إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [104]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الواجب على المسلم التسليم للشرع في كل ما جاء به، والإيمان بمحكم النصوص ومتشابهها، وقد اختلفت آراء السلف في تعيين المتشابه، إلا أن جميع ما قالوه لا يدخل فيه أسماء الله وصفاته.

    1.   

    شرح أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعقلون...)

    قال المصنف رحمه الله رحمة واسعة: [ وفي صحيح البخاري قال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟) ].

    ذكر المصنف هنا أثر علي : (حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله). وذكر العلماء أن سبب هذا القول من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن في وقته كثر القصاص، والذين يذكرون الحكايات التي يكون فيها غرابة، بل قد يكون فيها أمور غير معروفة، وقد تكون هذه الأمور الغريبة مأخوذة إما من التوراة أو من الإنجيل أو من الكتب الأخرى التي جاءت من عند الله ويكون أصلها حقا، ولكن عقول السامعين لا تحتملها، فنهاهم أن يحدثوهم إلا بالشيء الذي ينفعهم، والشيء الذي يعرفونه، وليس معنى هذا أنه يقول: لا تحدثوا الناس بصفات الله حتى لا يقعوا بالإنكار في الكفر، فإن هذا لا يقوله عالم يعرف الحق فضلاً عن أن يقوله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكتاب الله مملوء من صفات الله جل وعلا، وكذلك أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يحدث في المجامع بأحاديث الصفات، ولم يُحك أنه أنكر ذلك .

    أما ما يروى عن الإمام مالك أنه كره أن تذكر الصفات عند عامة الناس فهذا لا يصح عنه كما قال العلماء؛ لأن الكتاب والسنة على خلاف هذا، وإنما المقصود في هذا الأمور الغريبة، مثل الذي يحدث في صفات الملائكة التي قد لا تستوعبها عقول كثير من الناس العوام، فلا ينبغي أن يُحَّدث في مثل هذه الأمور التي يستنكرونها؛ لأنهم إذا استنكروها وقعوا في محظور إنكار الحق إذا كان حقاً، ويكون ذلك نقصاً عليهم، وإذا تركوا على ما هم عليه وحدِّثوا بالشيء الذي يلزمهم من معرفة الله جل وعلا ومعرفة دينه فهذا هو الواجب، وهذا هو المقصود في الحديث، وليس معنى ذلك أن صفات الله جل وعلا تنكرها العقول، بل العقول تقر بها، وهي موافقة لما في الفطر، إلا أنه جل وعلا أعظم من كل شيء، وكلما يقدر الإنسان في نفسه من شيء فالله أعظم منه، قال جل وعلا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    وكلما حدث للإنسان شيء من الأمور التي يستعظمها يجب أن يذكر هذا الآية، فإذا كانت المخلوقات كلها الأرض، والسموات، ومن فيهما يقبضها الله جل وعلا بيده وتكون صغيره بالنسبة إليه فكيف يمكن أن يوصف بشيء من أوصاف المخلوق؟! تعالى الله وتقدس: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    1.   

    النهي عن أحاديث القصاص التي لا فائدة منها، وبيان بعض المبالغات التي فيها

    قال الشارح رحمه الله: [ علي هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب ، وأحد الخلفاء الراشدين، وسبب هذا القول -والله أعلم- ما حدث في خلافته من كثرة إقبال الناس على الحديث، وكثرة القصاص وأهل الوعظ، فيأتون في قصصهم بأحاديث لا تعرف من هذا القبيل، فربما أستنكرها بعض الناس وردها، وقد يكون لبعضها أصل أو معنىً صحيح، فيقع بعض المفاسد لذلك، فأرشدهم أمير المؤمنين رضي الله عنه إلى أنهم لا يحدثون عامة الناس إلا بما هو معروف ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه؛ من بيان الحلال من الحرام الذي كلفوا به علماً وعملاً، دون ما يشغل عن ذلك مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله فيفضي بهم إلى التكذيب، ولاسيما مع اختلاف الناس في وقته وكثرة خوضهم وجدلهم.

    وقد كان شيخنا المصنف رحمه الله لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم في أصل دينهم وعباداتهم ومعاملتهم الذي لا غنى لهم عن معرفته، وينهاهم عن القراءة في مثل كتب ابن الجوزي كـ(المنعش) و(المرعش) و(التبصرة) لما في ذلك من الإعراض عما هو أوجب وأنفع، وفيها ما الله به أعلم مما لا ينبغي اعتقاده، والمعصوم من عصمه الله ].

    (المنعش) و(المرعش) و(التبصرة) من كتب ابن الجوزي ، وهي مطبوعة ومعروفة، ولكن فيها حكايات وفيها كلام يحتاج إلى نظر في الواقع، والعادة التي جرى عليها الناس أن هذه الكتب تُقرأ على العوام، وهذه تقرأ على العوام وفيها شيء قد لا يكون له أصل، مثلما ذكر أن آدم عليه السلام لما أهبط نزل في وادي (صرمديد) فبكى حتى جرى ذلك الوادي من دموعه، ونبت على دموعه الدرافين والفلفل، وصار من طير ذلك الوادي الطاووس، ومثل هذا لا يجوز أن يعتقد ولا أساس له، وكما يذكر أيضاً أن فلاناً بكى حتى نبت من دموعه العشب على الأرض، وهكذا، فمثل هذه الأشياء تكون باطلة ولا تعقل.

