إسلام ويب

على طريق الدعوةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • "على طريق الدعوة" لقاء أجراه الشيخ/ عبد الرحمن العشماوي مع الشيخ سلمان -حفظهما الله تعالى- وقام الشيخ بإعطاء نبذه تعريفيه عن نفسه، ثم تكلم عن مرحلة طلبه العلم، ثم تطرق إلى الحديث عن جهوده الدعوية والعلمية والفكرية في الساحة. ثم أجاب على عدة أسئلة تتمحور حول الأمة الإسلامية والأخطار التي تهددها وأيضاً عن واقع الدعوة الإسلامية ومعوقاتها والخلاص منها وإلى غير ذلك من الأسئلة الهامة التي لابد للمسلم أن يضعها أمام عينيه.

    1.   

    تقديم الدكتور عبد الرحمن بن صالح العشماوي

    على طريق الدعوة، هذا الطريق الطويل، الذي سلكه الأنبياء والمرسلون، والعلماء والدعاة المصلحون.

    طريق الدعوة إلى الله تعالى، هو طريق إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهو طريق السعي الدءوب إلى إصلاح البشرية، بإنقاذها من سيطرة الشهوات والشبهات، ومن تسلط الأهواء والنـزوات.

    طريق الدعوة إلى الله بكل ما فيه من متعة مناصرة الحق ونشره، والدعوة إليه، وبكل ما فيه من العناء والعوائق والصعوبات، قد سار عليه عبر الأزمان رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجرى لهم فيه من المواقف والتجارب والعبر والدروس ما نراه جديراً بالاهتمام والمتابعة، حتى ترى الأجيال نماذج حية للعمل والجد، فتفيد من أخبارها ومواقفها، وتجد القدوة الصالحة التي تدلها على طريق الخير.

    وقد بدأنا -أيها الأحبة- رحلتنا مع العلماء والدعاة، من خلال سلسلة على طريق الدعوة، ومضينا سوياً على هذا الطريق، حيث اصطحبناكم في عدد من اللقاءات فيما مضى، وها نحن نكمل الرحلة، وندعوكم لإكمالها معنا، ونواصل خطواتنا في طريق الدعوة من خلال هذا اللقاء الجديد، وهو لقاء نلتقي فيه مع عالم شاب، له دوره البارز في الساحة، وله خطواته الثابتة المتواصلة على طريق الدعوة إلى الله.

    نلتقي بالأخ الكريم الداعية الشيخ/ سلمان بن فهد العودة؛ لنرحل معه ومع الإخوة المستمعين في موكب من المحبة والإخاء، نستطلع فيه تجربة الشيخ سلمان منذ أن نشأ في أسرته طفلاً متطلعاً إلى الحياة، وفتىً مغرماً بطلب العلم حريصاً عليه.

    إلى أن أصبح محاضراً في الجامعة وداعية إلى الله، تقام له الدروس والندوات التي تحظى بمتابعة شباب الأمة المتطلعين إلى طلب العلم الشرعي، والمتعطشين إلى المعرفة الجادة، والفكر السليم.

    على طريق الدعوة نرحب بفضيلة الشيخ سلمان.

    1.   

    حياة الشيخ سلمان الشخصية ونشأته

    السؤال: شيخ سلمان، قد تعودنا في هذا اللقاء الطيب أن يتعرف الإخوة المستمعون على العلماء والدعاة من خلال حياتهم الشخصية، ثم من خلال رحلتهم العلمية، وجهودهم الفكرية والدعوية.

    فنود في بداية هذا اللقاء الطيب، أن يتعرف المستمع الكريم على الاسم الكامل للشيخ سلمان، وتاريخ الميلاد والمكان؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    فيما يتعلق بالاسم، فاسمي هو سلمان بن فهد بن عبد الله العودة، من مواليد عام (1375هـ) تقريباً، وكان ميلادي في إحدى ضواحي مدينة بريدة من منطقة القصيم.

    السؤال: هل يمكن أن نعرف اسم هذه الضاحية؟

    الجواب: هي بجوار قرية صغيرة تسمى قرية البصر، تبعد عن بريدة قرابة خمسة عشر كيلو متر.

    السؤال: شيخ سلمان هل يمكن معرفة الحالة الاجتماعية، وعدد الأولاد؟

    الجواب: الحالة الاجتماعية متزوج، وعندي -بحمد الله- ستة أولاد ما بين ذكر وأنثى.

    وأكبرهم معاذ.

    السؤال: إذاً: نرحب مرة أخرى بـأبي معاذ ونسألك -جزاك الله خيراً- عن النشأة التربوية، وأن تذكر أي ذكريات عن الطفولة؟

    الجواب: كانت نشأتي في تلك القرية التي أشرت إليها من قبل، ودرست فيها سنتين من سنوات الدراسة الابتدائية، وأتذكر أننا كنا في القرية، ومعروف أجواء القرى وما يكون فيها غالباً من الهدوء، والبعد عن المؤثرات المختلفة.

    فكانت طبيعة النشأة -بحمد الله- نشأة في بيئة طيبة، ونتردد -بحمد الله- على المساجد، وقرأنا قدراً لا بأس به من القرآن على إمام الجامع في تلك القرية، وكان من فضلاء الرجال في ذلك الوقت، وقد ظل الرجل على رغم كبر سنه حياً -رحمه الله- إلى أن توفي في العام الماضي، عن سن يقارب الخامسة والثمانين أو يزيد.

    وأتذكر أنهم كانوا -في بعض الأحيان- يؤدبوننا على عدم التأخر عن الصلاة ولو لركعة واحدة، فمن فاتته ركعة واحدة في الصلاة، فإنه قد يؤدب على ذلك.

    كما أتذكر أننا ظللنا فترة نقرأ القرآن في بيت مجاور للمسجد، وقد نجلس فيه أوقاتاً طويلة نقرأ القرآن، منا من يقرأ لنفسه، ومنا من يقرأ على الشيخ أو الإمام رحمه الله، وجزاه الله خيراً.

    وإن كان هناك من ذكريات ما زلت أعجب منها، وهي تجمع بين الماضي والحاضر؛ فإنني في العام قبل الماضي، لمحت في أحد الدروس العلمية في الجامع الكبير شخصاً كأني أعرفه، فلما خرجت قابلني وصافحني وسلم علي، وعرفني بنفسه، فإذا به أحد أساتذتي الذين درسوني في المدرسة الابتدائية في تلك الأيام.

    وقد دارت الأيام فإذا به يصبح أحد طلابي في الجامع، ولا يزال يحافظ على الدرس بشكل منتظم، فعجبت من هذه الأخلاق الجبارة، التي جعلت هذا الرجل يتجاوز عامل السن والاعتبارات الأخرى التي يقيم الناس لها وزناً، ويجلس في الحلقة كأحد الطلاب.

    1.   

    حياة الشيخ في بداية الطلب

    السؤال: نحن الآن كأننا بدأنا نتحدث عن بداية طلب العلم، فنريد أن تفصل لنا قليلاً في هذا الموضوع، وتذكر مراحل العلم الأخرى، وأبرز المشايخ الذين تلقيت على أيديهم العلم، وكان لهم أثر في حياتك العلمية؟

    الجواب: بعدما انتقلنا من القرية إلى المدينة إلى بريدة، وكنت في آخر السنة الثانية الابتدائية؛ التحقت بمدرسة ابتدائية تسمى مدرسة الأندلس، أو سميت فيما بعد الأندلس، وتخرجت منها.

    ثم التحقت بالمعهد العلمي بـبريدة، وفيه قضيت ست سنوات دراسية، وكان المعهد يضم نخبة من فضلاء مشايخ البلد -على سبيل المثال- منهم الشيخ صالح السكيتي رحمه الله، والشيخ علي الضالع رحمه الله، والشيخ صالح البليهي رحمه الله، وأمثالهم كثير.

    فكانت دراستي في المعهد قد أتاحت لي فرصة الجلوس بين أيديهم، والأخذ من علمهم وأخلاقهم، واستفدت من ذلك -بحمد الله- فائدة كبيرة.

    كما أن التحاقي بالمعهد أتاح لي فرصة الاستفادة من مكتبة المعهد آنذاك، وكانت عامرة بالعديد من الكتب، وهناك مكتبة للإعارة، وتُجدد وقتاً بعد وقت، فتضم عدداً كبيراً من الكتب الجديدة التي يحتاج الناس إليها، فاستفدت منها -بحمد الله- فائدة كبيرة، وكانت بداية طيبة لتنمية العلوم الإسلامية، سواء بالاستفادة من أولئك المشايخ الفضلاء، أم بالاستفادة من تلك الكتب التي كانت موجودة في مكتبة المعهد.

    ولا يفوتني أن أقول: إنه قبل ذلك، وفي أواخر المدرسة الابتدائية، كانت هناك بعض القصص الموجودة عند الصغار، والتي قد لا تخدم القضية التربوية بشكل جيد، لكن ربما لضعف الموجه في تلك الفترة، كالقصص الصغيرة التي ما زالت متداولة في أيدي الطلاب الصغار اليوم، وربما قرأت منها قدراً كبيراً، وأذكر أنني كنت وإخواني نتناوب قراءتها، حتى أن الواحد ليقف على رأس الآخر؛ ينتظر أن ينتهي من هذه القصة حتى يأخذها ليقرأها بدوره.

    فكنا نقرأ بنهم، لكن لا نجد المادة المفيدة، فلما كتب الله تعالى وصرت إلى المعهد العلمي والتقيت بشيوخ، بل وبطلاب خاصة من يكبرونني في السن، استفدت منهم فائدة كبيرة؛ حيث توجهت إلى قراءة الكتب العلمية المفيدة والاستفادة من المشايخ.

    حتى أني أذكر أنني كنت أذهب مع والدي رحمه الله إلى الدكان، حيث كان يبيع، فكنت أحضر معي باستمرار كتاباً أو أكثر، ولأن الأهل كانوا يخوفوننا في تلك الفترة من العين، كنت أخفي الكتاب في وسط دفتر اليومية، فيظن من يأتي أنني أسجل حسابات أو شيئاً من هذا القبيل، وأنا كنت أقرأ، حتى أنني قرأت في أحد الإجازات الصيفية ما يزيد على ستين كتاباً، بعضها يصل إلى مائتين أو إلى ثلاثمائة صفحة، وغالبها كتب مفيدة، وإن كان يغلب عليها طابع التاريخ أو القصص، أو أشياء من هذا القبيل، وفيها ولا شك كتب توجيهية،وكتب في العقيدة،وكتب علمية، وأذكر منها الأصمعيات، الذي جُمعت فيه عيون الشعر العربي القديم، وكنت أحاول أن أتحفظ شيئاً منها.

    أما فيما يتعلق بالشيوخ؛ ففضلاً عمن ذكرت من المشايخ، فلعلي أؤكد على فضيلة الشيخ صالح البليهي رحمه الله، فهو من الشيوخ الذين أفتخر بالانتساب إليهم، لأن الرجل كان على سعة علمه رحمه الله وذلك يبرز من خلال كتابه السلسبيل، بالدرجة الأولى، وجهوده العلمية الأخرى.

    كان الرجل يتمتع بأخلاق عالية، وكرم السجايا والطباع، وليونة مع الناس، وحسن استقبال للطلاب، وحسن تربيتهم، ولذلك ألفته نفسي وكنت أتردد عليه في منـزله،وأستفيد من علمه ومن خلقه، وأرجو أن يكون الله تعالى نفعني بشيء من ذلك.

    وإن كان من شيء يؤسى عليه؛ فهو أن الشيخ رحمه الله توفي في الوقت الذي كنت مسافراً إلى أمريكا لحضور مؤتمر جمعية الكتاب والسنة في عام مضى، فهناك أخبرونا بوفاته رحمه الله وما حصل في جنازته من جمع غفير؛ يذكرنا بما تكلم فيه المؤرخون عن علماء سابقين؛ كما حصل للإمام أحمد، ولـابن تيمية، ولـابن الجوزي، ولغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى.

