إسلام ويب

الشباب والغريزةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن طريق الشيطان إلى القلوب يتمثل بمرضين هما: مرض الشبهات ومرض الشهوات، ويدخل الشيطان إلى القلب عن طريق الشهوات بوسائل عديدة منها النظر إلى الحرام والتعلق بالحرام والعشق والشذوذ. ويستطيع الإنسان أن يحصن نفسه من الشيطان بوسائل عدة منها: الخوف من الله، والتبصر بالعواقب والزواج والصوم والسعي إلى إصلاح النفس.

    1.   

    من أوصاف المنحرفين

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وليس من قبيل المجاملة أو سلوك الطرق التقليدية في بداية الحديث؛ أن أقول لكم: إنني مسرور بالاستماع إليكم، ومسرور بمشاهدة وجوهكم المشرقة النيرة، وإن هذا شعور يلاقينا كلما رأينا ثلة من شباب هذه الأمة، نقرأ في وجوههم -إن شاء الله- حب الخير والتطلع إليه، والبحث عن الطريق المستقيم.

    وأنا ألحظ في وجوهكم، وفي عيونكم ونظراتكم، وفي صمتكم الدال على الرغبة في الخير والبحث عنه، وتلمس الطريق المستقيم، أقرأ من وراء ذلك خيراً كثيراً، لا أقول هذا مجاملة في بداية الحديث، ولكني أقوله تعبيراً عن شعور في قلبي.

    أيضاً أشكر أخي سعادة الأستاذ صالح التويجري مدير المعهد، والإخوة الأساتذة الذين كانوا -بعد الله تعالى- وراء هذا النجاح الكبير الذي يحظى به المعهد بتوفيق الله، سواء على المستوى الأخلاقي والديني، وهذا بالدرجة الأولى، أو على المستوى العلمي والفني، وهذا مطلب مهم باعتباره من أهم أو هو أهم أهداف إنشاء هذا المعهد.

    وهم -أيضاً- كانوا وراء حضوري إلى هذا المكان، فقد كان لحرصهم -جزاهم الله خيراً- ورغبتهم، السبب في مجيئي إليكم وحديثي معكم.

    أحبتي الشباب! قبل أن أدخل في الموضوع الذي حددت أن أتكلم معكم فيه، أقول: لفت نظري في قراءة الأخ للآيات وصفان ذكرهما الله تعالى في وصف المنحرفين عن الصراط، فهو سماهم مرة بالكافرين، فقال: (َ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:59] وسماهم مرة أخرى بالمتكبرين، فقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60] وهذا فعلاً ملفت للنظر.

    معنى الكفر

    ما معنى الكافر في لغة العرب؟ وأنتم أهل الزراعة تعرفون كما قال الله تعالى: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] كما قال في الآية الأخرى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] فالمزارع يحفر الأرض والتربة، ويضع فيها الحب ثم يدفنه، ولذلك ما زالت القرى الصغيرة في عدد من البلاد في مصر وغيرها، يسمونها (كفور) كفركذا، أو كفر كذا، أي: قرية كذا أو مجموعة من المزارع.

    إذاً الكفر في أصل اللغة هو الستر والتغطية، ومنه يسمى المزارع أو تسمى الزراعة أو القرية بالكفر؛ لأنهم يبذرون الحب ويدفنونه في التربة.

    سبب تسمية المنحرف عن الصراط بالكافر

    إذاً لماذا سمى الله الذي ينحرف عن الطريق المستقيم كافراً؟ يجب أن نسأل أنفسنا هذا السؤال.

    سماه كافراً لأن الفطرة عنده موجودة، والعقل عنده موجود، والمعرفة عنده في النهاية موجودة، ولكنه يستر هذه الحقائق الموجودة بنفسه، بمعنى أنه يغالط نفسه ويضحك على نفسه، فالحق معروف لديه، وعندما تجادله توصله إلى طريق مسدود وتحرجه فعلاً، ولكنه يخادع نفسه، ويسلك الطريق المنحرف، وبعد ما يسلك الطريق المنحرف يقول: لا أريد أن أثبت للناس أنني أعرف الحق وأتركه، وأنني أسلك طريق الباطل على رغم أنني أعرف أنه خطأ، لا أريد أن يفهم الناس عني هذا، لأن هذا دليل على أنني ضعيف الهمة.

    إذاً: ما الحل؟

    الحل هو أن يقول الإنسان: إن هذا الطريق الذي سلكته -وهو يعرف أنه طريق خطأ- يقول: لا هذا صواب! وذاك الطريق الذي تركه -وهو يعرف في الواقع أنه طريق الحق- يقول: لا! هذا خطأ. هذا أصل معنى كلمة الكفر، وقد تجد إنساناً يسلك طريق الخطأ، لكنه صادق مع نفسه وصريح، عندما تقول له: يا أخي! لماذا أنت على هذه الحال؟

    يقول لك: يا أخي! أنا أعلم، ولا أحتاج أن تقول لي إن هذا خطأ، وأنه غير لائق مني، لكن يا أخي عسى الله أن يهديني، وعسى الله أن يأخذ بيدي، وأنا عندي ضعف همة، والسبب سوء التربية في الطفولة، وعدم وجود من يوجهني، وو... إلى آخره.

    أمثلة للإعراض عن الحق

    وأضرب لكم مثالين قريبين لا يتعلقان بموضوع الكفر، لكن يتعلقان بأن الإنسان في كثير من الأحيان يعرف الحق، ولكنه إما إن يعرض عنه ضعفاً، أو لغير ذلك من الأسباب، ثم من الناس من إذا ترك الحق حاول أن يجعل الحق باطلاً، ويجعل الباطل حقاً:

    من الصور الموجودة في مجتمعنا: صور المغنين والغناء، والمجتمع يتكلم عن الغناء على أنه نوع من الفن كما يسمونه، وتكتب عنه الصحف في الملاحق الفنية، وذلك لأن الفن عندنا -وفي كل مكان- له دور كبير في تخدير المشاعر، وصرف الناس عن الاهتمامات الحقيقية التي ينبغي أن تشغل عقولهم، إلى اهتمامات أخرى ثانوية أو ساقطة أحياناً.

    فالفن -كما نعلم في الغالب- يخاطب غرائز الإنسان، ويتكلم عن العشق، والحب، واللقاء، والوصال، والهجر، وصفات المحبوبة، ولون شعرها، ولون رمشها ووجهها ونظرتها، وضحكتها إلى آخره.

    هذا اللون من الفن وما يصحبه كما تعرفون من الموسيقى والغناء وتحسين الأصوات، وظهور أصوات الرجال تسمعها النساء فتتكسر قلوبهن، أو ظهور أصوات النساء يسمعها الرجال.. إلى آخره.

    هذا الفن قد تواجه اثنين واقعين فيه، يشتغلان بالغناء، أنا رأيت اثنين منهم- كتاب - أحدهم لاحظت في رأسه شيباً، وهو لا يزال في مقتبل العمر، فقلت له: لماذا ظهر فيك الشيب على رغم صغر سنك؟ قال لي: أقول لك بصراحة، ظهر الشيب علي وأنا في مقتبل عمري، وذهبت للأطباء وسألتهم، فقالوا لي: إنك تواجه مشكلة نفسية، ووضعاً قلقاً وعدم ارتياح، أنت غير مقتنع بالوضع الذي أنت فيه.

    وقال: أنا بصراحة غير مقتنع ولا أشعر أني خلقت لأكون مغنياً، ولا لأن أصدح بهذه الكلمات في آذان الناس، أنا أحس أنني شيء آخر غير هذا.

    فقلت له: إذاً ما الذي جاء بك إلى هذا المجال؟

    فقال: أنا بصراحة أعتبر المسئول الأول والأكبر عن هذا الموضوع هو والدي رحمه الله؛ لأنه غفل عني، ولم يهتم بي ولم يوجهني، بل ربما كان يشجعني، حتى كبرت ووجدت نفسي في هذا الأمر، ووجدت نفسي محاطاً بصداقات، وعلاقات، ومعرفة، وارتباطات، ومواعيد، وأمور، وشهرة، وسمعة، وأشياء كثيرة كسبتها من وراء مثل هذا الأمر، فلم يعد من السهل أن أسحب نفسي.

    وليست القضية قضية أن أترك المجال فقط، القضية تتطلب قدراً من قوة العزيمة والإرادة، والصبر والتحمل، قد لا أملكها الآن، لكن لو عرفت من البداية لكان من السهل أن أتراجع.

    انظر! هذا إنسان سالك طريق خطأ، طريق الغناء، لكن سلوكه هذا الطريق ما جعله يقول: لا يا أخي ليس في هذا شيء، لماذا أنتم تبالغون كثيراً؟

    الغناء ليس فيه بأس، فهو لم يسلك الطريق هذا، إنما سلك طريق الوضوح والصراحة حتى مع نفسه.

    تأتي لإنسان آخر يسلك نفس الطريق، فعندما تتحدث معه، تجد أنه يركز كثيراً ويقول لك: يا أخي الغناء لا شيء فيه، الغناء أمر مباح، وقد كان فلان يسمع الغناء، وكان فلان من العلماء يـبيح الغناء، ويحاول أن يفلسف لك الخطأ حتى يتحول الخطأ إلى صواب..!

