إسلام ويب

فوائد من زاد المعادللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذي يطالع الكتب ويقرؤها ويتمعن فيها يجد فيها فوائد جمة فقهية كانت أو أصولية أو عقدية، أو لغوية أو حديثية أو نحوها. وقد تحدث الشيح حفظه الله عن بعض الفوائد البديعة من كتاب زاد المعاد، وهي فوائد متفرقة في عدة مواضع وأبواب اختارها الشيخ من الأجزاء الخمسة، ثم أتم الدرس ببعض الفوائد أيضاً من كتاب العزلة لأبي سليمان أحمد بن محمد الخطابي.

    1.   

    فوائد المجلد الأول

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعـد:

    في هذه الليلة سوف أبدأ في كتاب جديد نافع مفيد، بإذن الله العزيز الحميد، وهو كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام الحافظ المفسر الفقيه، المجاهد شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي الحنبلي، الشهير بـابن قيم الجوزية، المولود سنة [691/751هـ] والطبعة التي سوف أعتمد عليها، هي الطبعة التي حققها شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط, وطبعت في مؤسسة الرسالة، عام (1399هـ)، وسوف نأخذ من كل جزء بعض الفوائد والشوارد التي تستحق أن تقيد ويحتفظ بها، ونبدأ بالجزء الأول.

    حال أحاديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده

    ففي [ص:45] ذكر المصنف رحمه الله أحاديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، حيث استشهد بحديث في المسند وغيره من طريق بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أنتم موفون سبعون أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله} ثم قال: قال علي بن المديني وأحمد:

    حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح.

    ونقل ابن القيم هاهنا، يشم منه رائحة الموافقة على هذا النقل، وهو تصحيح رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

    استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة

    وفي صفحة [49] ذكر فائدة ليست بعيدة عن الموضوع الذي نتحدث فيه الآن، وهو يتحدث عن خواص القبلة، فقال: " ومن خواصها أيضاً أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة دون سائر بقاع الأرض وأصح المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان، لبضعة عشر دليلاً قد ذكرت في غير هذا الموضع، وليس مع المفرق -أي: بين الفضاء والبنيان- ما يقاومها البتة، مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان، وليس هذا موضع استيفاء الحجج من الطرفين".

    فتلاحظون تركيز الإمام بن القيم هاهنا على عدم التفريق بين الفضاء والبنيان، وهو قوي ألا يفرق بينهما، لكن! هل نقول بالتحريم فيهما؟

    ابن القيم وابن تيمية كما في الاختيارات وغيره، وابن حزم والشوكاني وغيرهم، يرون التحريم مطلقاً كما أسلفت، وقد ذكر المصنف أنه رد التفريق بينهما، ببضع عشر دليلاً ذكرت في غير هذا الموضع، وهو رحمه الله تكلم عن هذه المسألة، أي: مسألة استقبال القبلة واستدبارها في عدة مواضع، فتكلم عنها في الجزء الثاني من زاد المعاد وتكلم عنها في مدارج السالكين في الجزء الثاني أيضاً، وتكلم عنها في مواضع من كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، وتكلم عنها أيضاً في تهذيب سنن أبي داود، وقد راجعت المواضع التي تمكنت من الرجوع إليها، فلم أجد هذه الأدلة التي ذكرها، وإن كان بسط الكلام بعض البسط، في الجزء الثاني من زاد المعاد وكذلك بسطه بعض البسط في تهذيب سنن أبي داود.

    من هو الذبيح

    في صفحة [71] ذكر مبحثاً مفيداً حول الذبيح، من هو؟

    قال: وهو يتكلم عن نسب الرسول صلى الله عليه وسلم " وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق عليه السلام؛ فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، يقول هذا القول -أي أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام- متلقى عن أهل الكتاب؛ مع أنه باطل بنص كتابهم؛ فإن فيه " إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده... إلى آخر ما ذكر.

    مراتب الوحي

    وفي صفحة [78] ذكر مراتب الوحي السبع أو الثمان، يقول رحمه الله: " وكمل الله له -أي: النبي صلى الله عليه وسلم- من مراتب الوحي مراتب عديدة.

    إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد ذكر في غير هذا الموضع معنى قوله صلى الله عليه وسلم: {الرؤيا الصادقة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة} وفسره تفسيراً لطيفاً بديعاً فقال: " ذلك لأن مدة الرؤيا الصادقة كانت ستة أشهر، ومدة الوحي كله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثلاثة وعشرين عاماً، فإذا نسبنا ستة أشهر إلى ثلاثة وسبعين عاماً، ترتب على ذلك أن النسبة واحد إلى ستة وأربعين، يعني: نصف إلى ثلاثة وعشرين".

    إذاً: المرتبة الأولى: الرؤيا الصادقة.

    المرتبة الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن روح القدس نفث في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء طلب الرزق، على أن تطلبوه بمعصية الله، فإنما عند الله لا ينال إلا بطاعته}.

    المرتبة الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم، كان يتمثل له الملك رجلاً، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً.

    المرتبة الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيتلبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.

    المرتبة الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكره الله في سورة النجم.

    فالمرة الأولى: كما في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لم أره على صورته التي خلق عليها إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض} والثانية: عند المعراج.

    ولكن -والله أعلم- أن عدها من مراتب الوحي؛ لأن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وتنـزل الملك على الرسول صلى الله عليه وسلم مع نبوته، كلما رآه كان في ذلك فائدة، ولذلك طلب الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يراه على صورته التي خلق عليها.

    المرتبة السادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلوات وغيرها.

    المرتبة السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك؛ كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعاً بنص القرآن، وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم هو في حديث الإسراء.

    وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي تكليم الله له كفاحاً من غير حجاب، وهذا على مذهب من يقول: إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه تبارك وتعالى، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة، كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعاً للصحابة. يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يره.

    عمر المسيح عيسى

    في صفحة [84] ذكر رحمه الله الشك في عمر المسيح عليه السلام حين رفع، قال: "وأما ما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه رفع إلى السماء، وله ثلاثة وثلاثون، فهذا لا يعرف له أثر متصل، يجب المصير إليه".

    أهمية كتاب جلاء الأفهام

    في صفحة [87] يثني المؤلف رحمه الله على كتابه جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام، يقول: في أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام فمنها محمد وهو أشهرها، وبه سمي في التوراة صريحاً، كما بيناه بالبرهان الواضح في كتاب جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام، وهو كتاب فرد في معناه، لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها، بينا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم صحيحها من حسنها من معلولها، وبينا ما في معلولها من العلل بياناً شافياً، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه، وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم مواطن الصلاة عليه ومحالها.

    ثم الكلام في مقدار الواجب منها، مع اختلاف أهل العلم فيه، وترجيح الراجح، وتزييف المزيف -ثم يقول رحمه الله- في أثناء هذا الثناء "ومخبر الكتاب فوق وصفه " ولذلك حري بنا جميعاً أن نقتني هذا الكتاب، ونقرؤه، مادام ثناء الشيخ عليه بهذه الدرجة، مع أنه يقتصد في الثناء عادة رحمه الله.

    زواج أم سلمة

    في صفحة [107/108] ذكر من الذي زوج أم سلمة، فذكر حديث الإمام أحمد عن ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة أنها لما انقضت عدتها من أبي سلمة، بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: مرحباً برسول الله.. إلى قوله وفيه، فقالت لابنها عمر قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجه، يقول: وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنه لما توفي صلى الله عليه وسلم، تسع سنين، ذكره ابن سعد: وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذٍ ثلاث سنين -يعني يوم تزوج رسول الله صلى الله وعليه وسلم أمه- ومثل هذا لا يزوج، قال ذلك ابن سعد وغيره، ولما قيل ذلك للإمام أحمد قال: من يقول إن عمر كان صغيراً؟!

    قال: أبو الفرج ابن الجوزي ولعل أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سنه، وقد ذكر مقدار سنه جماعة من المؤرخين كـابن سعد وغيره، وقد قيل: إن الذي زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن عمها عمر بن الخطاب، والحديث: {قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم} ونسب عمر، ونسب أم سلمة يلتقيان في كعب... فوافق اسم ابنها عمر اسمه، فقالت:قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فظن بعض الرواة أنه ابنها، فرواه بالمعنى وقال فقالت لابنها وذهل عن تعذر ذلك عليه، لصغر سنه، ونظير هذا وهم بعض الفقهاء في هذا الحديث، وروايتهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قم يا غلام فزوج أمك} قال أبو الفرج ابن الجوزي: " وما عرفنا هذا في هذا الحديث " إلى آخر ما ذكر.

    زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبه

    في صفحة [109] ذكر المصنف، تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بـأم حبيبة، وهي رملة بنت أبي سفيان، القرشية، قال: تزوجها وهي ببلاد الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وسيقت إليه من هناك وماتت أيام أخيها معاوية هذا هو المعروف المتواتر عند أهل السير والتواريخ، وهو عندهم بمنـزلة نكاحه لـخديجة بـمكة، ولـحفصة بـالمدينة، ولصفية بعد خيبر -يعني: في الوضوح- قال وأما حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُميل عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: {أسألك ثلاثاً، فأعطاه إياهن، منها: وعندي أجمل العرب أم حبيبة، أزوجك إياها -والحديث في صحيح مسلم، وفيه بقية الثلاث، الأولى كما سبق تزوج أم حبيبة- والثانية: معاوية تجعله كاتباً بين يديك، والثالثة: تُأمرني فأقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، فيقول: "هذا الحديث غلط، لا خفاء به" هذا يقوله ابن القيم رحمه الله ويقول: "قال أبو محمد بن حزم وهو موضوع بلا شك، كذبه عكرمة بن عمار" تعرفون عكرمة بن عمار!! لكن ابن حزم -غفر الله له- رماه بهذه المسألة ورماه بالكذب، فقال: كذبه عكرمة بن عمار، ولا شك أن هذا غلط من ابن حزم، غفر الله لنا وله.

    يقول ابن الجوزي في هذا الحديث: هو وهم من بعض الرواة، لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار... إلى قول ابن القيم رحمه الله وقد أكثر الناس في هذا الحديث، وتعددت طرقهم في وجهه، فمنهم من قال الصحيح أنه تزوجها بعد الفتح -لهذا الحديث قال-: ولا يرد هذا بنقل المؤرخين، وهذه الطريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسيرة وتواريخ ما قد كان، قالت طائفة بل سأله أن يجدد له العقد تطييباً لقلبه، فإنه كان قد تزوجها بغير اختياره، وهذا باطل لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يليق بعقل أبي سفيان، ولم يكن من ذلك شيء.

    وقالت طائفة ومنهم البيهقي والمنذري: يحتمل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة وهو كافر، حين سمع نعي زوج أم حبيبة بـالحبشة، فلما ورد على هؤلاء ما لا حيلة لهم في دفعه من سؤاله أن يأمره حتى يقاتل الكفار، وأن يتخذ ابنه كاتباً -لأن هذا كله ورد في الحديث- قالوا: لعل هاتين المسألتين وقعتا بعد الفتح، فجمع الرواي ذلك كله في حديث واحد.

    ثم ذكر أجوبة كثيرة، وفي آخرها قال: وقالت طائفة: بل الحديث صحيح ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في تسمية أم حبيبة، وإنما سأل أن يزوجه أختها رملة، ولا يبعد خفاء التحريم للجمع عليه، أي على أبي سفيان- فقد خفي ذلك على ابنته وهي أفقه منه وأعلم، حين قالت لرسول الله صلى الله وعليه وسلم: هل لك في أختي بنت أبي سفيان: {قال: أفعل ماذا؟} قالت تنكحها، قال: أوتحبين ذلك؟ قالت: لست لك بمخلية، وأحب من شركني في الخير أختي، قال: فإنها لا تحل لي} فهذه هي التي عرضها أبو سفيان، على النبي صلى الله عليه وسلم، فسماها الراوي من عنده أم حبيبة، وقيل: بل كانت كنيتها أيضاً أم حبيبة، وهذا الجواب حسن، لولا قوله في الحديث فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سأل، فيقال حينئذٍ: هذه اللفظة وهم من الراوي، فإنه أعطاه بعض ما سأل، فقال الراوي: أعطاه ما سأل أو أطلقها اتكالاً على فهم المخاطب، أنه أعطاه ما يجوز إعطائه مما سأل، والله أعلم.

    كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن

    وذكر المؤلف رحمه الله في صفحة [117] في كتب النبي صلى الله عليه وسلم، في صفحة [118] قال: " ومنها كتابه إلى أهل اليمن وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، ورواه الحاكم في مستدركه، والنسائي وغيرهما مسنداً متصلاً، ورواه أبو داود وغيره مرسلاً " وهذا الكتاب سبق أن تكلمت عليه، وبينت رواياته في موضع لمس المصحف، يقول المصنف: وهو كتاب عظيم، فيه أنواع كثيرة من الفقه: في الزكاة، والديات، والأحكام، وذكر الكبائر، والطلاق، والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه، ومس المصحف وغير ذلك، قال الإمام أحمد: لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه، واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات.

    المواضع التي تكون فيها لمرأتان بمثابة رجل واحد

    وفي صفحة [160] ذكر المصنف رحمه الله فائدة عزيزة في المواضع التي تكون فيها المرأتان بمثابة رجل واحد، قال: وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أبي أمامة وغيره، عن النبي صلى الله وعليه وسلم، أنه قال: {أيما امرئٍ أعتق امرأً مسلماً، كان فكاكه من النار، يجزئُ كل عضو منه عضواً منه، وأيما امرئ أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضوين منهما عضواً منه} وقال -أي: الترمذي- هذا حديث صحيح، قال الإمام ابن القيم: وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل وأن عتق العبد يعدل عتق أمتين، فكان أكثر عتقائه صلى الله عليه وسلم من العبيد، وهذا أحد المواضع الخمسة، التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر- أي أن بعض الناس يعتقدون أن الأنثى على النصف من الذكر في كل شيء، فإذا جاءت مناسبة قالوا للذكر مثل حظ الأنثيين، في كل شيء؛ فمثلاً: لو كان هناك مجموعة من الأقارب من المحارم يتحدثون فيما بينهم، لتكلم الرجال وقالوا للمرأة: للذكر مثل حظ الأنثيين، أي: أقلي الكلام مثلاً، وقل مثل ذلك في موضوعات كثيرة، فيقولون ذلك على سبيل المزاح، وعلى سبيل الجد أحياناً... فالمصنف يشير إلى أن هناك مواضع مخصصة، تكون فيها المرأة بمثابة نصف الرجل، وهذا أحدها، قال المصنف:

    والثاني العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفي عدة أحاديث، صحاح وحسان.

    والثالث الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا أيضاً ليس على إطلاقه، فليس في كل شهادة، لأن النص ورد فيه في موضع البيوع التي يكون الرجال فيها أكثر معرفة من النساء.

    قال: والرابع: الميراث، والخامس: الدية".

    أصول الطب

    في صفحة [164/165] ذكر فائدة طبية، وأنتم تعرفون أن ابن القيم خصص جزءاً من هذا الكتاب للطب النبوي، وهو الجزء الرابع، ولكن ذكر هاهنا فائدة وأعادها في ذلك الجزء، قال: وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة، وقد جمعها الله تعالى له صلى الله عليه وسلم ولأمته في ثلاثة مواضع من كتابه، فحمى المريض من استعمال الماء خشية من الضرر، فقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء:43] فأباح التيمم للمريض حمية له، كما أباحه للعادم -والحمية: هي المنع من تناول أطعمة وأشربة لضررها على المريض، وهي ما نسميها نحن بالحجبة- وقال: في حفظ الصحة: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] فأباح للمسافر الفطر في رمضان، حفظاً لصحته، وقال: في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196] فأباح للمريض ومن به أدنى من رأسه، وهو محرم أن يحلق رأسه فيستفرغ المواد الفاسدة والأبخرة التي تولد عليه القمل… إلى آخر ما ذكر رحمه الله.

    أنواع المشي

    وفي الصفحة [168] ذكر أنواع المشي، وذكر في ذلك فصلاً مفيداً أذكره واقرؤه، لأننا بحاجة إلى أن نعرف هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في المشي فكثير من الناس يرون أن من الاتباع: البطء في المشي والتماوت فيه، وأن الإسراع ينافي الوقار المطلوب لطالب العلم، قال رحمه الله:

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

    كان إذا مشى تكفأ تكفؤاً، وكان أسرع الناس مشية، وأحسنها وأسكنها، قال أبو هريرة: [[ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأنما الأرض تطوى له، إننا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث]] وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: [[كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا مشى تكفأ تكفؤاً، كأنما ينحط من صبب، وقال مرة إذا مشى تقلع]] قلت -القائل ابن القيم- والتقلع: الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحط من صبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه، ويمشي قطعة واحدة -كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة، وإما أن يمشي بانـزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضاً، وهي دالة على خفة عقل صاحبها، ولا سيما إذا كان يكثر الالتفات في حال مشيه يميناً وشمالاً، وإما أن يمشي هوناً وهي مشية عباد الرحمان، كما وصفهم بها في كتاب فقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان:63] قال غير واحد من السلف: بسكينة ووقار، من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه مع هذه المشية، كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كان الماشي معه يجهد نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث، وهذا يدل على أمرين:

    أن مشيته لم تكن مشية بتماوت ولا بمهانة، بل مشية من أعدل المشيات.

    ثم ذكر المصنف رحمه الله أنواع المشيات، وهي عشر، من شاء أن يراجعها فليراجعها، لكن نذكر عناوينها الرابع: السعي، والخامس: الرمل، ويسمى الخبب، والسادس: النسلان، والسابع: الخَوْزَلى، والثامن القهقري، والتاسع الجَمَزَى، والعاشر: التبختر.