    فلا ينبغي أن يحدث بها الناس الذين إذا سمعوها صدقوا بها وآمنوا بها وجعلوا يتناقلونها وربما اعتقدوها، وهذه وأمثالها كثيرة توجد في مثل هذه الكتب، فلهذا كره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن تُقرأ على العوام، أما كون الإنسان إذا كان طالب العلم يقرأ فيها ويميز بين الحق والباطل ويستفيد منها فلا بأس، أما أن تقرأ على عوام المسلمين الذين لا يميزون بين الحق والباطل فهذا لا ينبغي، فهذا الذي كرهه من هذه الناحية.

    فلا ينبغي في مثل هذا أن يعتقد أن آدم نزل يبكي، بل آدم صلى الله عليه وسلم نزل ليعمر الأرض بالطاعة والعبادة، وليس بمجرد البكاء، فهو مثل ما قال الله جل وعلا: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، فالخليفة هو الذي يخلف من سبقه، وليس معنى ذلك أنه خليفة لله كما يقوله كثير من الناس، فالله ليس له خليفة تعالى الله وتقدس، وإنما هو خليفة لمن سبقه في الأرض، وقد قال المفسرون: إن آدم سبقه الجن إلى الأرض وأفسدوا فيها فقاتلتهم الملائكة، ولهذا قالت الملائكة لما قال جل وعلا: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] أي: كما حدث ممن كان قبله، قالوا ذلك لأنه حدث مثل هذا ممن كان قبله.

    فالمقصود: أن آدم عليه السلام ونوح وداود وأنبياء الله حياتهم كانت ليست لأجل البكاء فقط، فهم يبكون من خشية الله ومن خوفه، لكن لم يجلسوا يبكون حتى سالت الأودية من دموعهم، بل لا يعقل أن آدمياً يسيل من دموعه الوادي ثم تنبت عليه الأشجار ويكون من طيوره الطاووس وما أشبه ذلك، فهذه كلها حكايات وكلام لا يجوز أن يُصدق، وليس عليها دليل، حتى ذكر في هذه الكتب وغيرها ما هو من وصف نبينا محمد الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهي كلها غير صحيحة.

    ومثل أمورٍ يذكرونها عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ الآية ثم يمرض ويبقى أياماً يعوده الناس من جراء قراءته للآية، وهذا كله غير صحيح، بل كان رضي الله عنه يقرأ الآية ويبكي، ثم بعد أن ينتهي من صلاته يدبر أمر الجيش الذي يرسله، وقد يفكر فيه في نفسه ويدبره، فيجمع في قلبه بين خشية الله وتدبر القرآن والبكاء وبين الأعمال الصالحة من الجهاد في سبيل الله وتدبير الأمور، وهكذا كل الكتب الذي ذكرها الشيخ وغيره فيها من هذا النوع شيء كثير، وأكثرها باطل لا يجوز اعتقاده.

    1.   

    نهي السلف للقُصاص عن القص، وسبب ذلك

    قال الشارح رحمه الله: [ وقد كان أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ينهى القصاص عن القصص؛ لما في قصصهم من الغرائب والتساهل في النقل وغير ذلك، ويقول: (لا يقص إلا أمير أو مأمور)، وكل هذا محافظة على لزوم الثبات على الصراط المستقيم علماً وعملاً ونية وقصداً، وترك كل ما كان وسيلة إلى الخروج عنه من البدع ووسائلها، والله الموفق للصواب ولا حول ولا قوة إلا بالله ].

    قال المصنف رحمه الله رحمةً واسعة: [ وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكاراً لذلك، فقال: ما فَرَق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه! انتهى ].

    المقصود بالقصص الذي ذكر بأنه يُنهى عنه وأنه لا يقصه إلا أمير أو مأمور مثل الخطب والمحاورات التي تُلقى على العامة؛ لأن هذه يكون فيها تساهل في ذكر الأشياء والنقل، وقد يُقصد بها الأمور التي تعجز الناس ويكون ليس لها أصل، وهذا غالب على الوعاظ؛ فإنهم يذكرون الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، ويذكرون القصص عن الأولين وما فيها من الغرائب، مثل المنامات والحكايات التي تكون فيها مخالفة لما ثبت في كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يترتب على ذلك اعتقاد ما في هذه القصص؛ لأن السامع لا يفرق بين ما هو ثابت وما ليس بثابت، ولهذا ينهى عن مثل هذه الأشياء حفاظاً على عقائد المسلمين أن تتغير بهذه الأمور، وإذا كان الذي يقص غير مأمور فمعنى ذلك أنه مختار، وأنه يستطيع أن يميز بين الضار والنافع، فإذا كان هذا الذي يقص من قبل نفسه غير أهل لهذا الأمر فإنه ينهى عنه.

    أما إذا كان مأموراً من قبل المسئول ولي الأمر فإن في الغالب أن يكون أهلاً لذلك، فيعرف كيف يقص، ويعرف الذي يكون ثابتاً من الذي يكون غير ثابت، وكذلك إذا كان أميراً فهو كذلك من هذا القبيل يكون عارفاً بالأمور التي يقصها والتي تنفع من التي لا تنفع، هذه هي صفة الوضع في الزمن المتقدم، ومثل ذلك الكتب التي تؤلف في المواعظ والقصص والحكايات، فإن فيها كثيراً مما لا يجوز اعتقاده؛ لهذا لا ينبغي أن يقرأها الذي لا يميز بين الصحيح من غيره، ولا يجوز أن يقرأها، وإذا قرأها فيجب أن يكون عنده من يميز ذلك لئلا يعتقد باطلاً.