    لاحظ الفرق الكبير!! الثاني يستر الحقيقة والأول يكشفها، وسبحان الله! ما من إنسان -غالباً- إلا وعنده شعور وميزان داخلي يستطيع أن يهتدي به إلى شيء من الحق، ولهذا يقول الله تعالى، كما في الحديث القدسي: {إني خلقت عبادي كلهم حنفاء} أي: على الفطرة المستقيمة الواضحة البينة، بحيث أي إنسان لو تُرِكَ وشأنه، لاهتدى إلى الله عز وجل، أي إنسان لو تركته وشأنه لاهتدى إلى الله تعالى، صحيح أنه لا يستطيع أن يعرف الدين، ولا يستطيع أن يعرف الإسلام، لا يستطيع أن يعرف أن هناك خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن هناك نبياً اسمه محمد عليه الصلاة والسلام بعث إلى الأمة، وأن هناك كتاباً اسمه القرآن، وأن هناك شهراً اسمه رمضان يصام، وأن هناك حجا، وصفة الحج كذا، هذه التفاصيل بالتأكيد لا يمكن معرفتها إلا عن طريق الوحي؛ لأنها من الله.

    لكن شعوره بأن الله موجود، وأن الله هو المعبود الحق، وأنه يجب أن يتوجه ويتأله بالقلب إلى الله، هذا يعرفه بفطرته، كيف لا يعرفه والحيوان يعرفه يا أخي؟!

    إذاً: الله تعالى عندما يسمي المنحرفين عن الصراط المستقيم كفاراً، إنما يسميهم كفاراً لأنهم يسترون الحقيقة التي يعرفونها في قلوبهم، أي يضحكون على أنفسهم ويخادعون أنفسهم، فيصورون أن ما وقعوا فيه من الخطأ أنه صواب، وأن ما تركوه من الصواب أنه خطأ، ولهذا سماهم الله كفاراً.

    معنى الاستكبار

    لاحظ الوصف الثاني الذي سماهم الله به، وهو وصف المتكبرين قال تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60] وفي الآية الأخرى: الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل:23].

    إذاً: الاستكبار ما هو؟

    أعظم ألوان الاستكبار هو الاستكبار عن الحق، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر} وقال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    أساس العبودية لله التذلل له

    ومن هنا نلاحظ أن أساس العبادة وصلبها يقوم على أساس أنه يوجد إنسان ذليل، وهناك رب عزيز، فالذي ليس عنده استعداد؛ لأن يذل نفسه، لا يمكن أن يكون عابداً أبداً، ولا يمكن أن يكون مسلماً أبداً، لكن لا يذل نفسه للشهوة ولا للطاغوت ولا للناس مهما كانوا، إنما يذل نفسه لواحد فقط وهو الله.

    انظر إلى العبادة كيف هي، أعز ما في الإنسان، وأكرم ما عليه وجهه، ولهذا الإنسان إذا أراد أن يهين آخر، يسيء إليه في وجهه، بحركة أو بقول أو بكلام أو بضرب، ولهذا من باب تكريم الإسلام للوجه وللإنسان، أن الرسول عليه السلام قال: {إذا قاتل أحدكم أخاه -أي ضاربه- فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته} أي لا تضرب الإنسان في وجهه، حتى لو أردت أن تؤدب ولدك، أو من هو أصغر منك تؤدبه، لكن لا تضربه على الوجه، اضربه في أي موضع آخر، الوجه له تقدير وتكريم، لأن الله تعالى كرم الإنسان، فقال: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] وأجمل وأحسن وأعلى ما في الإنسان وجهه، وهو لذلك مجمع الحواس، فالسمع، والبصر، والذوق، والشم، وكذلك العقل الذي يفكر به الإنسان، كلها تجتمع في رأس الإنسان.

    إن العبادة التي يطالب المسلم أن يعملها، تتعمد أن يذل هذا الإنسان أعز ما فيه -وهو هذا الجزء المهم من جسمه - بذله لله فقط؛ لأن الذل لله تعالى عز، ولن تجد في الدنيا كلها عزاً أعظم من أن تذل لله تعالى.

    إذاً: رحى العبادة تدور على الذل، فتجد أن الإنسان إذا صلى فأول ما يفعله أن يطرق رأسه مطأطئه، لا ينظر يميناً ويساراً، وفوق وتحت؛ بل تجد أن المصلي العابد حقاً وجهه في الأرض، ينظر للأرض، عيونه مثبتة في موضع السجود، لا يلتفت يمينه ويساره، ونهى الرسول عليه السلام عن الالتفات، وقال: {هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد} هذا وهو واقف.

    فإذا ركع تجده يطأطئ رأسه، والقيام والركوع في الصلاة تمهيد لغاية الانكسار لله وهو السجود، حيث يهبط الإنسان ويهوي إلى الأرض فيجعل جبهته على التراب -ليس شرطاً على التراب- إنما على الأرض، على فراش أو على شيء يسجد عليه، المهم أنه جعل أعز ما فيه أسفل شيء من جسده -وهو وجهه- جعله على الأرض، ثم يقول: سبحان ربي الأعلى.

    أي: في الوقت الذي أنا فيه ساجد، إنما جعلت جسمي كله في الأرض اعترافاً بألوهية العلي الأعلى، واعترافاً بأنه هو المستحق وحده للعبادة.

    الذل لله عز وجل

    ولذلك تجد هذا الإنسان الذي يعبد ربه بهذه الطريقة، بقدر ما هو ذليل لله، تجده عزيزاً عند الناس، عزيزاً بشكل لا يمكن أن يخطر في بالك، يمكن أن تذهب روحه ولا يذل نفسه.

    أحد العلماء سجن، وحكم عليه بالإعدام، فجاءه بعض الناس يتوسطون، وقالوا له: نريد منك أن تكتب كلمة واحدة تعتذر فيها إلى الحاكم؛ من أجل أن يطلق سراحك ويعفو عنك.

    فقال: إن السبابة التي تشهد أن لا إله إلا الله، لا يمكن أن تخط كلمة واحدةً تقر بها حكم طاغوت ورضي -فعلاً- أن يقتل، ويعلق على المشنقة وهو يبتسم؛ لأنه يرى أن المسلم أعز من أن يسترحم للباطل أو يذل له.

    المسلم الحق قد يموت ولا يمد يده لأحد يسأله، ولهذا جاء جماعة من الصحابة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فأسلموا وأوصاهم بأشياء، فكان من ضمن ما أوصاهم به عليه الصلاة والسلام أن قال لهم: {لا تسألوا الناس شيئاً} فكان أحدهم -لاحظ التطبيق- يسقط السوط من يده وهو على البعير، فلا يقول لأحد: أعطني السوط؛بل ينـزل ويأخذ السوط ثم يصعد مرة أخرى، حتى كلمة اعطني السوط لا يقولها!

    إذاً الذل لله تعالى هو العز، والفقر إلى الله تعالى هو الغنى، وهذه قضية أساسية في الدين، فالعبادة تقوم على الذل، وكل حب يقوم على الذل، فالعشاق -مثلاً- والمحبون، تجد أن أبرز صفات العاشق -في التاريخ والأدب والواقع- تجده ذليلاً لمن يحب، حتى لو طلب منه أن يعمل أبشع الأعمال وأسوأ وأحط الأعمال، فإنه يفعلها من أجله ولا يتردد، بل يعتبر هذا شرفاً له، لماذا؟ لأنه يعتبر هذا من التعبير عن الحب، ولهذا يقول الشاعر:

    مساكينُ أهلُ الحب حتى قبورُهم عليها غبارُ الذل بين المقابر

    فإذا كان العبد يحب الله تعالى، فمعناه أنه لا بد أن يعترف له بالذل، أنه ذليل بين يديه، منكسر ومفتقرٌ إليه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] ليس الفقر في المال فقط؛ بل هذا النَّفَسُ الذي هو سر حياتك الذي يدخل ويخرج، هو يتحرك بإدارة الله تعالى، ولو شاء الله تعالى لحجزه وانتهت حياتك، فالفقر فطري في الإنسان.

    1.   

    أمراض القلوب

    أقول: قلب الإنسان بطبيعته فيه تشتت وتفرق، لا يمكن أن يلمه ويجمعه إلا الإقبال على الله سبحانه وتعالى فإذا أقبل العبد على الله أقبل الله تعالى عليه، وحفظ له قلبه، وجمع شمله، ووحد همه، فصار هذا الإنسان يملك من الاستقرار والانضباط والسعادة الشيء الكثير، وإذا أعرض عن الله تعالى أعرض الله تعالى عنه، حتى لا يبالي في أي أودية الدنيا هلك، فتجد هذا الإنسان ليس له قاعدة، وتجده يبحث عن السعادة في كل مكان لكن لا يحصل عليها.

    فمن الأشياء المسلطة على قلب الإنسان -وهي قضية أساسية بالنسبة للشباب-: قضية الشهوة، والقضية الثانية: قضية الشبهة.

    فهذان المرضان هما: اللذان يهلك بهما من يهلك من الناس، إما أن يكون هلاكه بشهوة، أي: دوافع غريزية تدفعه إلى الوقوع في الحرام، فينجر من الحرام إلى حرام آخر... وهكذا.

    الأمر الثاني هو الشبهة: يخطر في قلبه وفي عقله -أحياناً- تساؤلات لا يجد لها جواباً، فتجره إلى التفكير بشكل معين، وقد توقعه في نوع من الإلحاد، أو توقعه في نوع من الشك على أقل تقدير، أو وسوسة في قلبه تنغص عليه حياته.