    أنواع البكاء

    في صفحة [184] ذكر أنواع البكاء، فقال عن النبي صلى الله عليه وسلم " وكان يبكي أحياناً في صلاة الليل، والبكاء أنواع:

    أحدها: بكاء الرحمة والرقة.

    والثاني: بكاء الخوف والخشية.

    والثالث: بكاء المحبة والشوق.

    والرابع: بكاء الفرح والسرور.

    والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.

    والسادس: بكاء الحزن.

    والسابع: بكاء الخور والضعف.

    والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين، والقلب قاسٍ، فيظهر صاحبه الخشوع وهو من أقسى الناس قلباً.

    والتاسع: البكاء المستعار والمستأجر عليه، كبكاء النائحة بالأجرة، -يعني إذا مات لهم ميت ولم يوجد من يبكي عليه؛ يعطون امرأة أجرة مقابل أن تبكي عليه- يقول فإنها كما قال عمر رضي الله عنه: [[تبيع عبرتها وتبكي شَجْوَ غيرها]]

    والعاشر: بكاء الموافقة: وهو أن يرى الرجل، الناس يبكون لأمر ورد عليهم، فيبكي معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون، ولكن يراهم يبكون فيبكي " وقد ذكر تفصيلاً في هذا يراجع في موضعه.

    هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ على السيف

    في صفحة [190] ذكر رحمه الله فائدة، جيدة ومناسبة.

    فإننا نسمع اليوم أن كثيراً من أعداء الإسلام يقولون: إن الإسلام إنما انتشر بالسيف وبالقوة فقط! ولذلك فإن الخطيب الإسلامي، يتكئ على سيفه إشارة إلى أن الإسلام، إنما انتشر وتغلب بالسيف، والقوة.

    ونحن نقول: نعم الإسلام انتشر بالسيف والقوة، وانتشر أيضاً بالدعوة السلمية، كما هو معروف، وكلاهما له دوره في الفتح الإسلامي، والمصنف يقول: "ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف، وكثير من الجهلة يظن أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين:

    أحدهما: أن المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم، توكأ على العصا وعلى القوس.

    الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم، التي كان يخطب فيها، إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف " وقد أعاد هذا المعنى في صفحة [429] من نفس المجلد، قال: "ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا... ولم يحفظ عنه أنه أعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائماً، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف، فمن فرط جهله.

    الجهر بالنية في الصلاة

    وفي صفحة [201] ذكر الصواب في مذهب الشافعي رحمه الله، في موضوع الجهر بالنية، وذلك لأن كثيراً من الجهال يظنون أن الإمام الشافعي من مذهبه أنه يجهر بالنية أو يشرع الجهر بالنية قال: "في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة... ولم يقل شيئاً قبلها ولا تلفظ بالنية ألبتة، ولا قال أصلي لله صلاة كذا، مستقبل القبلة أربع ركعات، إماماً أو مأموماً، ولا قال أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدةً منها البتة؛ بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة؛ وإنما غرَّ بعض المتأخرين قول الشافعي رضي الله عنه في الصلاة: إنها ليست كالصيام، ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن بعض المتأخرين أن الذكر تلفظ المصلي بالنية، وإنما أراد الشافعي رحمه الله بالذكر: تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمراً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، في صلاة واحدة، ولا أحدٌ من خلفائه وأصحابه، وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحدٌ حرفاً واحداً عنهم في ذلك، قبلناه، وقابلناه بالتسليم والقبول، ولا هدي أكمل من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم".

    ركعتا النبي بعد الوتر

    في صفحة [251] حيث ذكر فيها المصنف رحمه الله الركعتين اللتين كان يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم بعد الوتر تارة جالساً وتارة قائماً، وهذه من المواضع المشكلة عند كثير من أهل العلم، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلى ركعتين بعد الوتر جالساً مع أنه قال: {اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً} قال رحمه الله: (وكذلك الركعتان اللتان كان يصليهما أحياناً بعد وتره، تارة جالساً، وتارة قائماً، مع قوله: {اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً} فإن هاتين الركعتين لا تنافيان هذا الأمر، كما أن المغرب وترٌ للنهار، وصلاة السنة شفعاً بعدها لا يخرجها عن كونها وتراً للنهار، وكذلك الوتر لما كان عبادة مستقلة، وهو وتر الليل، كانت الركعتان بعده جاريتين مجرى سنة المغرب من المغرب؛ ولما كان المغرب فرضاً، كانت محافظته عليه السلام على سنتها أكثر من محافظته على سنة الوتر، وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهر جداً، وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين -إن شاء الله- وهي مسألة شريفة لعلك لا تراها في مصنف) وفي هذا إشارة إلى أنه سوف يبحث المسألة في مواضع أخرى.

    قول المصنف: [حديث غريب]

    وفي صفحة [249] ذكر المصنف رحمه الله معنى كلمة غريب، فأحياناً طالب العلم قد يجد أن الترمذي أو أبا نعيم أو غيرهما من أهل العلم، قولهم عن حديث ما: إنه حديث غريب؛ فلا يفهم من هذه الكلمة معناها وبعضهم قد يظن أن معنى غريب: أي ليس له إلا إسناد واحد، وهذا الفهم صحيح، لكن أيضاً كلمة غريب أشار المصنف إلى أنها تعني الضعف، فإذا قيل غريب فقط، فالغالب أن هذا يعني الضعف، ولذلك قال المصنف عن حديث: {أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً ... الحديث} قال: فهذا حديث لا يثبت، قال الترمذي فيه: حديث غريب ولم يزد، وهذا فيه إشارة، إلى أنه ضعيف وقد تكلم عن هذه المسألة أيضاً في صفحة [359] من نفس المجلد.

    وقال: أما حديث... {من صلى الضحى بنى الله له قصراً في الجنة من ذهب} فمن الأحاديث الغرائب، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

    وكذلك أعاد المسألة في صفحة [420] من نفس المجلد، فلتراجع.

    المواضع التي يشرع فيها الدعاء في الصلاة

    في صفحة [256] ذكر المواضع التي يشرع فيها الدعاء في الصلاة، فقال: "وأما المواضع التي كان يدعو فيها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فسبعة مواطن.

    أحدها: بعد تكبيرة الإحرام في محل الاستفتاح.

    الثاني: قبل الركوع وبعد الفراغ من القراءة في الوتر، والقنوت العارض في الصبح قبل الركوع إن صح ذلك فإن فيه نظراً.

    الثالث: بعد الاعتدال من الركوع كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن أبي أوفى {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ}.

    الموضع الرابع: في ركوعه كان يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

    الخامس: في سجوده وكان فيه غالب دعائه.

    السادس: بين السجدتين.

    السابع: بعد التشهد وقبل السلام، وبذلك أمر في حديث أبي هريرة وحديث فضالة بن عبيد.

    وأمر أيضاً بالدعاء في السجود: قال: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو مستقبل المأمومين، فلم يكن ذلك من هدية صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، أما تخصيص ذلك بصلاة الفجر والعصر؛ فلم يفعل ذلك هو ولا أحدٌ من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته؛ وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً من السنة بعدهما، والله أعلم".

    ولذلك: علم أن رفع اليدين في الدعاء بعد الفريضة بدعة، لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك محافظة الناس على رفعهما بعد السنة والتزام ذلك على اعتقاد أنه وارد ومأثور، فإنه ليس بوارد، فإما أن يقال: إنه غير جائز، أو يقال: إن الأولى تركه لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء في صلب الصلاة أولى من الدعاء خارجها، وإن كان الدعاء بعد الصلاة، أعني الفريضة، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح: أنه كان يستغفر ثلاثاً بعد السلام، وفي حديث معاذ: أنه كان يقول: {اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك} وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند البخاري والنسائي: {اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد}.

    القنوت في صلاة الفجر

    وفي صفحة [274/275] ذكر رحمه الله، كلاماً جيداً، لم أره لغيره من أهل العلم، فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في صلاة الفجر، قال: " ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ثم تركه، فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل وغيرها ويقولون: هو منسوخ، وفعله بدعة فـأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها -يعني: كالشافعية- وهم أسعد بالحديث من الطائفتين؛ فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة وتركه سنة، ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفاً للسنة " وإن كان في هذا نظر؛ لأنه صح عند النسائي وغيره من حديث سعد بن طارق {أنه سأل أباه عن القنوت وقال: إنك صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، فهل رأيتهم يقنتون؟ قال: أي بني محدث، وفي لفظ: بدعة} فدل على أن المداومة على القنوت في الفرائض ليس بمشروع، بل هو أقرب إلى أن يكون مكروهاً أو بدعة، ثم قال المصنف رحمه الله: " بل من قنت فقد أحسن، ومن ترك فقد أحسن، وركن الاعتدال -أي: من الركوع- محل الدعاء والثناء، وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ودعاء القنوت؛ دعاء وثناء، فهو أولى بهذا المحل، وإذا جهر الإمام به أحيانا ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين؛ وجهر ابن عباس بالفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا أيضاً جهر الإمام بالتأمين وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله، ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة النسك من الإفراد والقرآن والتمتع وليس مقصودنا إلا ذكر هديه صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله هو؛ فإنه قِبلةُ القصد، وإليه والتوجَّه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب.

    وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز؛ وإنما مقصودنا فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم ... إلى آخر ما قال " وأذكر أنه ضمن كلامه أشار إلى أن القنوت الذي ورد من حديث أنس وغيره: {أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا} ليس معناه القنوت عند الفقهاء -بمعنى رفع اليدين وإطالة الدعاء- وإنما مقصوده: إطالة الركن بعد الركوع، أي أنه يطيل القيام بعد الركوع؛ ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أنس: {أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع؛ وقف حتى يقول القائل قد نسي} لأن الناس كانوا يخففون هذا الركن، فأحب أن يخبرهم أن السنة إطالته، فهذا هو المقصود بقنوته صلى الله عليه وسلم حتى فارق الدنيا.

    إغماض العينين في الصلاة

    في صفحة [294] ذكر المصنف رأيه في موضوع إغماض العينين في الصلاة، وإغماض العينين فيه كلام كثير، يقول المصنف: وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرهه الإمام أحمد وغيره، وقالوا: هو فعل اليهود، وأباحه جماعة ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع، الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها -قال رحمه الله- والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العينين لا يخل بالخشوع، فهو أفضل؛ وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهنالك لا يكره التغميض قطعاً، والقول باستحبابه في هذا الحال، أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة.

    أكثر الناس تشدداً في الرجال

    وفي صفحة [304] ذكر رحمه الله أن أشد الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين، يعني أن أكثر علماء الجرح والتعديل تشدداً في تجريح الرجال هو يحيى بن معين، ولكن هذا ليس على إطلاق، فإن الظاهر -والله أعلم- من كلام أهل العلم، في كلام ابن معين في الرجال، أنه أقرب إلى الاعتدال، وأن أشدهم مقالة في الرجال هو أبو حاتم الرازي.

    تعدل ثلث القرآن

    في صفحة [316] ذكر سبب كون سورة [قل هو الله أحد] تعدل ثلث القرآن، فقال: " فسورة [قل هو الله أحد] متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة... إلى أن قال: فتضمنت إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه.

    ثم قال: وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي، الاعتقادي" ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر، ونهي وإباحة، والخبر نوعان:

    الأول: خبر عن الخالق تعالى، وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة [قل هو الله أحد] الخبر عنه أو الخبر وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن، وخلَّصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي؛ كما خلَّصت سورة [قل يا أيها الكافرون] من الشرك العملي الإرادي القصدي ولما كان العلم قبل العمل، وهو إمامه وقائده وسائقه والحاكم عليه ومنـزله منازله؛ كانت سورة [قل هو الله أحد] تعدل ثلث القرآن، والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر.

    وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك كتاباً -عظيم الفائدة نفيساً- اسمه: جواب أهل العلم والإيمان، في أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقد طبع مرات طبعات ناقصة، ثم حقق في جامعة الإمام، قسم العقيدة، حققه الشيخ سليمان الغفيص، تحقيقاً على نسح خطية، ولكنه لم يطبع بعد.

    النوم على الشق الأيمن

    وفي صفحة [321] ذكر سر النوم على الشق الأيمن، فقال: " وفي اضطجاعه على شقه الأيمن سر، وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر استثقل نوماً؛ لأنه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن؛ فإنه يقلق، ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب وطلبه مستقره وميله إليه، ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر، لكمال الراحة وطيب المنام؛ وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن؛ لئلا يثقل نومه، فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن والله أعلم.

    وهنا أشير إلى فائدة ليست بعيدة عما ما ذكره المصنف وهي النوم جهة القبلة، فإن من المشهور عند الناس أنه يشرع للإنسان أن ينام مستقبل القبلة، وهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيه شيء يرجع إليه سوى حديث واحد، عند أبي يعلى في مسنده، ذكره ابن كثير في تفسيره؛ في أول تفسير سورة الحديد، وهو حديث ضعيف جداً، فيه السري بن إسماعيل وهو متروك فلا يثبت في استقبال القبلة في النوم حديث صحيح.

    قضاء الوتر

    في صفحة [324] ذكر المصنف رحمه الله عدم مشروعية قضاء الوتر... فقال: " ولم يكن صلى الله عليه وسلم، يدع قيام الليل حضراً ولا سفراً، وكان إذا غلبه نوم أو وجع، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، قال: فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى، لفوات محله، فهو كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وتراً، كما أن المغرب أخر صلاة النهار، فإذا انقضى الليل، وصُلِّيتِ الصبح؛ لم يقع الوتر موقعه، هذا معنى كلامه إلى آخر ما قال " ولكن ذكر عدد من أهل العلم ونقل عن جمع من الصحابة، أن الإنسان له أن يوتر آخر الليل، قبيل الفجر ولو أدركه الفجر، أو مع الأذان، سواء أكان هذا الوتر أداءً أم قضاءً، فمن قام قبيل الأذان، أوتر ولو أذن وهو في أثناء الوتر، وكذلك من أراد أن يوتر مع الأذان، فلا بأس بذلك إذا لم يكن هذا من عادته، بل تأخر يوماً فاستيقظ مع الأذان.

    فأوتر فلا بأس، وإن لم يوتر، فإنه يشرع له أن يصلي له من النهار ما شاء شفعاً، ركعتين أو أربع أو ست أو غير ذلك.

    أصناف الناس في القرآن

    في صفحة [338] ذكر المصنف رحمه الله أصناف الناس في القرآن الكريم فقال: " الناس في هذا أربع طبقات:

    الأول: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس.

    والثانية: من عَدِمَ القرآن والإيمان.

    والثالثة: من أوتي قرآنا، ولم يؤتَ إيماناً.

    الرابعة: من أوتي إيماناً ولم يؤتَ قرآنا.

    قالوا: فكما أن من أؤتي إيماناً بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآناً بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبراً وفهماً في التلاوة، أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر، قالوا: وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح " إلى آخر ما قال رحمه الله.

    انتقاء الإمام مسلم أحاديث الضعفاء

    وفي صفحة [363] ذكر فائدة نافعة، لطالب الحديث، حول طريقة الإمام مسلم رحمه الله في الانتقاء من أحاديث الضعفاء، قال: " وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما {أن رسول الله صلى الله وعليه وسلم، لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة} رواه أبو داود فهو حديث ضعيف، في إسناده الحارث بن عبيد " ثم ذكر الأقوال فيه إلى أن قال: كان يشبهه في سوء الحفظ، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعيب على مسلم إخراج حديثه " هذا الكلام نقله ابن القيم عن ابن القطان، ثم عقب عليه ابن القيم بقوله: ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطّرح من أحاديث الثقة، ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعف جميع حديث سيئ الحفظ، فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله.

    والثانية طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن، يعني كأنه قال: إن الناس ثلاثة أصناف:

    منهم: من يطرح حديث الراوي الضعيف مطلقاً، ومنهم: يقبل حديث الراوي الثقة مطلقاً، والإمام مسلم كأنه توسط، فكان يأخذ من حديث الراوي الذي فيه ضعف ما يعلم أنه ضبطه، ويترك من حديث الراوي الموثوق ما يعلم أنه غلط فيه، فكانت طريقته وسطاً في هذا.

    الحديث المرسل

    وفي صفحة [379] ذكر فائدة تتعلق بالحديث المرسل، ومتى يصح قبوله، فإن المشهور عند كافة المحدثين، أن الحديث المرسل لا يقبل، ولكن من العلماء -كـالشافعي- وغيره من قبل الحديث المرسل بشروط والمصنف رحمه الله هاهنا قال: " في صفحة [379] والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفاً باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته، عُمل به، فبين أن المرسل لا يترك مطلقاً، وقد يقبل إذا وجد ما يعضده، أو يشهد له.

    ساعة الإجابة

    في صفحة [394] ذكر ساعة الإجابة، وساعة الإجابة يوم الجمعة فيها أقوال، لعلها تزيد على اثنين وأربعين قولاً، كما ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح، ولكن للحافظ ابن حجر والمصنف وسبقهما إلى ذلك بعض الأئمة، رأياً في ساعة الإجابة، بأنها قد تكون مفرقة في يوم الجمعة، فبعضها من دخول الإمام، إلى أن تقضى الصلاة -كما في صحيح مسلم- وبعضها في آخر ساعة من العصر، كما في السنن بسند صحيح.

    يقول المصنف: "وعندي أن ساعة الصلاة، ساعة ترجى فيها الإجابة أيضاً، وكان قد ذكر موضوع ساعة العصر، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر؛ فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر. وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت، لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين "والحقيقة أني وجدت كلاماً له علاقة بما ذكرت قبل قليل، حول مسجد قباء ومسجد المدينة، قال: " ونظير هذا، قوله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: {هو مسجدكم هذا، وأشار إلى مسجد المدينة} وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نـزلت فيه الآية مؤسساً على التقوى، بل كل منهما مؤسس على التقوى، وكذلك قوله في ساعة الجمعة: {هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة} لا ينافي قوله في الحديث الآخر: {فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر}.