    فضلاً عن علماء آخرين؛ لم يُكتب لي أن أتتلمذ عليهم على مقاعد الدراسة، لكنني استفدت من علمهم بالحضور في مجالسهم العلمية، أو قراءة بعض الكتب عليهم، منهم الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين، حيث كنت أحضر دروسه اليومية في الإجازات الصيفية، وهي دروس طويلة تستمر -أحياناً- إلى أكثر من ساعتين ونصف، أو ثلاث ساعات وزيادة، فكنت أحاول حضورها ما استطعت، وأستفيد منها، وهي دروس منوعة، في التفسير والحديث والفقه والأصول والفرائض، وغيرها من أنواع العلوم.

    فضلاً عن مجالساتي للشيخ واستفادتي من علمه بقدر المستطاع، وكذلك شيخنا الشيخ محمد بن صالح المنصور، وهو قاضٍ سابق من علماء بريدة،وأفرح بمجالسته كثيراً، وأستفيد من علمه، وقد قرأت عليه قدراً لا بأس به من كتاب الروض المربع في الفقه الحنبلي، ولا زلت أطمع في تكميل هذا الكتاب على يديه، والاستفادة منه، مهما كثرت المشاغل والصوارف.

    ومنهم شيخنا الشيخ حمود بن عبد الله العقل، حيث حضرت عدداً من دروسه في الجامع الكبير، حيث يدرس العقيدة الطحاوية، واستفدت منها، وكان يدرس مع العقيدة الطحاوية النحو في شرح ألفية ابن مالك.

    والتحقت بعد المعهد بكلية الشريعة، واستفدت من عدد من الأساتذة من الإخوة السعوديين وغيرهم، في كافة العلوم المدرسة في هذه الكلية.

    ومما يفخر به كل طالب علم أو طويلب علم؛ أن يكون التقى أو أخذ ولو نـزراً يسيراً، عن سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فهو تاج العلماء في هذا العصر، وإمامهم وواسطة العقد فيهم.

    ولهذا سعيت إلى لقائه كثيراً، وحصل أن استفدت منه -والحمد لله- في بعض المسائل، حيث أستغل الجلوس معه، على أن هذه الجلسات قد لا تكون انفرادية، لكن أحرص على استغلالها في بعض الأسئلة المشكلة لاستيضاح رأي الشيخ فيها، والاستفادة منه، سواء في المسائل الفقهية، أو في رأيه في بعض الأحاديث -درجة بعض الأحاديث النبوية- أو الجمع بين ما يشكل من الأحاديث، أو ما أشبه ذلك، وأسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    بعض علماء السلف الذين يتلقى عنهم العلم

    السؤال: جزاك الله خيراً.. يا شيخ سلمان، بلا شك أن لطالب العلم مشايخ يتلقى منهم العلم مباشرة، وقد ذكرت لنا طرفاً من هذا.

    لكن هناك أيضاً المشايخ الذين يتلقى منهم طالب العلم العلم، إما من علماء السلف، أو من بعض المعاصرين الذين لم يلتق بهم، فهل يمكن أن نعرف بعض الأسماء في هذا المجال؟

    الجواب: أما فيما يتعلق بعلماء السلف، فإن كل ناشئ في هذه البلاد المباركة في هذه الجزيرة، غالباً ما يكون استفاد وانتفع كثيراً بمؤلفات الشيخ الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم وهكذا كان.

    فإنني -بحمد الله- وثيق الصلة بتراث هذين الإمامين الجليلين، ولا زلت أحرص في كل مسألة أبحثها أو تعرض لي، أن أطلع على رأيهما وأعرف اختيارهما فيها، لما لرأيهما من الأهمية والقوة والتميز التي يشهد بها كل منصف.

    لهذين الإمامين أثر كبير، ليس علي فحسب؛ بل ربما في عنق كل طالب علم في هذه البلاد، بل وكل طالب علم مخلص باحث عن الحق، ملتزم بالمنهج الصحيح، البعيد عن الانحراف في أرجاء العالم الإسلامي، من أقصاه إلى أقصاه.

    فضلاً عن الكتب الأخرى؛ التي تتداول كثيراً في هذا المجتمع، وهي بحمد الله ذات صلة وثيقة بالمنهج السلفي الصحيح، أذكر منها على سبيل المثال: كتاب تفسير ابن كثير، فهذا الكتاب قلما يوجد طالب علم إلا وقرأه، أو قرأ منه، وكان هذا الكتاب يقرأ في المساجد إلى وقت قريب.

    وكذلك الإمام النووي، خاصة في كتابه رياض الصالحين، فإننا كنا نقرؤه ونحن صغار في البيت على الوالد رحمه الله، ولا زال يقرأ في المساجد، وهو من أجمع وأحسن ما كتب في مختصر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك كتب الإمام ابن رجب الحنبلي؛ فهي كتب قوية، فيها ترقيق، وتربية، وتهذيب، وفيها جمع، مع بُعدها إلى حد كبير عن لوثات الصوفية التي تكدر هذا المنبع الصافي.

    1.   

    زملاء الشيخ سلمان في الدارسة

    السؤال: جزاك الله خيراً.. يا شيخ سلمان، للدراسة زملاء، فهل يمكن أن نعرف بعض هؤلاء الزملاء البارزين إذا أمكن؟

    الجواب: في الواقع هناك زملاء كثير، فهناك زملاء الدراسة، وهناك بعد التخرج من المعهد والدراسة في الجامعة زملاء، قد يختلفون شيئاً ما، لأنني بعد التخرج التحقت بكلية اللغة العربية سنتين، ثم حولت إلى كلية الشريعة في نهاية السنة الثانية.

    حتى أني أذكر بالمناسبة؛ أنه كان عندي في تلك السنة بحثان: الأول عن كان وأخواتها -هذا تابع للغة العربية- وقد قدمته، أو كان هذا في السنة الأولى،وفي الثانية كان عن عبد القادر الجرجاني، وكتابه أسرار البلاغة. وفي كلية الشريعة بعدما انتقلت إليها قدمت بحثاً آخر عن صلاة الجماعة وأحكامها، وما يتعلق بها، وهناك زملاء التخرج في الجامعة.

    بعدما تخرجت التحقت بالتدريس بالمعهد العلمي بـبريدة، فدرست فيه ما يزيد على أربع سنوات، وكان لي في هذه الفترة زملاء، ربما أن بعضهم من أساتذتي وشيوخي الذين درسوني في المعهد، ثم تخرجت فيه وزاملتهم في التدريس فيه.

    ثم انتقلت بعد ذلك إلى الجامعة؛ حيث أعددت فيها رسالة الماجستير، وكان لي فيها زملاء آخرون، ولعلي أكتفي بذكر أقل القليل منهم:

    أذكر من الزملاء الذين كانوا معي منذ الدراسة الابتدائية وحتى التخرج من الجامعة، وظل صديقاً طيلة هذه المدة، بل إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وهو أخي الشيخ صالح بن إبراهيم الشيبان رحمه الله تعالى، الذي لا زلت أحتفظ بذكريات كثيرة ودقيقة معه، منذ أن كنا طلاباً في المدرسة الابتدائية، فالمتوسطة، فالثانوية، فالمعهد، فالجامعة، وبعد ذلك ظلت علاقة الأخوة والمحبة تربط بيننا، إلى أن قبضه الله تعالى إليه في السابع والعشرين من شهر رمضان، في ليلة الجمعة من هذا العام، على إثر حادث تصادم، أسأل الله تعالى أن يكتبه في الشهداء، وأن يغفر لنا وله، وأن يرفع درجته في المهديين، ويخلفه في عقبه في الغابرين، ويغفر لنا وله أجمعين.

    والزملاء كثير بحمد الله، وكلهم أحتفظ معهم بعلاقات الحب والمودة، نحمد الله تعالى على ذلك.

    1.   

    الشيخ سلمان وحفظ المتون

    السؤال: في هذه الرحلة العلمية، هل حفظت شيئاً من المتون؟

    الجواب: لا بد من ذلك، فإن طبيعة تكوين الطالب في هذه البلاد وفي غيرها من مراكز العلم الشرعي، تهتم بتلقين الطالب عدداً من المتون، وإن كنت لا أستطيع أن أستحضر كثيراً منها، لكنني أذكر من المتون على سبيل المثال فيما يتعلق بالعقيدة: الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وكتاب التوحيد، والعقيدة الواسطية. وأذكر أيضاً فيما يتعلق بالنحو: متن الآجرومية، وقد حفظته وحفظته لطلابي الصغار في المسجد.

    وكذلك فيما يتعلق بالفرائض: هناك متن الرحبية، وهو عبارة عن منظومة شيقة وخفيفة في علم الفرائض، وهي مختصرة أيضاً، فضلاً عن كتاب زاد المستقنع في الفقه الحنبلي، ولعله أخصر كتب الحنابلة وأكثرها مسائل، وقد حفظت جزءاً كبيراً منه في المعهد العلمي، وقرأت شرحه -كما أسلفت قبل قليل- على عدد من المشايخ، منهم الشيخ صالح البليهي رحمه الله، ومنهم الشيخ محمد بن صالح المنصور حفظه الله ووفقه.

    وهناك في المصطلح أيضاً: مختصر للحافظ ابن حجر وهو: نخبة الفكر، وقد حفظته في زمن الطلب، ودرسته وحفظته لطلابي أيضاً في زمن التعليم، هذه بعض المتون.

    وهناك بعض المتون قد حفظت شيئاً منها لكن لم أكملها ولم أضبطها تماماً، منها ألفية ابن مالك في النحو، ومختصرات ومتون أخرى، منها في الأصول وغيرها، لكنني لا أستطيع أن أقول إني حفظتها بشكل صحيح.

    1.   

    الشيخ سلمان وحفظ القرآن

    السؤال: هل تحقق للشيخ سلمان العودة حفظ القرآن الكريم منذ الصغر؟

    الجواب: في الواقع لم يتسن لي هذا الشرف الكبير، الذي هو نعمة، كما قال الله عز وجل: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] فأثنى على الذين يوجد القرآن في صدورهم بأنهم ممن أوتوا العلم.

    فلم يتسن لي أن أحفظ كتاب الله تعالى في صغري، وإن كنت بدأت بحفظه بعدما انتقلنا إلى المدينة، فحفظت سورة البقرة، ثم في الجامعة حفظت عدداً من السور، إلى سورة يونس، وبلا شك آخر القرآن هو أصلاً محفوظ من المقررات الدراسية.

    وهناك سور متفرقة حفظتها أيضاً بجهدي الشخصي، كسورة الكهف وطه وهود وإبراهيم وغيرها من السور، لكن بقي علي مواضع متعددة وإن لم تكن بالكثيرة، لم يسبق لي أن حفظتها.

    كما إنني أقول: إن السور التي حفظتها تحتاج إلى مراجعة دائمة، وبهذه المناسبة يتبين دور الأسرة في محاولة تحفيظ الصبية القرآن الكريم، لأنه من الملحوظ أن الذين حفظوا في طفولتهم، بل في أول طفولتهم، يكون حفظهم مجوداً ولا يحتاج إلى كثير مراجعة، بخلاف الذين حفظوا عن كبر، فإنهم مع كثرة المراجعة يظل في حفظهم خلل كبير.

    1.   

    رسالة الماجستير

    السؤال: بالنسبة لرسالة الماجستير، عن ماذا كانت؟

    الجواب: رسالة الماجستير في قسم السنة وعلومها في كلية أصول الدين، وكان موضوع الرسالة: غربة الإسلام وأحكامها في ضوء السنة النبوية.

    1.   