    الزواج هو الطريق الشرعي لتصريف الشهوة

    ففيما يتعلق بالشهوة: هي أصلاً فطرة مركوزة في كل المخلوقات، وهي فطرة أو غريزة مركبة لحكمة ومصلحة يعلمها الله لاستمرار التناسل في الكون، سواء للإنسان أم للحيوان، وقد جعل الله تعالى الزواج أو التزاوج بين البشر، هو السبيل الشرعي الصحيح لإشباع هذه الغريزة وهذه الفطرة، وجعلها تسلك طريقها الصحيح، لكن -كالعادة- الشيطان لا يمكن أن يرضى لك بسلوك الطريق الصحيح، بل الغريب أن الشيطان إذا سلكت الطريق الصحيح يحاول أن يثنيك عنه، ولهذا جاء في صحيح مسلم: {إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه يضلون الناس ويخربون فيما بينهم، فيأتيه واحد ويقول: فعلت كذا وكذا وكذا -أي من المعاصي- فيقول: ما فعلت شيئاً -أي: أنه سوف يتوب ويستغفر- فيأتيه الثاني ويقول: ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين زوجته. فيقربه الشيطان ويدنيه ويقول: أنت أنت} أي: وهذا جيد، عملك حسن، لماذا؟ لأنه فرق بينه وبين زوجته.

    إذاً الطريق الصحيح الذي هو طريق الإشباع الفطري بالزواج، يحاول الشيطان أن يجعل أمامك ألف عقبة، وإذا تحقق الزواج حاول الشيطان أن يجعل هناك مشكلات عائلية مستمرة بينك وبين زوجتك حتى يفرق بينكما، لأن هذا الطريق لا يصلح له، يحبط جهوده ويخرب ما يهدف ويسعى إليه.

    الشباب ومشكلة الزواج

    ولذلك تجد كثيراً من الشباب عندما تحدثه في موضوع الزواج يضحك، ويقول لك: الله المستعان! أنت تتكلم عن خيال! أتزوج! أنا الآن طالب في الثانوي، أمامي تأمين المستقبل، أمامي الوظيفة، هل أسكن زوجتي في أي بيت؟!

    وكيف أصرف عليها؟!

    وكيف أصرف على نفسي؟!

    وأمور ومشاكل وقضايا، وأمامي ثلاثة من إخواني لم تزوجوا بعد، ووالدي لا يمكن أن يساعدني!

    أتذكر الصحابي الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام، وجلس عنده {فجاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووقفت عنده، وقالت: يا رسول الله! جئت أهب نفسي لك -أريدك أن تتزوجني، لأن الرسول عليه السلام -بلا شك- كل امرأة شريفة يسرها أن يكون زوجها- فنظر إليها الرسول صلى الله عليه وسلم وصعد النظر وصوبه -كأنها ما أعجبته عليه الصلاة والسلام- فسكت قليلاً، فجاء رجل من عنده، وقال: يا رسول الله! زوجنيها إذلم يكن لك بها حاجة، قال له الرسول عليه السلام: ابحث عن مهر -التمس- فذهب ورجع وما وجد شيئاً، قال: ما وجدت شيئاً يا رسول الله، ما وجدت إلا إزاري هذا، -عليه إزار ورداء، قال: أعطيها واحداً، فهو من اقتناعه بأهمية الزواج مستعد أن يتخلى عن ثوبه من أجل أن يتزوج- فقال: إن أعطيتها إزارك بقيت ولا إزار لك، لكن التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب وبحث فما وجد، فسأله: هل عندك شيء من القرآن؟ قال: نعم عندي سورة كذا وسورة كذا. قال: أزوجك إياها على أن تعلمها هذه السور. فزوجه إياها على سور من القرآن يعلمها إياها}.

    المقصود من هذه القصة: هذا الرجل الصحابي لأن تفكيره سليم، أدرك أن الزواج حاجة ضرورية فطرية غريزية في الإنسان، وأن الإنسان ما دام أنه لم يتزوج فإنه يعتبر ناقصاً، تفكيره غير مستقل، وغير مستقيم، فيه نقص معين، وحياته غير مستقرة، أموره غير منضبطة، ولهذا فهو من شدة تفانيه في موضوع الزواج مستعد أن يتخلى عن ثوبه من أجل أن يتزوج.

    لكن نحن الآن لا نجد هذا في نفوس الكثيرين، تجد أن الإنسان يشعر أن فكرة الزواج -أصلاً- مؤجلة خمس أو ست سنوات، وهذا عنده أمر مفروغ منه، وأنا حدثت في هذا كثيراً من الشباب، ففكرة الزواج عنده مؤجلة، وبالتالي لا يفكر فيها أصلاً، والكلام الذي تقوله يزل عن أذنه مثل ما يزل الماء عن الصخرة يميناً وشمالاً، لأنه ليس عنده استعداد أصلاً أن يفكر في الموضوع، لكن لو أقنع نفسه -على أقل تقدير- بأن يفكر في الأمر، فيمكن أن يجد بعض الحلول.

    أقل تقدير أنه بدلاً من أن الزواج عنده بعد ست سنوات، أن يقتنع أنه يمكن أن يجعل المدة ثلاث سنوات، ويجد في العمل، ويرتب أموره بشكل معين؛ حتى يستطيع أن يحقق ذلك.

    مثلاً: عندنا طلاب في الكلية يقول لك: زواجي بعد ما أتخرج، وأتوظف، وبعد ما.. يا أخي! أنت الآن طالب، فإذا كنت تشعر بالحاجة، فما هو المانع من أن تنـتسب في الكلية، وتبحث عن عمل وظيفي تستفيد من ورائه، وتكوّن نفسك بشكل صحيح، وتعد موضوع الزواج؟

    ما الذي يمنع الإنسان أن يكون له عمل إضافي؟

    يقول لي بعض الناس: أتينا إلى أناس في كثير من البلاد، وهم شباب جسم الواحد منهم كالفيل في القوة، وصحته -ما شاء الله تبارك الله- ومن أسر وعوائل، ويعتبره الناس أنه ابن وزير، أو ابن مسئول كبير، أو ابن غني وثري من الأثرياء، ويمكن أن تجد الشاب هذا يعمل في بعض المطاعم؛ ينظف المطعم أو ينظف الصحون؛ مقابل مبلغ معين من المال، فليس في العمل ومواجهة العمل، أي ذلة، كما -مع الأسف- تلقينا هذا وتعودنا عليه في بيئتنا، بالعكس هذا شرف للإنسان أنه يعمل.

    محمد عليه الصلاة والسلام، أشرف الناس وأكرم الناس، كان يعمل في المطبخ مع زوجته: {كان يكون في حاجة أهله، حتى إذا أذن المؤذن خرج إلى الصلاة}.

    فكيف تكون هذه أشياء غير شريفة أو أشياء غير محمودة؟!

    وكذلك نبي الله داود كان يأكل من عمل يده، وأشرف المكاسب أن يأكل الإنسان من عمل يده.

    1.   

    طرق الشيطان في إشباع غريزة الجنس

    الشيطان وضع أمامك ألف عقبة أمام الإشباع الحلال وهو: الزواج.

    وبالمقابل فتح أمامك أبواباً كثيرة من الإشباع الحرام.

    مثلاً: من الإشباع الحرام: السفر فتجد هذا الشاب الذي يقول لك: ليس عنده مال، يجمع من هنا ومن هنا، حتى إذا جاءت الإجازة؛ فإنه يكون قد وفر له مبلغاً من المال يسافر به إلى أماكن الرذيلة والعياذ بالله فيعود وقد فقد دينه، وفقد عرضه، وفقد أخلاقه، وفقد صحته، وفقد أشياء كثيرة، ولو أنه جمع هذا المال مع مثله مع مثله مع مثله؛ لاستطاع أن يستغني بالزواج.

    النظر إلى الحرام

    من الطرق التي يفتحها لك الشيطان: طريق النظر إلى الحرام سواء النظر المباشر للنساء الغاديات والرائحات، أو في صور المجلات، أو في الأفلام أو غيرها، بحيث أصبح هذا والعياذ بالله دأباً وديدناً لكثير من الشباب، يتمتعون بالنظر إلى الممثلات، والمغنيات والراقصات، سواء في المجلات -كما ذكرت- أو في التلفاز، أو في أفلام الفيديو، أو غيرها، بحيث إنهم يعتبرون هذا جزءاً من حياتهم، يتكلمون فيها كما يتكلمون عن زملائهم في العمل، فلانة شكلها كذا، وهذا شكله كذا و... إلى آخره بأمور معينة.

    التعلق بالحرام والعواطف المنحرفة

    بعضهم قد يشبع هذا الجانب عن طريق التعلق بالحرام، أي العشق أو الحب.

    والعشق يمكن أن يكون -أحياناً- لامرأة، وهذا -مع الأسف- أصبح جزءاً منه وهماً، وجزءاً منه حقيقةً.

    فالحقيقة أن الإنسان كما قال الله تعالى: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:14] يفتن نفسه، ينظر ويتأمل، وكأنه يود أن يقع أسير هذا الأمر.

    وأحياناً يكون وهماً بأن الإنسان يضحك على الآخرين، فكم من إنسان منَّى الفتاة بالأحلام المعسولة وضحك عليها، وأعطاها الكلام الحلو؛ من أجل أن يبتز منها أنوثتها، ثم يتركها تبكى ويذهب إلى غيرها، وكثيراً ما يقع مثل هذا الأمر.

    وأحياناً قد يكون التعلق بإنسانٍ آخر، مثل الشاب بالشاب، فيكون بينهم قوة ارتباط وشدة تواصل. وفي مجال النساء يسمونه إعجاباً، والشباب لا أعرف بالضبط ما يسمونه، قد يسمونه هكذا.