    طريقة خطب النبي صلى الله عليه وسلم

    في صفحة [424] ذكر المصنف كلاماً نفيساً عجيباً في نقد بعض طرائق الوعاظ، الذين يبالغون في تخويف الناس من موضوع الموت، ويغفلون عما هو أهم منه، وهو كلام ينبغي أن يكتب بماء الذهب! وأن يطلع عليه كل داعية وواعظ، حتى يعرف الأسلوب المناسب في الوعظ، والموضوعات المهمة. وهذا الكلام أقرؤه وإن كان فيه طولاً، لأنه كلام لذيذ جداً، يقول: وكذلك كانت خطبته صلى الله عليه وسلم، إنما هي تقرير لأصول الإيمان، من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه وذكر الجنة النار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيداً، ومعرفة بالله وأيامه؛ لا كخطب غيره التي إنما تفيد أموراً مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون، ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون، وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي أيمان حصل بهذا؟!

    وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟!

    ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى، التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره، الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته، وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره؛ ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، قال: ثم طال العهد وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوماً تقام، من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سنناً لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفِقَر وعلم البديع؛ فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها.. انتهى كلامه.

    وهذا صحيح، يعني أنه أصبحت خطب كثير من الناس فيها سجع وترتيب وتغنٍ بالقراءة، واعتقدوا أن هذه سنن لا يجوز الإخلال بها، وغفلوا عن المعنى الذي هو المقصود من الخطبة، باختيار الموضوعات المهمة، وتحريك قلوب الناس بها.

    قاعدة في معرفة السنن والبدع

    وفي صفحة [432] ذكر فائدة أصولية نفيسة أيضاً، وهي مرجع الإنسان في معرفة السنن والبدع فقال وهو يتكلم عن موضوع الجمعة، والسنة قبلها: " ولا يجوز إثبات السنن في مثل هذا بالقياس؛ لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يفعله ولم يشرعه؛ كان تركه هو السنة، -هذه القاعدة- ويقول: ونظير هذا، أن يشرع لصلاة العيد سنة قبلها أو بعدها بالقياس؛ فلذلك كان الصحيح أنه لا يسن الغسل للمبيت بـمزدلفة، ولا لرمي الجمار، ولا للطواف ولا للكسوف، ولا للاستسقاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لذلك، مع فعلهم لهذه العبادات، انتهى كلام المصنف.

    إذاً: يؤخذ من ذلك قاعدة، وهي: أن ما انعقد سبب فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، فالسنة تركه حينئذٍ.

    تحية المسجد

    وفي صفحة [435] ذكر كلاماً لعلِّي ذكرته قبل بفي مناسبة، نقل عن أبي البركات ابن تيمية في قصة الرجل الذي جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: {أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين وتجوز فيهما} جاء في سنن ابن ماجة، في هذا الحديث زيادة: {أصليت ركعتين قبل أن تجئ؟} قال: قال أبو البركات ابن تيمية قوله: [قبل أن تجئ] يدل على أن هاتين الركعتين سنة الجمعة، وليستا تحية المسجد " انتهى كلام أبي البركات، قال الشيخ ابن القيم قال شيخنا حفيده أبو العباس: وهذا غلط، أي أن الحفيد استدرك على جده رحمهما الله جميعاً- والحديث المعروف في الصحيحين عن جابر قال: {دخل رجل يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: فصلِّ ركعتين} وقال: {إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما} فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجة في الغالب غير صحيحة، هذا معنى كلامه " هذا ما نقله ابن القيم عن ابن تيمية.

    وبناءً عليه: فإن هاتين الركعتين هما تحية المسجد، قال ابن القيم رحمه الله: " وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي: هذا تصحيف من الرواة، إنما هو: {أصليت قبل أن تجلس؟} فغلط فيه الناسخ، وقال: -المزي- وكتاب ابن ماجة، إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم، فإن الحفاظ تداولوهما، واعتنوا بضبطهما، وتصحيحهما، قال ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف يعني: سنن ابن ماجة.

    أمثلة للحديث المقلوب

    وفي صفحة [439] ذكر أمثلة للحديث المقلوب، فإنه قال في صفحة [438] في حديث عطية العوفي عن ابن عباس: " كان النبي صلى الله عليه وسلم: {يركع قبل الجمعة أربعاً، لا يفصل بينها في شيء منها} إلى أن قال: هذا الحديث فيه عدة بلايا " فذكر أن بقية بن الوليد إمام المدلسين وقد عنفه، ثم ذكر مبشر بن عبيد منكر الحديث، ثم ذكر أن الحجاج بن أرطأة ضعيف مدلس، ثم ذكر أن عطية العوفي، ضعيف، ثم قال: وقال البيهقي، عطية العوفي لا يحتج به ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى وضع الحديث، والحجاج بن أرطأة لا يحتج به، قال بعضهم: ولعل الحديث انقلب على بعض هؤلاء الثلاثة الضعفاء، لعدم ضبطهم وإتقانهم فقال: قبل الجمعة أربعاً، وإنما هو بعد الجمعة، فيكون موافقاً لما ثبت في الصحيح، ونظير هذا: قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العُمري: {للفارس سهمان، وللراجل سهم} قال الشافعي: كأنه سمع نافعاً يقول: للفرس سهمان وللراجل سهم فقالللفارس سهمان، وللراجل سهمحتى يكون موافقاً لحديث أخيه عبيد الله، قال: وليس يشك أحد من أهل العلم، في تقديم عبيد الله بن عمر على أخيه عبد الله في الحفظ.

    قلت -ابن القيم-: ونظير هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة: {لا تزال جهنم يلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فيزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط: وأما الجنة فينشئ الله لها خلقاً} فانقلب على بعض الرواة فقال: {أما النار فينشئ الله لها خلقاً} فهذا أيضاً من المقلوب، قلت - أيضاً من كلامه- ونظير هذا حديث عائشة {إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم} وهو في الصحيحين فانقلب على بعض الرواة فقال: {إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فأكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال} وهذا للحافظ ابن حجر فيه كلام، في موضوع انقلاب هذا الحديث، وأن فيه نظر، قال: ابن القيم رحمه الله: "ونظيره أيضاً عندي حديث أبي هريرة: {إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه} وأظنه وهم -والله أعلم- فيما قاله رسوله الصادق المصدوق {وليضع ركبتيه قبل يديه} كما قال وائل بن حجر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه} وقال الخطابي وغيره حديث وائل بن حجر أصح من حديث أبي هريرة " فهذه أمثله للأحاديث المقلوبة في المتن.

    سكوت البخاري عن الراوي

    وأخيراً: في صفحة [471] ذكر المصنف كلاماً في سكوت الإمام البخاري عن الراوي، فإن المصنف الذي هو ابن القيم ذكر عكرمة بن إبراهيم، وأن البيهقي ضعفه، ثم قال: " قال أبو البركات ابن تيمية -يعني الجد- ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه -وتاريخ البخاري هو التاريخ الكبير، في تراجم الرواة، وهو مطبوع، قال: فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين، فكأنه بهذا يشير إلى أن البخاري إذا ذكر الراوي في تاريخه، ولم يذكره بجرح ولا تعديل، فإنه ليس بمجروح عنده، وهذا كلام مشهور عند أهل العلم، لكن فيه نظر؛ فإن الساكت لا ينسب له قول، إذا سكت الإمام عن الرجل، فإنه لا يمكن أن ينسب إليه قول، فقد يكون بيض له لأن يعود إليه فيما بعد، أو لم يحضره شيء في حاله أو في شأنه أو لغير ذلك من العلل والأسباب، فهذه القاعدة: أن من سكت عنه البخاري في تاريخه، فهو ليس بمجروح عنده، فيها نظر، ولعلها لا تثبت على إطلاقها.

    هذا ما تيسر من الفوائد في هذا الجزء.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

    1.   

    الفوائد المنتقاة من الجزء الثاني

    الحمد لله، لا زلنا في مختارات من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام ابن قيم الجوزية، وقد أنهينا مختارات من الجزء الأول، ونبدأ في الجزء الثاني؛ وهذه المختارات في هذا الجزء ليست كثيرة، وقد رأيت حذف بعضها -أيضاً- حتى نستطيع أن نسير في بعض الكتب الأخرى المهمة، والموضوعات الأخرى أيضاً التي قد نحتاج إلى طرحها في مثل هذا الوقت القصير.

    أسباب شرح الصدر

    فمن المختارات في صفحة [23] من الجزء الثاني، ذكر المصنف رحمه الله! فصلاً طويلاً مفيداً، في أسباب شرح الصدور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حصل على الكمال من شرح الصدر، وذكر من هذه الأسباب: التوحيد وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشرح صدر صاحبه، وذكر منها: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسعه، ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد، ضاق وحرج وصار في أضيق سجن وأصعبه، ومنها: العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه، حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحسرة والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره، وليس هذا لكل علم! بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنهم أخلاقاً، وأطيبهم عيشاً.

    ومنها: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك، حتى إنه ليقول أحياناً: إن كنت في الجنة في مثل هذه الحالة، فإني إذاً لفي عيش طيب! وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حس به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح.

    ثم قال: " ومن أسباب شرح الصدر: دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن".

    ومنها: الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً وأنعمهم قلباً، ومنها الشجاعة: فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، منكسر القلب ".

    ثم قال ضمن الشجاعة: فحال العبد في القبر، كحال القلب في الصدر، نعيماً وعذاباً وسجناً وانطلاقاً، ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدر هذا لعارض، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها.

    ثم قال: ومنها بل من أعظمها: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة، التي توجب ضيقه وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البُرء.

    ومنها: ترك فضول النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم، فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وغموماً وهموماً في القلب، تحصره وتحبسه وتضيقه ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم. وما أنكد عيشه، وما أسوأ حاله، وما أشد حصر قلبه! ولا إله إلا الله، ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همته دائرة عليها، حائمة حولها! إلى آخر ما قال رحمه الله.

    فائدة لغوية

    وفي صفحة [105] وهو يسرد حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر فائدة لغوية جانبية فقال: والعرب إذا اجتمعت الليالي والأيام في التاريخ، غلبت لفظ الليالي؛ لأنها أول الشهر، وهي أسبق من اليوم، فتذكر الليالي، ومرادها الأيام.

    حال حديث الحجاج بن أرطأة

    وفي صفحة [111] ذكر كلاماً عن الحجاج بن أرطأة والمقالات فيه، ثم ذكر خلاصة رأيه في ذلك، أي حديث الحجاج بن أرطأة فقال: وحديثه لا ينـزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات.

    من غلطوا في حجه صلى الله عليه وسلم وإهلاله

    في صفحة [122] ذكر رحمه الله! بعد أن ذكر من غلطوا في حج النبي صلى الله وعليه وسلم وعمرته، من الأئمة والرواة وغيرهم، فقال: غلط في عمر النبي صلى الله عليه وسلم خمس طوائف، ثم ذكرها.

    إحداها: من قال: إنه اعتمر في رجب، والثانية: من قال إنه اعتمر في شوال، والثالثة: من قال: إنه اعتمر من التنعيم… والرابعة: من قال: لم يعتمر في حجته أصلاً، والخامسة: من قال إنه اعتمر عمرة حل منها، ثم أحرم بعدها بالحج " هؤلاء، خمسة أصناف من الناس غلطوا في عُمَر النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال: فصل: ووهم في حجه خمس طوائف الأولى: التي قالت حج حجاً مفرداً لم يعتمر معه.

    والثانية: من قال: حج متمتعاً تمتعاً حل منه ثم أحرم بعده بالحج.

    والثالثة: من قال: حج متمتعاً تمتعاً لم يحل منه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارناً.

    والرابعة: من قال: حج قارناً قراناً طاف له طوافين، وسعى له سعيين.

    والخامسة: من قال: حج حجاً مفرداً، واعتمر بعده من التنعيم.

    ثم قال: غلط في إحرامه خمس طوائف… وذكرها.

    الشاهد أنه بعدما ذكر هذا الغلط قال: " فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشأ الوهم والغلط " وهذا يعطينا أيها الإخوة درساً مهماً من هذا الإمام الجهبذ الفحل في التماس الأعذار لأهل العلم فيما يخطئون فيه من الآراء والأقوال أو الأعمال أيضاً، وأن الإنسان ينبغي أن يكون عنده أيضاً جرأة وشجاعة على أنه إذا كان الخطأ واضح؛ يقول: هذا خطأ؛ ثم يكون عنده في مقابل ذلك إعذار والتماس ذلك العذر لهذا الإنسان في وقوعه في هذا الخطأ، بحيث لا يلقي عليه باللائمة، أو يضع من قدره وتصبح القضية في ميزاننا كما هي اليوم في ميزان كثير من الناس، إما (100%) أو صفر، إما أن يكون هذا الإنسان كاملاً لا يعرفون فيه عيباً، فإن وجدوا فيه عيباً أسقطوا قيمته بالكلية، ولم يروا له فضلاً، وهذا خطأ! بل يقال للمصيب: أصبت، ويقال للمخطئ -بعد أن يتبين خطؤه بالدليل الصحيح- أخطأت؛ ثم يلتمس العذر لهذا المخطئ في خطئه -فهو أي ابن القيم- بدأ في التماس الأعذار فقال: أما عذر من قال اعتمر في رجب -مثلاً- فحديث ابن عمر: {أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب} متفق عليه، إذاً هذا عذر قوي لهم.

    قال: وأما من قال: " اعتمر في شوال فعذره ما رواه مالك في الموطأ …" إلى آخر ما ذكر من الأعذار.

    ثم قال فصل في صفحة [127] " فصل: في أعذار الذين وهموا في صفة حجته " ثم قال في صفحة [150] " ذكر الذين غلطوا في إهلال النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عذرهم، إلى آخر ما ذكر، وليس المقصود من ذلك أن الإنسان يمكن أن يراجع هذه المسألة، لكن المقصود: الدرس التربوي في التماس العذر للإنسان إذا أخطأ.

    ترك الأوْلى لتأليف القلوب

    وفي صفحة [143] ذكر رحمه الله مسألة مهمة لطالب العلم وللداعية، وسبق أن ذكرتها تفصيلاً في هذا الموضع؛ لكن أيضاً أقرأ ما ذكر وهي: أن الإنسان ينبغي له أحياناً أن يترك الأولى إلى ما هو أقل منه، رغبة في تأليف القلوب والموافقة، وعدم تفريق الناس.

    فيقول رحمه الله لما ذكر إحرام النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أحرم قارناً، ومع ذلك فإنه تمنى أنه كان متمتعاً قال: " ولمن رجح القرآن مع السوق أن يقول: لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول مرجوح؛ بل لأن الصحابة شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه هو محرماً، وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمروا به مع انشرح وقبول ومحبة، وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، لما فيه من الموافقة وتأليف القلوب، كما قال لـعائشة: {لولا أن قومك حديثو عهدٍ بجاهلية؛ لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين} فهذا ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف، فصار هذا هو الأولى في هذه الحال " أي أن المفضول يصبح هو الفاضل إذا كان فيه جمع للكلمة وتأليف للقلوب والموافقة، وتحصيل مصالح أخرى. ثم قال: " فكذلك اختياره للمتعة بلا هدي، وفي هذا جمع بين ما فعله وبين ما وده وتمناه ".

    حال الليث بن سليم

    ِوفي صفحة [147] ذكر فائدة تتعلق بالجرح والتعديل، وهي كلامه عن الليث بن أبي سليم، بعد أن ذكر الأقوال فيه، فقال: " ومثل هذا حديثه حسن، وإن لم يبلغ رتبة الصحة " وذكر أقوال آخرين ضعفوه، لكن هذا رأي الإمام ابن القيم نفسه أن حديثه حسن.

    نبذة موافقة الإمام أحمد للسنة

    في صفحة [183] ذكر فائدة عن الإمام أحمد، تدل على عظيم موافقة الإمام أحمد للسنة، وحرصه عليها، فقال: " ولله در الإمام أحمد رحمه الله إذ يقول لـسلمة بن شبيب، وقد قال له: يا أبا عبد الله: كل أمرك عندي حسن، إلا خلة واحدة.

    وما هي؟

    قال: تقول بفسخ الحج إلى العمرة، فقال يا سلمة، كنت أرى لك عقلاً، عندي في ذلك أحد عشر حديثاً صحاحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أأتركها لقولك؟!!

    شروط النسخ

    في صفحة [187] فائدة مهمة في شروط النسخ، ذكر الإمام ابن القيم أن النسخ يحتاج إلى أربعة أمور: يحتاج إلى نصوص أخر تكون تلك النصوص معارضة لهذه، ثم تكون مقاومة لها، أي: في قوتها، ثم يثبت تأخرها عنها.

    فأولاً: لا بد في إدعاء النسخ من وجود نص يفهم منه أن هذا ناسخ، ثم هذا الناسخ: لا بد أن يكون في قوة المنسوخ أو المدعى نسخه، ثم لا بد أن يكون معارضاً له، بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحمل هذا على حال وهذا على حال؛ ثم لا بد أن يثبت تأخر الناسخ، وتقدم المنسوخ.

    متى يشرع الاحتياط في العبادة

    وفي صفحة [212] ذكر متى يشرع الاحتياط في العبادة؟ فقال: " الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين السنة، فإذا تبينت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها، فإن كان تركها لأجل الاختلاف -يعني الاختلاف بين العلماء- احتياطاً، فترك ما خالفها واتباعها أحوط وأحوط، فالاحتياط نوعان:

    احتياط للخروج من خلاف العلماء.

    واحتياط للخروج من خلاف السنة، ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر.