    رسالة الدكتوراه

    السؤال: وبالنسبة للدكتوراه، هل سجلت موضوعاً فيها؟

    الجواب: نعم، سجلت موضوعاً منذ فترة ليست بقصيرة، وكان عنوان هذا الموضوع هو: أحاديث التشبه جمع وتحقيق ودراسة، وأعتقد أن دلالة الموضوع الذي هو التشبه، يدخل فيه التشبه بالكفار، والتشبه بالفساق، والتشبه بالأعراب، والتشبه بالرجال من قبل النساء، وبالنساء من قبل الرجال، والتشبه بالحيوانات، حتى التشبه بالصالحين، كالتشبيه بالملائكة، والتشبه بالأنبياء، والتشبه بالصالحين،فهو موضوع واسع ذو علاقات اجتماعية وطيدة،وله جوانب متعددة.

    ولا شك أنه مهم كموضوع للدراسة،لكن نسأل الله أن يوجد من يتحدث عن هذا الموضوع بشكل علمي جيد.

    السؤال: وهل قطعت فيه شوطاً كبيراً؟

    الجواب: في الواقع هناك كتاب مخطوط ضخم جداً للغزي اسمه (حسن التنبه لما ورد في التشبه) وهذا المخطوط الذي لا يزال مخطوطاً، ولعل السر في كونه لا يزال مخطوطاً هو ضخامته، واستطرادات المصنف، التي قد لا تكون ذات أهمية علمية كبيرة.

    لكنه من جهة أخرى حشد نصوصاً هائلة في هذا الكتاب، وهناك -ولله الحمد- بداية مشروع عندي، في جمع الأحاديث والآثار الموجودة في هذا الكتاب، بحيث أنها يستفاد منها في الرسالة على حدة، بعيداً عن استطرادات المؤلف التي قد لا يكون ثمة حاجة كبيرة إليها.

    كما أن الإمام ابن تيمية رحمه الله، كتب كتاباً فذاً بل فريداً في هذا الباب، وهو اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وكله يدور على هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، وهو تميز المسلمين عن الكافرين في كل شئونهم.

    وهذا الموضوع أعتقد أنه في العصر الحاضر ذو أبعاد خطيرة جداً، خاصة مع انفتاح العالم بعضها مع بعض، ووجود تأثيرات عميقة بعيدة المدى على أخلاقيات الناس وحضاراتهم وعاداتهم وتصرفاتهم الفردية والاجتماعية والدولية، ومما يتطلب -فعلاً- لوجود أمة إسلامية متميزة عن غيرها من الأمم الكافرة، وهو زيادة الاهتمام والعناية بالموضوع.

    1.   

    العمل الحالي للشيخ سلمان

    السؤال: جزاكم الله خيراً... الحياة العملية، ما هو العمل الآن حالياً؟

    الجواب: محاضر في كلية الشريعة وأصول الدين في القصيم، وعندي في هذا الفصل محاضرات في كلية اللغة العربية، وفي قسم اللغة، وقسم الاجتماع، وقسم الجغرافيا.

    1.   

    طبيعة التدريس في المسجد والجامعة والفرق بينهما

    السؤال: يبدو لي يا شيخ سلمان أنك قد قمت بالتدريس في الجامعة وفي المسجد أيضاً، هل يمكن أن نعرف شيئاً عن العمل في هذين المجالين؟ ثم هل هناك فرق بين هذين المجالين؟

    الجواب: أما بالنسبة للمسجد -فالحمد لله- معظم جهودي كانت في التدريس في المساجد، وثمة دروس كثيرة في المسجد، لعل أقدمها هو ما بعد صلاة الفجر، فمنذ ما يزيد على ست سنوات، كان عندي درس يومي بعد صلاة الفجر في جميع أيام الأسبوع عدا الخميس والجمعة، وأحياناً قد يكون الدرس -أيضاً- في يوم الخميس، خاصة في الفترة السابقة، فكان الدرس يومياً،وقرأنا فيه -والحمد لله- عديداً من الكتب، منها زاد المعاد لـابن القيم، فقد قرئ علي وعلقت على المواضع التي أرى أنها تحتاج إلى تعليق فيه.

    ومنها بعض المختصرات المذكورة قبل قليل، كـالأصول الثلاثة،والقواعد الأربع، ومتن الآجرومية، بالإضافة إلى قراءة شيء من القرآن الكريم في مطلع كل درس،هذا في الفترة السابقة، لأن الدرس تنقل بين أكثر من مسجد، بحسب السكن الذي أسكن فيه.

    ثم بدأ الطلاب يقرءون ويحفظون علي: مختصر صحيح البخاري للزبيدي، ومختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري، وقد قطعنا بحمد الله تعالى وبمنه وكرمه شوطاً بعيداً جداً في هذين الكتابين، فقد تجاوزنا الثلثين أو قريباً من ذلك فيما يتعلق بـصحيح البخاري، والنصف فيما يتعلق بـصحيح مسلم، ويحفظ مجموعة من الإخوة الطلاب، وأعلق على كل حديث بشرح له، خاصة فيما يتعلق بـالبخاري، أما مسلم فإنني أختصر فيه الشرح بعض الشيء.

    وكذلك يقرأ الطلاب في يوم الإثنين مجموعة من الكتب، منها: كتاب التوحيد للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قرءوه عليّ حفظاً وشرحته كاملاً بحمد الله، ثم بدءوا يقرءون علي بعد ذلك، العقيدة الواسطية، وقد وصلنا فيها إلى منتصفها، فانتهينا من الآيات القرآنية التي ساقها المصنف، ووقفنا على الأحاديث، وكذلك يقرءون نخبة الفكر، وأقوم بشرحها. فهذه أهم الدروس التي أدرسها بعد صلاة الفجر.

    أما بعد صلاة المغرب، فعندي درسان: الأول: درس بلوغ المرام، وقد سجل في التسجيلات مائة حلقة، ووصلنا فيه إلى صفة الصلاة، وأحمد الله تعالى أن وفق على التزام منهج علمي دقيق قدر ما استطعت، في شرح الأحاديث ودراستها وتخريجها والكلام عليها من جميع النواحي.

    وقد لقي هذا الشرح -بحمد الله- قبولاً، ومما أعتز به ثناء مشايخي الكبار على هذا الشرح، واستماعهم إليه وتتبعهم له في الأشرطة، وقد يأتيني من بعضهم ملاحظات، وكل هذا مما يشجعني ويدفعني إلى بذل المزيد في هذا.

    كما أن كثرة الطلب لهذا الشرح مطبوعاً؛ تدل على حاجة الناس إليه أو شعورهم بوجود نوع من الفائدة فيه، وقد يكون هذا من باب حسن الظن، وقد يكون لأن هذا الكتاب بلوغ المرام،لم يسبق أن شرح بطريقة متكاملة، فإن الشرح الوحيد المتداول عند الناس هو سبل السلام، وفيه نقص كبير، وهو مختصر عن البدر التمام أيضاً، ففيه نقائص كبيرة جداً، وفيه خلل أيضاً، وقد يتجاوز أحاديث دون أن يعلق عليها بشيء، فمن هنا كانت أهمية شرح كتاب كهذا.

    وهناك درس آخر بعد المغرب في الجامع الكبير، وهو درس علمي عام، وهذا الدرس هو الآخر، لقي قبولاً من المحبين وطلاب العلم، بل ومن عامة الناس، وتناولنا فيه مواضيع شتى، والرابط الوحيد بينها أنها موضوعات تربوية وتوجيهية، تمس حاجة الناس.

    فمثلاً: تحدثت في أكثر من درس عن قضية "الأسماء والألقاب والكنى" وتحدثت عن قضية "المزاح وآدابه" وقضية "النكت والطرائف"، وتحدثت عن قضية "الرؤى وآدابها وأحكامها"، إلى موضوعات كثيرة، تزيد على خمسة وثلاثين موضوعاً، وبعضها يكون في عدد من الأشرطة اثنين أو ثلاثة، في عدد من الحلقات.

    وهذا إضافة إلى المحاضرات التي لا تلتزم بالوقت ولا بالمواضيع، بل تكون متفرقة في المدارس أو في بلدان مختلفة.فهذا ما يتعلق بالدروس أو النشاط في المساجد.

    ولا شك فيما يتعلق بالفرق بينهما، أن هناك فرقاً كبيراً، لأن التدريس في المساجد يخاطب فئة هي -أصلاً- جاءت للتحصيل، ولا يدفعها إلى ذلك إلا أمر واحد وهو الرغبة في سماع العلم وتحصيله، فهم نوعية مختارة، ولذلك هم -أحياناً- أكثر حرصاً من الشيخ ومتابعته، وقد يكون حرصهم سبباً في المواصلة واضطرار الشيخ إلى أن يراجع وأن يحضر ويستعد للدرس؛ ليكافئ هذا الجهد الذي يبذله الطلاب.

    أما في الكلية يختلف الأمر، فإن الدراسة نظامية، ويأتي فيها الجميع، وقد يكون من الطلاب من يرغب في الدراسة لذاتها، وقد يكون منهم له مقاصد أخرى، كنوع من تكميل شهاداته أو الوصول إلى وظيفة معينة، وقد يكون الطالب مرتاحاً لهذا الدرس، أو لا يكون مرتاحاً إليه، بخلاف طالب المسجد، فإن الغالب أنه لا يأتي إلى الدرس أو الحلقة، إلا وهو يحس برغبة ذاتية في حضورها هذا من جانب.

    ومن جانب آخر، فإن مستوى طالب المسجد يختلف عن مستوى طالب الجامعة -على الأقل- باعتباره متخصصاً، فطالب الجامعة -ولأضرب لك مثلاً-: أنا أدرس في اللغة، وفي الاجتماع، وفي علم النفس، وهؤلاء الطلاب غير متخصصين في المواد الشرعية، وبالتالي فإن همَّ الإنسان من خلال المحاضرة أو الدرس؛ أن يوصل إليهم قدراً من المفهومات الشرعية الصحيحة، والعلوم النافعة، والقواعد المهمة التي تنفعهم في حياتهم، دون الدخول في تفاصيل أخرى قد لا يتسع المجال لها. بخلاف طالب المسجد؛ فإنه طالب متخصص، وهو يعد نفسه، أو يجب أن يعده شيخه؛ ليكون فقيهاً يسد فراغاً في المجتمع بعد سنوات قلت أو كثرت.

    1.   

    كتب الشيخ سلمان

    السؤال: بالنسبة للكتب التي أصدرتموها، والكتب التي تعتزم إصدارها بعد ذلك.

    الجواب: بالنسبة للكتب التي صدرت: الحمد لله صدر عدد طيب من الكتب، لعل من أشهرها كتاب حوار مع الغزالي وفيه ناقشت آراء وأفكار الشيخ محمد الغزالي في كتابه الأخير، بل ليس الأخير، إنما كان الأخير في ذلك الوقت، وهو (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث).

    ومنها: كتاب (المسلمون بين التشديد والتيسير) و(نداء الفطرة) وكتاب (دروس رمضان) وكتاب (جزيرة الإسلام) ورسالة (جلسة على الرصيف) و(من أخلاق الداعية) وهناك كتاب مهم، قمنا بتحقيقه أنا وأخي الدكتور ناصر القفاري، لمؤلف الكتاب وهو أحمد الكسروي، أحد علماء الشيعة في إيران، والكتاب اسمه (الشيعة والتشيع) وفي الواقع الكتاب في غاية الأهمية؛ لأنه كتب بقلم رجل من رجالات الشيعة، وهو يناقش مذهبهم، ويفند أصول المذهب بطريقة علمية عقلية قوية، وكان لهذا الكتاب صدى كبير،حتى إن مؤلف هذا الكتاب دفع حياته ثمناً لهذا الكتاب، فقد قتل في أحد شوارع طهران، وقد كتب الكتاب بناءً على طلب شيعة الكويت.

    فهذا الكتاب قمت بتحقيقه مع الدكتور القفاري، وطبع بـمصر. ولكنه لم يصل إلينا، ولم ينتشر كما ينبغي له، ولعله تتيسر الأسباب لإعادة طباعته مرة أخرى.

    أما بالنسبة للكتب التي أقوم بإعدادها، فلعل من أهمها: شرح بلوغ المرام، وهو في الواقع مكتوب من خلال الأشرطة، فقد قام الطلاب بتفريغه، وهو عندي في مذكرات، وقد تداوله الناس في هذه المذكرات وقرؤه.