    المهم أنه تعلق، تجد هذا الشاب -وقد رأيت بعض هؤلاء- عيونه ساهمة، وتفكيره كذا، كأنه معك وهو في الواقع غير موجود معك، لماذا؟

    لأنه مبتلى بالتعلق بشخص معين، لا يجلس إلا معه، ولا يركب إلا به، ولا يستأنس إلا معه، ولا يمزح إلا معه، ولا يتحدث إلا معه، وقد أعطاه كل قلبه.

    وهذا يعتبر شذوذاً، إذا وصل الحد إلى هذا اعتبر وانحرافاً في الغريزة، انحرافاً في العاطفة، يمكن لإنسان أن يحب آخر محبة معتدلة، يقدره، ويحترمه، ويفرح برؤيته، هذا طبيعي، لكن عندما يصل إلى هذا الحد أن يصبح الإنسان أسيراً للآخر، لو غاب عنه شعر بقلبه يخفق ويرفرف حتى يلتقي به، ولا يريد أن يفارقه، وقد يكون هذا سبباً وسبيلاً إلى الوقوع في الحرام من ارتكاب الفاحشة والعياذ بالله أو غيرها من الأمور التي تسخط الله -جل وعلا- وهذا أيضاً يوجد كثيراً خاصة بين الشباب الذين تكون أعمارهم متفاوتة.

    والإنسان عليه أن يكون منتبهاً؛ لأن هذا خطر كبير حتى على مستقبله في الحياة الزوجية، لأن الفطرة أو القلب الذي انتكس وانحرف وخالف الفطرة، قد يكون من الصعب أن يعود أحياناً، ولهذا عاقب الله سبحانه وتعالى قوم لوط فرفع قراهم ثم أرسل عليهم حجارة من السماء، وقتلهم بها، وقلب عليهم ديارهم... لماذا؟

    لأن الفطرة عندهم انتكست وانحرفت، فما أصبحوا يصلحون للحياة، لا بد أن يصفى هؤلاء، ويخرجوا من الحياة بهذه العقوبة الإلهية، ليأتي بعدهم جيل آخر يكون مستقيماً ومعتدلاً.

    فينتبه الإنسان إلى مثل هذه الغرائز، ومثل هذه التوجهات وما فيها من الخطر.

    1.   

    آثار الإشباع المحرم للغريزة

    هذا الإشباع المحرم الذي يتمثل بالسفر، أو يتمثل بالنظر ومتابعة النساء في مجال الواقع، أو في الأسواق، أو في المجلات، أو في الأفلام أو غيرها، أو يتمثل بالتعلق، سواء أكان تعلقاً بامرأة، أم بشاب مثله قد يؤدي إلى الوقوع في الفاحشة، من زنا أو لواط أو غير ذلك من الموبقات. عموماً هذا الإشباع المحرم لو تأملتم لوجدتم له آثاراً معينة، وسأذكرها باختصار.

    زيادة اشتعال الشهوة

    من أهم الآثار: زيادة اشتعال الشهوة.

    فالإنسان عندما يريد هذا الأمر كأنه يريد أن يطفئ ناراً بقلبه، وشهوة تتأجج، لكن هل الواقع أن الشهوة تنطفئ بهذا؟ قد تهدأ عشر دقائق أو نصف ساعة، لكنها تزيد اشتعالاً فيما بعد ذلك، ولهذا أسوأ آثاره أنه يزيد من اشتعال الإنسان، يزيد من فوران الشهوة، فهو يفتح النفس والعياذ بالله بصورة معينة على الشهوات، حتى يكون الإنسان معذباً بشكل دائم.

    يقول ابن الجوزي في بعض كتبه : هذا الإنسان الذي أصبح منفتحاً على الشهوات ذواقاً، يأتي إلى هذه وإلى هذه وإلى هذه، يقول: هذا لو أتي له بنساء بغداد كلها ما كفينه، فيصبح عنده زيادة في شهوته واندفاع وتوقد يعذب، ولهذا قال العلماء: من أحب شيئاً غير الله عذب به، فتجد الإنسان يعذب من حيث يظن أنه يبحث عن إشباع وتهدئة لغريزته، فهو مثل الذي يشرب من البحر ولا يزيده الشرب إلا عطشاً، قد يشعر بالامتلاء لكن يشعر بأنه عطشان، كأنه ما شرب شيئاً! ما شفا نفسه، وما شفا قلبه، وهو في الواقع يتوقع أو يظن أنه يشبع بهذه الطريقة.

    على النقيض من ذلك: الإنسان الذي منع نفسه وجاهدها بعض المجاهدة، هل تعتقد أنه خسر؟ لا, أول نقطة: أنه قد هذب نفسه وغريزته فأصبحت في الطريق الصحيح.

    النقطة الثانية: أن هذا النهم والجوع إلى المعصية الذي عند الآخر غير موجود عنده، لأنه وقف نفسه عند حد معين ونهاها عن الهوى، فانكفت وتوقفت وعرفت حدودها، واستطاع الإنسان أن يتحكم في نفسه، يحركها في مجال التحريك، ويوقفها في مجال الإيقاف.

    هل تعتقد أنت يا أخي! أن الشاب المستقيم الطاهر العفيف، هل تعتقد أنه ليس عنده شهوة؟ بل قد يكون أشد منك، لكنه نهى النفس عن الهوى وقاومها؛ فشعر بلذة الانتصار.

    افترض أن إنساناً جاءه موقف صعب كاد أن يقع فيه في الحرام، ثم انتصر وجر نفسه ونجا، فبعد ساعتين يقول: الحمد لله، لو أنني وقعت في المعصية، الآن المعصية لذتها ذهبت وراحت، لكن بقي الإثم، وبقيت الحسرة في قلبي وبقيت العواقب، لكن لأنني منعت نفسي الآن أشعر بالانتصار ولذة النصر، وهذه اللذة تجعله دائماً في موقف قوة، وفي موقف استعلاء على النفس وصبر عليها.

    الحرمان من المتعة الحلال

    من عواقب وآثار الإشباع المحرم: أن الله تعالى يحرم الإنسان من المتعة الحلال.

    فهؤلاء الناس الذواقون الذين جربوا على الأقل النظر، بغض النظر عن الوقوع في الزنى أو الفاحشة، -إذا عود الشاب نفسه على أنه دائماً وأبداً يسمر عيونه في التلفاز أو الفيديو، أو المجلات الخليعة، وينظر في النساء، فما الذي يحصل؟

    النساء اللاتي يعرضن في التلفاز أو الفيديو أو المجلة، يختارون جميلات العالم، من أجل عرضهن على أنظار الشباب، وبطبيعة الحال المجلة حتى يأخذ مالك من جيبك فإنه يضع صورة جميلة على الغلاف، والفيلم من أجل أن يأخذ مالك وعقلك وأخلاقك -أيضاً- فإنه يضع فيه مناظر جميلة، ومشاهد تخدش الحياء.

    فإذا عود الشاب نفسه على مثل هذا الأمر، عندما يتزوج ما الذي يحصل؟

    يرى أن النساء اللاتي تعود على مشاهدتهن شيء آخر، لأنهن نساء منتقيات تحت إشراف، وتحت مراقبة معينة، وتحت اختيار ولجان وأمور، لن يحصل على مثلهن أبداً، ولو حصل -ولن يحصل بإذن الله- لكن لو حصل فستكون حياته مع إحداهن جحيماً لا يطاق، لأنها امرأة قد يستمتع بها الإنسان الغادي والرائح خمس دقائق ينظر إليها، لكن أن تكون زوجة عنده في البيت هذا لا يمكن؛ لأن الزواج مسألة والاستمتاع مسألة أخرى، فالزواج أبعد من هذا وأعظم من هذا.

    المقصود أن هذا النظر الحرام فتح نفسه على هذه الأشياء، فعندما يريد الحلال يحرم من متعته.

    مثلاً: افترض أنه يريد أن يخطب، وكل واحدة يذهب ليشاهدها، فإنه يقول: يا أخي لا تصلح، دخلت علي كأنها خشبة وليست إنساناً، لا أرى فيها شيئاً، لا تعجبني، فيتركها ويذهب لامرأة أخرى، فيقول: يا أخي! أعوذ بالله هذه أردأ من الأولى. يذهب ليرى ثالثة ويقول: يا أخي لا أريد الزواج، لماذا؟

    لأن قلبه انفتح، وليس عنده موازين مضبوطة، وليس عنده مقاييس، فهو ينظر إلى هذه الفتاة التي دخلت عليه، وفي ذهنه وفي عقله وفي قلبه تلك الفتاة التي شاهدها في التلفاز أو الفيديو أو في المجلة، فهو يقارن بالشكل، انظر كيف حرم من المتعة الحلال بسبب وقوعه في النظر الحرام!

    ويمكن أن يحرم حتى من المتعة الزوجية، التمتع بما أحل الله تعالى له من زوجه، بسبب نظره إلى الأخريات، وبسبب وقوعه فيما حرم الله تعالى، وكم من إنسان يعاني في حياته الزوجية ما يسمى بمرض العنة أو العجز الجنسي؛ بسبب وقوعه فيما حرم الله قبل ذلك، فيعاقب بعقوبة من جنس المعصية التي وقع فيها.

    الفضيحة في الدنيا والآخرة

    من الآثار السيئة: قضية الفضيحة، والفضيحة لها صور شتى، منها: افتضاح الإنسان في وقوعه في معصية، حتى يتكلم الناس عنه، حتى الذين يقعون في مثل ما وقع فيه يتكلمون عنه في المجالس ويقولون: أنا رأيت فلاناً وكذا وحصل له كذا، وأي شر أسوأ من أن يسود وجه الإنسان بفضيحة تلاحقه أبد الدهر.