    أما الحديث الذي ذكره عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه ذكر حديثاً فانتفض رجل عنده فقال: (ما فَرَقُ هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه!) فقوله: (ما فَرَقُ) هكذا جاء من باب الاستفهام، و(الفَرَقُ) هنا معناه: الخوف والجزع، وجاء في رواية: (ما فرّق هؤلاء) فتكون (ما) نافية، ويجوز في الراء أن تكون مشددة ويجوز أن تكون مخففة: (ما فرَق هؤلاء؟) و(ما فرَّق هؤلاء)، وعلى الرواية الأولى تكون (ما) استفهامية، وعلى الثانية تكون (ما) نافية، والمعنى على الأولى أنه استفهام من باب النهي، وأن هؤلاء إذا جاءهم من النصوص ما هو محكم وواضح يجدون رقه في قلوبهم ويجدون خشوعاً، أما إذا جاء منها شيء متشابه عليهم فإنهم يهلكون، ومعنى (يهلكون) أنهم يكذبون بها أو يردونها؛ لأن هذا الذي انتفض انتفض إنكاراً لما سمع وهو حق؛ لأنه استعظم إما لأنه لم يألفه أو أن قلبه لم يستوعبه ويدرك معناه، فصار كبيراً عنده، ففرق منه، أي: خاف وحصل له ما حصل.

    وبذلك يكون رد حقاً فيهلك في هذا، والمعنى على الرواية الثانية: أنهم ما فرقوا بين الحق والباطل، وبين الذي يجب أن يُقبل وبين الذي يجب أن يُرد، والذي يكون عنده فرقان هو الذي يعلم ويتعلم ويعرف ويسلك الطريق الحق، وليس معنى هذا أن هناك في النصوص شيء متشابه لا يفهم ولا يعرف؛ لأنه لم يرد في كتاب الله جل وعلا إلا ما هو معلوم للمخاطب، حيث خاطبنا ربنا جل وعلا بقرآن عربي مبين وواضح، وليس فيه شيء لا يُفهم.

    1.   

    تعريف المحكم والمتشابه

    وقد اختلف العلماء: ما هو المتشابه؟ وما هو المحكم؟ فمنهم من قال: المتشابه: هو ما ورد ثم نسخ، والمحكم هو: الناسخ الذي نسخ ما سبقه.

    ومنهم من قال: المتشابه مثل فواتح السور التي بدأت بالحروف المقطعة (ألم، حم، طس، طه) وما أشبه ذلك، فهذه متشابهة؛ لأن هذه الحروف لا يعرف معناها، والمحكم ما عدا ذلك.

    ومنهم من قال: المتشابه: هو ما احتمل معناه حقاً موافقاً للمحكم.

    ومنهم من قال: المحكم: هو الأوامر والنواهي الواضحة الجلية من الأحكام كالأمر بالتوحيد والعبادة، وأما المتشابه فهو: الإخبارات بالأمور المغيبة التي لا يدرك كنهها ولا حقيقتها إلا بالمشاهدة، والوقوف عليها، فإذا جاء تأويله يوم القيامة عرفت.

    وفي كل هذه الأقوال ليس فيها أن آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتشابه، كما يقوله من يقوله من المتأخرين من علماء الأشعرية وغيرهم، فإنهم جعلوا آيات الصفات متشابهه، مثل قوله جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] وقوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] وما أشبه ذلك من الآيات الكثيرة، وهذا باطل قطعاً لم يقل أحد من السلف: إنه من المتشابه، وإنما قال به هؤلاء الذين سلكوا غير طريق السلف فضلوا في ذلك.

    فالصفات محكمة وظاهرة وواضحة، كما قال الإمام مالك : (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) أي أن كيفية الصفة مجهولة؛ لأن الكيفية هي الحالة التي يكون الموصوف عليها، هذه هي الكيفية، وهذه تتطلب المشاهدة، ولا أحد يشاهد الرب جل وعلا، فصارت مجهولة، ولكن المعنى الذي خوطبنا به واضح وجلي وليس فيه أي تشابه.

    والصواب أن التشابه في كتاب الله جل وعلا نسبي، ومعنى أنه نسبي أنه قد يكون عند شخص متشابهاً وعند غيره واضحاً جلياً محكماً ظاهراً ليس فيه تشابه، ولهذا اختلف العلماء في الوقف على قوله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7]، فمنهم من يقف هنا ويقول: هنا وقف لازم (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)، ومنهم من لا يقف، ويقرأها: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7] ويقف هنا، يعني أن الراسخين في العلم يعرفون تأويله، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وغيره من علماء الصحابة وغيرهم أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعلم -كما يعتقده من يعتقده- لأنه واضح، وإن كان بعض الناس قد يشتبه عليه، ولكن عند الرجوع إلى المحكمات أو إلى العلماء يزول هذا التشابه، ويصبح ليس فيه متشابه، ويصبح واضحاً محكماً جلياً، وهذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء.