    لكن لا شك أن المذكرات من كتابات الطلاب، وهي من إلقائي الشفهي فهو عبارة عن أمالي، يعرض فيها ويحدث ما يحدث في المشافهة عادة من التجوز أو التسامح في العبارة، كما أن الطالب قد يفهم الكلام أو ينقله أو يسمعه على غير ما نطق به الشيخ، فتتداخل بعض الحروف، أو تلتبس عليه بعض الأمور، فيحدث فيها أشياء تحتاج إلى تصحيح، ولم يتسن لي أن أقوم به بالنسبة للمذكرات، فشعرت بالحاجة إلى إعادة كتابة الكتاب مرة أخرى، وفعلاً قد بدأت من جديد بكتابته بنفسي، وكتبت ما يزيد على مائة صفحة، انتهينا فيها من الباب الأول وهو باب المياه.

    وأنا بعون الله تعالى عازم -خاصة في هذه الظروف، التي أتيحت لي فيها فرصة أكبر- على التفرغ لتصحيح هذا الكتاب وإصلاحه؛ ليكون جاهزاً للتداول والطباعة في أقرب وقت.

    وهناك كتاب آخر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أيضاً جاهز للطباعة.

    وقد سبق أن طبع لي كتابان في سلسلة رسائل الغرباء، الأول: الغرباء الأولون، وهو دراسة في السنة النبوية، والثاني هو بعنوان: صفة الغرباء، وهناك القسم الثالث، وهو في طور المراجعة والتصحيح الآن، وسوف يقدم للطباعة حال إنجازه بإذن الله تعالى.

    1.   

    الاستفادة من الأشرطة العلمية

    السؤال: للأشرطة دورها الفعال كما تعلم، ولك مشاركتك الفعالة أيضاً، ولك تركيز على الشريط الإسلامي، فماذا يرى الشيخ سلمان في مجال التركيز على الشريط للاستفادة منه، وهل يرى ما يراه بعضهم: من أنه يمكن أن يتفقه الشباب عن طريق الأشرطة بدل حضور الحلقات، أم لا بد من الجمع بينهما؟

    الجواب: بالنسبة لوسائل التركيز والاستفادة من الشريط، فلا شك أن هناك فرصاً كبيرة جداً للاستفادة، ومن أهم ذلك تنويع المادة العلمية، بحيث تخاطب جميع طبقات المجتمع، لأن الشريط وسيلة فعالة بلا شك وسريعة الانتشار.

    وأيضاً الاستفادة منها ممكنة لكل أحد وفي كل الظروف، وهي متنوعة بحيث تخاطبي طبقات المجتمع المختلفة، كمخاطبة النساء مثلاً، ومخاطبة الشباب، ومخاطبة كبار السن، ومخاطبة الأطفال أيضاً.

    أما فيما يتعلق باستخدام الشريط كبديل عن حضور الحلقة العلمية، فهذا غير ممكن بحال من الأحوال، فحضور الحلقة يربي على أشياء لا يتربى عليها الإنسان في الشريط، ويكفي في ذلك أن يتربى الطالب على ثني ركبتيه في مجلس العلم، فهذا شيء يحتاج إليه الطالب، ولن يتلقاه إلا في الحلقة، كما أن ربط الطالب بشيخه وبزملاء الطلب والتعلم، يتم من خلال حضور الحلقة، كما أن فرصة السؤال والاستيضاح ممكنة في الحلقة وغير ممكنة في الشريط.

    لكن الشريط بديل -بلا شك- عند تعذر الحضور إلى الحلقة أو تعسر هذا الأمر، كما يلحظ في بلاد بعض الإخوة، حيث لا يوجد في بلدهم شيوخ يعلمون، أو يكون سكنه في مناطق نائية، أو لا تسمح له ظروفه بالحضور، أو يغيب أحياناً لعارض، فيعوض عن ذلك بسماع الشريط.

    1.   

    طريقة تحضير الدروس

    السؤال: بالنسبة لمحاضراتكم ودروسكم، فإنه يلاحظ تسلسل المعلومات وتتابعها، فهل يمكن أن يعرف المستمع شيئاً عن طريقة إعدادك لهذه المحاضرات والدروس؟

    الجواب: بالنسبة لما يتعلق بالدروس؛ كدروس بلوغ المرام، فأمرها واضح؛ لأنها مسائل علمية وأحاديث محددة، فيرجع إليها الإنسان في مراجعها، ويمكن أن أقول: إنني أكتب كل ما أريد أن أقوله في هذه الدروس قبل أن أذهب إلى الدرس، ثم ألخص ذلك في ورقة، حتى أضمن ألا يفوتني شيء من هذه المعلومات المهمة، وأنا أقوم بإلقاء الدرس.

    أما فيما يتعلق بالدروس العلمية؛ فإنها تمر بمراحل:

    المرحلة الأولى: مرحلة اختيار الموضوع، وقد كتبت عندي قائمة كبيرة بكل الموضوعات التي في ذهني، حتى لو مرت في ذهني وأنا في أي مكان فإني أحاول أن أسجله، مما يحتاج إليه الناس في أي مجال، كما أنني لا يمكن أن أنكر استفادتي من عدد كبير من المخلصين الذين يواصلونني ويراسلونني، أو يتصلون بي بالهاتف ويقترحون علي موضوعات معينة، وخاصة أولئك الذين يتجاوزون اقتراح العنوان إلى اقتراح عناصر، وتسجيل بعض النقاط المهمة، وبعض المفاهيم الخاطئة، وبعض الأشياء التي تحتاج إلى معالجة، فيساعدونني على تحديد الموضوع.

    المرحلة الثانية: بعد ذلك أقوم بتسجيل عناصر الموضوع في ذهني قبل أن أرجع إلى أي كتاب، لأنه قد يكون هناك عناصر في ذهن الإنسان لا يجدها في كتاب محدد، فإذا سجلت العناصر سجلت ما يتعلق بها من نصوص ومعلومات وغير ذلك؛ بدأت الرجوع إلى المراجع،وإضافة ما أريده إلى ما كتبته سابقاً، ثم أستكمل كتابة الموضوع، بتسجيل عناصره، وتسجيل النصوص المتعلقة به، سواء كانت نصوصاً من القرآن الكريم، أو من السنة النبوية، أو من أقوال أهل العلم، أو بعض الأشعار، أو غير ذلك.

    ثم أعود فألخصها في ورقة تكون أمامي أثناء الإلقاء؛ لأضمن عدم فوات شيء من هذه المعلومات، التي أعتقد أنها مهمة، وحصل هناك بعض التعب في جمعها، وقد يستغرق إعدادي للموضوع أحياناً يوماً كاملاً أو يومين متواصلين.

    أما بالنسبة للمحاضرات، فقد يكون موضوع المحاضرة في الأصل موضوعاً يتطلب معالجات عامة، ولهذا لا يكون فيه من المراجع والمراجعة والتصحيح والكتابة، مثلما يكون في الدروس العلمية.

    1.   

    الطريقة المثلى لتدريس القرآن والفقه وربطهما بالواقع

    السؤال: هنالك سؤال له شقان فيما يتعلق بتدريس العلماء في المساجد: فمنهم من يركز تركيزاً واضحاً على الفقه على حساب علوم أخرى كالقرآن مثلاً، إضافة إلى أن تدريس الفقه لا تراعى فيه -في الغالب- مسائل الواقع، بل قد تجد أن بعض المسائل في المعاملات لا وجود لها الآن، فما هي الطريقة المثلى في تدريس هذا الجانب؟

    والجانب الآخر: بالنسبة لتدريس القرآن الكريم، هنالك تقصير في هذا الجانب، ولكن إذا درس ربما ركز على المسائل الشرعية واللغوية والبيانية في القرآن الكريم، بينما نادراً ما تجد من يناقش معاني القرآن، ويربطها ربطاً شرعياً وربطاً روحياً بواقع الناس، فما هي الخطط التي تقترحونها في هذين الجانبين؟

    الجواب: فيما يتعلق بالفقرة الأولى، وهي: قضية العناية بتدريس الفقه. فأعتقد أن هناك مسوغاً واضحاً، وهو أن الفقه يتعلق بأحكام تفصيلية يحتاجها الناس، فإن جمهور الناس غالباً ما يسألون عن تفاصيل حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في مسائل يعانونها في واقع حياتهم.

    ولهذا يكون هناك اهتمام وعناية، هذا فضلاً عن كثرة مسائل الفقه وكثرة الفروع، مما يحتاج إلى وقت وإلى فترة طويلة في ضبطها وحفظها ودراستها، فهذا جانب.

    ولكن هذا -بلا شك- لا يسوغ بحال من الأحوال، أن يغلب جانب الفقه بمفهومه الاصطلاحي، الذي يعني المسائل الفرعية، على الفقه بمفهومه الشرعي الأصلي السلفي، الذي هو الفقه في الدين حقيقة، أصولاً وفروعاً: {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين} كما في المتفق عليه، ومن التفقه في الدين معرفة القرآن، ومعرفة السنة إلى غير ذلك.

    أما فيما يتعلق بربط الفقه بمسائل الواقع، فهذه -فعلاً- مشكلة، ولا بد من العناية في ربط الفقه بمسائل الواقع بقضايا كثيرة، تبدأ بقضية الناحية المنهجية، وترتيب المواد، وطريقة عرضها، فإن كانت كتابة، فبوضع عناوين فرعية وترقيم، إلى غير ذلك.

    وأيضاً تمر بالأسلوب وباللغة، فإن اللغة التي يفهمها الناس اليوم حتى طلاب العلم، غير اللغة التي هي موجودة في بعض الكتب الفقهية، فتحتاج إلى نوع من مراعاة الواقع، ومستوى الناس في اللغة، وتقريب هذا الأمر إليهم، وتنتهي بالمضمون.

    فمثلاً: علاج القضايا المستجدة من أهم المسائل، وليس صحيحاً أن يهتم الناس بقضايا لا وجود لها -الآن- من الناحية الفقهية، ويغفلوا عن مشاكل، أو ما يسميها الفقهاء بالنوازل والحوادث التي طرأت الآن واحتاج الناس إليها، وهي كثيرة، في مجال الاقتصاد، وفي مجال الاجتماع، وفي مجال المعاملات، وفي المجالات الدولية وفي غيرها، وتحتاج إلى رأي أو اجتهاد شرعي ناضج فيها.

    كما أن الناس يحتاجون من خلال تدريس القضايا الشرعية، سواء كان فقهاً أم أصولاً، أم تدريس القرآن الكريم نفسه -كما أشرت في سؤالك الآخر- يحتاجون إلى ربط هذا العلم بالواقع.

    فأنت عندما تقرأ للغزالي، أو تقرأ للجويني أو تقرأ لـابن قدامة في كتبهم الأصولية، أو غيرهم من العلماء، تجد أن الأمثلة التي يضربونها أمثلة منبثقة من صميم الواقع الذي يعيشونه، ولذلك كانوا يعيشون الواقع حقاً، ويضعون الأمثلة للطلاب من واقعهم، لكننا نحن نردد نفس الأمثلة التي ذكروها، والواقع أنه ينبغي أن تكون هناك أمثلة من واقع الحياة، بحيث يربط الطالب بالحياة، ويعرف أنه يتعلم ليعلم وليدع الناس، وليغير واقع الناس إلى ما يرضي الله تعالى، وليس لمجرد العلم.

    أما فيما يتعلق بالقرآن، فلا شك أن التقصير وهجران القرآن على كافة المستويات موجود، وإذا درس القرآن فقد يدرس -أحياناً- لكن يغلب على ذلك طابع العناية بالمسائل الشرعية واللغوية والبيانية كما أسلفت.

    أما الحل في نظري، فأعتقد أن من أهم ذلك، هو ما أسلفته من محاولة ربط معاني القرآن الكريم بواقع الناس، لأن القرآن نـزل هكذا، حيث نـزل منجماً بحسب الوقائع والأحوال، وكان يعالج قضايا يحتاجها الناس.