    صورة أخرى من صور الفضيحة أعظم من هذه، بعض الشباب في فترة من فترات غياب الموجه، وغياب الإنسان الذي يرشدهم، يسافرون إلى الخارج ويرتكبون الحرام، فيمكن أن يفضح عن طريق وجود مرض جنسي يصيبه بسبب المعاشرة المحرمة، وكثير من المومسات والبغايا في العالم مصابات بأمراض مثل الهربس والإيدز وغيرها.

    والغريب أن علماء الطب يقولون: إن المرأة المصابة بهذا المرض الجنسي يصبح عندها حقد عجيب على الرجال، فتتمنى أن توقعم في الشرك، ولهذا تتزين لهم وتتعرض لهم، وتحاول أن تغريهم وتخطفهم، حتى إذا التقوا بها جنسياً انتقل المرض باللقاء الجنسي إليهم.

    حتى أنني قرأت مرة قصة عجيبة، تقول: إن هناك رجلاً من أثرياء العرب وأصحاب رءوس الأموال، ذهب ودخل في أحد المطاعم في أوروبا، فلما دخل وجد فتاة في أول المطعم جالسة على الماسة بمفردها ومعها حقيبتها، وإذا بها قطعة من الجمال، فجاء وجلس إلى جوارها، وحياها وتحدث معها وضاحكها، ثم عرض عليها أن تذهب معه، فوافقت مباشرة، ومن الواضح جداً أنها استرسلت معه في هذا الأمر وكأنما كانت تنتظره.

    فذهب وجلس وإياها في غرفة في أحد الفنادق، وارتكب معها الحرام، ونام آخر الليل، فلما استيقظ التفت ينظر إلى الفتاة فما وجدها بجانبه، وجد أنها قد قامت، فقام فزعاً؛ لأنه قد تعلق قلبه بها، قام فزعاً يتلفت في الغرفة فلم يجدها، ذهب يميناً وشمالاً فما وجدها، دخل إلى دورة المياه، فلما دخل وجد كلاماً مكتوباً على زجاجة المغسلة، مكتوب بالروج الذي تتجمل به المرأة بخط عريض: مرحباً بك عضواً جديداً في نادي الإيدز!

    وفعلاً فزع الرجل وذهل؛ لأنه عرف أن هذه المرأة مصابة، وأنها عندما كانت تنتظره عند باب المطعم، كانت تنتظره لتوقع به كما تنتظر فريستها، وفعلاً أصيب الرجل والعياذ بالله بهذا الداء القاتل بسبب هذه الوقعة، فهذه من الفضيحة.

    وكثير من الشباب -دعك من الإحصائيات الرسمية لكن الحقائق تنطق- كثير من الشباب من هذه البلاد -فضلاً عن غيرها- ولك أن تطلق الخيال لعنانك، فكثير منهم قد يستحي -أصلاً- أن يبوح بإصابته بالمرض، لكن الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى مراجعة المستشفيات والمصحات أعداد كبيرة، فهذه يعني فضيحة كبرى والعياذ بالله.

    وهناك فضيحة أيضاً بشكل ثالث، الفضيحة عن طريق وقوع الحمل، فقد يرتكب الإنسان الجريمة في ساعة من ساعات فوران الشهوة وغلبة الشيطان وغيبة الإيمان، فيكون جنى جناية عظمى على نفسه وعلى غيره.

    فنحن إذا رأينا أو زرنا بعض الشباب الذين يكونون مجهولي الهوية لا يعرف من أبوهم، فنحن نشعر بحجم كبير من الشفقة عليهم، والرحمة لحالهم، والتحسس لهم، ونشعر بالجناية الكبرى والجريمة المنكرة، التي لا يمكن أن يقدرها الإنسان، على أب كان هو السبب في عذاب مثل هذا الولد، حتى إن الإنسان -أحياناً- يجد مشاعر لا يملك إزاءها إلا البكاء أمام أمثال هؤلاء الأبرياء، بعضهم أطفال في وجوههم براءة الأطفال، ابتسامات بريئة، لا يدري، وقد يدري بالأمر الصعب الذي يواجهه أمام المجتمع، حين يسأل عن أبيه فلا يجاب!

    من الفضائح -أيضاً- التي يتوقعها الإنسان ويترقبها -وهي أعظم الفضائح- الفضيحة على رءوس الأشهاد يوم القيامة.

    وإذا كان الإنسان منا ليس عنده استعداد للفضيحة أمام عشرة أو عشرين أو خمسين الآن، فما بالك بفضيحته يوم القيامة على الخلائق كلهم من الأولين والآخرين؟!

    وهي فضيحة طويلة، ليست بيوم أو يومين أو شهر أو سنة أو عشر سنوات.

    الأمراض الجنسية

    من عواقب وآثار الإشباع المحرم: قضية الأمراض الجنسية التي أصبحت تفتك بالشباب، وضحاياها بالملايين في العالم، وأصبحت هي أعظم تحدٍ يواجه هؤلاء المشبعين بالحرام والذواقين، وهي عقوبة من الله تعالى، الرجل مع زوجته لا يصيبه مرض جنسي، لكن مع امرأة في الحرام، الأمراض الجنسية تترصده، وكل يوم مرض جديد، وكلما اكتشفوا عقاراً جديداً ظهر آخر، ولعل الهربس، والإيدز، وبالذات مرض الإيدز الذي أصبح الآن ضحاياه مئات الألوف بل ملايين، وخاصة في العالم الغربي، وفي المناطق التي يكثر فيها السواح، مثل تايلاند، ومع الأسف شباب الخليج لأنهم أثرياء نوعاً ما هم أكثر من يذهب إلى هناك.

    وقد أتيح لي مرة أن أسافر، حيث كنا ذاهبين إلى أندونيسيا، فوقفت الطائرة في مطار بانكوك، وعلم الله أننا نـزلنا نصف ساعة أو ساعة في المطار على خجل واستحياء، لكن الأمر الذي يدمي قلبي، أني رأيت شباباً نعرف سحناتهم من السمر، من شبابنا، لأن السحنة واضحة، فتجده بشكل معين في المطار، والله المستعان.

    فإذا رأونا خجلوا وأشاحوا بوجوههم، لكنها كارثة عظمى بأن يقفوا وراء هؤلاء كالذين لا يريدون بمجتمعاتنا خيراً.

    فهذه البلاد بلاد تايلاند هي من أكثر بلاد العالم تعرضاً للإصابة بالإيدز، ولكنهم لا يعلنون هذا في الإحصائيات الرسمية؟

    لأن هذا قد يقلل من نسبة السواح، فهم يعطون أرقاماً غير صحيحة حتى تظل السياحة إلى بلادهم قائمة؛ لأنهم يستفيدون مادياً واقتصادياً بشكل كبير من مجال السياحة، فلا يعطون الأرقام الحقيقية عن نسبة المصابين بهذا المرض وبهذا الداء.

    1.   

    العفة عند أهل الإسلام وعند أهل الغرب

    إني أود أن أقول لكم أيها الشباب: نحن المسلمين والعرب ورثنا قضية الشهامة والغيرة على الأعراض، وأحلف لكم بالله العظيم؛ أن أبا جهل، وأبا لهب، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعتاولة الكفار في مكة الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الذي لا إله غيره أنهم أكثر غيرة على أعراضهم وعلى حيائهم وعلى نسائهم، من كثير ممن ينطقون بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله اليوم! أولئك قوم فيهم شهامة العروبة، ونخوتها وأنفتها وحميتها.

    هند بنت عتبة لما بايعها الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {ولا يزنين. قالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟!} استغربت فقالت: هل الحرة تزني حتى تقول: لا يزنين!

    انعدام كلمة العرض من اللغة الإنجليزية

    لكن اليوم انظر الله المستعان! أصبحنا نتعرض لمحاولة تربيتنا على الدياثة رجالاً ونساءً بكافة الوسائل، وهذا أثر من آثار هيمنة الحضارة الغربية، أنتم تدرون أن كلمة العرض هذه غير موجودة في لغتهم، ليس هناك كلمة أخرى تقابلها عندهم، ليس لها مقابل، لأنه -أصلاً- ليس عندهم شيء يقابل اسم العرض، ليس هذا موجوداً عندهم.

    ومن الطرائف: أننا كنا نسمع أمهاتنا وجداتنا منذ زمن بعيد، إذا أحد الأطفال بال على ثيابه وهو صغير -أكرمكم الله- تدعو عليه أمه، ومن ضمن الدعوات التي -أحياناً- نسمعها، أن الأم تقول لولدها: أعطاك الفرنج، ما هو الفرنج هذا؟

    يقول بعض الخبراء: إن الفرنج هو مرض جنسي، من جنس الزهري أو السيلان أو غيرها من الأمراض الجنسية، وأن العرب إنما عرفوه عن طريق الإفرنج، لما جاءوا غزاة محتلين وغير ذلك لبلاد المسلمين، فلذلك ارتبط المرض هذا في أذهان العوام رجالاً ونساءً، ارتبط بالإفرنج الذين كانوا هم السبب في مجيئه، ولأنه مرض يتعلق بالأعضاء التناسلية، تدعو الأم على ولدها إذا خالف أمرها أمرها بهذا المرض.