    وكل ذلك لا يدل على أن الصفات متشابهة، بل هي محكمة ظاهرة جلية وواضحة، ونحن خوطبنا بشيء نفهمه ونعرفه، أما الكيفيات والحقائق فهذه لم تطلب منا، وإنما طلب منا أن نكلها إلى عالمها.

    والآية تدل على هذا، وقوله جل وعلا: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7] يعني: هن أصل الكتاب، فإذا رددت الذي فيه تشابه إليها تبين ووضح وزال التشابه، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] تُردُّ إلى هذا الذي هو أم الكتاب فيزول التشابه.

    وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] يدل على أن الزيغ الذي في قلوب هؤلاء يدعوهم إلى أن يتركوا المحكم الجلي ويتبعوا الشيء الذي فيه تعلق لهم طلباً للفتنة، يطلبون الفتنة التي هي زيغ القلوب والضلال، أما إذا كان الإنسان خالياً من هذه الصفة ليس في قلبه زيغ ولا يطلب الفتنة فإنه لا يحدث له ذلك، ولا يحدث عنده تشابه، فإذاً التشابه عند قوم معينين يطلبون الفتنة، والزيغ موجود في قلوبهم، وهو الذي يدعوهم إلى ذلك، والفتنة هي أن يوافق الأمر الذي يريدونه ما في قلوبهم مخالفاً للحق الذي أريد، فيكون هذا أيضاً زيادة فتنة لهم، نسأل الله العافية، والواقع شاهد بهذا، فكل مبتلى يمكن أن يتعلق بشيء من القرآن ولو من بعيد، حتى إن الدجالين الكذابين الذي كذبهم ظاهر جلي مثل البهائية والبابية والأحمدية وغيرهم ممن كذبهم لا يخفى على العقلاء فضلاً عن الذين عندهم علم، حاولوا أن يتعلقوا بشيء من القرآن ويزعموا أنه يدل على باطلهم، مع أن القرآن فيه قول الله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، وهم زعموا أنهم أنبياء، فكيف القرآن يدل على زعمهم؟ هذا من أمحل المحال، ولكن المقصود أن كل ضال يمكنه أن يتعلق بشيء ولو من بعيد، ويلبس على الجهال، ويزعم أن القرآن يدل على مقصوده وقوله.

    ومن العجائب التي تكون مضحكة في الواقع أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص نصوصاً بلغت حد التواتر أنه خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، فقال: (لا نبي بعدي)، وعلى أمته تقوم الساعة، ثم يأتي كذاب دجال أشر ويقول: أنا اسمي (لا) حتى يلبس على الناس ويقول: أنا الذي قال في الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا نبي بعدي) يحرف الكلام الذي يكون نصاً على إبطال دعواه ليدل على دعواه، ولهذا النصارى منهم من زعم أن القرآن يدل على التثليث، وهذا أيضاً من هذا الجنس من العجائب، فقالوا: إنا نجد في القرآن ( إنا) و(نحن) ضمائر الجمع، وهذا يدل على أن المعبودين جماعة.

    وهذه أدلة للمبطلين الذين باطلهم ظاهر لكل أحد، يتعلقون بشيء من النصوص بالتدليس والكذب والتغطية-تغطية الباطل الواضح-حتى يمكن أن ينطلي على الجهال، فكيف بالذي أعطي منطقاً وأوتي علماً وأعطي كذلك فصاحة وبياناً؟ إنه يستطيع أن يدلس، ويستطيع أن يلبس فيضل، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل في كتاب الله)، فإن هذا يكون فتنة لكل مفتون، نسأل الله العافية، يفتن الناس بهذا السبب.

    والخلاصة أن العبد عليه إذا ورد شيء من النصوص في كتاب الله أو في حديث رسوله صلى الله عليه وسلم وصح ذلك أنه يقبله ويقول: آمنت بما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يفهم، ثم معرفة معناه إذا أمكن، وإذا لم يمكن يكفيه ذلك، وأن يعرف أنه حق وإن لم يدرك معناه ويكتفى بهذا، ويكفيه ذلك في النجاة، فإذا عرف معناه وأرجعه إلى الواضح الجلي فهذا هو المطلوب، وهذا الذي يكون به زوال الشك إذا قُدِّر أنه يرد على القلب.

    أما إذا لم يستطع ذلك فليسلم ولينقد وليؤمن بالله وبما جاء عن الله تعالى، ويؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله جل وعلا، وآمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني أنه يسلم وينقاد، وهذا هو الواجب.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: وروى عبد الرزاق . هو ابن همام الصنعاني المحدث، محدث اليمن، صاحب التصانيف، أكثر الرواية عن معمر بن راشد صاحب الزهري ، وهو شيخ عبد الرزاق يروي عنه كثيراً، ومعمر -بفتح الميمين وسكون العين- أبو عروة بن أبي عمرو راشد الأزدي الحراني ثم اليماني، أحد الأعلام من أصحاب محمد بن شهاب الزهري يروي عنه كثيراً].