    فعندما تأتي امرأة تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينـزل القرآن: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1].

    ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها لما سألها سائل: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: {ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: كان خلقه القرآن}.

    فكان القرآن في واقع الناس هو الذي يحرك واقعهم، ويسير واقعهم، أما الآن فقد اكتفى كثير من الناس بأن القرآن يستفتح به في المجالس، وفي الندوات، وفي المناسبات، وفي الإذاعات، عن أن يكون مسيراً لواقع الفرد والجماعة والدولة.

    وبالتالي صارت دراسة القرآن -سواء كانت تأليفاً، أم دراسة في المساجد- يغلب عليها هذا الطابع، ولعله يكون هناك دروس -إن شاء الله- تحاول أن تصحح هذا الأمر، وتحاول أن تجمع بين الفهم الصحيح للقرآن المبني على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرح القرآن وفسره بسنته، فالسنة تفسر القرآن، ومع ذلك يربط هذه الأشياء بواقع الناس.

    1.   

    مسألة الجمع بين الفكر والعلم الشرعي

    السؤال: بالنسبة إلى ما يسمى بالانفصام بين الفكر والعلم الشرعي في هذا الزمان، فكثيراً ما نجد مفكرين، ولكن حظهم قليل من العلم الشرعي، ونجد العكس أيضاً،هل يمكن أن يصور لنا الشيخ حلاً لهذه القضية؟

    الجواب: إن التخصص مبدأ يجب أن نؤمن به ونعترف به، فيوجد إنسان وجَّه همَّه وعنايته للعلم الشرعي أصولاً وفروعاً، وشُغل عما عداه، فمن الصعب على عالم متخصص كهذا، أن يشغل نفسه بدراسة اللغات ليتعرف على الفكر الغربي من مصادره، أو حتى أن يقرأ الكتب المترجمة ويعرف مصادر الفكر وأنماطه وتياراته، وما أشبه ذلك، ثم يرد عليها.

    فهذا أمر تفنى دونه الأعمار، ويمكن أن يتخصص فيه آخرون، بعد أن يتزودوا بالأصول الشرعية، التي تمكنهم من معرفة مواطن الخلل في ذلك الفكر، والرد عليه بصورة شرعية صحيحة، وعدم التأثر به، أو الانسياق وراءه.

    ولكن أعتقد أن هناك قاسماً أو قدراً مشتركاً، لا بد أن يوجد في الصنفين، فكما أننا نشترط فيمن يدرس تيارات الفكر المنحرف -غربية وشرقية- أن يكون عنده قاعدة من العلم الشرعي تمكنه من تقويم هذا الفكر ومعرفة خطئه من صوابه.

    فكذلك ينبغي أن يكون من يتكلم في الشرعيات والأحكام وغيرها، خاصة في مثل هذا العصر الذي اشتهرت وانتشرت فيه الأفكار، وأصبحت تطل من خلال الشاشة، والجريدة، ومن خلال المقال، والكتاب، أن يكون عنده ولو إلمام عام بهذه التيارات، بحيث يستطيع أن يجيب الناس فيها، ويبين القدر الذي قد يتأثر به عامة الناس منها.

    1.   

    كتاب حوار هادئ، وتأثيره سلباً وإيجاباً

    السؤال: شيخ سلمان، الكتاب الذي كتبته وأصدرته: حوار هادئ مع الغزالي له أثر جيد ونحن نلمس ذلك، ولكن نريد من الشيخ سلمان، أن يعطي صورة لهذا الأثر سلباً أو إيجاباً، من خلال ما بلغه كتابةً أو مشافهةً إن أمكن؟

    الجواب: لقد كان لهذا الكتاب -بحمد الله- صدى واسع وطيب أيضاً، ولعلي أعتبر أن الرسائل البريدية تعطي مؤشراً واضحاً عن هذا.

    فقد تلقيت، ولا زلت إلى هذا الأسبوع أتلقى رسائل من أنحاء العالم الإسلامي، بل وغير الإسلامي أيضاً، فقد جاءتني رسائل من الجزائر والمغرب ومصر ودول في الخليج العربي واليمن، وهناك رسائل جاءتني من بريطانيا وفرنسا وغيرها، وكلها تتحدث عن هذا الكتاب، وربما يكون كلامي في هذا الموضوع غير دقيق (100%) لأن هذه الرسائل ليست أمامي،لكنها كانت على الأقل مئات الرسائل، ومعظم هذه الرسائل تكتفي بالتعبير عن ارتياحها للكتاب والرد ومنهجه، وطلب نسخة من هذا الكتاب، وكذلك جاءتني رسائل كثيرة من السودان.

    وهناك رسائل تثني على جوانب، وتنتقد جوانب أخرى من الكتاب، وهذه أيضاً ليست بالقليلة، قد تكون ملاحظات علمية، وقد تكون ملاحظات لغوية، وقد تكون ملاحظات منهجية، ربما أُسلم لشيء منها أن الصواب معهم، وهناك أشياء أخرى قد يكون عندي الجواب عليها، وهناك القليل من الرسائل كان نقداً للكتاب، وهذا النقد ينقسم إلى شقين:

    هناك نقد يقول: إنك تسامحت مع محمد الغزالي أكثر مما يجب، وقد جاءتني إحدى الرسائل من فرنسا، وكانت رسالة ثائرة، ووصفت الشيخ بأوصاف أعف عن ذكرها؛ لأنها لا تناسب، وربما يكون فيها شيء من الزيادة، فهذا نوع.

    النوع الثاني: تعتقد أنني بخست حق الرجل وظلمته، ولم أعطه حقه، وأذكر منها بالدرجة الأولى: رسالة جاءتني مطبوعة، لم يتحدث صاحبها فيها عن الكتاب فقط، إنما أدخل العالم الإسلامي كله من خلال زاوية هذا الكتاب، فصار يتكلم عن مشاكل المسلمين وأوضاعهم، وأوضاعنا وأوضاع كثيرة جداً من خلال نقده لهذا الكتاب، وكان -في الواقع- نقداً مريراً.

    حتى إني أذكر من كلماته أنه يقول: يمكن أنك لاحظت غلاف الكتاب، وأظن الأخ الذي رسم الغلاف اسمه زهران، وكتب اسمه على الغلاف، فهو يقول: أنا لا أجد فرقاً بين سلمان وزهران، فهذا يشطب على الغلاف، وهذا أتى بأفكار في آخر الكتاب، أو من هذا القبيل.

    وربما أن هذه أكثر الرسائل غلياناً وانفعالاً، ومع ذلك كله، أذكر أن كاتبها في آخرها اعتذر لي اعتذاراً حاراً، وقال إنني أغبطك على هدوء أعصابك، وعلى سعة بالك، وشيء من هذا القبيل، وطلب التماس العذر له لأنه إنسان مشرد، ولا يستقر في مكان، من الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، فهو قد اعتذر عن هذا، وأسال الله تعالى أن يغفر لي وله ولسائر المسلمين.

    كما أنني أذكر -أيضاً- من ردود الفعل، خلال زياراتي لعدد من البلاد الإسلامية، زرت الكويت سابقاً، والبحرين وأمريكا وكندا وفرنسا، وكلها من المواقع التي توجد فيها كتب الغزالي بكثرة، وكنت أتوقع أن تكون ردود الفعل مختلفة، لكنني وجدت أن من لقيتهم مطمئنون إلى منهج الكتاب بصفة عامة، وأحمد الله تعالى على ذلك.

    السؤال: بالنسبة للشيخ الغزالي، هل كان له معك نقاش في هذا الموضوع، ولو عن طريق الرسائل؟

    الجواب: لقد جاءتني رسالة من أحد الإخوة من مصر، ويقول إنه تلميذ خاص من تلاميذ الغزالي، والرسالة كان فيها اعتدال واعتراف بأشياء كثيرة، وفيها تصحيح لأمور معينة، وفيها ثناء على الكتاب، وإشعار بأنه لم يقع موقعاً سيئاً من الشيخ.

    وبالنسبة للأشرطة فقد انتشرت في مصر، وسمعها الغزالي، وكان مريضاً آنذاك، فسمع الأشرطة ولم يكن رده أيضاً سيئاً، وقد اتصل بي أكثر من واحد من أصحاب المكتبات، وكان تجاوبه معقولاً، لكن فيما بعد، أُجريت معه عدة مقابلات في عدد من الصحف، وكان يتكلم بطريقة مختلفة تماماً، فلا أدري هل هو يتكلم عن شيء آخر، أم أن الصحفيين أفلحوا في استفزازه بطريقة معينة، وقد يكون ثمة ملابسات أخرى.

    1.   

    المنهج السليم للنقد

    السؤال: هنالك سؤال حول النقد، كما يقول المثل: (الناقد بصير) والناس يحبون أن ينتقدوا على اختلاف مستوياتهم، فما المنهج السليم للنقد في أوساط طلاب العلم وأهل الدعوة؟

    الجواب: هذا سؤال في غاية الأهمية، لأن قضية النقد هي أولاً: قضية حيوية وضرورية، وأي أمة ليس فيها نقد، معنى ذلك أنها تستمرئ أخطاءها وتستمر عليها، ولا ترضى بمن يصححها، فهي أمة آيلة إلى الفناء شاءت أم أبت، رضيت أم سخطت. فلا بد من النقد على كافة المستويات، ومن ذلك ما يتعلق بالدعوة والدعاة، والعلم الشرعي وطلاب العلم، فهم يحتاجون إلى إثارة النقد فيما بينهم. لكن الناس في موضوع النقد ما بين مفرِط ومفرِّط.

    فمن الناس من همه النقد، فتجده لا يتكلم إلا منتقداً، وأعرف بعض الأحبة من هذا القبيل، جبلوا على هذا الأمر، فلا يلتذ الواحد منهم إلا بالنقد، وكأنه يعتبر نفسه قيماً أو وصياً يصحح للناس، وهذا صعب تَحمُّله مهما كان الأمر.

    كما أن من الناس من يفرِّط في هذا الأمر، فيتقبل كل شيء، ولا يحب أن يُنتقد ولا أن يَنتقد، فهو يستثقل أن يُلاحَظ أو يُوجَّه إليه أيُّ شيء، فذلك هو لا يَنتقد الآخرين، وكأنه يريد أن يسكت ليسكت الناس عنه، وكما يقال (افتضحوا فاصطلحوا).

    والواقع أنه يجب أن يكون عندنا مسلك وسط في هذا الجانب، فالنقد لا بد من الاعتراف به على مستوى الجميع، والناقد ينبغي أن يلتزم بالمنهج العلمي الشرعي الصحيح.

    فالتهم لا داعي لها، والتهجم لا داعي له، والنبرات النابية في غير محلها لا داعي لها، بل يكون النقد منصباً على فكرة، فلا تتحدث عن فلان، وأن فيه كذا، تحدث عن فكرة معينة، أو مذهب معين، أو خطأٍ معين، وصحح هذا الأمر بالأدلة، ودع القراء أو المستمعين يشاركونك أو يخالفونك في هذا الجانب، هذا من جهة.

    الجهة الثانية: ينبغي أن لا يكون النقد ومعرفة الأخطاء، إهداراً لحسنات الآخرين، وتنكراً لجميلهم، فما من إنسان إلا وفيه شيء من الخير، والمسلم عنده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وما دام محققاً لها فهو على خير بإذن الله تعالى، وينبغي ألا ينكر فضله.

    فإذا انتقدت إنساناً فحسنٌ أن تبدأ بذكر بعض فضائله وبعض حسناته؛ لأن هذا أدعى لأن يقبل هو، ويقبل من يكون على شاكلته، لأنك عندما تكتب النقد تكتبه غالباً له وللمعجبين أو المتأثرين به، فإذا رأوك متحاملاً، لم يقبلوا منك شيئاً حتى الحق الذي جئت به، لكن إذا رأوك منصفاً معتدلاً كان هذا مسلكاً سلساً حسناً يدعو إلى تقبل الحق الذي جئت به.