    إذاً: هم لهم تاريخ أسود في هذه المجالات، فلا غرابة، لكن الغرابة منا نحن، الذين يفترض أننا ورثنا حفاظ الإسلام على الأعراض، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام مرة من المرات قال لـعمر -والحديث في صحيح البخاري- قال: {إنني دخلت الجنة فرأيت قصراً، ووجدت إلى جواره امرأة تتوضأ -هذا الرسول عليه الصلاة والسلام، وأين؟ في الجنة - دخلت الجنة فرأيت قصراً، وإلى جواره امرأة تتوضأ، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لـعمر، فذكرت غيرتك فأعرضت، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟!} أي: هل أغار منك! يا رسول الله؟!

    والرسول نفسه عليه الصلاة السلام في مرة من المرات: {جاء من المقبرة وقد دفن ميتاً، فوجد ابنته فاطمة دخلت البيت، فاطمة الطاهرة المطهرة زوج علي بن أبي طالب، وبنت محمد عليه الصلاة والسلام، وسيدة من سيدات نساء الجنة ونساء العالمين، ومع ذلك يسألها: من أين أتيت؟ قالت: يا رسول الله أتيت من عند أهل هذا الميت أعزيهم بميتهم.

    فقال: لعلك وصلت معهم إلى الكدى؟ -وهو مكان قريب من المقبرة- قالت: لا يا رسول الله! معاذ الله أن أصل إلى هناك وأنا سمعتك تقول ما تقول. فقال: أما لو بلغت معهم الكدى ما دخلت الجنة، أو ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك} فحفاظ الإسلام على الأعراض يفترض أننا ورثناه.

    النخوة والغيرة عند العربي

    الشيء الثاني: قضية حفاظ نخوة العروبة على العرض، العربي الجاهل الذي كان يقاتل من أجل حماية عرضه:

    أصون عرضي بمالي لا أدنسه      لا بارك الله بعد العرض بالمال

    فمع الأسف الشديد أن كثيراً ممن ينتسبون للإسلام قد فقدوا غيرة الإسلام كما فقدوا نخوة العروبة، وهذا مخطط غربي، فالغرب لا يؤلمهم شيء مثلما يؤلمهم طهارتنا، لا يزعجهم شيء كما يزعجهم الشاب الذي يذهب ويدرس هناك، ويرون أنه محافظ وبعيد عنهم، فهذا يزعجهم. ولذلك يقول واحد: إن هناك دراسة قامت بها امرأة خبيرة اجتماعية، جاءت إلى بعض المناطق هنا في الجزيرة، وكان هدفها أن تجري تحقيقات وتحريات ودراسات في مجال النساء، فكانت كلما لقيت امرأة بحكم أن معها دراسات وتقارير واستبانات وأمور، كلما لقيت امرأة كانت تحاول أن تعرف هل هي بكر، أم غير بكر، من غير المتزوجات، فاكتشفت أن جميع النساء اللاتي التقت بهن أبكار من غير المتزوجات، فكانت منـزعجة إلى أبعد الحدود، وأنه هل من المعقول أن كل فتاة غير متزوجة في هذا المجتمع بكر؟

    فهذا الأمر كان مزعجاً لها، وكانت نتيجة خطيرة بالقياس إليها، في نظر الغرب وهم على النقيض من هذا تماماً، لا يمكن أن تتزوج الفتاة وهي بكر، فيشعرون مثلما يشعر الإنسان الذي رأى الناس على صواب وهو على خطأ، فحاول أن يجر الناس إلى الخطأ الذي وقع فيه، وتعرفون قصة اللص الذي علّم الشرطة بيته في الليل حتى يهتدوا إليه في الصباح، فلما رأى أن بيته معلّم باللون الأحمر، ذهب وعلّم بيوت الناس كلها، حتى إذا جاءت الشرطة لم يدروا أين بيت السارق، لأن كل الأبواب أصبحت حمراء، فكذلك الحال مع هؤلاء، فهم يريدون أن تكون القضية متاحة مباحة للجميع.

    1.   

    علاج مشكلة الغريزة

    وأختم بالكلام عن العلاج في مثل هذه الأمور:

    الخوف من الله

    أول علاج: الخوف من الله قال الله: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40] نعم! الإنسان عنده غريزة، لكن وعنده قرآن، ودين، وسنة، يفترض أنها تحرك قلبه للخوف من الله تعالى، والخوف من الله هو أهم حاجز، أما قضية هذا ابن أسرة، وهذا من عائلة فهذا كلام فارغ، حتى الخوف من الفضيحة -الذي تكلمت عنه -قد يردع الإنسان وقد لا يردعه غالباً، لأن الإنسان إذا تحركت شهوته وتأججت؛ ألغى عقله وأغلق التفكير، وانطلق وراء الغريزة ووراء الشهوة، لكن الخوف من الله هو الرادع والحاجز.

    يوسف نبي الله عليه الصلاة والسلام شاب في قوة الشباب، وحيويته، وتوقده، فعنده مثل ما عند غيره، بل أقوى، لأن الأنبياء أشد من غيرهم في هذا الجانب، والرسول عليه الصلاة والسلام نفسه أعطي قوة ثلاثين رجلاً في الشهوة، بل ورد أنهم ثلاثون رجلاً من أهل الجنة، فيوسف عنده هذا الجانب، وهو قوي أيضاً، هذه ناحية.

    الناحية الأخرى: أنه كان في بلد غريب؛ لأنهم ذهبوا به -كما تعرفون- إلى مصر، وهو في الأصل من فلسطين، فالبلد غريب وهو غير معروف، لا يعرفه أحد في البلد.

    الناحية الثالثة: أنه؟ في أي مكان؟ في بلد الملك نفسه رئيس الوزراء، والتي تعرض نفسها عليه هي زوجة العزيز نفسه، وتتجمل له، وفي قصر سيدها وزوجها، وتتجمل وتغلق الأبواب وتقول: هيت لك، وفي بعض القراءات قالت: (هئت لك) أي: تهيأت لك فتعال كل الطرق مفتوحة وليس هناك رادع، امرأة جميلة، ومعروف أنه لن يتزوج العزيز إلا امرأة من أجمل النساء، وفي قصر الحكم، وهذه تعتبر سيدة له، أي أنها تأمره، وإذا رفض فإنها قد تعاقبه، حتى القتل قد تقتله، فها هي قد سجنته وتسببت في سجنه بضع سنين، واحتمال الفضيحة غير وارد إلا ما شاء الله، وبلد غريب، وهو شاب، فما هو الذي حال بينه وبين هذا؟

    معاذ الله! قال الله:وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:24-25] فهو يهرب منها وهي تلحقه وتركض إليه وتجره.

    إذاً قضية الخوف، والتقوى هي الرادع الأول والأكبر من الوقوع في مثل هذه الأمور.

    التفكير في العواقب

    الأمر الثاني: التفكير في العواقب أن يستخدم الإنسان العقل ويفكر، والتفكير -مهما كان- يهدي الإنسان بإذن الله تعالى، إذا دعاك زميلك إلى السفر، والإجازة قربت، هيا نسافر ونرى ونستمتع.

    فانتبه واجعل أمامك ضوءاً أحمر يقول لك: لا! لا تدري ما وراء هذا السفر، وهذا الذي جرك إلى السفر الآن، قد يقول لك للسياحة والمتعة والمشاهدة فقط، لكن قد يجرك إلى أمور أخرى في وقت لا تستطيع أن تمتنع فيه.

    الزواج

    الأمر الثالث: هو الاستغناء بالحلال كما ذكرت، أن يفكر الإنسان دائماً وأبداً تفكيراً جدياً بالإشباع المباح، فالذي حرم الزنا أباح الزواج.

    الصوم

    الحل الرابع: كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: {ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء} فإن الصوم يلفت النظر أولاً إلى أمور، منها: أنه عبادة، والعبادة تقرب إلى الله وتبعد عن المعصية.

    الأمر الثاني: أنه يصرف طاقة الجسم في مصرف صحيح، ولهذا يمكن أن نقول أيضاً: من الحلول أن الإنسان يشغل نفسه بالأعمال القوية، والأعمال النافعة، مثل العمل في أي مجال، أو الرياضة، أو العمل في مزرعة، أو العمل في دكان، العمل في مكان معين، هذه الأشياء كلها تصرف طاقة الإنسان وتشغله بأمور تبني شخصية، تؤمن -بإذن الله تعالى- مستقبله، تنفعه، وتجعله إنساناً سوياً قوياً مستقيماً صالحاً عضواً فعالاً في هذا المجتمع.

    السعي في إصلاح النفس

    ومن الحلول: السعي في إصلاح النفس، والبحث عن القرناء الصالحين، والالتحاق بحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وقراءة الكتب الإسلامية المختصرة الصغيرة المفيدة، وسماع الأشرطة المفيدة، والبحث عن محضن يتربى الإنسان من خلاله على الأجواء الطيبة المناسبة.

    وأعتذر إليكم عن الاسترسال والإطالة، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا المجلس المبارك نافعاً لي ولكم، وأن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، ويصلح أحوالنا في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    .

    ظاهرة الملتزمين وانعزالهم عن المجتمع

    السؤال: المجموعة الأولى تدور حول الالتزام، والالتزام ظاهرة محببة والحمد لله، والأسئلة التي جاءت عن الالتزام دارت حول موضوعين: جزء من الشباب يرى أنه يسمع الغناء، ويعزف العود، ويقصر في صلاة الجماعة، ويستهزئ بالملتزمين أيضاً، ويرغب من فضيلة الشيخ أن يوضح له كيف يبتعد عن ذلك.