    ما حرم تحريم الوسائل يباح للحاجة

    في صفحة [242] ذكر فائدة أراها مهمة جداً، قال وهو يتكلم عن المحرم الذي نهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرب طيباً، قال: " وإذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم، قد نهى أن يقرب طيباً أو يمس به، تناول ذلك الرأس والبدن والثياب، وأما شمه من غير مسَّ، فإنما حرمه من حرمه بالقياس، وإلا فلفظ النهي لا يتناوله بصريحة، ولا إجماع معلوم فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإن شمه يدعو إلى ملامسته في البدن والثياب، كما يحرم النظر إلى الأجنبية؛ لأنه وسيلة إلى غيره، وما حرم تحريم الوسائل؛ فإنه يباح للحاجة، أو المصلحة الراجحة " هذه يجب أن تحفظوها يا إخوان - قال: كما يباح النظر إلى الأمة المستامة والمخطوبة ومن شهد عليها، أو يعاملها أو يَطُبُها.

    الشاهد أنه قال: " وما حرم تحريم الوسائل، فإنه يباح للحاجة، ويباح للمصلحة الراجحة " طبعاً ومن باب الأولى أنه يباح للضرورة، نقول ما حرم تحريم الوسائل، يباح للضرورة، والحاجة والمصلحة الراجحة، وعلى هذا تنحل إشكالات كثيرة، وهذه القاعدة ذكرها ابن القيم في عدة مواضع، ذكرها أيضاً في إعلام الموقعين، وذكرها في مواضع أخرى من زاد المعاد وبالقاعدة هذه تندفع إشكالات كثيرة على بعض الناس الذين تلتبس عليهم أمور اليوم، فمثلاً قضية التصوير عند من يقول بتحريمه هو محرم تحريم وسيلة، لا تحريم غاية، فهو حينئذٍ يباح للضرورة والحاجة والمصلحة الراجحة، فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك، كما يصور الإنسان لاستخراج بطاقة، أو رخصة أو شهادة، أو لحاجة إلى ذلك، ولو لم تصل إلى حد الضرورة، أو لمصلحة راجحة فيها نفع ظاهر يربو ويزيد على المفسدة الموجودة، فمثل هذا الحال يفتي العلماء بجواز ذلك، ولذلك تجد أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على رغم أنه يشدد في مسألة التصوير، حتى أنه يقول: إنه كبيرة من كبائر الذنوب. بل صدرت بذلك فتوى من هيئة كبار العلماء، تقول: إن التصوير كبيرة من كبائر الذنوب، ومع ذلك فإن الشيخ رحمه الله يجيز التصوير للحاجة والمصلحة، فضلاً عن الضرورة، وقد سئل عن مسائل عديدة، يكون في التصوير فيها مصلحة، لنشر الخير أو تعميمه بين الناس، أو مدافعة الفساد، فقال بأن هذا حسن ولا بأس فيه، وقد سمعت هذا منه بأذني أكثر من مرة.

    حديث عائشة في رمي الجمار وأبي هريرة في التحصيب

    وفي صفحة [248] ذكر حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل، بـأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، قال: الإمام ابن القيم رحمه الله: " هذا حديث منكر، أنكره الإمام أحمد وغيره " وهذا الحديث يحتج به بعضهم، والإمام رحمه الله ذكر أنه منكر.

    وفي صفحة [294] ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما انتهى من حجه، نـزل بـالخَيف، خَيف بني كنانة، قال المصنف رحمه الله: " وقد اختلف السلف في التحصيب، هل هو سنة أو منـزل اتفاق؟ -أي: من غير قصد- على قولين:

    فقالت طائفة هو من سنن الحج، فإن في الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حينما أراد أن ينفر من منى: { نحن نازلون غداً إن شاء الله بـخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر} يعني بذلك المحصَّب، وذلك أن قريشاً وبني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب ألاَّ يناكحوهم، ولا يكون بينهم وبينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصد النبي صلى الله عليه وسلم إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ولرسوله، وهذه كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه، أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزى.

    أي: الخيف هو المكان الذي اجتمعت فيه قريش، وكتبوا الصحيفة الجائرة الظالمة، التي بموجبها كان الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه في شعب أبي طالب فترة، بل وبنو هاشم وبنو المطلب، حتى من غير المسلمين، ولا يبايعونهم ولا يبتاعون منهم، ولا يناكحونهم حتى كان يسمع صياح الأطفال من الجوع في هذا الخيف، أي نوع من الحصار الاقتصادي للمسلمين.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة , ودانت له الجزيرة العربية بإذن الله تعالى، أراد أن يظهر شعار الإسلام وعزة الإسلام في المكان الذي ضويق فيه، فنـزل في هذا الخَيف، حيث تقاسموا على الكفر.

    اختلاف الرواة في القصة على أوجه عديدة

    وفي صفحة [296] ربما كنت قد ذكرت بعض هذه الأشياء سابقاً ذكر المصنف مسألة تعدد القصة، فأحياناً توجد رواية فيها قصة، اختلف الرواة فيها على أوجه عديدة، فمثلاً: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة أو لم يصلِّ؟

    قال بعضهم: صلى، وقال بعضهم: لم يصلِّ.

    وقال بعضهم: يحمل هذا على تعدد القصة، بأن يكون دخل مرة وصلى، ودخل مرة ولم يصلِّ قال المصنف رحمه الله في صفحة [296]" فقيل: كان ذلك دخولين، صلى في أحدهما، ولم يصلِّ في الآخر، وهذه طريقة ضعفاء النقد؛ كلما رأوا اختلاف لفظ، جعلوه قصة أخرى، كما جعلوا الإسراء مراراً لاختلاف ألفاظه، وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مراراً، لاختلاف ألفاظه، وجعلوا طواف الوداع مرتين لاختلاف سياقه ونظائر ذلك.

    وأما الجهابذة النقاد؛ فيرغبون عن هذه الطريقة، ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوماً من الغلط، ونسبته إلى الوهم.

    قال البخاري وغيره من الأئمة والقول قول بلال، لأنه مثبت شاهد صلاته، بخلاف ابن عباس، والمقصود: أن دخوله صلى الله عليه وسلم البيت إنما كان في غزوة الفتح، لا في حجه ولا في عُمَرَهِ، وفي صحيح البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قال: [[قلت لـعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عمرته البيت؟ قال: لا]] وقالت عائشة: {خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين، طيب النفس، ثم رجع إليَّ وهو حزين القلب، فقلت: يا رسول الله! خرجت من عندي وأنت كذا وكذا، فقال: إني دخلت الكعبة، وودت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي}.

    فهذا ليس فيه أنه كان في حجته، بل إذا تأملته حق التأمل، أطلعك التأمل على أنه كان في غزاة الفتح، والله أعلم، وسألته عائشة أن تدخل البيت، فأمرها أن تصلي في الحجر، ركعتين.

    الالتزام في الكعبة

    وفي صفحة [298] ذكر مسألة الالتزام في الكعبة، وهي من المسائل التي ننكر نحن على من يفعلها، ومن يلصقون وجوههم وصدورهم ببعض أجزاء الكعبة، فكثيراً ما ننكر على من يفعل ذلك، يقول المصنف رحمه الله: " وأما المسألة الثانية: وهي وقوفه في الملتزم، فالذي روي عنه، أنه فعله يوم الفتح، ففي سنن أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي صفوان قال: {لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد خرج من الكعبة، هو وأصحابه، وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم} والحديث فيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، لكن له شاهد.

    وروى أبو داود أيضاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: {طفت مع عبد الله -لعله عبد الله بن عمرو بن العاص

    - فلما حاذى دبر الكعبة- قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه هكذا، وبسطهما بسطاً وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله} والحديث في سنده المثنى بن الصباح وهو ضعيف، لكنه ينجبر بما قبله، يقول المصنف: " فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعي وغيرهما: إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع، ويدعو وكان ابن عباس رضي الله عنهم يلتزم ما بين الركن والباب -فالملتزم ما بين الركن والباب- وكان يقول: لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، والله وأعلم.

    المبالغة والغلو في الأسماء

    وفي صفحة [343/344] ذكر مضرة المبالغة والغلو، وهو يتكلم عن مسألة الأسماء، فإنه في هذا الفصل ذكر النهي عنه التسمي بيسار، وأفلح ونجيح ورباح وغيرها، وذكر أنه أحياناً قد يسمى الشخص باسم لا يليق به، فقد يسمى الشخص محيي الدين وهو عدو لله ولرسوله، وقد يسمى سراج الإسلام وهو يسعى في إطفاء نور الله في الليل والنهار، وقد يسمى بعبد الله عز وجل أو بعبد الرحمن أو بعبد الرحيم، وهو لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولكن التعبيد من حيث الأصل مشروع تسميته بذلك؛ وإنما الألقاب والكنى، مثل: سراج الملة، وركن الدين، ومحيي الإسلام، وما أشبه ذلك، هذه لا تنبغي.

    فقال: " اقتضت حكمة الشارع، الرؤوف بأمته، الرحيم بهم؛ أن يمنعهم من أسباب توجب لهم سماع المكروه أو وقوعه، وأن يعدل عنها إلى أسماء تُحَصِِّل المقصود من غير مفسدة، هذا أولى، مع ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم عليه، بأن يسمى يساراً من هو من أعسر الناس، ونجيحاً من لا نجاح عنده، ورباحاً من هو من الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله، وأمر آخر أيضاً وهو أن يطالب المسمى بمقتضى اسمه؛ فلا يوجد عنده " أي: ينتظر الناس منه أن يكون على اسمه، وأن يكون اسماً وافق مسماه ولفظاً طابق معناه، فيجدون النقيض، قال: فيجعل ذلك سبباً لذمه وسبه كما قيل:

    سموك من جهلهم سديداً      والله ما فيك من سداد

    أنت الذي كونه فساداً      في عالم الكون والفساد

    فتوصل الشاعر بهذا الاسم إلى ذم المسمى به ولي من أبيات:

    وسميته صالحاً فاعتذى      بضد اسمه في الورى سائرا

    وظن بأن اسمه ساتر      لأوصافه فغدا شاهرا

    وهذا كما أن من المدح ما يكون ذماً موجباً لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس، فإنه يمدح بما ليس فيه، فتطالبه النفوس بما مدح به، وتظنه عنده؛ فلا تجده كذلك، فتنقلب ذماً!

    ولو ترك من غير مدح لم تحصل له هذه المفسدة، ويشبه حاله؛ حال من ولي ولاية سيئة ثم عزل عنها؛ فإنه تنقص مرتبته عما كان عليه قبل الولاية، وينقص في نفوس الناس، عما كان عليه قبلها، وفي هذا قال القائل:

    إذا ما وصفت امرءاً لامرئٍ      فلا تغلُ في وصفه واقصِدِ

    فإنك إن تغلُ تغل الظنون      فيه إلى الأمد الأبعد

    فينقص من حيث عظمته      لفضل المغيب على المشهد

    وهذا معنىً لطيف، يعني أنه: إذا مُدِحَ لك إنسان -وقيل: والله لو رأيت فلاناً لرأيت العقل والخلق والدين والعبادة وكذا وكذا- لعظم في عينك، فإذا رأيته ربما نقص عما كان، لأن المبالغة في المدح أولاً: أورثت النقص عندك، ثانياً: نسبته إلى ما ذكر، ولذلك قال: " وعلى هذا فتكره التسمية بـ: التقي، والمتقي، والمطيع، والطائع، والراضي، والمحسن، والمخلص، والمنيب، والرشيد، والسديد.

    وأما تسمية الكفار بذلك، فلا يجوز التمكين منه، ولا دعاؤهم بشيء من هذه الأسماء، ولا الإخبار عنهم بها، والله عز وجل يغضب من تسميتهم بذلك.

    صيغة التكبير في عشر ذي الحجة

    وفي صفحة [395] جاء الكلام عن مسألة التكبير في عشر ذي الحجة، وهي مسألة من مسائل العلم، التي يختلف فيها بعض طلاب العلم -أحياناً- هل يشرع، وما الدليل على مشروعيته -سواءً أكان تكبيراً مطلقاً أم تكبيراً مقيداً-؟ قال رحمه الله: " وكان صلى الله عليه وسلم، يكثر الدعاء في عشر ذي الحجة، ويأمر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد ".

    ويذكر عنه: أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، فيقول: {الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد} وهذا وإن كان لا يصح إسناده فالعمل عليه... إلى آخر ما قال " والمحقق الله، فقد ذكر حديث البخاري، والترمذي، وأبي داود، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذا الأيام العشر...} ثم ذكر حديث الدارقطني عن جابر وضعفه، قال: " وفي الباب عن علي وعن عمار عند الحاكم في المستدرك ضعفه الذهبي والبيهقي، قال الحاكم فأما من فعل عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن مسعود فصحيح عنهم التكبير من غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق.

    وأخرج ابن أبي شيبة عن علي {أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق} وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن أبي الأسود قال: " كان عبد الله بن مسعود يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، يقول: [[الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد]] وإسناده صحيح " انتهى كلام المحقق وما دام أنه ثبت عن علي وعمر وابن عباس وابن مسعود أنهم يكبرون، فهذا دليل على مشروعيته، واشتهاره عند الصحابة، ويبعد أن يخترعوا هذا الأمر من عند أنفسهم، وهم الوقافون عند حدود الله، وإنما رأوا هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فتأسوا به، وبناءً عليه: نقول بمشروعية التكبير المقيد من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.

    الأقوال في السلام والرد على أهل الكتاب

    وفي صفحة [425] ذكر المصنف رحمه الله المذاهب في السلام والرد على أهل الكتاب، فقال في صفحة [424] صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تبدؤوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق، فاضطروهم إلى أضيق الطريق} لكن قد قيل: إن هذا كان في قضية خاصة، لما ساروا إلى بني قريظة قال: {لا تبدؤوهم بالسلام} فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقاً، أو يختص بمن كانت حاله بمثل حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه} والظاهر أن هذا حكم عام.

    وقد اختلف السلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم لا يبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة وابن محيريز، وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله، لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له السلام عليك فقط، بدون ذكر الرحمة وبلفظ الإفراد: وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة، من حاجة تكون له إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمة، وقال الأوزاعي: إن سلّمت، فقد سلَّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون ".

    ثم ذكر الخلاف في وجوب الرد عليهم وقال: " فالجمهور على وجوبه، وهو الصواب -أي أن ترد عليهم السلام- وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم، كما لا يجب على أهل البدع وأولى، والصواب الأول -أي الوجوب- والفرق أننا مأمورون بهجر أهل البدع، تعزيراً لهم وتحذيراً منهم، بخلاف أهل الذمة. "

    النهي عن قول "عليك السلام"

    وفي صفحة [420] ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: {فإن عليك السلام، تحية الموتى} فقال: " كان هدية في ابتداء السلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وكان يكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام " أي عليك السلام هذا يقوله الذي يرد، أما المبتدئ فيقول: السلام عليك ثم قال: " قال أبو جري الهجيمي: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت عليك السلام يا رسول الله، فقال: { لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى} حديث صحيح، وقد أشكل هذا الحديث على طائفة، وظنوه معارضاً لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، في السلام على الأموات بلفظ السلام عليكم، بتقديم السلام " يعني: كأنهم فهموا من قوله: " عليك السلام " أن الميت يقال له: عليك السلام " فظنوا أن قوله:فإن عليك السلام تحية الموتى " إخبار عن المشروع، وغلطوا في ذلك غلطاً أوجب لهم ظن التعارض، وإنما معنى قوله: {فإن عليك السلام تحية الموتى} إخبار عن الواقع، لا عن المشروع، أي إن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم:

    عليك سلام الله قيس بن عاصمٍ      ورحمته ما شاء أن يترحما

    فما كان قيس هُلْكُهُ هُلْك      واحدٍ ولكنه بنيانُ قوم تهدَّمَا

    فكره النبي صلى عليه وسلم أن يحيَّى بتحية الأموات، ومن كراهته لذلك؛ لم يرد على المسلم بها " ومثل ما ذكر المصنف هاهنا، قول الشاعر يرثي أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه.

    عليك سلام من أمير وباركت      يد الله في هذا الأديم الممزقِ

    فمن يسعَ أو يركب جناحي نعامة      ليدرك ما أدركت في الأرض يسبق

    فخاطبه بقوله عليه السلام.

    فائدة العطاس

    وفي صفحة [438] ذكر في هذه الصفحة فائدة العطاس، وقال: " ولما كان العاطس قد حصلت له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه؛ التي لو بقيت فيه لأحدثت له أدواءً عسرةً، شُرِعَ له حمد الله على هذه النعمة، مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها؛ ولهذا يقال:سمَّته وشمته، بالسين والشين… إلى أن أقال: فإن العطاس يحدث في الأعضاء حركة وانـزعاجاً… إلى آخر ما قال".

    الألفاظ المكروهة

    في صفحة [468] ذكر رحمه الله الألفاظ المكروهة -وهو فصل يحسن مراجعته- فذكر فيه ألفاظاً نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل: ما شاء الله وشاء فلان، ومثل: لو لا الله وفلان، ومثل أنا بالله وبفلان، وأعوذ بالله وبفلان، وأنا في حسب الله وحسب فلان، وأنا متكل على الله وعلى فلان..

    فإنه إن قال ذلك؛ جعل فلاناً نداً لله عز وجل، وكذلك أن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا .

    ومنها: الحلف بغير الله.

    ومنها: أن يقول في حلفه: هو يهودي أو نصراني أو كافر إن فعل كذا.

    ومنها: أن يقول لمسلم: يا كافر!

    ومنها: أن يقال للسلطان: ملك الملوك، وعلى قياسه قاضي القضاة.. هذا كله لا يجوز.

    ومنها: أن يقول السيد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، ويقول الغلام لسيده: ربي، وأن يقول السيد: فتاي وفتاتي، وأن يقول الغلام: سيدي وسيدتي.

