أيضاً- موضوع ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة وغيره، والواقع أن هذا الحديث إنما اختلقه بعض المتصوفة ونسبوه إلى الخضر عليه الصلاة والسلام، وهو بسند منقطع فيه مجاهيل، وبينهم وبين الخضر أزمنة متطاولة فمن منهم رأى الخضر؛ حتى ينقل عنه هذه الرواية المختلقة الموضوعة المكذوبة؟! وجميع الروايات عن الخضر روايات مكذوبة ملفقة لا أصل لها، وهذا أحدها.6- ومن أشهر القصص الموضوعة في شأن الآذان، قصة بلال رضي الله عنه والتي جاءت من طريق أنس ومن أقدم من رأيته ذكرها ابن عساكر في تاريخ دمشق ذكر في ترجمة إبراهيم بن محمد والذي جده أبو الدرداء الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، وفي هذه القصة أن بلال لما ذهب إلى الشام -كان ذهب إلى الغزو- نام ذات ليلة فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال ما هذه الجفوة - كان بلال أبطأ عن زيارة المدينة- فاستيقظ بلال فزعاً مذعوراً خائفاً وذهب إلى المدينة من ليلته.قال: فلما دخل على المسجد جاء إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - هكذا تقول الرواية المكذوبة - دخل على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكب عليه يلثم تربه ويقبله ثم جاءه الحسن والحسين، فقام إليهما يقبلهما ويبكي، فقالا له: يا بلال! أذن لنا كما كنت تؤذن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: فلما كان عند السحر صعد بلال في المسجد في الموضع الذي كان يؤذن فيه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر فلما وصل إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله ارتفع الضجيج والبكاء وارتجت المدينة به، فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله لم يبق أحد إلا صاح وبكى حتى خرجت العواتق من خدورهن، وخرج الناس يقولون: هل بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما رئي يومئذ أكثر باكياً ولا باكية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومئذٍ.وهذه القصة على أنها قصة عاطفية ومثيرة إلا أنها قصة موضوعة، وفي إسنادها محمد بن أبي الفيض ولذلك قال الشوكاني في الفوائد المجموعة عن هذا الحديث: لا أصل له، وقبله قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: هذا الحديث بين الوضع وهو ظاهر جداً أنه مكذوب ملفق من وجوه عديدة:أولاً: قضية أن بلالاً يأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيقبله ويلثمه، حاشاه من ذلك! لم يكن هذا الأمر من دأب الصحابة ولا من دأب الجيل الأول، بل كانوا على شدة محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتقون كل أمر أو فعل يمكن أن يؤدي إلى الشرك، وإنما هذا حدث في المتأخرين من الرافضة والمتصوفة وأمثالهم، هم الذين كانوا يعكفون على القبور، ويطوفون حولها، ويتمسحون بها، ويلثمون تربها، أما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا منـزهين عن ذلك، وكانوا أكثر الناس تجريداً وتوحيداً وأبعد الناس عن الشرك ومظانه.ثانياً: أنه لا يحفظ الأثر والنقل إلا من هذا الطريق الذي فيه هذا الراوي الضعيف جداً وهو محمد بن أبي الفيض ولا عبرة بروايته.ثالثاً: أن بلالاً رضي الله عنه نقل كثير من أهل السير، كالحافظ ابن حجر في الإصابة وابن عبد البر في الاستيعاب وغيرهما ممن ترجموا له، وكذلك ابن أبي شيبة في مصنفه ذكر مجموعة من الآثار، في بعضها أن بلالاً رضي الله عنه لم يؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى أبو بكر أراد بلال أن يذهب إلى الشام، ليجاهد مع المؤمنين هناك فقال له أبو بكر: بل تبقى وتكون عندي، فقال بلال لـأبي بكر رضي الله عنهما: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لوجه الله فدعني أذهب للجهاد في سبيل الله، فخلى أبو بكر رضي الله عنه سبيله ثم خرج إلى الجهاد.