    معمر بن راشد ليس من اليمن، وإنما هو من أهل البصرة، وتعلم في البصرة وأخذ العلم عن البصرة، وكان عالماً كبيراً وحافظاً مشكوراً، فذهب إلى اليمن على عادة العلماء في الرحلة، ولكنه لما أتى إلى اليمن أعجب أهل اليمن بكثرة روايته وغزارة علمه، ولم يكن ذا أهل باليمن ولا بغيرها، فأراد أن يرجع من اليمن، فاجتمعوا وتشاوروا كيف يصنعون، فقال أحدهم: قيدوه. قالوا: كيف نقيده؟ قال: زوجوه فزوجوه وقيدوه بالزوجة، فصار من أعظم من نشر العلم هناك، وهو شيخ عبد الرزاق، وعبد الرزاق شيخ الإمام أحمد وغيره من الأئمة الكبار الذين أخذوا عنه.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: عن ابن طاوس هو عبد الله بن طاوس اليماني، قال معمر : كان من أعلم الناس بالعربية، وقال ابن عيينة : مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

    قوله: عن أبيه هو طاوس بن كيسان الجندي -بفتح الجيم والنون- الإمام العلم، قيل: اسمه ذكوان . قاله ابن الجوزي .

    قلت: وهو من أئمة التفسير ومن أوعية العلم، قال في تهذيب الكمال: عن الوليد الموقري عن الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري ؟ قال: قلت: من مكة. قال: ومن خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح . قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قال: قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان . قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء . قال: إنه لينبغي ذلك. قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب . قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول . قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران . قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال: قلت: الحسن البصري . قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: ويلك ومن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي . قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب. قال: ويلك -يا زهري- فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين! إنما هو دين من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط].

    المقصود بالموالي أنهم من العجم أو من غيرهم أخذوا سبياً، أو أنهم أسلموا على أيدي أناس دعاة، فإذا أسلم رجل على يد رجل قيل: إنه مولاه. وكذلك إذا أعتق يكون مولاه، ومعروفة كثرة الفتوحات في ذلك الوقت، ومعنى ذلك أن كثيراً ممن دخل الإسلام صار له سيادة في العلم والتقى، وهم كثير جدا لا حصر لهم، فالسيادة تكون بالعلم والتقوى في هذا الدين، فمن علم واتقى ربه جل وعلا فهو السيد المقدم على غيره، لهذا الإنسان يظهره عمله لا نسبه، فالنسب لا قيمة له، فإذا اجتمع مع النسب العمل وحسنه والتقوى والعلم فهذا خير على خير، أما إذا لم يجتمع ذلك فلا يضر النسب؛ لأن الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، فهذا أصل الناس، لا فرق بين عربي وعجمي، ولا ميزة لعربي على عجمي إلا بالتقوى، فمن كان أتقى لله وأعلم بالله فهو الذي يكون له ميزة وله فضل، كما قال الله جل وعلا: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] .

    دلالات نصوص الصفات

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: عن ابن عباس قد تقدم، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وروى عنه أصحابه أئمة التفسير، كـمجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس وغيرهم.

    قوله: ما فَرَقُ هؤلاء؟ يستفهم من أصحابه يشير إلى أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس، فإذا سمعوا شيئاً من محكم القرآن ومعناه حصل لهم فرق -أي: خوف-، فإذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين له، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين].

    يقول هذا لأنه ورد في رواية أنه ذكر الحديث: (إذا جلس الله على عرشه يوم القيامة) فانتفض رجل، ولهذا قال هذا القول، فقال: إنه إذا ورد شيء من هذه الصفات -بناء على هذه الرواية- انتفضوا كالمنكرين.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال الذهبي : حدث وكيع عن إسرائيل بحديث: (إذا جلس الرب على الكرسي) فاقشعر رجل عند وكيع ، فغضب وكيع وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها. أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية].

    كلمة (جلس) هذه لم يرد فيها حديث صحيح، أعني (جلس على الكرسي) أو (على العرش)، وإنما الذي ورد الاستواء، وهو أن الله استوى على عرشه، ويجب أن يقف الإنسان في الصفات على الوارد فقط ولا يتعداه، وإن كان اللفظ الثاني بالمعنى، إلا أن يكون ذلك تفسيراً له، فيفسره بلفظ مرادف له فهذا لا بأس به، فيكون هذا من باب التفسير إذا سأل إنسان: ما معنى الاستواء؟ لأن بعض الناس يجهل معنى الاستواء، فيقال له: معنى الاستواء: الارتفاع عن الشيء، أو العلو عليه، أو الاستقرار عليه، أو الصعود فوقه وكل هذه بمعنى واحد، فليس معنى هذا أنها نصوص يجب أن تقال، ولكن نقول: هذا تفسير للاستواء، فهذا معناه المفهوم في اللغة.

    وهكذا إذا قال إنسان: ما معنى السمع؟ تقول: السمع هو إدراك المسموعات وإن دقت. يدركها جل وعلا ولا تفوته، كما أن البصر إدارك المبصرات، وهكذا، فالسؤال عن معنى الصفة ليس ممنوعاً إذا كان الإنسان لا يعرفها، ولكن الممنوع السؤال عن الكيفية، فالكيفية مجهولة، أما المعنى فهو معروف في اللغة التي خوطبنا بها، ومن جهل المعنى يوضح له ويبين.