    ومنها: سب الريح إذا هبت؛ ومنها سب الحمى؛ ومنها: سب الديك، ومنها: الدعاء بدعوى الجاهلية، والتعزي بعزائهم؛ ومنها: تسمية العشاء بالعتمة؛ ومنها النهي عن سباب المسلم؛ ومنها: أن تخبر المرأة زوجها بمحاسن امرأة أخرى؛ ومنها: أن يقول في دعائه اللهم اغفر لي إن شئت، ومنها الإكثار من الحلف، ومنها: أن يسمي المدينة يثرب، ومنها: أن يسأل الرجل فيم ضرب امرأته، إلا إذا دعت الحاجة؛ ومنها: الإفصاح عن الأشياء التي ينبغي الكناية عنها؛ ومنها: أن يقول: أطال الله بقاءك وأدام أيامك -وطال عمرك- وعشت ألف سنة ونحو ذلك؛ ومنها: أن يقول الصائم: وحق الذي خاتمه على فم الكافر، ومنها: تسمية المكوس حقوقاً -ويقاس عليها الفوائد الربوية المحرمة بإجماع أهل العلم، فقد أصبحوا يسمونها في هذا العصر: فوائد؛ لتهوين شأنها وخطرها على المسلمين، ومنها: تسمية المشروبات الكحولية والخمر وغيره؛ مشروبات روحية؛ ومنها: تسمية الزنا والفجور والعلاقات المحرمة: تبادل الحب والعواطف والغرام وما أشبه ذلك من الألفاظ التي تهون من خطرها على المسلمين والمسلمات، ثم ذكر أن منها أن يقول المفتي: أحل الله كذا وحرم كذا، إلا فيما ورد النص بتحريمه، قال: -واختم بذلك وهي كلمة سبق أن سمعتموها مني أكثر من مرة- " فصل: وليحذر كل الحذر من طغيان " أنا " "ولي" و"عندي"؛ فإن هذه الألفاظ الثلاثة أُبتلي بها إبليس وفرعون وقارون؛ (فأنا خير منه) لإبليس؛ (لي ملك مصر لفرعون؛ و(إنما أوتيته على علم عندي) لقارون.

    وأحسن ما وضعت "أنا" في قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر، المعترف، ونحوه، "ولي" في قوله: لي الذنب ولي الجرم، ولي المسكنة ولي الفقر، ولي الذل و"عندي" في قوله: اغفر لي جدي وهزلي وعمدي وكل ذلك عندي.

    1.   

    فوائد الجزء الثالث

    في صفحة [40] ذكر أن أرواح الأنبياء في السماء، وأجسادهم في قبورهم، وذلك في مجال سماعه صلى الله عليه وسلم لسلام المُسلِّم عليه.

    خطأ قول من قال: " إن الإذن بالقتال نزل بمكة "

    وفي صفحة [70] ذكر تخطئة من قال: إن الإذن بالقتال نـزل بـمكة، يقول: " وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بـمكة والسورة مكية، وهذا غلط لوجوه:

    أحدها: أن الله لم يأذن لهم بـمكة في القتال، ولا كان لهم فيها شوكة يتمكنون بها من القتال بـمكة.

    الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال: [[الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ]][الحج:40].

    الثالث: قوله تعالى: [[هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ]][الحج:19] نـزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين.

    الرابع: " أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: [يا أيها الذين آمنوا] والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب [يا أيها الناس] فمشترك" يعني بين المكي والمدني.

    الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد، الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة..

    السادس: أن الحاكم روى في مستدركه من حديث الأعمش عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: [[أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، فأنـزل الله عز وجل: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39]]] وإسناده على شرط الصحيحين.

    إذا علل الحكم بعلة عامة لم يكن للعلة الخاصة فائدة

    في صفحة [114] ذكر قاعدة أصولية، وهي: أن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم الفائدة.

    عقد فصلاً في هديه صلى الله عليه وسلم، فيمن جس عليه، ثم قال: " ثبت عنه أنه قتل جاسوساً من المشركين، وثبت عنه أنه لم يقتل حاطباً، وقد جس عليه، واستأذنه عمر في قتله، -أي قتل حاطب- رضي الله عنه، فقال: {وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم} فاستدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس، كـالشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله! واستدل به من يرى قتله، كـمالك وابن عقيل من أصحاب أحمد رحمه الله وغيرهما، قالوا: لأنه علل بعلة مانعة من القتل -يعني: علل عدم قتله لـحاطب، بعلة مانعة من القتل، وهي كونه شهد بدراً- منتفية في غيره، ولو كان الإسلام مانعاً من قتله -أي: قتل الجاسوس- لم يعلل بأخص منه؛ لأن الحكم إذا علل بالأعم، كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى " يعني: أن الشيخ رحمه الله، يذهب كشيخه شيخ الإسلام إلى جواز قتل الجاسوس تعزيراً، لكن قتله إلى السلطان.

    الفتنة التي أمرنا باعتزالها

    في صفحتي [170،169] ذكر أن الفتنة التي أمرنا باعتزالها هي القتال الواقع بين الصحابة؛ فقال وهو يتكلم عن معاني الفتنة: والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام، كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين المسلمين، حتى يتقاتلوا ويتهاجروا، لون آخر؛ وهي الفتنة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: {ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي} وأحاديث الفتنة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال الطائفتين، هي هذا الفتنة " يعني: هذا الفتنة بين المسلمين، وسواء كانوا الصحابة أو غيرهم.

    أخطاء المؤمنين بالنسبة إلى أخطاء الكفار

    في صفحة [170] ذكر أن أخطاء المؤمنين قليلة إلى جنب أخطاء الكفار، فقال: " والمقصود أن الله سبحانه حكم بين أوليائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام -كلامه الآن في سرية عبد الله بن جحش- بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم، من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة! لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:

    وإذا الحبيب أتى بذنب واحد       جاءت محاسنه بألف شفيع

    فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح، ولم يأتِ بشفيع واحد من المحاسن.

    وفي صفحة [218] ذكر كلاماً طيباً في فوائد الهزيمة يرجع إليه.

    وفي صفحة [225] ذكر معنى قول الله عز وجل: [[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ]][آل عمران:146] فليرجع إليه.

    أسماء الله كلها حسنى

    وفي صفحة [236،235] ذكر أن أسماء الله عز وجل كلها حسنى، يقول في كلامه عن الله عز وجل: " أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنـزه عن كل سوء في ذاته وصفاته، وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك؛ وأفعاله كذلك، كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى.

    فلا تظنن بربك ظن سوء      فإن الله أولى بالجميل

    ولا تظنن بنفسك قط خيراً      وكيف بظالم جان جهول

    sh= 9904201>وقل يا نفس مأوى كل سوءٍ أيرجى الخير من ميت بخيل

    وظن بنفسك السوءى تجدها      كذاك وخيرها كالمستحيل

    وما بك من تقىً فيها وخيرٍ      فتلك مواهب الرب الجليل

    وليس بها ولا منها ولكن      من الرحمن فاشكر للدليل

    صفوان بن المعطل

    وفي صفحة [260] تكلم عن صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأرضاه، وأن عائشة لم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    ثم ذكر المصنف عن أبي حاتم أن صفوان كان كثير النوم، فكأنه كان ثقيل النوم؛ ولذلك لم يستيقظ إلا متأخراً، وقد جاء في السنن أن زوجته شكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

    جواز إعانة المشركين والظلمة على ما فيه مصلحة للمسلمين ما لم تقع مفسدة أكبر

    في صفحة [303] ذكر فائدة مهمة أيضاً وهي، ما إذا طلب المشركون من المسلمين إعانتهم على تعظيم الحرمات، يقول: ومنها -أي فوائد صلح الحديبية- أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة، إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه ومنعوا غيره؛ فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وعلى بغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوبٍ لله تعالى مرضٍ له؛ أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس" وهذه فائدة مهمة في واقعنا اليوم، لأن الإنسان أحياناً، قد يجد من إنسان صاحب بدعة أو انحراف أو بغي أو ظلم أو شرك؛ أنه يطلب منه أن يعينه على أمر فيه مصلحة وخير ونفع للإسلام والمسلمين، ورعاية لحق من حقوق الله، وحفظ لحرمة من حراماته، فيكره أن يعين هذا الإنسان وهو على ما هو عليه، من فسق وفجور وفساد، فكونه صلى الله عليه وسلم قال: {لا يسألوني أمراً يعظمون فيه حرمات الله تعالى إلا أجبتهم إليه} يفيد هذه الفائدة التي التقطها الإمام ابن القيم رحمه الله.

    تقديم المعارض للبراءة الأصلية وإنكار تكرار النسخ

    وفي صفحة [374] ذكر فائدتين أصوليتين:-

    أولاهما: تقديم المعارض للبراءة الأصلية، أي: إذا وجد عندنا رأيان أو حديثان في مسألة، أحدهما موافق للبراءة الأصلية، أي لأصل الجواز، والآخر معارض للبراءة الأصلية، يقدم المعارض لأنه يدل على النسخ ولذلك قال: " وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب} ولو قُدِّر تعارض القول والفعل هاهنا؛ لوجب تقديم القول، لأن الفعل موافق للبراءة الأصلية والقول ناقل عنها، فيكون رافعاً لحكم البراءة الأصلية، وهذا موافق لقاعدة الأحكام؛ ولو قدم الفعل، لكان رافعاً لموجب القول، والقول رافع لموجب البراءة، ويلزم تغير الحكم مرتين وهو خلاف قاعدة الأحكام " وفي قوله: فيلزم تغير الحكم مرتين، إشارة إلى رأيه -وهو رأي قوي أيضاً- الذي ينكر فيه أن يكون النسخ حصل مرتين، كما يدعيه بعض أهل العلم، في مسائل، من أشهرها: مسألة نكاح المتعة أنه حرم ثم أبيح ثم حرم؛ وقيل مثل ذلك في مسائل غيرها فـابن القيم رحمه الله ينكر أن يكون النسخ يقع في مسألة واحدة مرتين، وما ذهب إليه في نظري قوي والله أعلم.

    تكفير أهل البدع لمخالفيهم

    في صفحة [423] ذكر أن أهل البدع يسرعون إلى تكفير مخالفيهم، فيقول: " فصل: وفيها: أن الرجل إذا نَسَبَ المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً، وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء، والبدع؛ فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه ".

    وفي صفحة [458] ذكر حكم إسناد عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده وقد سبق فائدة مشابهة لذلك.

    كراهة الصلاة في الحمام وأماكن الصور

    وفي صفحة [458] أيضاً ذكر الكلام على الصلاة، في المكان الذي فيه صور، فقال: " وفي القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت، وصلى فيه، ولم يدخله حتى محيت الصور منه، ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصور، وهذا أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام - ولا يقصد بالحمام مكان قضاء الحاجة، بل الحمام هو مكان الاغتسال- لأن كراهة الصلاة في الحمام؛ إما لكونه مظنة النحاسة، وإما لكونه بيت الشيطان، وهو الصحيح؛ وأما محل الصور فمظنة الشرك، وغالب شرك الأمم كان من شرك الصور والقبور. "

    الوعد من الله لا ينافي فعل السبب

    وفي صفحة [480] ذكر أن الوعد لا ينافي فعل السبب، وهذه فائدة مهمة أيضاً، ومعناها: أن الله عز وجل -مثلاً- لما وعد المؤمنين بالنصر، فلا يعني هذا أن يقعدوا عن فعل الأسباب، ولما وعد بعضهم بالجنة، لا يعني أنهم يتركون العمل الصالح المؤدي إلى الجنة.

    قال المصنف رحمه الله: " ومنها أن من تمام التوكل استعمال الأسباب… إلى قوله: وكثير مما لا تحقيق عنده، ولا رسوخ في العلم يستشكل هذا، ويتكايس في الجواب، تارة بأن هذا فعله تعليماً للأمة، وتارة بأن هذا كان قبل نـزول الآية " أي قوله تعالى: [[وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ]][المائدة:67] إلى آخر ما ذكر" ثم قال: " ولو تأمل هؤلاء! أن ضمان الله له العصمة، لا ينافي تعاطيه أسبابها، لأغناهم عن هذا التكلف؛ فإن هذا الضمان له من ربه تبارك وتعالى لا يناقض احتراسه من الناس ولا ينافيه، كما أن إخبار الله سبحانه له بأنه يظهر دينه على الدين كله ويعليه، لا يناقض أمره بالقتال وإعداد العدة والقوة ورباط الخيل، والأخذ بالجد والحذر والاحتراس من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب، والتورية " إلى آخر ما ذكر.

    الإيثار بالقرب

    وفي صفحة [505] ذكر مسألة الإيثار بالقُرَبِ، وهي مسألة كثيراً ما يذكر الفقهاء فيها أنه: لا إيثار في القُرَبِ، فقال: المصنف رحمه الله ومنها: كمال محبة الصديق له -أي للرسول صلى الله عليه وسلم- وقصده التقرب إليه، والتحبب بكل ما يمكنه، ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بقدوم وفد الطائف، ليكون هو الذي بشره وفرحه بذلك، وهذا يدل على أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقربة من القرب، وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه، وقول من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب؛ لا يصح وقد آثرت عائشة عمر بن الخطاب بدفنه في بيتها جوار النبي صلى الله عليه وسلم، وسألها عمر ذلك، فلم تكره له السؤال، ولا لها البذل، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول، لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل، ونظائره. ومن تأمل سيرة الصحابة، وجدهم غير كارهين لذلك، ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرم وسخاء، وإيثار على النفس بما هو أعظم محبوباتها، تفريحاً لأخيه المسلم وتعظيماً لقدره، وإجابة له إلى ما سأله وترغيباً له في الخير، وقد يكون ثواب كل واحد من هذه الخصال راجحاً على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر بها ممن تاجر، فبذل قربة وأخذ أضعافها؛ وعلى هذا: فلا يمتنع أن يؤثر صاحب الماء بمائه أن يتوضأ به، ويتيمم هو إذا كان لابد من تيمم أحدهما، فآثر أخاه، وحاز فضيلة الإيثار، وفضيلة الطهر بالتراب؛ ولا يمنع هذا كتاب ولا سنة ولا مكارم أخلاق، وعلى هذا فإذا أشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف، ومع بعضهم ماء، فآثر على نفسه واستسلم للموت؛ كان ذلك جائزاً، ولم يُقل: إنه قاتلٌ لنفسه، ولا إنه فعل محرماً، بل هذا غاية الجود والسخاء، كما قال تعالى: [[وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ]][الحشر:9] وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام، وعد ذلك من مناقبهم وفضائلهم، وهل إهداء القُرَب المجمع عليها والمتنازع فيها إلى الميت إلا إيثار بثوابها، وهو عين الإيثار بالقرب، فأي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليحرز ثوابها، وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها " وللشيخ كلام طويل في الإيثار بالقرب في غير هذا الموضع.

    المواضع التي يتعين فيها الجهاد

    وفي صفحة [558] ذكر المواضع التي يتعين فيها الجهاد، والمشهور أن هذه المواضع ثلاثة: إذا استنفره الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم {وإذا استنفرتم فانفروا} وإذا داهم العدو أهل البلد، وإذا التقى الصفان وتقابل الجيشان.

    وفي صفحة [558] أيضاً ذكر حكم الجهاد بالمال والنفس.

    وفي صفحة [571] ذكر الجهاد بالقلب وما يتعلق به.

    اغتنام فرص القربة والطاعة

    وفي صفحة [574] ذكر معاقبة من وأتته الفرصة فأهملها، وهذا الموضع ينبغي أن يقرأ، لما فيه من الحث لنا، قال رحمه الله: ومنها -وهو يتكلم فيما أذكر عن قصة الثلاثة الذين خلفوا؛ وبالمناسبة: فقد ذكر فوائد بديعة -لا أظن أنها توجد في غير هذا الكتاب تستخرج من قصة الثلاثة الذين خلفوا؛ فارجعوا إليها في هذا الموضع- " فقال: ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربى والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قَلَّما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له باباً من الخير، فلم ينتهزه؛ بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه، حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك، قال الله تعالى: [[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ]][الأنفال:24] فقد صرح الله بهذا في قوله: [[وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ]] [الأنعام:110] وقال الله تعالى: [[فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ]][الصف:5] وقال: [[وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ]][التوبة:115].

    من كانت بدايته محرقة كانت نهايتة مشرقة

    وفي صفحة [576] ذكر ضمن فوائد قصة الثلاثة الذين خلفوا أن مرارات المبادئ حلاوات العواقب، ومن كانت له بداية محرقة، كانت له نهاية مشرقة.

    التفنن في أساليب الدعوة

    وفي صفحة [601] ذكر مسألة إظهار خلاف الواقع، فقال وهو يتكلم عن الوفود: " ومنها: حسن سياسة الوفد وتلطفهم، حتى تمكنوا من إبلاغ ثقيف ما قدموا به، فتصوروا لهم بصورة المنكر لما يكرهونه، والموافق لهم فيما يهوونه، حتى ركنوا إليهم واطمأنوا، فلما علموا أنه ليس لهم بُد من الدخول في دعوة الإسلام؛ أذعنوا فأعلمهم الوفد، أنهم بذلك قد جاءوهم " أي: أظهروا لهم أنهم جاءوا لغرض، والواقع أنهم جاءوا لغيره.

    فضائل أهل اليمن

    في صفحة [619] ذكر مَنْ هم أهل اليمن، الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، في مواضع عديدة، منها قوله: {جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوباً، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم…} إلى آخر الحديث.

    وذكر حديثاً عن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب، هم خيار من في الأرض، فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله -أي ليسوا خيراً منا- فسكت، ثم قال: إلا نحن يا رسول الله فسكت، ثم قال: إلا أنتم} كلمة ضعيفة وفي ذلك إشارة إلى أن أهل اليمن هم الأشعريون.

    مجرد الاعتراف بالنبوة لا يكفي

    وفي صفحة [638] الإشارة إلى فائدة، وهي: أن مجرد الاعتراف بالنبوة لا يكفي للإسلام، بل لا بد من قبول ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعته فيما أمر به، واعتقاد وجوب طاعته.