    الجزء الثاني من الأسئلة: يعتب على الملتزمين ويقول: إنهم لا يختلطون بغيرهم، ولا يصحبونهم في رحلاتهم واجتماعاتهم، وقد يكون في بعض عباراتهم فضاضة قد تنفر من يرغب في الالتزام، أو من يميل إلى الالتزام، هؤلاء وهؤلاء يرغبون في كلمة من الشيخ توضح لهم كيف ينتهجون؟

    الجواب: بالنسبة للأسئلة الأولى فهي ظاهرة إيجابية؛ لأنه -كما ذكرت لكم في مطلع الحديث- ليس منا إنسان لا يخطئ، بل كل الناس كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون}.

    فليست المشكلة أن الواحد يخطئ، بل أحياناً الخطأ طريق الصواب، ورُبَّ معصية يدخل بها الإنسان الجنة؛ لأنه وقع في خطأ فبعد ذلك استيقظ قلبه، وصارت هذه المعصية أمام وجهه دائماً وأبداً، فيكثر من الأعمال الصالحة والاستغفار والتوبة، حتى دخل الجنة، وعلى العكس رُبَّ طاعة أوردت الإنسان النار والعياذ بالله هي الطاعة، لكنه عمل الطاعة فصار مدلاً بنفسه معجباً بها، ويشعر أنه فعل وأدى ما عليه، فيصل والعياذ بالله إلى الدرك.

    فمجرد وقوع الإنسان في خطأ ليس هو المشكلة، لكن المشكلة الحقيقية أن يصبح الخطأ عندي وعندك صواباً، لأننا ألفناه وأصبحنا ندافع عنه ونستمرئه.

    يا أخي! إن الله فتح أبواباً، يقول ربنا في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {قال الله تعالى: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم} انظر! ربنا سبحانه وتعالى، الرب الكريم الرحيم الجواد المتعطف على عباده، يتعرض لهم: اسألوني ادعوني اطلبوا مني استغفروني: {يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم}.

    هل هناك أحد يحول بينك وبين استغفار الله؟

    لا يوجد أحد، ونوح عليه السلام كان يقول لقومه: استغفروا ربكم، ألف سنة إلا خمسين عاماً، قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12] حتى الدنيا تحصلون عليها، لو أن أنساناً استقام وصلح، فهل يخسر شيئاً؟ والله العظيم -وأحلف بالله ولا أستثني- والله الذي لا إله غيره إن أسعد طبقات الدنيا من آدم إلى قيام الساعة هم المتدينون، الصادقون في تدينهم في الدنيا قبل الآخرة.

    يا أخي! الملتزم الصادق عنده لذة الدنيا بجميع ما فيها لذة الشرب والأكل، والنساء، والمال، والحياة الدنيا نفسها هي عنده مضاعفة، ومسكين الذي لا يسلك هذا الطريق، بل هو في خسران بكل المقاييس، فالالتزام والتدين الحق هو للدنيا قبل الآخرة، ولهذا يقول نوح لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12].

    فالالتزام لن يخسرك شيئاً أبداً، وحتى هذه الذنوب التي يرتكبها الإنسان، ثم يستغفر الله منها، فإن الله غفور رحيم، لكن على الإنسان ألا يصر على الذنب أولاً، ولهذا قال الله تعالى: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    الشيء الثاني: عليه أن يملك قلباً منيباً أوّاباً رجّاعاً، سليماً: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    فمثلاً: الإنسان الذي يسخر بالملتزمين -كما قال في السؤال- هذا لا يملك قلباً سليماً، وليس بصادق، وإلا فكيف يسخر بمن يتمنى أن يكون مثلهم؟!

    وكيف يسخر بمن يعتقد أنهم على الصواب وهو على الخطأ؟!

    أليس هذا من حجب الحقيقة وسترها إذ أنه يعرف ويستر؟

    والإنسان الذي عنده معصية، ولكنه يملك قلباً فيه صلاح، تجده إذا رأى الأخيار أحبهم، ويقول: ياليتني أكون يوماً مثلكم! أرجو الله ألا يحرمني يوماً من الدهر أن أكون منكم! فيحبهم، ويقدرهم، ويواليهم، ويدافع عنهم، هذا هو القلب السليم، ولو كان عنده ذنب أو تقصير.

    لكن أن تكون القضية بالعكس، أن يشعر أنه طرف وهم طرف ثانٍ، وهو في وادٍ وهو في وادٍ ثانٍ، هنا عليه أن يعيد الحساب مع نفسه.

    أيها الإخوة إن أمامنا فرصاً نحن مسئولون عنها، لقد رأيت في بلاد العالم الذي يريد الهداية أمامه ألف عقبة، وقد قرأت ورأيت بعيني بعض الذين أسلموا، كالأمريكان، أو الفرنسيين أو غيرهم، رأينا تجاوزوا عقبات طويلة، أبوه يهودي، وأمه نصرانية، بيئته فاسدة وحياته وعقليته وتفكيره، ذهب إلى المكتبة ووجد أن الكتب التي فيها مشوهة عن الإسلام، سأل فما وجد من يجيبه، عنده أناس من العرب، ولكنهم جاءوا يشتغلون بالدنيا، فأمامه ألف عقبة، ومع ذلك ظل الرجل مصابراً يبحث، وفي النهاية وقع على الإسلام وأسلم.

    لقد بحث وسلك طريقاً طويلة، وأنت يا أخي ليس أمامك ولا أي عقبة، ففي المعهد نشاط خيري، وفي المسجد نشاط خيري، وفي السكن كذلك، وعند أهلك، وفي البلد الذي أنت فيه إذا عدت، وفي كل مجال، المكتبات مليئة بالكتب، بل وتوزع، وكذلك الأشرطة، فمن السهل أن تحصل على الخير، فليس لك عذر -أخي الكريم- فكن صادقاً مع نفسك، ولا تمنِّ نفسك بالأعذار، هذا بالنسبة للطائفة الأولى.

    أما بالنسبة للطائفة الثانية فهذا حق، فعلى الملتزم أن يكون صورة لما يدعو إليه، أولاً: ما دام أن الله قد هداه إلى الخير، هذا الخير الذي هداه الله إليه زكاته وشكره أن يدعو غيره إليه، وهذه الدعوة يجب أن تكون بالتي هي أحسن قال الله: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125] فالدعوة بالبسمة، الدعوة بالإحسان إلى الآخرين، وبالتلطف معهم، والصبر عليهم، الدعوة في خدمتهم حتى في أمورهم الدنيوية ومساعدتهم، في دراستهم وفي أعمالهم، ومشاكلهم، الدعوة بطول النفس معهم، والحرص عليهم، هذا هو الذي يليق بالإنسان، خاصة ونحن الآن أمام جهود كبيرة موجهة إلى الشباب لإغرائهم، فهم بحاجة إلى اليد الحانية التي تنتزعهم بالأسلوب الحسن، ويبقى هناك من الناس من قد لا ينجح تماماً في هذا.

    فنحن نقول: الصورة المثالية أنك أمام داعية ملتزم، مطبق لما يقول، أخلاقه عالية، صاحب ابتسامة، وكلمة طيبة، وصاحب صبر، هذا أكمل شيء.

    وهناك رجل ملتزم وخير، ولكنه لا يدعو، أو يدعو لكنه يدعو بأسلوب ليس حسناً.

    الثالث إنسان منحرف أو مقصر.

    حكم من يؤخر الصلاة

    السؤال: المجموعة الثانية تدور حول الصلاة، وأصحابها يسألون: ما حكم من ينام عن صلاة الفجر، أو صلاة العصر؟ أو ما حكم من يؤخر الصلاة عن وقتها مثل من يحضر المباريات؟ هذا جزء.

    والجزء الثاني يقول: إننا أربعة أشخاص في المنـزل ونصلي جماعة في البيت، فما حكم هؤلاء؟

    الجواب: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103] أمر الصلاة عظيم، وهي الفيصل بين الإسلام والكفر، هي العلامة الفارقة، فنحن عندما نذهب إلى بلاد الإسلام، أو التي كانت بلاد إسلام وحكمها المستعمرون، ثم حكمها من بعدهم تلاميذهم، وقد مسخوا آثار الإسلام فيها، تذهب إلى تركيا -مثلاً- إلى أندونيسيا، ما هو الذي بقي لهم؟

    حقيقة الذي بقي لهم شيء واحد: (الله أكبر الله أكبر) لا تعرف هذه البلاد ما هي إلا إذا جاء وقت الأذان ضجت بالأذان والتكبير.

    فالصلاة هي الفيصل بين الإسلام والكفر وهي الفارق، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} وقال: {بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة}.

    ولهذا أنا أقدم لكم نصيحة محب: لا تدعوا الصلاة في أي ظرف من الظروف، فلا يوجد ظرف من الظروف يبيح لك ترك الصلاة، سواء كان مرضاً أو مباريات، أو أي شيء، ليس هناك ظرف يبيح للإنسان ترك الصلاة، بل يجب أن يصلي الصلاة وفي وقتها.

    ومن رحمة الله أن الإنسان يمكن أن يصلي في أي مكان قال النبي صلى الله عليه وسلم: {وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة صلى حيث كان} فلا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة لأجل مباريات، من أجل مباريات تؤخر الصلاة! أصلاً نحن لا نسمح لك أن تذهب إلى المباريات، خاصة إذا كنت من المدمنين الذين يتابعون الدورات والأشياء والمباريات ويركض وراءها، يا أخي هذا ضياع لعمرك، ونحن لا نرضى لك بذلك.