    ثم إنه لا يجوز أن يثبت شيء لله جل وعلا لم يثبت بالنص، لهذا عند العلماء أن الصفات مأخوذة من القواعد التي قعدوها أخذاً من الكتاب والسنة، وما قعدوا شيئاً من عند أنفسهم، بل قالوا: إنها توقيفية. أي: إننا نقف معها على النص فقط، فلا نقيس، ولا نبني على العقل ولا على النظر، وإنما نقف على النص فقط. فهذا هو الطريق، فإذا جاء في كتاب الله جل وعلا أو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب أن نقول به ونصف الله به ونضيفه إلى الله جل وعلا صفة أو اسما، أما إذا لم يصح الحديث فلا يجوز أن نصفه بما في الحديث الضعيف، ولا يجوز أن نثبت به صفة من صفات الله جل وعلا، وكما أنه لا يثبت به حكم من الأحكام التي تتعلق بأفعال المكلفين فكيف يثبت به صفة من صفات الله جل وعلا؟!

    أسباب لانحراف أهل البدع

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [وربما حصل معهم من عدم تلقيه بالقبول ترك ما وجب من الإيمان به، فتشبه حالهم حال من قال الله فيهم: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]، فلا يسلم من الكفر إلا من عمل بما وجب عليه في ذلك من الإيمان بكتاب الله كله واليقين، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7]، فهؤلاء الذين ذكرهم ابن عباس تركوا ما وجب عليهم من الإيمان بما لم يعرفوا معناه من القرآن وهو حق لا يرتاب فيه مؤمن، وبعضهم يفهم منه غير المراد من المعنى الذي أراد الله فيحمله على غير معناه، كما جرى لأهل البدع كالخوارج والرافضة والقدرية ونحوهم ممن يتأول بعض آيات القرآن على بدعته، وقد وقع منهم الابتداع والخروج عن الصراط المستقيم، فإن الواقع من أهل البدع وتحريفهم لمعنى الآيات يبين معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وسبب هذه البدع جهل أهلها وقصورهم في الفهم، وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد، والتوفيق بين النصوص والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا ورد المتشابه إلى المحكم، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه].

    وقد يكون هناك سبب غير هذا، وهو الظاهر، فهناك أسباب متعددة، وليس ما ذكره هو السبب الوحيد لانحراف أهل البدع، بل من أعظم الأسباب اتباع الهوى، فهذا من أعظم أسباب انحرافهم؛ لأنهم يتبعون أهواءهم، ولهذا يسميهم أهل السنة (أهل الأهواء)؛ لأنهم يتبعون ما يهوونه وما يشتهونه، وقد يكون أيضاً هناك سبب آخر، وهو أن يكون يريد إفساد الدين، فهو زنديق منافق يدخل مع المسلمين في الظاهر وهو في الباطن يريد حربهم وإفساد دينهم، وهذا وجد وصار له تأثير.

    فالمقصود أن البدع صار لها أسباب متعددة ليست مقصورة على الجهل فقط.

    تفسير المتشابه عند السلف

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [ذكر ما ورد عن علماء السلف في المتشابه.

    قال في الدر المنثور: أخرج الحاكم -وصححه- عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا)].

    التشابه على هذا القول هو الذي يشتبه معناه على السامع، فيصبح معناه مشتبهاً، فما يدري أمعناه كذا أو معناه كذا. ومثل هذا يجب عليه أن يقول: آمنت به فهو من عند الله.

    وليست هذه صفة القرآن في الواقع، فالقرآن بين واضح، وقد أخبر الله جل وعلا أنه كله محكم، قال تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1]، فكل آياته محكمة ومفصلة من لدن حكيم خبير جل وعلا.

    أما ما جاء في وصفه بأنه كله متشابه كما قال الله جل وعلا: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ... [الزمر:23] فكونه متشابه هنا يعني أن معناه يشبه بعضه بعضا، لا أنه متشابه على السامع يختلف عليه، بل معناه أنه يصدق بعضه بعضا، ويشبه بعضه بعضاً لكونه من الله جل وعلا وحده، كما قال جل وعلا: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]، فوصف مرة بأنه كله محكم، ووصف أخرى بأنه كله متشابه، والإحكام واضح بأنه محكم مفصل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يأتيه نقص، ولا يأتيه تناقض، وليس فيه تفاوت، بل هو محكم مفصل -أي: مبين-، ومحكم ليس فيه شيء يناقض شيئاً، ولا يمكن أن يدخله تعارض.

    وأما كونه كله متشابهاً فهو أنه يشبه بعضه بعضاً في الإحكام والتفصيل والإعجاز والبيان والإيضاح وكونه أعظم كتاب لا أحد يستطيع أن يأتي بشيء مثله.

    وليس في هذا يشتبه على السامعين فلا يعرفون معانيه، ليس هذا المقصود، بل التشابه يكون في بعض الآيات نسبياً، ومعنى أنه بالنسبة لبعض الناس يكون متشابهاً، أما العلماء فليس عندهم بمتشابه، بل هو واضح وجلي، ولهذا جاء عن ابن عباس وصفه لكتاب الله أنه على أقسام: قسم تعرفه العرب من كلامها، وقسم يعرفه العلماء، وقسم لا يجهله أحد، بل العامة تعرفه، فإذا قال الله: (أقيموا الصلاة)، و(اعبدوا الله) فما هناك أحد يعرف اللغة العربية إلا وهو يعرف هذا المعنى، ولم يجعل فيه شيء لا يعرفه إلا الله.