    قصة صلب فروة بن عمرو الجذامي

    وفي صفحة [646] ذكر قصة فروة بن عمرو الجذامي، وهو مسلم، أسلم وآمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عاملاً للروم، فأحضروه وصلبوه، وأصر على الإسلام، وكان -وهو مصلوب على خشبة- يقول أبياتاً من الشعر:

    ألا هل أتى سلمى بأن حليلها           على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل

    sh= 9904206>على ناقة لم يطرق الفحل أمها مشذبة أطرافها بالمناجل

    يعني بذلك الخشبة التي صلب عليها، وسلمى: هي زوجته.

    أصغر القوم خادمهم

    وفي صفحة [652] ذكر حديث {أصغر القوم خادمهم}.

    الإثابة على النية

    وفي صفحة [658] ذكر حديثاً يدل على أن المرء يثاب على ما فعله بنية، ولو كان يرغبه فطرة ويميل إليه.

    وفي صفحة [658] ذكر مراتب الضيافة، وأنه حق واجب، وتمام مستحب وصدقة.

    وفي صفحة [659/661] ذكر السنة في الشاة الملتقطة، أنه يخير ملتقطها بين ثلاثة أمور:

    يخير بين أكلها وغرم ثمنها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو الإنفاق عليها.

    1.   

    فوائد المجلد الرابع في الطب النبوي

    والجزء الرابع قد خصصه الشيخ رحمه الله للطب النبوي.

    أنواع المرض

    وفي صفحة [5] أن المرض نوعان:

    مرض القلوب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن قال: ومرض القلوب نوعان:

    مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة: [[فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ]][البقرة:10] وقال: [[وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ]][النور:48] إلى قوله: [[أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ]][النور:50] فهذا مرض الشبهات والشكوك.

    وأما مرض الشهوات، فقال الله تعالى: [[يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ]][الأحزاب:32] فهذا مرض شهوة الزنا. "

    قواعد الطب

    وفي صفحة [6] ذكر رحمه الله أن قواعد الطب ثلاثة، قال: " وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة -أي: إخراجها- فذكر الله سبحانه هذه الأصول الثلاثة، في هذه المواضع الثلاثة.

    فقال في آية الصوم: [[فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ]][البقرة:184] فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، وللمسافر طلباً لحفظ صحته وقوته، لئلا يذهبها الصوم في السفر … إلى أن قال: وقال في آية الحج: [[فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ]][البقرة:196] فأباح للمريض، ومن به أذى من رأسه، من قمل أو حكة أو غيرهما، أن يحلق رأسه في الإحرام، استفراغاً لمادة الأبخرة الرديئة، التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر، إلى أن قال: وأما الحمية فقال تعالى في آية الوضوء: [[وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ]] [النساء:43] فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حميةً له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذٍ له من داخل أو خارج.

    خلاصة كلامه رحمه الله أنه قال: إن قواعد الطب الثلاث- التي هي: حفظ الصحة، والحمية، واستفراغ المواد الفاسدة، كلها مذكورة في القرآن الكريم.

    أثر الإيمان في العلاج والدواء

    في صفحة [11] ذكر كلاماً طيباً عن أثر الإيمان في العلاج، والاستفادة من الدواء، فقال -بعد أن تكلم عن الأطباء وطبهم- قال " وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي، الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره؟!

    فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء، بل هاهنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض، ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب واعتماده على الله، والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له والصدقة والدعاء والتوبة والاستغفار والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته ولا قياسه.

    وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرةً، ورأيناها تفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية..." إلى آخر ما قال، وهو كلام مفيد جداً.

    مراتب الغذاء

    في صفحة [18] ذكر مراتب الغذاء، وهو كلام بدأ الاقتصاديون في هذا العصر يتكلمون فيه، ويخيل إليهم أنهم قد اكتشفوا كشفاً لم يصل إليه من قبلهم، فيما يعطى المواطن، وما يجب للدولة أن تحققه للمواطن، من نسبة العطاء والغذاء، والغريب أن كلامه منطبق مع كلامهم -يقول في صفحة [18]: ومراتب الغذاء ثلاثة، أحدها مرتبة الحاجة، والثانية: مرتبة الكفاية، والثالثة مرتبة الفضلة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط قوته ولا يضعف معها، فإن تجاوزها؛ فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء والثالث للنفس، وهذا من أنفع ما للبدن والقلب.. إلى آخر ما قال.

    التفاوت في خطابه صلى الله عليه وسلم

    وفي صفحة [25] ذكر أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، يتفاوت، وهو يتكلم عما ثبت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما الحمى، أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء} قال: وقد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء، ورأوه منافياً لدواء الحمى وعلاجها، ونحن نبين -بحول الله وقوته- وجهه وفقهه، فنقول: خطاب النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: عام لأهل الأرض، وخاص ببعضهم.

    فالأول: -أي العام- كعامة خطابه، والثاني: كقوله: {لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها؛ ولكن شرقوا أو غربوا} فهذا ليس بخطابٍ لأهل المشرق والمغرب، ولا العراق، ولكن لأهل المدينة وما على سمتها -كـالشام وغيرها- وكذلك قوله: {ما بين المشرق والمغرب قبلة}.

    وإذا عرف هذا، فخطابه في هذا الحديث، خاص بأهل الحجاز وما والاهم، إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً.

    الفطر بالحجامة

    وفي صفحة [61/62] ذكر مسألة الفطر بالحجامة، ورجح بقوله: الصواب أن الفطر بالحجامة لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير معارض، وأصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم، ولكن لا يدل على عدم الفطر إلا بعد أربعة أمور: أحدها: أن الصوم كان فرضاً.

    الثاني: أنه كان مقيماً.

    الثالث: أنه لم يكن به مرض احتاج معه إلى الحجامة.

    الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن قوله: {أفطر الحاجم والمحجوم}

    فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع، أمكن الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم على بقاء الصوم مع الحجامة، وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلاً يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها، أو من رمضان، لكنه في السفر، أو من رمضان في الحضر، لكن دعت الحاجة إليه، كما تدعو الحاجة من به مرض إلى الفطر، أو يكون فرضاً من رمضان من غير حاجة، لكنه مُبقَّي على الأصل، وقوله: {أفطر الحاجم والمحجوم} ناقل ومتأخر، فيتعين المصير إليه، ولا سبيل إلى إثبات واحدة من هذا المقدمات الأربع، فكيف بإثباتها كلها. "

    الصرع وأنواعه

    في صفحة [66] ذكر مسألة الصرع، وأنه نوعان: صرع من الأرواح الخبيثة، وصرع من الأخلاط الرديئة، وقال فيما يتعلق بصرع الأرواح: فأئمتهم -أي الأطباء- وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه؛ ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدافع آثارها.

    ثم قال: " وأما جهلة الأطباء وسِقْطهم وسفلتهم، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة الأخلاط هو صادق في بعض الأقسام لا في كلها " انتهى كلامه.

    وفي هذا رد على ما قاله عدد من المفكرين والكتاب والصحفيين في هذا الوقت من إنكار صرع الجن والشياطين للإنسان!

    ولعلكم سمعتم ما ذكره الشيخ الطنطاوي في فتاويه وكلامه من إنكار ذلك؛ وما تكلمت عنه جريدة المسلمون في مجموعة من أعدادها، حين قابلت بعض الأطباء، وصرحوا بإنكار إمكانية صرع الجن للإنس.

    ولذلك أحب أن أنبه إلى أن الناس في هذه المسألة كما يقال طرفان ووسط! فمن الناس من ينكر هذه القضية بالكلية، ومن ينكر فليس معه إلا الجهل كما ذكر الشيخ؛ لأنه لا يستطيع أن ينكر ذلك.

    وكون العلم لا يستطيع أن يثبته، فالعلم لا يزال يحتاج إلى وقت حتى يصل إلى منتهاه بل لن يصل إلى منتهاه أبدا، وكما يقال: عدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه، فهذا طرف.

    الطرف الآخر: وهم جمهور العوام الذين يبالغون في إثبات هذه الحقيقة، فتجد أن الواحد منهم كلما نـزل به مرض قال هذا جن... هذا سحر... هذا عين، فيبالغون في ذلك وهذا لا ينبغي، فمن المعروف أن أسباب الأمراض كثيرة، والمبالغة في الحكايات والقصص والتهاويل التي يتناقلها الناس لا ينبغي الإفاضة بها، لكن نحن ينبغي أن نؤمن بأن دخول الجن في الإنس ممكنة شرعاً وثابتة واقعاً، وهي من الأمور الحقيقية التي لا يمكن أن يجادل فيها إلا من يجادل في البديهيات؛ لأنها من الأمور التي ترى بالعين وتسمع بالأذن وتحس بالواقع.

    وكم من إنسان أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يقرأ القرآن؛ فيدخل فيه جني؛ فيقرأ القرآن عن ظهر قلب، وقد يقرأ القرآن كله! هذا يحصل! ومن الناس من يدخل فيه جني فيتكلم بلغات مختلفة وهو لا يعرف شيئاً منها.

    وفي ذلك قصص معروفة في المجتمع، وفي أشخاص بأعيانهم، فلا داعي للإفاضة بها، فلابد من التوسط والاعتدال في ذلك.

    الأحاديث الواردة في الكي

    في صفحة [66،65] أيضاً ذكر المصنف -قبل هذا الموضع- الأحاديث الواردة في الكي، وذكر أنها أربعة أنواع: أحدها: فعله -يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الكي- والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه؛ ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى.

    فإن فعله يدل على جوازه.

    وعدم محبته له لا يدل على المنع منه.

    وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل.

    وأما النهي عنه: فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعله خوفاً من حدوث الداء والله أعلم.

    ما حرم لسد الذريعة يجوز للمصلحة والحاجة

    وفي الصفحة [78] ذكر قاعدة سبقت مراراً وهي: أن ما حرم لسد الذريعة، يجوز للحاجة وللمصلحة، قال: " وتحريم الحرير إنما كان سداً للذريعة، ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنه يباح عنه الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حرم النظر سداً لذريعة الفعل -يعني الزنا- وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي، سداً لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة.

    وكما حرم ربا الفضل سداً لذريعة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير، في كتاب التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير ".

    وهذا الكتاب لا أعرفه، ولا أدري أنه مطبوع أو لا.

    وفي صفحة [85 - 87] ذكر أسباب الصداع، وأنها عشرون سبباً، يمكن الرجوع إليها.

    خاصية السبع

    وفي صفحة [98] ذكر خاصية السبع، التي ترد ذكر السبع في عدد من المواضع، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: {من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها -أي المدينة- حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي}.

    فذكر خاصية السبع، فقال: إنها قد وقعت قدراً وشرعاً، فخلق الله عز وجل السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً، والأيام سبعاً، والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار، وشرع الله لعباده الطواف سبعاً، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً، ورمي الجمار سبعاً، وتكبيرات العيدين سبعاً في الأولى وقال صلى الله عليه وسلم: {مروهم بالصلاة لسبع} وإذا صار الغلام سبع سنين خير بين أبويه... إلى أن قال: وسخر الله الرياح على قوم عاد سبع ليال، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينه الله على قومه بسبع، كسبع يوسف.

    ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق، بحبة أنبتت سبع سنابل... إلى أن قال: والسنين التي زرعوها دأبا سبعاً، وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف، ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفاً، فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معاني العدد كله وخواصه، فإن العدد شفع ووتر... إلى آخر ما قال مما يمكن أن يراجع في موضعه.

    أهمية الاعتقاد في الدواء

    في صفحة [101،100] ذكر أهمية الاعتقاد في الدواء، فقال: ويجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم، فيكون الحديث من العام المخصوص، ويجوز نفعه لخاصية تلك البلد، وتلك التربة الخاصة من كل سم، ولكن هاهنا أمر لابد من بيانه، وهو: أن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله، واعتقاد النفع به، فتقبله الطبيعة، فتستعين به على دفع العلة، حتى إن كثيراً من المعالجات ينفع بالاعتقاد، وحسن القبول، وكمال التلقي، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب، وهذا لأن الطبيعة يشتد قبولها له وتفرح النفس به، فتنتعش القوة، ويقوى سلطان الطبيعة، وينبعث الحار الغريزي… إلى آخره.

    وهذا ما يسمونه بالعلاج النفسي في هذا العصر، فالإنسان إذا كان عنده قناعة بالعلاج وبالطب نفعه بإذن الله، وإذا لم يكن لديه قناعة فلا ينفع.

    ولذلك تجد بعض الناس إذا ذهبوا إلى رجل يثقون فيه، ويطمئنون به، فقرأ عليهم فإنه بإذن الله ينتفعون بقراءته، ليس كله فقط لصلاح هذا الرجل أو لا، ولكن لذلك، ولكون هؤلاء اعتقدوا به فنفعهم هذا الاعتقاد.

    ولذلك يحكى أن رجلاً كان في الشام في دمشق جالساً مع بعض تلاميذه، فجاءته امرأة كانت تعتقد به وتعظمه فقالت له: إن بيني وبين زوجي مشاكل وخصومات وأشياء كثيرة، فأريد أن تكتب لي ورقة لعل الله أن ينفعني بها، فكتب لها ورقة جعل فيها آية من القرآن الكريم [[قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّه ]][آل عمران:154] أو نحو ذلك، ثم طواها وأعطاها إياها، على سبيل تطييب خاطرها، فبعد فترة جاءته وهي تدعو له، وقالت: جزاك الله خيراً قد انتفعت بهذه الورقة، وزال ما بيني وبين زوجي من المشكلات …إلى آخره، فكشف الورقة لتلاميذه وأخبرهم ما فيها.

    أول من استخدم كلمة [ما لا نفس له سائله]

    في صفحة [112] ذكر المصنف رحمه الله أن أول من استعمل كلمة ما لا نفس له سائلة -بمعنى ما ليس له دماً يجري- هو إبراهيم النخعي، قال: " وأول من حُفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة، فقال: ما لا نفس له سائلة، إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء، والنفس في اللغة: يعبر بها عن الدم، ومنه نَفست المرأة -بفتح النون- إذا حاضت " هذا كلام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله.

    أقول: وقد وقفت على حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ذكر ما لا نفس له سائلة، حديث مرفوع ولعله في الدارقطني إن لم تخنّي الذاكرة، ولكن هذا الحديث ليس بقوي، فينازع في كون إبراهيم النخعي أول من استخدم هذا الاصطلاح.

    فوائد عيادة المريض

    في صفحة [116] ذكر فوائد العيادة ومنها: تفريح نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال ما يسره عليه… إلى غير ذلك من الفوائد.

    أضرار العسل

    وفي صفحة [119،118] ذكر أن العسل قد يضر أحياناً يقول: " وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان، ولذلك يقال: العادة طبع ثانٍ، وهي قوة عظيمة في البدن؛ حتى إن أمراً واحداً إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها، مثال ذلك: أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب، أحدها: عُوَّد تناول الأشياء الحارة، والثاني: عود تناول الأشياء الباردة، والثالث: عود تناول الأشياء المتوسطة، فإن الأول -أي الذي عود تناول الأشياء الحارة- متى تناول عسلاً لم يضر به، والثاني: متى تناوله أضر به، والثالث: يضر به قليلاً " فأشار إلى أن العسل قد يضر بعض الأبدان، وإن كان الله عز وجل وصفه بأنه شفاء، فهو شفاء كما وصفه الله؛ لكن لا يلزم أن يكون شفاء لكل مرض على الإطلاق.

    ولذلك فإن بعض أهل العلم سئل عمن به السكر، فإذا تناول العسل قد يضره ويزيد من مرضه، فهل يتناوله؟

    فقال: نعم يتناوله واحتج بقوله تعالى: [[فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ]][النحل:69].

    وفي هذا -فيما يظهر لي والله تعالى أعلم- نظر! لأن كون العسل فيه شفاء للناس، هذا لا شك فيه، فهو شفاء؛ لكن لا يلزم أن يكون شفاء لكل دواء، ولكل شخص، وهذا من المعلوم بالضرورة، فإن الرسول ذكر أنواع أخرى من العلاجات غير العسل، ولو كان العسل علاجاً لكل شيء، لما احتاج إلى أن يذكر معه غيره.

    قتل اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم

    في صفحة [123] ذكر قتل اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم قال: ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم؛ احتجم في الكاهل وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجاً كلياً، بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له، فلما أراد الله إكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمراً كان مفعولا.

    وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة:87] فجاء بلفظ [كذبتم] بالماضي، الذي قد وقع منه وتحقق، وجاء بلفظ [تقتلون] بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه " يعني: آخر نبي قتله اليهود وهو خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك فإن كل مسلم يعتبر أن عند اليهود ثأراً له لابد أن يأخذه به يوماً من الأيام، فإنهم هم الذين سموا الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يقول في مرض موته: {مازلت أجد أثر الأكلة التي أكلت بـخيبر وهذا وجدت أوان انقطاع أبهري}.

    احتباس المني من أسباب الوسواس

    في صفحة [249] ذكر أن من أسباب الوسواس، احتباس المني في بدن الإنسان، وبناءً عليه: فقد يكون الزواج سبباً لدفع الوسوسة، وهذا أمر مشهود، فبعض الموسوسين إذا تزوجوا زال ما بهم.

    الحارث بن كلدة طبيب العرب

    1.   

    فوائد المجلد الخامس

    وأما الجزء الخامس من زاد المعاد فإن فيه مواضع يسيرة، نذكرها في هذا المجلس.

    عقوبة اللواط

    منها: ما ذكره رحمه الله في صفحة [40] فيما يتعلق بعقوبة اللواط، قال: لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط بشيء -ويقصد بالقضاء هاهنا يعني حكم حد- لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم، ولكن ثبت عنه أنه قال: {اقتلوا الفاعل والمفعول به} رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح وقال الترمذي: حديث حسن.