    والله يا إخواني إني كنت مسروراً جداً: عندما قرأت في جريدة الرياضية، أنهم منـزعجون يقولون: إن الشباب قد أعرضوا عن المباريات، وتركوا الملاعب، وبدءوا يدرسون هذه الظاهرة، وأجروا مقابلات مع رؤساء النوادي، ما هو التحليل وما هو السبب؟

    الحمد لله رب العالمين، يعلم الله أننا سررنا بهذا، ليس كرهاً للرياضة وأهلها، فإن الرياضة في أصولها الصحيحة ليس فيها شيء، لكن لأن الرياضة أصبحت الآن تهميشاً لعقليات الشباب، حيث حصروا اهتمامهم بها فقط، عشرون ألفاً يتدافعون ويتراكضون في الأسواق من أجل المباريات، وهؤلاء فلذات الأكباد، هؤلاء هم عزنا، ومجدنا، إذا ضاع هؤلاء فمن ننتظر؟!

    ننتظر كبار السن والعجزة!!

    يا أخي انفع أمتك ديناً أو دنيا، فكله نافع، أما مسألة الكرة الآن فلم تعد رياضة؛ بل بالعكس حتى من الناحية الجسمية، الذين يجلسون على المدرجات أو أمام التلفاز ماذا استفادوا؟

    هل هم ربوا أجسامهم؟

    هل ركضوا؟

    بل هم جالسون تتكدس أعصابهم، وتشتد وتتأثر وتسترخي، وتضعف عقولهم, فهي حتى من الناحية الجسمية ضارة، حتى وصل الحال أن أصبحت الرياضة ألوهية والعياذ بالله.

    قرأت في جريدة الجزيرة مقالاً عنوانه: (ضحايا الكرة!) وذكر أن واحداً في نادي الزمالك قفز في المدرج حين هدف فريقه، قفز وسقط ميتاً، وذكر تاريخاً وقصصاً ونحن نعرف أشياء من هذا.

    وهذا الهدف الذي مات من أجله ما انتهت المباراة إلا وجاء هدف يقابله وانتهت المباراة بالتعادل، فما كسبنا شيئاً.

    فالمقصود يا أخي أن الرياضة الآن يجب أن تعيدوا النظر فيها، وأنا ما أفرض عليكم فيها شيئاً، لكن يكفيني أن كل واحد يخصص خمس دقائق فقط يفكر: هل وضع الرياضة بالشكل هذا صحيح أو خطأ؟

    من الناحية الدنيوية والدينية؟

    فكيف إذن يسمح لك أن تؤخر الصلاة؟!

    حتى لو كنت تخوض معركة مع الكفار فلن يسمح لك، فكيف تؤخر الصلاة من أجل الكرة؟!

    فينبغي بل يجب على الإنسان إذا كان في البلاد أن يصلي مع الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم ما أذن لـعبد الله بن أم مكتوم، وهو رجل أعمى لا يجد من يدله إلى المسجد، ومع ذلك لم يأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم بترك الجماعة، بل قال له: {هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب}.

    فما دمت أنك عبدلله، والله يقول لك: حي على الصلاة حي على الفلاح، فيجب أن تأتي إلى حيث الأذان وتصلي مع الناس.

    أما إن نام عن الصلاة لعارض، ولم يكن عابثاً كل يوم ينام عن الصلاة، ولا يصلي إلا بعد طلوع الشمس، فهذا لا يجوز، لكن إنسان عنده ظرف معين، كأن يكون مريضاً، أو نام عن الصلاة فتأخر، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، فهذا يصلي، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك} أما كونك تقوم الساعة السابعة وتصلي ثم تفطر وتمشي، فهذا لا يمكن ولا يجوز.

    وبالنسبة للصلاة داخل البيت، لا يجوز لهم أن يصلوا داخل البيت مادام هناك مسجد داخل البلد، ولو صلوا في البيت فصلاتهم صحيحة ومجزئة، لكنهم آثمون على ترك الصلاة جماعة في المسجد.

    من أحكام القصر في السفر

    السؤال: أحدهم يقول: إنه يأتي إلى المعهد من بيته، وهو على بعد مائة وثلاثين كيلو متر عن بريدة، فهل يقصر الصلاة؟

    والثاني يقول: إنه يسافر سفر قصر، ولكن للصيد والنـزهة، فهل يقصر الصلاة؟

    الجواب: بالنسبة للسفر للصيد والنـزهة، إذا كانت تنوي أن تسافر مسافة بعيدة فاقصر، لكن لو فرضنا أنه ما نوى مسافة بعيدة، بل نوى أن يذهب قريباً ليصيد في مزارع قريبة من البلد، لكن من سوء حظك أنك ما وجدت صيداً، فقلت: أذهب للتي وراءها ثم التي وراءها، وصار الطريق يسترسل بك بدون قصد منك، فهذا قال كثير من الفقهاء: إنه لا يقصر، مادام أنه لم ينو السفر.

    لكن إذا نوى السفر للصيد أو للنـزهة وذهب بعيداً فهذا يقصر، كذلك الطالب الذي يأتي إلى المعهد عن بعد مائة وثلاثين كيلو، فإن له أن يقصر إذا كان في الطريق ذاهباً أو آيباً، أو حتى إن كان في البلد هنا، ولكنه فاتته صلاة الجماعة، فإنه يجوز له أن يصليها قصراً، أما إذا رجع إلى بلده فمعروف أنه يقصر في الطريق راجعاً كما قصر آتياً، فإذا وصل إلى بلده صلّّى تماماً من غير قصر.

    حرمة الدخان وأحكام الحبوب المنشطة

    السؤال: يسأل عن الدخان عن حرمته وعن كراهيته، كما يقول: إنني آكل حبوب منشطة للمذاكرة وهي ليست مخدرة، فما حكم ذلك؟

    الجواب: بالنسبة لحكم المخدرات فمعروف ذلك، وعندكم جهود التوعية في شأنها وخطرها، وهي -كما قلت-: ضمن حملة عالمية لتدمير هذه الأمة، وقد اكتشفت خططاً لتدمير هذه البلاد بالذات، بإيصال المخدرات والحشيش إليها، لأنهم يدركون أنها هي الخطر الأكبر الذي لا يزال يهددهم، فما دام أن هناك شعباً واعياً ومدركاً وعاقلاً، فالخطر قائم، فيجب أن يكون عندنا وعي، وأنا لا أشك أن يكون الشباب في مثل عقلكم وسنكم وتفكيركم بعيدين عن هذه الأمور، لأن غالب من يقع في ضحية المخدرات إنسان فاشل في حياته.

    فعليكم أن تدركوا أنه لا يكفي أن تكونوا أنتم بعيدين عن هذه الأمور، بل لابد أن تؤدوا رسالتكم إلى المجتمع لتحذير من تعرفون من حولكم، من إخوة وأقارب وجيران، وغيرهم من مثل هذه الأمور، وتحذير أهلهم من الغفلة عنهم.

    والتدخين أيضاً لا يجوز، ولا شك في تحريمه، لأنه ثبت طبياً ضرره، وكل ما ثبت ضرره فهو محرم، وضرر التدخين معروف لديكم ضمن جهود التوعية؛ سواء ضرره الصحي والاقتصادي، أو الأضرار الاجتماعية، وقد نشر في إحدى الصحف -أظنها اليمامة- إحصائية مذهلة تعتبر مصيبة كبرى، عندما يتكلم عن المبلغ الذي هو قيمة استيراد المملكة للسيارات، وقيمة استيرادها من السجاير، فتصور أنه قد يقول لك: وأنا لا أحفظ الرقم تماماً إن استيراد المملكة من السيارات مليار أو مثل هذا، وعندما يذكر لك قضية السجاير تجدها ضعفها وأكثر منها.

    فهذه كارثة اقتصادية على الأمة، فالناحية الاقتصادية ضررها ظاهر، والناحية الصحية أيضاً ضررها ظاهر، وقبل هذا وبعده التدخين ليس من الطيبات التي يفرح الإنسان بها، ويحمد الله عليها، بل هي من الخبائث، سواء في أثرها أو في رائحتها أو في مواصفاتها، فهي محرمة ولا يجور للإنسان أن يتعاطى هذه السجاير، وإذا ابتلي بها فيحرص قدر المستطاع على التخلص منها ولو بالتدريج، ومع ذلك عليه أن يحرص على الإسرار بذلك، وأن لا يُعرف عنه.

    وأنا أعجب -أيها الإخوة- هناك شخص لي معه اتصال دائم، وأراه بشكل دائم، ومكثت معه سنوات، فما علمت أنه يدخن، ولا توقعت ذلك ولا خطر في بالي، حتى أخبرني أحد أقربائه، فهذا يدل على رجولة عند هذا الإنسان وخير وصلاح، أنه ما دام قد بلي بهذا الأمر، وما استطاع التخلص منه فلا يخبر به، يتحفظ بحيث لا أحد يعلم عنه هذا، ولا يشم عنه رائحة ولا تأثيراً ولا شيئاً يدل على ذلك.

    أما مسألة الحبوب المنشطة للمذاكرة، فأنا أعتقد أنه ما من حبوب منشطة إلا ولها تأثير سلبي، والوضع الطبيعي أن الإنسان يظل يذاكر ما دام يحس بنشاط، فإذا شعر بالتعب فعليه أن ينام، ثم يواصل نشاطه من جديد بشكل طبيعي، أما هذه الحبوب المنشطة فمن المعروف طبياً يقيناً؛ أنه ما من نوع من أنواع هذه الحبوب إلا وله مضاعفات وسلبيات على الإنسان، أقلها أن يعتاد الجسم عليها، ويصبح لا يحتفظ بنشاطه بدون هذه الحبوب.

    الاهتمام الزائد بالمظهر