    نعم. بعض العلماء قال: إن هناك أشياء لا يعلمها إلا الله، وهي حقائق الأمور المخبر عنها، مثل حقائق ما أخبر عنه جل وعلا في الموقف، أو في الجنة أو في النار، فهذا شيء معلوم في الجملة أنه له نظير، ولكن ليس مثله ولا قريباً منه، فالله أخبرنا أن في الجنة عنباً ونخلاً وفواكه، وأنَّ فيها زوجات، وأن فيها أنهاراً، ولو قيل لإنسان: هناك نهر من لبن فلن يصدق، فالمقصود أن اللبن والخمر والعسل نعرفه عندنا، ولكن هل هو الذي في الجنة؟ لا ولا بقريب منه، وإنما يتفق معه في الاسم فقط، أما في اللون وفي الرائحة وفي الطعم وفي الحقيقة فهو لا يعرفه إلا من كان فيه وأكله أو شربه أو نظر إليه.

    والله جل وعلا يقول في المؤمنين: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] و(نفس) نكرة، يعني: لا يعلم ذلك ملك، ولا رسول، ولا بشر، ولا أحد يعرف ذلك وابن عباس يقول: ليس عندكم مما في الجنة إلا الأسماء، أما حقائق الأشياء فليست معروفة.

    وكذلك النار -نسأل الله السلامة والعافية-، فعذابها وأغلالها وعقاربها وحياتها ومقارعها وزقومها وكل ما فيها ما يعرفه على الحقيقة إلا من كان فيه، وإن كان في الجملة له نظير نفهم بواسطة ما خوطبنا به، ولهذا استدل العلماء بهذه الأمور على أن الواجب على الإنسان إذا سمع صفات الله جل وعلا أن يؤمن بها على ظاهرها مع مخالفة الحقائق لما يعرفه، فحقائقها مختلفة، فإذا كانت الحقائق للمخلوقات لا تتفق فكيف بين الخالق والمخلوق جل وعلا.

    ولهذا كان رجل ممن عنده انحراف أو من المتسرعين يتكلم في آيات الصفات، فبلغ شيخه أنه يتكلم، فاستدعاه لينصحه، فقال له: يا بني! أخبرني عن مخلوق من مخلوقات الله صغير له ستمائة جناح، جناحان في جنبيه، فالبقية أين تكون؟ فقال: كيف أصفه لك؟ لا أعرف. قال: كيف لا تعرف مخلوقاً من مخلوقات الله، ولا تعرف وصفه وتذهب تتكلم في الله جل وعلا الذي هو أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء؟! فصارت هذه موعظة له وانتهى عما كان فيه.

    فالمقصود أن التشابه ليس كما يدعي بعض الناس ويقول: إن صفات الله متشابهة ويجب ألا نخوض فيها. فهذا معناه أنه يجب ألا نعتقد ظاهرها، ولهذا إذا ذكر الاستواء وما أشبه ذلك قالوا: هذا من المتشابه الذي لا يجوز أن نعتقد ظاهره. ثم يذهب القائل يؤول، فكيف يكون متشابهاً ثم يذهب يأوله ويقول: معناه كذا ومعناه كذا؟ تناقض دعاه إليه ما في قلبه من الزيغ، نسأل الله العافية.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [ قال: وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] الآية قال: طلب القوم التأويل فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، وطلبوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك.

    وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران:7] قال: منهن قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151] إلى ثلاث آيات، ومنهن: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:23] إلى آخر الآيات].

    يعني الآيات التي فيها الأوامر الواضحة الجلية من المحكمات، وهي كثيرة جداً.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج ابن جرير من طريق أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله عنهم: المحكمات الناسخات التي يعمل بهن، والمتشابهات المنسوخات].

    هذا قول ثالث ولا يخالف ما سبق.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7]، فقال أبو فاختة : هن فواتح السور منها يستخرج القرآن. الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:1-2] منها استخرجت البقرة، والم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران:1-2] منها استخرجت آل عمران. وقال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام والحدود وعماد الدين.

    وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكمات فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس فيها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه، وأخر متشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله بهن العباد كما ابتلاهم بالحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق].

    وفي هذا قول رابع، وهو أن المحكم هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، والمتشابه هو الذي يحتمل عدة معانٍ، أما المحكم فهو يكون واضحاً معناه لا يحتمل إلا معنى، كقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36]، وكذلك (أقيموا الصلاة) وما أشبه ذلك، وهذا يعود إلى القول الثالث.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان أنه قال: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) لأنه ليس من أهل دين لا يرضي بهن، (وأخر متشابهات) يعني -فيما بلغنا- (الم) و(المص) و(المر).].

    من أشهر ما ذكر أن من المتشابه فواتح السور التي فتحت بالحروف المقطعة، ولهذا كثير من المفسرين إذا جاء إليها قال: الله أعلم بمراده. فيقفون ولا يتكلمون فيها، ويرون أنها من المتشابه، ويقولون: الله أعلم بمراده؛ لأنها حروف مقطعة، ولكن بعض العلماء تكلم فيها وبين معانيها وقال: إنها تدل على التحدي. فالله جل وعلا يقول: هذا الكتاب الذي يتلى عليكم هو من الحروف التي تنطقون بها التسعة والعشرين حرفاً، فإذا كنتم تزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرسل أو أنه ساحر أو أنه كاهن فأتوا بشيء نظير ما جاء به وهو من كلامكم الذي تنطقون به وتتحدثون به. ولهذا يقول: ما جاء حرف من هذه الحروف إلا وذكر بعده القرآن، كما قال الله جل وعلا: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:1-2]، فهو إشارة إلى التحدي وإعجازهم بذلك.