ويقال: إن عمر رضي الله عنه حين خرج إلى الشام وذهب إلى بيت المقدس، لقي الصحابة وفيهم بلال، وطلب عمر من بلال أن يؤذن، فأذن بالشام حتى بكى عمر وبكى المسلمون جميعاً، وتذكروا الحالة التي كانوا عليها زمان حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.فالصحيح أن بلال خرج إلى الشام للغزو والجهاد، وظل هناك حتى مات رضي الله عنه وأرضاه، وكان موته سنة عشرين تقريباً، وقال بعضهم: وكان بطاعون عمواس، وطاعون عمواس كان في السنة الثامنة عشرة، المهم أنه كان في سنة عشرين تقريباً، ودفن بـالشام إما بـداريا أو بـدمشق أو بما حولهما.فالمهم: أن بلالاً خرج إلى الشام في الغزو، وظل هناك حتى مات رضي الله عنه ودفن بها، فهذه القصة المروية عن بلال لا تصح ولا تثبت بوجه من الوجوه.هذا والله تبارك أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. الليلة سوف نختم بإذن الله تعالى الكلام على بعض البدع المتعلقة بالأذان وفي الأسابيع القادمة سأتكلم بإذنه تعالى عن الآداب المشروعة للمؤذن مما لا يرد في بلوغ المرام وقد أخصص درساً للإجابة على أسئلة الإخوة عموماً حول الأذان.
 فضائل بلال رضي الله عنه
ومن جهة أخرى فإن أول من أذّن من هذه الأمة هو بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه، وهو من أفاضل الصحابة وأكابرهم، حتى إن عمر رضي الله عنه كان يقول: [[أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا]] يعني بلال بن رباح رضي الله عنه، ويكفي في فضل هذا الرجل الصابر المجاهد ما ورد في الصحيح أنه كان أحد سبعة، هم أول من أظهروا الإسلام فضايقتهم قريش، حتى لم يكن منهم أحد إلا وقد جاراهم في بعض ما يريدون، إلا بلال رضي الله عنه؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله عز وجل، فكانوا يجرونه في صحراء مكة ورمضائها، ويضعون الحصى على صدره، ويقولون: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد فيقول: أَحَدٌ أَحَدْ، أَحَدٌ أَحَدْ. وقد ورد في روايات أنه كان يقول: [[والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم من هذه الكلمة لقلتها]]. هكذا رواه ابن إسحاق في السيرة.وصبر رضي الله عنه وأرضاه ويكفي في فضل هذا العبد الصابر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشّره بالجنة، كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعتُ دف نعليك أمامي في الجنة! فقال: يا رسول الله! ما تطهّرت طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما كتب الله لي} فكفاه فضلاً وفخراً أن يكون من الثابتين الصابرين على الإسلام، ثم أن يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الختام، وبجنات ونهر: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].وليس الصحابي الجليل بلال بن رباح بحاجة أيضاً إلى أن توضع أحاديث في فضله ومكانته وحسن أدائه وما أشبه ذلك، ولكن أعداء الله يفترون على الله وعلى رسوله، ويضعون الأحاديث التي فيها السخرية والتي تثير الاشمئزاز، ربما لتنفير الناس أحياناً من بعض الأعمال وبعض الشرائع وبعض الأحكام.وأذكر بعض هذه الأحاديث، وما ذكره العلماء في شأنها، فمن هذه الأحاديث:
الأصل في العبادات التوقيف