    وعندنا كتاب الله وهو حسبنا قال تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] فلم يمنع الإثم الكبير الذي فيها وكونهما محرمين، أن الله تعالى يبين أن فيهما منافع.

    كما أن عندنا كتاب الله وهو حسبنا، فالهدهد لما قال سليمان: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [النمل:21] وفي آخر الآيات قال الله تعالى لما ذكر قول الهدهد: أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23] إلى أن قال: قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النمل:27] فالمسألة مسألة موضوعية، أصدقت أم كنت من الكاذبين بالأدلة المادية الصحيحة، أما من ادعى دعوى لا دليل عليها، فيضرب بدعواه عرض الحائط.

    كما أن الحق كونه ظهر على لسان الهدهد؛ لم يمنع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام من تقبله والتثبت منه.

    1.   

    الدعوة تبليغ مع وجود العقبات

    السؤال: بالنسبة لتبليغ العلم، كيف السبيل إلى أن يبلغ العالم علمه، مع وجود العقبات أمامه؟

    الجواب: العقبات لا بد منها، والعالم الصادق لا بد أن يلقى العقبات، وإلا لم يكن صادقاً، فإن الذي أمرَنا وأمرَ الأمة بأن تبلِّغ، ذكرَ العقبات، وأن الإنسان بقدر ما يبذل، بقدر ما سيواجه من نفسه وممن حوله من الأقربين والأبعدين.

    فالعقبات أمر طبيعي، وهي بالنسبة للمستبصر هي المؤشرُ على صدق توجهه، وصحة مسلكه ومنهجه، ولو لم يجد هذه العقبات كان عليه أن يراجع نفسه، ويصحح مساره، بمعنى أنه سلك طريقاً آخر لم يجد فيه تلك الجبال التي نصبت له، ولا تلك الصعاب، ولا تلك العقبات، فهذا أمر طبيعي.

    لكن عليه أن يواجهها بالصبر، الذي لا يدعوه إلى أحد طرفين، إما أن ينفد صبره فيسلك مسلكاً غير محمود، لا يتسم بالحكمة ولا يتسم بالبحث عن المصلحة العامة.

    أو بالعجز الذي يؤدي به إلى أن يترك،ويعتبر أن عقبات الطريق أكبر من إمكانياته، فعند ذلك ييأس ويترك العمل.

    فعلى الداعية أن يتحلى بالصبر وطول النفس، ومعرفة أن الأمور تتغير، والأيام تتغير، والعقبات توجد ثم تزول.

    بل إن هذه العقبات عند التأمل؛ هي جزء من شخصية العالم، ابحث عن أي عالم في تاريخ الأمة واقرأ تاريخ هذا العالم؛ تجد أن طبيعة المواقف ووجود بعض العقبات، هي جزء من تاريخه الذي كون حياته، وكون شخصيته، وكون علمه، وكونه كشيء معتبر وشيء صاحب قيمة في المجتمع، فهو أمر لا يُغضب منه، ولا يعتبر أمراً غير مألوف في حياة الدعاة وطلبة العلم، فضلاً عن العلماء.

    والعقبات التي تكون أمام العالم، لا تحول بينه وبين إيصال العلم بالكلية، فإن العقبات قد تُغلق عليه طريقاً، لكن إذا كانت الدعوة وكان التعليم يتحرك في قلبه، فسيفتح بدلاً من الطريق طُرقاً، وسوف يجد الوسيلة لإيصال العلم إلى أهله، قد تغلق طريقاً، لكن يفتح الله تعالى له أخرى، بل قد يكون هذا سبباً في توجيهه إلى أمور قد تكون أثمن وأهم وأغلى مما يشتغل به، ولكنه قد يكون مقصراً فيه فتوجهه إليه.

    فهكذا قد يقيض الله تعالى بعض الناس ليوجهوا الدعوة، ويوجهوا العلم الشرعي الوجهة الصحيحة التي يحتاج إليها.

    1.   

    الجفوة بين العلماء والشباب

    السؤال: كثيراً ما يشتكي بعض الشباب من عدم تفاعل العلماء معهم في كثير من القضايا، وكثيراً ما يقولون نحن بحاجة إلى العلماء المربين، فماذا نقول لهؤلاء الشباب؟

    الجواب: في الواقع أن القضية يجب أن يخاطب فيها الطرفان معاً، فمن جهة: الشباب مطالبون بأن يلتفوا حول علمائهم، ويجلسوا إليهم، ويستشيروهم في أمورهم، بل وأن يقتربوا منهم، لأن كون الشاب قد يحضر حلقة العلم ثم ينصرف دون أن يتعرف على الشيخ أو يعرفه بنفسه، أو يحييه بتحية الإسلام، أو يقدم له ما اعتاد الناس عليه من أمور فيها معاني التقدير والتكرمة والتعبير عن الود والاحترام لهذا الشيخ، فإن هذا تقصير من جانب الشاب، وينبغي أن يتدرب الشاب على طرائق وأساليب في الحضور إلى العلماء، والتعرف عليهم، وتعريفهم بنفسه، والتقرب من نفوسهم وقلوبهم.

    وفي مقابل ذلك فلا شك أن الأصل في العالم أن يستمع إلى هؤلاء الشباب، وأن يفتح ويفسح لهم صدره، ليستمع إلى همومهم ومشاكلهم، وأحياناً قد يكون الشاب عنده مشكلة تؤرقه، فإذا عرضها عليك تشعر بأنها صغيرة أو تافهة في مقياسك، لكنها بالنسبة له مقلقلة ومزعجة، يحتاج إلى من يشاطره ويشاركه في الاهتمام بها، فمن المهم أن يشعر بصدر يتسع لمشاكله، يتجاوب معه، يعطيه شيئاً من وقته.

    وينبغي للشاب حين يفقد هذا أن يعلم أن العالم مشغول بما هو أكبر من ذلك، فربما ينشغل العالم عن مشكلة فردية، لكنه منشغل بمشكلة أمة، ولا شك أنه حينئذٍ معذور، حين يعتذر عن سماع تفاصيل جزئية في مشكلة يعانيها شخص بعينه.

    لكن على سبيل العموم، كما قال عليه الصلاة والسلام: {سددوا وقاربوا} ولا شك أن دور العالم لا يتوقف عند مجرد حقن المعلومات في ذهن الطالب، بل دوره أكبر من ذلك، فدوره هو بناءً الطالب بناء متكاملاً، والمساهمة في حل مشكلاته، وأن يعيش مع الطالب في كل جزئيات وتفاصيل حياته، أن يجعله عالماً وداعية ومصلحاً، وليس أن يجعله مجرد حافظ للمعلومات لا يتعدى الأمر عنده هذا الحد.

    1.   

    بعض أخطاء الدعوة الإسلامية

    السؤال: واقع الدعوة الإسلامية فيه كثير من المعوقات والأخطاء، فهل للشيخ سلمان أن يحدد لنا شيئاً من ذلك؟

    الجواب: واقع الدعوة الإسلامية، جزء من واقع الأمة الإسلامية، وأنا أعتبر أن أخطاء الدعوة الإسلامية، هي انعكاس أو ظل لأخطاء الأمة الإسلامية في شرقها وغربها، ولكنها قد تكون بصورة مصغرة أحياناً، ولعل من أبرز الأخطاء: ما أسلفت قبل قليل من غياب النقد الصحيح،واعتبار أن هذا النقد -متى كان بناءً صحيحاً- أنه نوع من الهدم أو التشهير.

    والواقع أن النقد شرط أساس لا بد منه، وهو النصيحة التي أمر الله بها، وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: { الدين النصيحة} فهذا من النصيحة لخاصة المسلمين، التي نحتاج إليها جميعاً.

    كما أن من أهم الأخطاء: غياب المنهج الصحيح. فإن كثيراً من الدعاة ينطلقون من مشاعر ومن عواطف ومن تلهف، ومن الإحساس بالواقع الأليم للأمة، والحاجة إلى تغييره، لكنهم لا ينطلقون من منهج صحيح، ولهذا يذهبون ذات اليمين وذات الشمال، وقد يتجهون يوماً مع هذا ويوماً مع ذاك، وتتفرق بهم السبل، والواقع أنه لا عاصم من هذا إلا بالعودة إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح، والتماس العبرة والأسوة، ورسم الخطوط الأساسية من خلال هذه الأسس الثلاثة -الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة- ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

    فهذه أبرز الأشياء التي في الذهن، والحديث في هذا الأمر يطول التفصيل فيه.

    1.   

    وسائل الدعوة إلى الله

    السؤال: إذاً ما رأيك في وسائل الدعوة التي يمكن أن نواجه بها مثل هذه المعوقات والأخطاء؟

    الجواب: وسائل الدعوة جزء من واقع الدعوة، والمقصود بالوسائل: الأشياء التي يتوسل ويتوصل بها إلى تحقيق المقصود، فهي المعبر بين الدعاة الناس.

    وهناك وسائل متفق عليها في كل البلاد وفي كل الأمم عبر التاريخ، مثل وسيلة الكلمة التي بعث بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكل رسول قد دعا بكلمة: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] فهو يدعو الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة،ونبذ الآلهة والأنداد التي تعبد من دون الله عز وجل.

    وهذه الكلمة يمكن أن تصل من خلال وسائل شتى: بالخطاب الشفهي، فيمكن أن تصل عبر كتاب، أو في قصة، أو في قصيدة، أو في أي وسيلة متاحة ومباحة.

    وهناك وسائل كثيرة للدعوة توجد في كل عصر، وأعتقد أن الدعاة إلى الله تعالى يستطيعون استخدام أي وسيلة للدعوة متاحة لهم بشرطين:

    الشرط الأول: أن تكون هذه الوسيلة ليس فيها محظور شرعي، فلا يقوم باستخدامها ارتكاب محظورات شرعية محرمة بنص كتاب أو نص سنة أو بإجماع العلماء، فالغاية لا تبرر الوسيلة، فصحة الغاية، وأن المقصود إيصال الدعوة لا يبرر استخدام أي وسيلة قد تكون محرمة. فالشرط الأول: أن تكون الوسيلة مباحة على الأقل، أما إذا كانت مشروعة وثبت استخدامها، فهذا لا شك من باب الأولى.

    الشرط الثاني: أن يغلب على الظن، أو أن يجزم الداعية بأن هذه الوسيلة تحقق مقصوده، فإن المقصود من الوسيلة هو الوصول إلى الغاية وإلى الهدف، فلا بد أن يقتنع الداعية بأن هذه الوسيلة تحقق مقصوده، إما ظناً غالباً أو جزماً.

    أما الاعتقاد بأن وسائل الدعوة تعبدية، فلا أدري كيف هذا، -ولا شك أن الدعوة من أعظم العبادات- إلا أننا حين نقول: إن الوسائل توقيفية؛ فإننا بذلك ندخل الوسائل حينئذٍ في القرب التي يتقرب بذاتها إلى الله، وفي الشعائر التعبدية، وليس الأمر كذلك، فوسائل الدعوة كوسائل الجهاد، وهي أمور تخضع للحاجة وللواقع الذي يحتاج إليه الناس، وليست تعبدية بذاتها، لأنها ليست من القرب المحضة،ولا من الشعائر التعبدية.

    1.   

    بعض إيجابيات الدعاة وسلبياتهم

    السؤال: إذاً من هذا المنطلق؛ لا شك أنه ستكون هناك سلبيات وإيجابيات عند الدعاة، فهل يتصور الشيخ سلمان بعض هذه السلبيات وهذه الإيجابيات حتى يمكن تجنبها؟

    الجواب: السلبيات فيما يتعلق بالدعوة والدعاة كثيرة، ولعلي أسلفت شيئاً منها.