    أما ما ورد من أنها عبارة عن عمر الدنيا وبقاء هذه الأمة فليس صحيحاً، وليس عليه من دليل؛ لأنهم جعلوها من حروف (الأبجد) التي يتكلمون فيها في الأعداد، فالَألِفُ واحد، والباء اثنان، والجيم ثلاثة، وإذا رجعت مرة أخرى تضاعفت الأعداد .. إلى آخره، فهذا غير صحيح، فعمر الأمة أو عمر الدنيا لا يعلمه إلا الله، وليس هذا إشارة إليها.

    إنكار قريش لاسم الرحمن وأسبابه

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قلت: وليس في هذه الآثار ونحوها ما يشعر بأن أسماء الله تعالى وصفاته من المتشابه، وما قال النفاة من أنها من المتشابه دعوى بلا برهان].

    قال المصنف رحمه الله رحمة واسعة: [ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30]].

    قال الشارح رحمه الله: [روى ابن جرير عن قتادة : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30]: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب: (هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال مشركوا قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! دعنا نقاتلهم. فقال: لا اكتبوا كما يريدون؛ إني محمد بن عبد الله، فلما كتب الكاتب (بسم الله الرحمن الرحيم) قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه. وكان أهل الجاهلية يكتبون (باسمك اللهم)، فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم. قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون) .

    وروي أيضا عن مجاهد قال: قوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30] قال: هذا ما كاتب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في الحديبية، كتب (بسم الله الرحمن الرحيم) قالوا: لا تكتب الرحمن؛ لا ندري ما الرحمن؟ لا نكتب إلا (باسمك اللهم) قال تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30] الآية.

    وروي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ساجداً: يا رحمن يا رحيم. فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى! فأنزل الله: قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110].. الآية)].

    في هذه الآية تعدد الأسباب والمعنى واحد، ولكن سبق أن هذا ليس من قريش كلها، وإنما من طائفة منهم، كما أنه عرف في أشعارهم ذكر (الرحمن) وأنهم يؤمنون به جاء في أشعارهم أشعار الجاهلية، وهذا من باب العناد والتكبر وإباء الحق، فأبوا، ومع ذلك وصفوا بأنهم كفرة: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30] أي: ينكرونه لأن أصل الكفر هو الإنكار والجحود والتغطية، غطوه بجحودهم فعرف بأنه كفر، وعلى ذلك فالذي ينكر اسماً من أسماء الله جل وعلا يجوز أن يقال: إنه كافر كفر بهذا الاسم وجحده.

    أما تعدد الأسباب في آية واحدة فهذا يقع، فيكون أكثر من سبب والمعنى واحد، ويكون المقصود المعنى، وكل سبب يكون داخلاً في هذا المعنى، وقد قال جل وعلا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [الفرقان:60]، فهذا كفر به وإنكار، وهذا يكون لبعضهم، ويجوز أن يكون ذلك أيضاً سبباً، فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30] .

    1.   

    مسائل وفوائد الباب

    جحد اسم أو صفة خروج عن الإيمان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى : عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات].

    يعني أن الإنسان إذا جحد اسماً من أسماء الله وصفة من صفاته يجوز أن نصفه بأنه غير مؤمن، ويكون المعنى أنه غير مؤمن بهذا الاسم وبهذه الصفة، ويجوز أن يكون كافراً كفراً مخرجاً من الدين، ويجوز أن يكون كافراً كفراً دون كفر.

    قال المصنف رحمه الله: [المسألةالثانية : تفسير آية الرعد].

    هي قوله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30].

    لا يحدث بما لا يفهم السامع، وليس ذلك في صفات الله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المسألة الثالثة : ترك التحديث بما لا يفهم السامع].

    يعني أن الشيء الذي يشكل على السامع ويكون فتنة له لا ينبغي أن يحدث به، وليس معنى ذلك أن صفات الله جل وعلا لا يحدث بها الناس، بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحدث بها ويذكرها على المنبر، ويخطب بها في المجامع، لهذا جاء في السنن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب، فقام رجل من الحاضرين أعرابي وقال: يا رسول الله! أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، فقال: إذاً لا نعدم خيراً من ربنا إذا ضحك) .

    فالمقصود: أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب بصفاته جل وعلا ويبينها، وإذا سئل عنها بينها ووضحها وأقرها.

    وجوب القبول لما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [المسألة الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ، ولو لم يتعمد المنكر]

    يعني: أنه إذا رد الشيء من الحق يكون ذلك تكذيباً له، وهذا يدلنا على أنه يجب على كل من عرف شيئاً مما قاله الله أو قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقبله ويسلم له وينقاد له ولو لم يعرف معناه؛ لئلا يقع في التكذيب.

    قال المصنف رحمه الله: [المسألة الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك ، وأنه أهلكه].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010301426

    عدد مرات الحفظ

    721918960