وفي هذه الليلة أود أن أقف عند قضية أساسية في العبادات جميعاً وهي قاعدة معروفة عند أهل العلم، " أن الأصل في العبادات التوقيف " كما "أن الأصل في المعاملات والعقود الإباحة"، وهذه قاعدة نفيسة ومهمة جداً ونافعة للإنسان، فبالنسبة للعبادات لا يجوز للإنسان أن يخترع من نفسه عبادةً لم يأذن بها الله عز وجل، بل لو فعل لكان قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله، فلم يكن لأحدٍ أن يتصرف في شأن الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج زيادة أو نقصاً أو تقديماً أو تأخيراً أو غير ذلك، ليس لأحد أن يفعل هذا، بل هذه الأمور إنما تتلقى عن الشارع، ولا يلزم لها تعليل، بل هي كما يقول الأصوليون: غير معقولة المعنى، أو تعبدية، بمعنى أنه ليس في عقولنا نحن ما يبين لماذا كانت الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والفجر ركعتين، ليس عندنا ما يدل على ذلك إلا أننا آمنا بالله جل وعلا، وصدّقنا رسوله صلى الله عليه وسلم، فجاءنا بهذا فقبلناه، هذا هو طريق معرفة العقائد وطريق معرفة العبادات، فمبناها على التوقيف والسمع والنقل لا غير، بخلاف المعاملات والعقود ونحوها، فإن الأصل فيها الإباحة والإذن إلا إذا ورد دليل على المنع منها، فلو فرض مثلاً أن الناس اخترعوا طريقة جديدة في المعاملة في البيع والشراء عقداً جديداً لم يكن موجوداً في عهد النبوة، وهذا العقد ليس فيه منع، ليس فيه رباً ولا غرر ولا جهالة ولا ظلم ولا شيء يتعارض مع أصول الشريعة، فحينئذٍ نقول: هذا العقد مباح؛ كما ذكر الفقهاء ذلك في عقود كثيرة، فنقول: الأصل في العبادات التوقيف، والأصل في المعاملات والعقود ونحوها الإباحة والإذن.
 التوقيف في مكان العبادة
كذلك مكان العبادة لابد أن يكون مشروعاً، فلا يجوز للإنسان أن يتعبد عبادة في غير مكانها، فلو وقف الإنسان -مثلاً- يوم عرفة بالـمزدلفة فلا يكون حجاً أو وقف بـمنى، أو بات ليلة المزدلفة بـعرفة، أو بات ليالي منى بالـمزدلفة أو بـعرفة، فإنه لا يكون أدّى ما يجب عليه، بل يجب أن يلتزم بالمكان الذي حدده الشارع إلى غير ذلك.فالعبادة باختصار لابد أن تكون توقيفية في كل شيء، ومن ذلك الأذان، فهو عبادة لاشك في هذا، عبادة متلقاة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانت شرعيتها بالرؤيا، لكن أقر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا وأمر بها، وكان الناس يؤذنون حتى قبضه الله تعالى، ثم صار المسلمون يؤذنون في كل مكان من عهده عليه الصلاة والسلام إلى يوم الناس هذا، أذاناً معروفاً يتلقاه الأصاغر عن الأكابر، ويتلقاه الأحفاد عن الأجداد، ولذلك فإنه ليس من حق أحد أن يتصرف في الأذان بغير ما شرع الله.
من بدع المؤذنين
وأذكر بعض ما وقع فيه الناس مما يخالف هذه القاعدة الثابتة المستقرة الوطيدة، فمن ذلك:
 تكرار " لا إله إلا الله "
بعضهم أيضاً يزيدون في آخر الأذان الشهادة مرتين، فيقولون: لا إله إلا الله لا إله إلا الله، وهذا لا أصل له، بل ومخالف لإجماع العلماء، فإنهم قد أجمعوا على أن الشهادة في آخر الأذان مرة واحدة كما نقل إجماعهم الحافظ ابن حجر وغيره، وسبق أن سقته، وكذلك جميع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس فيها ذكر التهليل في آخر الأذان إلا مرة واحدة، وبذلك يعلم أن هذه كلها من الزيادات التي أحدثها الناس في دين الله، وفي الأذان المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأجدر بالمسلم الوقوف عند الحد الذي حدده الرسول صلى الله عليه وسلم لا يزيد عليه ولا ينقص منه.جعلنا الله وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وآله وأصحابه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلوكيات خاطئة في الأذان للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net