    وحكم به أبو بكر الصديق، وكتب به إلى خالد بعد مشاورة الصحابة، وكان علي أشدهم في ذلك.

    وقال ابن القصار وشيخنا -يعني ابن تيمية رحمه الله- أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فقال أبو بكر الصديق: [[يرمى من شاهق]] وقال علي رضي الله عنه: [[يهدم عليه حائط]] وقال ابن عباس: [[يقتلان بالحجارة]].

    فهذا اتفاق منهم على قتله، وإن اختلفوا في كيفيته ".

    ثم قال: وهذا الحكم وفق حكم الشارع، فإن المحرمات كلما تغلظت، تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال أعظم جرماً من وطء من يباح في بعض الأحوال.

    يقصد رحمه الله أن الزنا، على أنه كما وصفه الله تعالى فاحشة وجريمة عظمى، إلا أنه أخف من اللواط؛ لأن هذه المرأة تباح إذا كان بعقد شرعي، بخلاف اللواط فإنه لا يباح بأي حال من الأحوال ولذلك كانت عقوبته أعظم، فقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتل اللوطي وإن اختلفوا في كيفية قتله.

    حد شارب الخمر

    وفي صفحة [46] ذكر مسألة كثر فيها كلام أهل العلم، وهو يتكلم في مسألة حد الخمر؛ فإن العلماء اختلفوا في حد الخمر في أمور:

    اختلفوا أولا: هل الأربعون التي جلد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حد أم تعزير؟

    ثم اختلفوا فيمن تكرر منه شرب الخمر مرة أو مرتين والثالثة والرابعة، فما حكمه؟ هل يقتل أم يكتفى بجلده؟

    وقبل أن أذكر قوله أقول: إن الترمذي رحمه الله ذكر حديث معاوية بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إن شرب فاجلدوه، فإن شرب فاجلدوه، فإن شرب فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه}.

    وقال الترمذي في آخر كتابه السنن في كتاب العلل في آخر السنن، قال: لم أذكر اتفق العلماء على ترك العمل به، إلا حديثين وذكر ثلاثة أحاديث، وقال بعضهم: تصل إلى أربعة، منها حديث ابن عباس في أن النبي صلى الله عليه وسلم {جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر} ومنها: هذا الحديث أنه قال: {فإن عاد في الرابعة فاقتلوه} ذكره ابن القيم رحمه الله وقال: وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة واختلف الناس في ذلك، فقيل: هو منسوخ، وناسخه {لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث} وقيل: هو محكم، ولا تعارض بين الخاص والعام، ولا سيما إذا لم يعلم تأخر العام، وقيل ناسخة حديث عبد الله بن حمار، فإنه أُتِىَ به مراراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلده ولم يقتله، وقيل: قتله تعزير بحسب المصلحة، فإذا كثر منه ولم ينهه الحد، واستهان به، فللإمام قتله تعزيراً لا حداً، وقد صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: [[ائتوني به في الرابعة: فعلي أن أقتله لكم]] وهو أحد رواة الأمر بالقتل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم معاوية وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وقبيصة بن ذؤيب رضي الله عنهم ".

    ثم قال في آخر الكلام رحمه الله في صفحة [48]: " ومن تأمل الأحاديث؛ رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم؛ والقتل إما منسوخ، وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها، فإذا رأى قتل واحد لينـزجر الباقون؛ فله ذلك، وقد حلق فيها عمر رضي الله عنه وغرَّب، وهذا من الأحكام المتعلقة بالأئمة وبالله التوفيق ".

    وقد ذكر الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله -العالم المحقق المصري- في تعليقه على مسند الإمام أحمد، كلاماً طويلاً في تعزيز القول بقتل شارب الخمر فليرجع إليه في شرحه وتحقيقه للمسند.

    وهذا يدل على فقه الصحابة رضي الله عنهم، فإن من فقههم أنهم يقولون: إذا كثر وقوع الناس في جريمة ضاعفوا العقوبة عليها، بخلاف ما عليه الناس في هذا الزمان؛ فإن الناس إذا كثر وقوعهم في جريمة تساهلوا فيها، وفرطوا وقالوا: صعب أن نجلد الناس كلهم، أو نضربهم أو نسجنهم أو نقتلهم، فرأوا أن كثرة الوقوع في الشيء مدعاة إلى التخفيف، خلافاً لهدي الصحابة رضي الله عنهم؛ فكان رأيهم أن كثرة الوقوع في الأمر مدعاة إلى المبالغة في العقوبة، حتى ينـزجر الناس، وكما قيل: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

    أخذ الجزية من الناس

    وفي صفحة [92،91] ذكر رحمه الله مسألة أخذ الجزية من الناس، وهل تؤخذ من غير أهل الكتاب وهذه مسألة فيها خلاف.

    فبعضهم قالوا: تؤخذ من اليهود والنصارى فقط، وبعضهم قال تؤخذ من اليهود والنصارى والمجوس، لما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وبعضهم قال: تؤخذ من سائر المشركين والكفار.

    قال الشيخ رحمه الله في صفحة [91] ولم يأخذها صلى الله عليه وسلم من مشركي العرب، فقال أحمد والشافعي: لا تؤخذ إلا من الطوائف الثلاث التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس، ومن عداهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، وقالت طائفة: في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم، أهل الكتابين بالقرآن، والمجوس بالسنة، ومن عداهم ملحق بهم، لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم، فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان من العرب، لأنهم أسلموا كلهم قبل نـزول آية الجزية، فإنها نـزلت بعد تبوك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ من قتال العرب، واستوثقت كلها له بالإسلام، ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه " إلى آخر ما قال.

    وقال: وفرقت طائفة ثالثة، بين العرب وغيرهم، فقالوا: تؤخذ من كل كافر إلا مشركي العرب.

    ورابعة فرقت بين قريش وغيرهم وهذا لا معنى له، فإن قريشاً لم يبق فيهم كافر يحتاج إلى قتاله، وأخذ الجزية منه البتة، إلى آخر ما قال.

    والظاهر -والله تعالى أعلم- أن القول بأخذها من سائر المشركين، قول قوي، ويشهد له ما رواه مسلم من حديث سليمان بن بريده عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال>} وذكر فيها الجزية، فدل على أن الجزية تؤخذ من كل مشرك؛ يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً أو وثنياً، ولعل مما يؤيد ذلك قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256].

    تحريم إجبار البكر على النكاح

    وفي صفحة [99،97،96] ذكر رحمه الله مسألة عدم إجبار البكر على النكاح، حتى تستأذن فقال وموجب هذا الحكم -أي: تحريم إجبار البكر- أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته.

    أما موافقته لحكمه فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة.

    إلى أن قال: وأما موافقته لأمره فإنه قال: {والبكر تستأذن} وهذا أمر مؤكد.

    إلى أن قال: وأما موافقته لنهيه، فلقوله: {لا تنكح البكر حتى تستأذن} .

    إلى أن قال: وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يُرِقَّها، ويخرج بُضعها منها بغير رضاها، إلى من يريده هو.

    وأما موافقته لمصالح الأمة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه، فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره، وبالله التوفيق".

    وهذه مسألة مهمة -أيها الإخوة- فكثير من الآباء اليوم يتساهلون في تزويج البنت البكر، ممن يريدون هم، إما لكونه ثرياً أو لكونه قريباً أو لغير ذلك من الأغراض، وهذا حرام لا يجوز إذا كانت لا ترضى به، ومن حقها أن تطالب بالفسخ.

    ونجد في واقع المجتمعات في عصرنا هذا من الآثار السلبية الضارة -من انتشار الزنا والخيانة الزوجية- الكثير بسبب هذه القضية؛ لأن الأب إذا زوج البنت من رجل لا تريده، فالغالب أنه لا يحصل وفاق؛ لأن المرأة إذا دخل عليها الزوج وهي في نفسها لا تقبله، فالغالب أنها تبقى على ما كانت عليه، والمرأة فيها من الشهوة مثل ما في الرجل، فلذلك إذا أصر الأب وأصر الزوج على التمسك بهذه المرأة، ولم يكن عنده وازع من الإيمان والخوف من الله عز وجل يزعه، فقد تفكر في الخيانة، وخاصة حين يكون كبير السن.

    وكثير من القضايا التي توجد في الدوائر الرسمية، يكون السبب فيها مثل هذا الأمر، وخاصة أن الزوج يكون مسناً، فلا يعطي المرأة ما تريد، وهي شابة في سن الشباب والفتوة والقوة والحيوية، فلا تجد عنده ما تريد من العواطف، ومن إشباع غريزتها إلى غير ذلك، فيقع ما لا تحمد عقباه، ويحصل أيضاً حالات طلاقٍ كثيرة بسبب هذا الأمر؛ فليس من حق الأب أن يزوج بنته ممن لا تريد، كما أنه ليس من حقه أن يأخذ المهر، فالمهر في الواقع للبنت، وليس للأب، وكون بعض الآباء لا يخافون الله عز وجل، فيزوج ابنته بمبالغ طائلة، ثم يأخذ هذا المال؛ فهذا المال حرام وسحت، يأكله سحتاً، ولا يجوز له أن يأخذ قرشاً واحداً إلا برضاها.

    الزواج على المرأة

    في صفحة [118،117] ذكر رحمه الله مسألة الزواج على المرأة، وأن بني هشام بن المغيرة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجوا علياً، ابنة أبي جهل، فلم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقال: {إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها … إلى آخر ما قال.

    فقال الإمام المصنف رحمه الله في التعليق على هذا الحديث: فتضمن هذا الحكم أموراً:

    أحدها: أن الرجل إذا شرط لزوجته ألا يتزوج عليها، لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ " ثم قال: فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفاً، كالمشروط لفظاً، وأن عدمه يُمَلَّك الفسخ لمشترطه.

    فلو فرض من عادة قوم أنهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم، ولا يمكنون أزواجهم من ذلك البتة، واستمرت عادتهم بذلك، كان كالمشروط لفظاً ".

    يعني وإن لم ينطق به أهل المرأة، لكن كان هذا معروفاً عنهم مستفيضا في المجتمع، ثم قال: وهو مطرد على قواعد أهل المدينة، وقواعد أحمد رحمه الله أن الشرط العرفي كاللفظي سواء.

    الكفاءة في النكاح

    في صفحة [158] ذكر الكفاءة في النكاح، وبماذا تكون الكفاءة؟

    والمقصود بالكفاءة: تكافؤ الزوجين، والفقهاء لهم في ذلك تفصيلات كثيرة في المقصود من الكفاءة.

    فالمصنف رحمه الله قال: " فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة في النكاح " وذكر آيات وأحاديث ثم قال: " فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم، اعتبار الدين في الكفاءة أصلاً وكمالاً، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر " ومع الأسف -إخواني الكرام- فإن كثيراً من الآباء يزوجون بناتهم المؤمنات الدينات الصينات من كفار لا يصلون، بل بعضهم ملاحدة وقد يكونوا شيوعيين أو ملحدين أو زنادقة.

    فقد تجد بنتاً متدينةً، تصوم النهار وتقوم الليل، في بيت رجل سكير عربيد فاجر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فتلقى منه الويل، لأن المرأة موقعها ضعيف، وقد لا يصلي هذا الرجل، فتجده-في البيت دائماً أوقات الصلوات، وهي مكرهة- يأخذها زوجها بالقوة من بيت أهلها، ثم يأتي بها إلى بيته ويضاجعها ويجامعها بالقوة، وهي لا تملك لنفسها، إلا الدموع والبكاء، وسؤال الله عز وجل.

    أفلا يخافون الله عز وجل القائل: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:4-6] فيجعل الواحد ابنته عند رجل كافر، يطؤها حراماً نسأل الله السلامة من ذلك.

    يقول المصنف: فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم اعتبار الدين في الكفاءة أصلاً وكمالاً، فلا تزوج مسلمة بكافر ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمراً وراء ذلك، فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسباً ولا صناعة، ولا غنىً ولا حريةً، فجوز للعبد القنِّ نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفاً مسلماً، وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات.

    وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة… إلى آخر ما قال.

    والمهم أن رأي المؤلف رحمه الله أن الكفاءة هي الدين فقط، وبناءً عليه: يُعلم أن ما شاع عند الناس من أن الناس لا يتزوج بعضهم من بعض إذا اختلفت أنسابهم -كما يعبرون بالخطوط- فهذا خط وهذا خط، وهذا قبيلي، وهذا خضيري، وهذا كذا وهذا كذا، وبنوا عليها: أن هذا لا يتزوج من هذا، فهذا من انتكاس القيم والمفاهيم. ومن العجيب أن الناس في هذا الزمان -كما ذكرت لكم قبل قليل- قد يزوج الرجل النسيب من عائلة معروفة ابنته من كافر لا يشهد الصلاة ولا يصلي جمعة ولا جماعة، ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر!! لماذا؟!

    لأنه من قبيلة كذا أو من عائلة كذا، ويأتيه إنسان قد يكون في الغاية من الدين والورع والتقوى والصلاح، ليس من نسبه فيرده!

    فهكذا يكون انتكاس المفاهيم واختلال القيم، لكن في هذه المسألة ينبغي أن تراعى قضية وهي: أنه إذا كان مثل هذا الأمر يدعو إلى مشاكل عائلية، وافتراق وقطيعة رحم، ونوع من هذه الأمور، وقد يؤدي فيما بعد إلى الطلاق، بسبب ضغوط الأهل، فيحرص الإنسان على تجنبها، لا لأنه غير جائز شرعاً، لكن مراعاة للمصلحة.

    النهي عن المغالاة في المهور

    في صفحة [178] ذكر رحمه الله كلاماً في موضوع المغالاة في المهور، وهو من المسائل التي كثرت وأصبح الناس يتبارون فيها، في مقدار ما يدفعون وفي استئجار القصور والأفراح لليالي العرس، واستئجار الفنادق ومقدار ما يدفعون فيها فيتنافسون في ذلك، ويرهقون كاهل الزوج المسكين بهذه التكاليف.

    فبعد أن ذكر أحاديث قال: " فتضمن هذا الحديث أن الصداق لا يتقدر أقله، وأن قبضة السويق وخاتم الحديد، والنعلين؛ يصح تسميتها مهراً، وتحل بها الزوجة " من يزوج بنته على قبضه سويق أو على خاتم حديد أو على نعلين؟!

    قال: " وتضمن أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعسره.

    وتضمن أن المرأة إذا رضيت بعلم الزوج، وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها؛ جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صداقها، كما إذا جعل السيد عتقها صداقها، وكان انتفاعها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها ".

    حيض الحامل

    في صفحة [731] -هذه قفزة بعيدة مراعاة للوقت- ذكر أن الحامل لا تحيض، وذلك بعد أن ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة} قال استنبط أن الحامل لا تحيض، وأن ما تراه من الدم، يكون دم فساد بمنـزلة الإستحاضة، تصوم وتصلي، وتطوف بالبيت وتقرأ القرآن، وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء.

    فذهب عطاء والحسن وعكرمة ومكحول وجابر بن زيد ومحمد بن المنكدر والشعبي والنخعي والحكم وحماد والزهري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر والإمام أحمد في المشهور من مذهبه، والشافعي في أحد قوليه، إلى أنه ليس دم حيض ".

    ثم ذكر من قالوا بالقول الآخر: وأنه دم حيض، والقول الأول: هو مذهب سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز، فإنه يفتي بأنه ليس بحيض فيما أذكر من فتاواه.

    حرمة بيع كل وسيلة للشرك والزندقة

    في صفحة [761] ذكر مسألة تحريم بيع أشياء معينة، وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: فصل، وأما تحريم بيع الأصنام، فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك، على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت صنماً أو وثناً أو صليباً، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها… إلى آخر ما قال.

    وهذه عبرة لبعض الناس الذين يبيعون ما حرم الله، فمن الناس من يبيعون الصور والتماثيل التي قد تعبد من دون الله، ومنهم من يبيعون كتب الكفر والزندقة والإلحاد.

    دخلت مكتبة فوجدت فيها كتاباً يباع في سائر المكتبات، وهو ديوان شعر لشاعر تونسي اسمه أبو القاسم الشابي، هذا الكتاب يقول فيه الشاعر:

    حدثوني هل للورى من إله     راحم مثل زعمهم أواه

    يخلق الخلق باسماً ويواريهم      ويرنو لهم بعطف الإله

    إنني لم أجده في هذه الدنيا      فهل خلف أفقه من إله

    وهذا الكتاب يباع في كثير من المكتبات، وأناس لا يخافون الله عز وجل، يكسبون أموالاً من وراء بيع هذه أعني كتب الزندقة والإلحاد، ودعك من كتب الجنس، التي فيها كثير من القصص والروايات، وكثير من المجلات المملوءة بصور النساء، والدعوة إلى خروج المرأة وسفورها واختلاطها وسفرها، وتحويلها إلى مغنية أو راقصة أو ممثلة، فلا تكاد تدخل بقالة إلا تجد فيها هذه الأشياء، إضافة إلى بيع الدخان، وبيع الخمر سراً، وبيع أشياء كثيرة، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله عز وجل ولا يأكلوا ما حرم الله تعالى.

    تحريم بيع الماء

    وفي صفحة [800] تكلم عن بيع الماء وأنه حرام، فقال: وما فضل منه عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه واحتاج إليه آدمي مثله أو بهائمه، بذله بغير عوض، ولكل واحد أن يتقدم إلى الماء ويشرب ويسقي ماشيته، وليس لصاحب الماء منعه من ذلك… إلى آخر ما قال.