    أما ما يتعلق بالإيجابيات فلا شك أن الأصل في الدعوة الإيجابية، لأن الدعوة خطاب للمجتمع بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودعوتهم إلى المنهج الصحيح، وتصحيح المفهومات المنحرفة، والسلوكيات الخاطئة في المجتمع، وتقريب المجتمع مما يجب أن يكون عليه، فهذه هي الدعوة في أبسط تفهيماتها وتعريفاتها، فالأصل في الدعوة الإيجابية، وحين نجد خطأً أو خطأين في واقع الدعاة، أو في أساليبهم، أو في طرائقهم، أو في أساليبهم ووسائلهم التي يسلكونها في الدعوة، فإن هذا يعتبر استثناءً من الأصل الذي يجب أن يكون.

    1.   

    مشكلة تعميم الأمور

    السؤال: ما دمنا تحدثنا عن الإيجابيات والسلبيات، فهناك من يرى أن بعض الدعاة يقعون في مشكلة تعميم الأمور، وحالياً يدور حديث كثير -مثلاً- في أزمة الخليج التي نعيشها حول هذه التعميمات.

    فمثلاً يقولون: الشيخ سلمان العودة نفسه عمم في بعض الأحكام، وقال: إنه لن تقع حرب في منطقة الخليج، وقال: أبشر بطول سلامة يا مربع. ومن مثل هذا الكلام، فنريد أن تبين للناس حقيقة هذا الأمر حتى يكونوا على بصيرة من الأمر؟

    الجواب: التعميم في الأحكام غالباً ما يجانبه الصواب، واللجوء إلى الدقة والتبصير يكون أقرب إلى الحق، لأن الإنسان يستطيع أن يميز بين بعض الأمور المتشابهة، وهذا أمر يقع لكثيرين في الماضي والحاضر، ولا غبار أنه يقع وأنه يجب تصحيحه.

    أما فيما يتعلق بهذه الأزمة التي أشرت إليها، وما ذكره عني بعضهم، فأعتقد أنه يحتاج إلى توجيه عدة أمور:

    أولاً: هل فعلاً كان مرادي أن الحرب لن تقع؟

    لم يكن هذا قصدي، بل: واضح من لهجتي وحديثي، بل السؤال الذي وجه أصلاً في المناسبة، حيث أن القضية كانت في مدى مشاركة أطراف معينة بالضبط في موضوع المقاومة الكويتية فكان هذا هو السؤال، وجاء الجواب بهذا الأمر.

    أما وقوع حرب بين قوتين عظميين أو بين دولتين، فلم يكن هذا موضع السؤال قط، فهذه قضية توضع في الاعتبار، وفعلاً لم يقع من المقاومة الكويتية -التي كان الأخ يسأل عنها في حدود ما أذكر- مشاركة فعالة، أو دور، أو أنه كان لها أثر مباشر فيما جرى، على أنه لا ينكر أن لهم أدواراً إيجابية في جوانب أخرى.

    الجانب الثاني: لنفترض أن هناك من الدعاة -سواءً أنا أو غيري، أو من المحللين- من قال: إنه لن تقع حرب، فلماذا نستعظم هذا الأمر؟ ألا ندري أن (60%) من المحللين الغربيين الذين هم مختصون في هذا الأمر،ويسهرون الليل ويتعبدون النهار في متابعة ما يجد، ومعرفة المرئيات والأبعاد؛ كانوا يتوقعون ألا تقع حرب، ويستبعدون وقوعها.

    إذاً: ليس بغريب أن يقع في هذا التوقع غيره، بل ما المانع أن يتصور بعضهم أنه ربما حتى القائمون على مجريات الأحداث، والذين يرسمون خط سير الأحداث وفق ما يتصورون، قد تتغير وجهة نظرهم، ويتغير قرارهم بين الفينة والأخرى، بحسب ما يكون أمامهم من معطيات متجددة في الحدث، ومع التسليم بأن هذا قد يكون صدر من بعض الدعاة، إلا أنه لماذا نعتبر أن هذه قضية كبيرة أو غريبة أن تقع؟

    لأن الداعية حين يتكلم لا يتكلم عن نص كتاب منـزل ولا سنة محكمة، ولا شريعة ماضية، وإنما هي مرئيات في واقع معين، قد تصيب وقد تخطئ.

    السؤال: نتوقع أشياء كثيرة منها: قضية النواحي الاقتصادية، حيث توقع خبراء اقتصاديون أن تصل قيمة برميل البترول إلى ثمانين وأكثر من ثمانين دولاراً، ولم يصل إلى النصف من هذا، فهذه توقعات لم تحصل، ولكن الناس دائماً تلفت نظرهم مثل هذه الأمور، وتحتاج إلى بيان؟

    الجواب: لكني أعتبر أن هذا له جانب إيجابي في الواقع؛ لأن هذا يؤكد أن الناس يعتبرون أن الدعاة أن كلمتهم ذات قيمة، ولذلك قد يسمع كلمتهم العامي وغير المختص وغير المطلع، فلا يستطيع أن يدرك الأمر الذي أشرنا إليه.

    فهذا يؤكد على أن كلمة الدعاة تسير بها الركبان شرقاً وغرباً، ويؤكد على أن الناس يأخذونها مأخذ الجد والاهتمام، ولهذا يستغربون أن يقع خلافها، فهذا جانب إيجابي ينظر إليه في الموضوع.

    1.   

    الجماعات الإسلامية وتصحيح الأخطاء

    السؤال: الجماعات الإسلامية، كثر الحديث عنها وعن فرقتها، وعما سُمي بفشلها في تحقيق أهدافها، وذلك ضمن الحملات التي تشن عليها في هذا العصر، فهل للشيخ سلمان العودة، أن يدلي برأيه في هذا الموضوع؟

    الجواب: ما يسمى بالجماعات الإسلامية، هي إفراز لواقع معين عاشته الأمة الإسلامية، ولا زالت تعيشه، ولا يمكن عزلها عن المجتمعات التي انبثقت منها.

    ومسألة فشلها في تحقيق أهدافها، من الصعب أن نقول: إنها فشلت بهذا الأسلوب، كما أن من الصعب أن نقول: إنها نجحت في تحقيق أهدافها، فأعتقد أن الفشل والنجاح أمر نسبي يتفاوت بين بلد وآخر، وبين فئة وأخرى من الناس.

    لكن لا شك أن الأمر الذي يجب أن نقوله هو: أن الدعاة إلى الله عز وجل سواء ما يسمى بالجماعات الإسلامية، أو الدعاة إلى الله تعالى في كل بلد وفي كل مكان؛ أنهم بحاجة دائماً إلى مراجعة وتصحيح مسيرتهم، وسماع النقد الهادف البناء، وتصحيح الأخطاء الواقعة.

    وأنا حقيقة أتعجب من جهود بذلت، وسنوات طويلة قد تعد بالعشرات من جهود الدعاة وعرقهم، وتضحيات جسام، ومع ذلك لا تقابل هذه الجهود الكبيرة الجبارة بمؤتمرات أو حلقات نقاش جادة تعمل على معرفة الصواب والخطأ، وأين مكمن الخلل، ومراجعة الخطوات، وتصحيح المسار، فنحن أحوج ما نكون إلى مثل هذا، ومن حق تلك التضحيات التي بذلتها الأمة، وضحت من أجلها أن يراجع الناس مسيرتهم بين آونة وأخرى.

    ونعجب من الغرب أعداء الله وأعداء الإسلام، كيف يستفيدون من أخطائهم بصورة غريبة، فيراجعون مسيرتهم بشكل مستمر، بل إننا نجد أن التاجر يراجع حساباته بشكل دوري، ويصحح أخطاءه.

    فالدعوة الإسلامية أحوج ما تكون إلى مثل هذه المراجعات، وليس عيباً أن يقول الدعاة: إنهم أخطئوا، أو إنهم تصرفوا تصرفات غير محمودة، أو إنهم اجتهدوا فلم يحالفهم الصواب في مسألة أو مسألتين، أو عشرين، بل العيب كل العيب هو أن نُصِّر على أخطائنا، وأن نقول: إننا ما زلنا نسلك الطريق المستقيم في كل أمورنا، ونحاول أن نجعل الأمور كلها على ما يرام، فإذا اعترفنا بالخطأ اعترفنا به اعترافاً إجمالياً، فنقول: نعم نحن بشر نخطئ ونصيب، ولسنا معصومين، ثم نقف عند هذا الحد، ولا نحدد أخطاءنا.

    فيجب على الجميع -سواء ما تعرض له السؤال من الجماعات الإسلامية، أو الدعاة أو طلبة العلم، أو أي فئة من فئات الأمة، بل الأمة كلها- أن يكون عندها اعتراف إجمالي وتفصيلي بالأخطاء، والاعتراف الإجمالي الكل يقر به، ونقول: نحن بشر نخطئ ونصيب، ولسنا معصومين، لكن ماذا بعد هذا؟

    هل تحولت هذه القناعة المجملة إلى نظرات تفصيلية في أنهم أخطئوا في كذا وأخطئوا في كذا، ويجب أن يصحح؟

    أما اعتبار أن هذا أمر يشمت به أعداءهم، أو أن هذا يفرق الناس من حولهم، فهذا ليس بصحيح، فإن الذي يفرق الناس هو أن يتستر بعضهم على الأخطاء، حتى تتفجر الأخطاء كلها دفعة واحدة، ثم تجعل الجميع شتاتاً، ونجد أن الأمة علقت آمالاً كثيرة على أحياء، ثم تبين لها أن الأمور ليست كما كانت تعتقد وتتصور.

    أما الأعداء فإنهم يجدون في مثل هذه الأمور فرصة لشن حملات غير منصفة ولا عادلة، ونجد أنهم يخرجون من هذا إلى شن حملة على الإسلام نفسه فإننا نجد أن كثيراً ممن يتناولون قضية الإسلام والدعوة الإسلامية لا يقف وجودهم عند فئة معينة، أو على فرد معين، أو على موقف معين أخطئوا فيه، بل يتعدى الأمر إلى الهجوم على كل من يرفع راية الإسلام، وكل من يتسمى بالإسلام، وإن كانوا لا يجرءون على النيل من الإسلام نفسه، لكنهم إذا نالوا من دعاته ومن علمائه، ومن الفئات التي تدعو إليه، ولو كان فيها ما فيها من ملاحظات أو أخطاء، ما بقي للإسلام حينئذٍ شيء، فخلت الساحة لأعداء الإسلام، وإن كانوا يلبسون لكل حالة لبوسها.

    1.   

    حكم التعددية في مناهج العمل الإسلامي

    السؤال: شيخ سلمان، بالنسبة لظاهرة التعددية في مناهج العمل الإسلامي وجماعاته، هل هي بناء على هذا الذي قيل، ظاهرة معقولة من الناحية الشرعية والواقعية؟

    الجواب: التعددية في الواقع لها أكثر من صورة؛ والعلماء السابقون تكلموا عن موضوع الاختلاف، فهناك اختلاف يمكن أن يفسر بأنه اختلاف تنوع، وهذا مقبول شرعاً وواقعاً.

    والمقصود باختلاف التنوع: أن يتخصص فئات من الناس لألوان من الخير لا يتخصص فيها غيرهم، فهناك فئة -مثلاً- متخصصة في بناء المساجد، وهناك فئة أخرى متخصصة في بناء المدارس والقيام عليها، وهناك فئة ثالثة متخصصة في تأليف الكتب ونشرها،وهناك فئة رابعة متخصصة في الرد على أهل البدع والمنحرفين وأهل الزيغ والضلال مثلاً، وهناك فئة خامسة متخصصة في الجهاد في سبيل الله، ومقاتلة أعداء الله على الثغور، وسادساً وسابعاً إلى آخره، فهذا تنوع محمود وطبعي ولا غبار عليه، وينبغي أن يكون بعضهم يكمل بعضاً، ولا يلوم بعضهم بعضاً، أو يعتبر أنه يشتغل في غير طائل.