    الطريف في هذه المسألة: أن العلماء لما تكلموا في موضوع التيمم -وقد ذكرته قبل قليل- قالوا: إن وجد الماء بقيمة المثل اشتراه، قال الإمام ابن حزم في كتاب المحلى لا يجوز له أن يشتري الماء، ولو وجده بقيمة المثل أو أقل من ذلك، بل لو اشترى ماءً بقيمة المثل أو أقل ثم توضأ به، فإنه لا يجزؤه ذلك، إلا أن يتيمم، قال: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام حرم بيع الماء، فبيعه حرام وشراؤه حرام، وهذا عقد باطل ولا يجوز له أن يستعمل هذا الماء.

    لكن بقي أن يقال -رداً على ابن حزم إن هذا الإنسان وإن كان بيعه حراماً، فلنفترض أنه أخذ الماء وتوضأ به، من غير بيع؛ لأنه يجب على صاحبه أن يبذله له إن لم يكن في حاجته، فيكون وضوؤه حينئذٍ صحيحاً، والله تعالى أعلم.

    1.   

    فوائد من كتاب العزلة للإمام الخطابي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    كنت قد وعدت أنه اعتباراً من هذه الحلقة -إن شاء الله- سوف أبدأ بتقديم بعض الكتب على سبيل انتقاء وانتخاب بعض الفوائد والفرائد، والشوارد التي قد لا يقف عليها الإنسان بسهولة، وذلك أولاً -حتى يستفيد الإنسان من هذه الأشياء، وحتى ينشط إلى قراءة هذه الكتب والاطلاع عليها, وهي فوائد متفرقة ومتناثرة لا يجمعها موضوع ولا عنوان ومن الطبيعي أن تكون إحداها مشرقة والأخرى مغربة، واحدة في الفقه والأخرى في الأصول، والثالثة في التاريخ والرابعة في الأدب، ولكن يربطها رابط عام وهو الفائدة -إن شاء الله-.

    والكتاب الذي اخترته هو كتاب العزلة للإمام الحافظ المحدث الأديب اللغوي أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي المولود سنة 317هـ والمتوفى سنة 388هـ، والخطابي له مصنفات كثيرة جداًَ، منها معالم السنن تعليقه على سنن أبي داود، ومنها غريب الحديث، ومنها كتاب الدعاء وغيرها, وهذا الكتاب هو أحد كتبه التي جمع فيها من النقول والنصوص والأشعار، وجمع فيها من الآيات والأحاديث وأقوال العلماء الشيء الكثير حول هذا الموضوع، وهو موضوع العزلة, ومن فوائد هذا الكتاب ومميزاته أنه تعرض لمباحث.

    منها: مباحث في موضوع العزلة والخلطة, ومتى تكون العزلة أفضل، ومتى تكون الخلطة أفضل؟

    ومنها: الحث على اختيار الجلساء والأصحاب الصالحين.

    ومنها: حسن المعاشرة وذكر الصحبة وآدابها، وهو بذلك يذكر قصصاً وطرائف وأخباراً وأشعاراً فيها متعة وفائدة.

    ومن مميزات الكتاب: الحديث عن الناس وطبائعهم وما جبلوا عليه إلى غير ذلك، ولكن ينبغي أن يعلم أن هذا الكتاب قد بالغ فيه الإمام الخطابي في الحط من الخلطة والحث على العزلة, حتى قال هو في آخر الكتاب: إني أخشى أن أكون قد بالغت في ذلك أو زدت عليه بما لا ينبغي, ويقول في آخر الكتاب: في باب لزوم القصد -أي: رجع إلى الحديث عن القصد والاعتدال- قال: قد انتهى من الكلام في أمر العزلة، وأوردنا فيها من الأخبار ما خفنا أن نكون قد حسنا معه الجفاء من حيث أردنا الاحتراز منه، وليس إلى هذا جرينا ولا إياه أردنا, فإن الإغراق في كل شيء مذموم وخير الأمور أوسطها, والحسنة بين السيئتين, وقد عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإغراق في عبادة الخالق عز وجل, والحملة على النفس منها ما يؤودها ويكلها, فما ظنك بما دونها من باب التخلق والتكلف, وهذه من أجمل ما في الكتاب فينبغي أن ينتبه لها, لإن منهج الكتاب ليس مرضياً كله في مدح العزلة وذم الخلطة.

    التحذير من قرناء السوء

    ومن الفوائد الموجودة في الكتاب أن المصنف رحمه الله ذكر أن أعرابياً، كان بـالكوفة، وكان له صديق يظهر له المودة والنصيحة، فاتخذه هذا الأعرابي من عدده للنوائب، فأتاه فوجد أنه بعيد مما كان يظهر له، فأنشأ يقول:

    إذا كان ود المرء ليس بزائد      على مرحباً كيف أنت وحالكا

    ولم يك كاشراً أو محدثاً       فأف لود ليس إلا كذلكا

    لسانك معسول ونفسك بشة      وعند الثريا من صديقك مالكا

    وأنت إذا همت يمينك مرة       لتفعل خيراً قابلتها شمالكا

    وهذه الأبيات رواها غيره، منهم ابن حبان في نـزهة الفضلاء وغيره، وفيها التحذير من قرناء السوء.

    تواضع سفيان بن عيينة

    وفي صفحة [70] قال: أخبرني ابن سعدويه قال: حدثنا إسحاق، قال سمعت محمد بن عبد الأعلى يقول: خرج علينا سفيان بن عيينه، ونحن جلوس على باب داره - هؤلاء طلاب العلم والحديث ينتظرون سفيان ليحدثهم - فخرج علينا فقال:

    خلت الديار فسدت غير مسود      ومن الشقاء تفردي بالسؤدد

    أي: أن سفيان بن عيينة يحزن أن الديار خلت من العلماء فيما يقول هو، فصار سيداً هو، مع أنه ليس أهلاً لذلك في ظنه، ولا شك أن سفيان هو من هو في الفضل والعلم، والسؤدد والمكانة، لكن هذا من فضله ونبله وتواضعه وهضمه لنفسه رحمه الله فكيف لو خرج علينا في هذا الزمان؟!

    قال: وأنشدني إبراهيم بن فراس في نحو هذا - في نفس هذا الموضوع -قول الشاعر:

    وإن بقوم سودوك لحاجة      إلى سيد لو يظفرون بسيد

    أي: القوم الذين وضعوك سيداً عليهم يحتاجون فعلاً إلى سيد؛ لأنهم ما وضعوك في هذا الموقع إلا لفقرهم من السادة، وقلة الأكفاء.

    قال وفي آخر:

    وما سدت فيهم إن فضلك عمهم      ولكن هذا الحظ في الناس يقسم

    أي: ما كانت سيادتك لفضلك وكرمك؛ وإنما هو قضاء وقدر.

    إعراض السلف عن الفساد

    وفي صفحة[71] يشير المصنف إلى ما حصل من الفساد، وتغير كثير من السلف منه، قال، قال المصنف أبو سليمان قال وأنْشِدتُ هذا البيت:-

    هذا الزمان الذي كنا نحاذره      في قول كعب وفي قول ابن مسعود

    إن دام هذا ولم يحدث له غَيَّر      لم يبكِ ميت ولم يفرح بمولود

    هذه الأبيات يحفظها الإنسان ليتمثل بها في بعض الوقائع، خاصة في هذا الزمان المظلم، فكثيراً ما ترى أحداثاً وتسمع أخباراً، أي: تجعلك تردد هذه الأبيات:

    هذا الزمان الذي كنا نحاذره      في قول كعب وفي قول ابن مسعود

    إن دام هذا ولم يحدث له غيَّر     لم يبكِ ميت ولم يفرح بمولود<

    من أحوال السلاطين

    ومن الفوائد التي ذكرها المصنف، في صفحة [95] ذكر كلاماً لبعض الحكماء ينبغي أن يعلم، قال أبو سليمان: " قال بعض الحكماء: إن الذي يحدث للسلاطين التيه في أنفسهم -وهو العجب والغرور، ورد النصيحة، وبطر الحق وغمط الناس- والإعجاب بآرائهم لكثرة ما يسمعونه من ثناء الناس عليهم، ولو أنهم أنصفوهم، فَصدَقُوهم عن أنفسهم، لأبصروا الحق، ولم يخفَ عليهم شيء من أمورهم" وبذلك تعلمون أن الواجب على العلماء وطلاب العلم والجلساء والندماء، ليس هو المبالغة في المديح والتبجيل، وتصحيح الأعمال، بل هو النصيحة الخالصة، التي لا يراد من وراءها دنيا.

    مداخل الشيطان

    مدح الموت وكراهة تمنيه

    وفي صفحة [78] ذكر كلام بعضهم في مدح الموت، ولا شك أن تمني الموت لا ينبغي إلا إذا خاف الإنسان من الفتن يقول: " أنشدني بعض أصحابنا لـمنصور بن إسماعيل:

    قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا       في الموت ألف فضيلة لا تعرف

    منها أمان لقائه بلقائه وفراق       وفراق كل معاشر لا ينصف<

    صحبة الفتيان والقراء

    ومما يعجب في هذا الكتاب: أن المصنف رحمه الله ذكر في صفحة [89] كلمة أو كلمات إحداها، قول سفيان الثوري: " لأن أصحب فتى أحب إليَّ من أن أصحب قارئاً " وذكر رواية قال: زار عبد الله بن المبارك رجلاً من أهل نيسابور، ينسب إلى الزهد والتقشف، فلما دخل عليه فلم يقبل عليه الرجل - وابن المبارك هو من هو إمام الدنيا- ولم يلتفت إليه، فلما خرج ابن المبارك، أُخبر الرجل بما كان، وأُعلم أنه عبد الله بن المبارك، فخرج إليه يعتذر ويتنصل وقال: يا أبا عبد الرحمن! اعذرني وعظني- اعذرني من التقصير في استقبالك- قال: له ابن المبارك، نعم! إذا خرجت من منـزلك؛ فلا يقع بصرك على أحد، إلا أُريت أنه خير منك، وذلك أن ابن المبارك رآه معجباً بنفسه، ثم سأل عنه فإذا هو حائك.

    قال: وعن سفيان قال: " من لم يتفت لم يتقرأ " قال أبو سليمان يشرح هذه الكلمة - إن من عادة الفتيان ومن أخذ بأخذهم، بشاشة الوجه وسجاحة الخلق، ولين العريكة، ومن شيمة الأكثرين من القراء، الكزازة وسوء الخلق، فمن انتقل من الفتوة إلى القراءة؛ كان جديراً أن يتبقى معه تلك الذوقة والهشاشة، ومن تقرأ في صباه، لم يخلُ من جفوة أو غلظة…" إلى آخر ما قال.

    والحقيقة أن هذا الكلام وإن كان ليس على إطلاقه، فلا شك أن في صغار طلاب العلم من فيهم من لين العريكة وسجاحة الخلق، والهشاشة والبشاشة الشيء الكثير، إلا أن له رصيد من الواقع، وإنما سقته حتى ينتبه الإخوة إلى هذا الأمر، ويباعدوا أنفسهم عن مثل هذه الخصال.

    من عيوب أصحاب الحديث

    في صفحة [86/87] تطرق المصنف رحمه الله لبعض عيوب أصحاب الحديث، وأصحاب الحديث كما قيل: هم على ما هم خيار القبائل، وأفضل أصحاب العلوم، لكن ليس من طائفة إلا وفيها عيوب، والتحذير من عيوبهم مطلوب، فذكر أن رجلاً رأى من أصحاب الحديث بدعة سيئة، فلام أهل الحديث، وقال: إنه لا يعلم علماً أشرف، ولا قوم أسخف منهم، وهذا يحمل على أنه قاله في حال غضب وانفعال، ولا يقبل من قائله.

    وذكر أن رجلاً كان في مجلس عبد الواحد بن غياث يقول: سمعت أبي رأى رجلاً من أصحاب الحديث صلى لجنبه، فلما سلم الإمام سلم دفاتره -وكانت قد فاتته ركعة- ولم يصلِّ الركعة التي فاتته، يعني لانشغاله بالطلب غفل عن الركعة التي فاتته، وذكر هاهنا قصة يقول: حدثنا مؤمل بن إيهاب قال حدثني يحيى بن حسان قال كنا عند سفيان بن عيينة وهو يحدث، فازدحمت فرقة من الناس على محمل شيخ ضعيف فانتهبوه، ودقوا يد الشيخ -أي ضروا الشيخ- وأخذوا بعض ما معه، فجعل الشيخ يصيح يا سفيان لا جعلتك في حل مما فعلوا بي، لأن ذلك كان في مجلسه، بسبب الزحام، قال: وسفيان لا يسمع -أي: أن سفيان يسمع صوت الرجل لكن لا يدري ما يقول- قال سفيان: فنظر سفيان إلى رجل من أولئك الذين صنعوا بالشيخ ما صنعوا -رجل ليس من أهل الحديث لكنه ملصق فيهم- فقال له سفيان ماذا يقول هذا الشيخ؟ قال: يقول زدنا في السماع" العكس- الشيخ يريد أن يسكت سفيان، حتى يزول الزحام، فهذا قال: إن الرجل قال يا شيخ يا سفيان: زدنا في السماع.

    التحذير من عبادة الله بغير علم وبصيرة

    وهناك قصة أختم بها هذه المختارات، ذكرها المصنف في صفحة [91] وهي تدل على ما يقع للعُباد الذين يعبدون الله من غير علم وعلى غير بصيرة، وكيف يستزلهم الشيطان ويستدرجهم! بل ذكر قصتين في ذلك.

    الأولى: قال: كان الشافعي رحمة الله عليه رجلاً عطراً -أي يحب الطيب- وكان يجيء غلامه كل غداة بغالية، وهو نوع من الطيب، فيمسح بها الأسطوانة التي يجلس إليها الشافعي رحمه الله، وكان إلى جنبه إنسان من الصوفية، وكان يسمي الشافعي بالبطال -أي: يعتبر أن طلب العلم والحديث نوع من البطالة- يقول: هذا البطال هذا البطال.

    قال: فلما كان ذات يوم عمد هذا الرجل إلى شاربه، فوضع فيه الأذى، ثم جاء إلى حلقة الشافعي، فلما شم الشافعي الرائحة أنكرها وقال: فتشوا نعالكم، فقالوا ما نرى شيئاً يا أبا عبد الله، قال: فليفتش بعضكم بعضاً فوجدوا ذلك الرجل، فقالوا يا أبا عبد الله هذا.

    فقال له: ما حملك على هذا؟

    قال رأيت تجبرك، فأردت أن أتواضع لله عز وجل، ولا شك أن الشافعي رحمه الله أبعد الناس عن التجبر، ولكن هذا ظن هذا الصوفي المتعبد على جهل وضلال.

    قال الشافعي: خذوه فاذهبوا به إلى عبد الواحد مدير الشرطة- فقولوا له: قال لك أبو عبد الله اعتقل هذا إلى وقت ننصرف، قال فلما خرج الشافعي؛ دخل إليه فدعا به، فضرب ثلاثين درة، قال الشافعي: إنما هذا لتخطيك المسجد بالقذر، وصليت على غير طهارة.

    وانظر إلى فقه الإمام الشافعي ما قال: لأنك أهنتني، أو لأنك تعمدت إيذائي، إنما لأنه تخطى المسجد بالقذر، وصلى على غير طهارة.

    ثم ذكر المصنف قصة ثانية: وهي أعجب من الأولى قال: " أخبرني بعض أهل العلم قال: كان يختلف معنا رجل إلى أبي ثور، وكان هذا الرجل ذا سمت وخشوع، فكان أبو ثور إذا رآه جمع نفسه، وضم أطرافه، وقيد كلامه -أي: من باب الهيبة لهذا الرجل، ألا يلحظ على أبي ثور أمراً يخالف ما ينبغي له من الهدي والسمت والأدب؛ فكان أبو ثور يتحفظ إذا حضر هذا الرجل- قال: فغاب عن مجلسه مدة، فتعرف أبو ثور خبره، فلم يوقف له على أثر.

    ثم عاد إلى المجلس بعد مدة طويلة، وقد نحل جسمه وشحب لونه، وعلى إحدى عينيه قطعة شمع قد ألصقها بها، فما كاد يتبينه أبو ثور -أي ما كاد أن يعرفه، لأنه اختلف عليه- ثم تأمله فقال له: ألست صحابنا الذي كنت تأتينا؟

    قال بلى، قال: فما الذي قطعك عنا؟

    قال: قد رزقني الله سبحانه الإنابة إليه، وحبب إلي الخلوة وأنست بالوحدة واشتغلت بالعبادة- الشيطان يستله من مجالس الذكر والعلم إلى أماكن أخرى يخلو بها فيه، ويملي عليه ما يريد كما سوف يلاحظون - قال له أبو ثور: فما بال عينك هذه؟

    قال: نظرت إلى الدنيا، فإذا هي دار فتنة وبلاء، قد ذمها الله تعالى إلينا وعاب فما فيها، فلم يمكنني تغميض عيني كلتيهما عنها، ورأيتني وأنا أبصر بإحداهما نحواً مما أبصر بهما جميعاً، فغمضت واحدة وتركت الأخرى.

    فقال له أبو ثور: ومنذ كم هذه الشمعة على عينك؟

    قال: منذُ شهرين، قال أبو ثور: يا هذا أما علمت أن لله عليك صلاة شهرين؟

    وطهارة شهرين؟

    انظروا إلى هذا البائس، قد خدعه الشيطان، فاختلسه من بين أهل العلم، ثم وكل به من يحفظه ويتعهده ويلقنه العلم ".

    يعني الشيطان اختلس هذا الإنسان من مجلس أبي ثور وتفرد به، فـأبو ثور نبهه إلى أن عليه وضوء شهرين وطهارة شهرين لأنه توضأ وصلى على غير طهارة هذا المدة، حيث لم يغسل ما تحت هذا الشمعة التي كانت على عينه، ثم وكل أبو ثور بهذا الرجل من يحفظه ويتعاهده ويلقنه العلم؛ لئلا يجتره الشيطان مرة أخرى.

    وفي الكتاب فوائد وفرائد كثيرة غير ما ذكرت، ولكن هذا أبرز ما فيه.

    أسأل الله أن يعلمني وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم أجمعين.