    فليس صحيحاً أن المشتغل بالجهاد يعتب على المتفرغين لدراسة الفقه، ويقول: مساكين هؤلاء يشتغلون بأمور عفى عليها الزمن في وقت ينازل الإسلام فيه الكفر. هذا ليس منهجاً صحيحاً لأن الأمة -حتى في حالة القتال- تحتاج إلى الفقيه.

    كما أنه ليس صحيحاً أن المتفقه في المسجد، يعتب على الذين يشتغلون بمنازلة العدو ويعيب عليهم أنهم لم يتفرغوا لدراسة العلم الشرعي وتعلمه، اللهم إلا أن يكونوا قصروا فعلاً في تعلم العقيدة التي يحتاجون إليها، فيلامون على ذلك مثلاً، أو قصروا في تعلم الأحكام الشرعية التفصيلية، التي يحتاجونها هم في قتالهم لأعداء الله تعالى وما يتعلق بذلك، فيلامون على هذا، ويدعون إلى التصحيح.

    فهذا لون من الاختلاف لا حرج فيه، كما أنه مما يدخل فيه: أنه قد تختلف اجتهادات الناس في معاملة واقع معين، وكلها اجتهادات مبنية على أدلة شرعية وقواعد عامة، وليس في القضية نص يجب الرجوع إليه، فهذا لا ينبغي أن يلوم بعضهم بعضاً.

    لكن هناك نوع آخر من الاختلاف مذموم، وهو اختلاف التضاد، واختلاف التضاد مذموم في حقيقته وفي صورته:

    أما في حقيقته، فاختلاف التضاد منبثق من اختلاف المناهج، بمعنى أن هؤلاء لم ينطلقوا من منطلق عقدي صحيح، ولم يحتكموا إلى الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة؛ فلذلك اختلفوا في الكتاب، واختلفوا على الكتاب، واختلفوا في فهم النصوص الشرعية التي دل الدليل الصريح على المعاني الصحيحة لها، ولذلك تفرقت بهم السبل.

    فهذا نوع من الاختلاف، ثم ترتب على هذا اختلافهم في طريقة معالجة الواقع، وفي أساليبهم وفي مناهجهم، بناءً على اختلافهم في الفهم الصحيح للإسلام، وما يجب أن يكونوا عليه، فلا شك أن هذا الاختلاف مذموم، ويترتب عليه أن يكون بعض هؤلاء ينقض جهود بعضهم الآخر، وربما يشتغل بعضهم بحرب بعضهم الآخر أكثر مما يشتغل بحرب الأعداء الأصليين للإسلام، فهذا اختلاف تضاد في أصله ومنطلقه، واختلاف تضاد في نتيجته وثمرته، ولا شك أنه اختلاف مذموم شرعاً، وثمرته الواقعة ثمرة مرة كما يشهدها الجميع.

    1.   

    حكم المشاركة في المجالس النيابية

    السؤال: اشتراك الدعاة في بعض البلدان العربية والإسلامية في المجالس النيابية، وتعاونهم مع بعض الأحزاب التي لا تسير وفق منهج إسلامي، وذلك لتشكيل جبهة معارضة ضد بعض الحكومات العلمانية، فهل هذا من خلال تصوركم إجراءٌ من الناحية الشرعية يمكن أن يكون مقبولاً؟

    الجواب: مثل هذا السؤال من النوازل الجديدة التي تحتاج إلى اجتهادات جماعية، لأن الاجتهادات الفردية مدعاة إلى تشعب الآراء واختلافها وكثرتها، وكثرة القيل والقال فيها، وتجد الناس فيها أطرافاً متباعدة.

    فمنهم من يعتبر هذا لوناً من الشرك، يوقع صاحبه في الخروج من الدين، ومنهم من يعتبر هذا أمراً مباحاً سائغاً،بل مشروعاً وربما أدى إلى القول بوجوبه.

    ولذلك لا أرى أن أقدم رأياً محدداً في هذه القضية، بل ربما لا أملك رأياً محدداً في هذه المسألة، لكنني أستطيع أن أضع بعض القواعد العامة:

    فمن القواعد العامة: أن الأصل في المسلم ألا يقبل المشاركة في أي حكم بغير ما أنـزل، لأن الحكم بغير ما أنـزل الله في مجال التشريع والتقنين لا شك أنه كفر ينقل عن الملة، كما قال الله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:44-45] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

    وتكلم أهل العلم عن مثل هذا الأمر، حتى أشار الإمام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية إلى أن هذا الأمر مما أجمع المسلمون عليه أن هذا كفر ينقل عن الملة. أي: فرض القوانين الوضعية الجائرة الكافرة، التي تحكم الناس في أنفسهم وأموالهم ودمائهم وأعراضهم، وتعميمها على الناس وحمايتها.

    والمسلم لا شك أنه لا يمكن أن يقبل بهذا الأمر، وأن يكون شريكاً فيه، والله تعالى يقول: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21] وقال تعالى: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف:26] وفي قراءة وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف:26] تشرك: بالتاء.

    الجانب الثاني: إن من أهم ما يُعنى به الداعية هو وضوح الدعوة وجلاؤها وعدم التباسها في حال من الأحوال، فإن الناس في أكثر من بلد، صاروا يتصورون أن الدعوة الإسلامية عبارة عن الحرص على نيل مطامع ومكاسب دنيوية، وربما ظنوا أن الدعاة يتنافسون ويتسابقون مع غيرهم إلى الكراسي وإلى الوصول إلى السلطة.

    ونحن نعرف أن هناك بعض المغرضين، يصطادون في الماء العكر -كما يقال- ويحاولون أن يلبسوا الدعاة هذا الثوب الذي لم يفصَّل لهم، لكن ربما أن واقع بعض الدعاة الذين تجاوزوا أشياء كثيرة، وتأولوا في اجتهادات ومواقف عديدة، ربما أنه جعل الناس يملكون نوعاً من القابلية؛ لتصديق مثل هذه الإشاعات ومثل هذه الأمور المكذوبة.

    فلذلك أقول: إن من المهم أن تكون الدعوة واضحة وجلية غير ملتبسة، وأن الدعاة إلى الله عز وجل لا يريدون من الناس أجراً، ولا يسألونهم عليه دنياً ولا مالاً، إنما همُّ الدعاة هو أن يقوم الإسلام، وأن يقوم حكم الله تعالى في الأرض.

    أما أشخاصهم فلا تعنيهم بقليل ولا كثير، ولا يبالون أن تُقرض أجسامهم بالمقاريض، وأن هذا الخلقَ قد أطاعوا الله عز وجل. فينبغي أن يفهم الناس هذا عن الدعاة فهماً قولياً وفهماً عملياً أيضاً، ليُقطع الطريق على أي مغرض يحاول أن يلبس الدعاة مثل هذا الثوب.

    الجانب الثالث: قد يكون هناك مصالح في حال من الأحوال، وفي وضع من الأوضاع، تستدعي اجتهاداً قد يكون استثناءً من قاعدة كلية عامة، فهذه المصالح تعتبر -أحياناً- حاجات، وتعتبر -أحياناً- ضرورات فتقدر بقدرها، ويجتهد فيها بكل نازلة أو واقعة معينة من يملكون الاجتهاد: ممن يملكون العلم الشرعي أولاً، ويملكون المعرفة بالحالة التي يتكلمون عنها ثانياً، وإن أصابوا حينئذٍ فلهم أجران، وإن أخطئوا وكانوا أهلاً للاجتهاد فلهم أجر واحد.

    1.   

    إعداد الخطط لمواجهة الأعداء

    السؤال: يلاحظ في مسيرة الدعوة، أن هنالك تركيزاً واضحاً من كثير من الدعاة، على سلبيات أو على خطورة الأعداء وسلبيات مخططاتهم بالنسبة إلى عالمنا الإسلامي.

    ولكن قليلاً ما نجد من يضع خططاً لمواجهة هذه الخطورة، فما رأي الشيخ سلمان في هذا الموضوع؟

    الجواب: الحقيقة أنك بسؤالك هذا لامست داءً دفيناً في نفوسنا جميعاً، وهو أن الأمة -وخاصة دعاتها لأنهم المعول عليهم بالدرجة الأولى- الأمة ودعاتها أصبحوا يميلون إلى جانب من السلبية وعدم التفاعل مع الأوضاع، وعدم القيام بدورهم المنوط بهم، وفي سبيل أن نسوغ لأنفسنا هذا الدور -الذي هو دور القعود والركود والنكول- أصبحنا نبحث عن أحد نعلق عليه أوضاعنا، وأقرب ما نعلق عليه هو قضية الأعداء.

    فيكفي أن نقول: الاستعمار، والأعداء، والصهيونية واليهود والنصارى والمنافقون، ثم ننام ملء جفوننا؛ معتقدين بذلك أننا معذورون، والواقع أن منهج القرآن الكريم واضح، يقول الله عز وجل: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] و(شيئاً) هنا نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء.

    أي: إن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم أي شيء، وأيضاً ها هنا نص صريح، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] فهذا مهرب نفسي يلجأ إليه المسلمون ويلجأ إليه الدعاة؛ ليقعدوا عن القيام بالواجبات الملقاة على عواتقهم، وإلا فحتى مع كيد الأعداء -ولا نشك في كيد الأعداء، ويجب أن ندرك خطر كيدهم ومدى مكرهم لكن مع ذلك كله- نحن مطالبون بأن نواجه هذا الكيد وهذا الأمر، وحين نواجهه بصدق وإخلاص سيدفعه الله تعالى عنا، وسيجعل جهودهم تبوء بالدمار والبوار والخسار، وجهود المؤمنين مهما قلَّت تظهر آثارها وثمارها.

    فهذا نوع من المهرب النفسي الذي يلجأ إليه بعضهم؛ للتخلي عن القيام بدورهم في مواجهة هذا الواقع، هذا من جهة.

    ومن جهة أخرى: إننا إذا أردنا أن نقوم بدورنا، وأصبحنا -فعلاً- متربين على الإيجابية، فلا نريد إنساناً يقول: ماذا بيدي وماذا أصنع؟

    أنا صفر على الشمال، فهذا الكلام يجب أن يختفي، فإذا وجد الداعية الفعال الإيجابي، الذي يسأل ما دوري وهو صادق، ويريد أن يؤدي دوره، حينئذٍ سنكون أمام أمة فاعلة، أمام أمة مؤثرة، الفرد منها بعشرة أو بمائة بل ربما بألف.

    يقول الله عز وجل: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:65] حين نكون أمام مثل هذه النوعية من الأفراد؛ معناه أننا نملك قدراً كبيراً من طلبة العلم والدعاة، بل ومن عامة المسلمين الذين يملكون الاستعداد لفعل أي شيء، وهنا يأتي دور التخطيط لمواجهة كيد الأعداء، ودور العلماء والدعاة في رسم الخطط التي تواجه كيد العدو على كافة المستويات،ولا شك أن المسلمين يحتاجون إلى مثل هذا.

    1.   

    كيف تواجه التهم ضد الدعاة

    السؤال: من أساليب خصوم الدعوة -كما تعلم- في تشويه صور الدعاة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، أن توجه إليهم بعض التهم المالية والأخلاقية، وغير ذلك من التهم، فما رأيك في هذه القضية؟ وما واجب الدعاة تجاه هذا الأمر لأخذ الحيطة؟ وما واجب عامة الناس في مقابلة هذه التهم؟

    الجواب: أيضاً هذا السؤال حقيقة في غاية الأهمية، فهو أنموذج عملي واقعي، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث رمته الدنيا عن قوس واحدة، وألصقوا به كل التهم: المالية والأخلاقية واتهامه في مقاصده ونياته، إلى غير ذلك.

    ومع ذلك استطاع عليه الصلاة والسلام، بتوفيق الله وتسديده، ثم بصبره وسلوكه الطريق الصحيح، أن يتغلب على كل هذه الأشياء، وأن تتحول الآلة الإعلامية للكفار إلى آلة غير مؤثرة. لماذا؟

    أولاً: لأن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم كانت شخصية واضحة، غير قابلة لإلصاق هذه التهم بها، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتحرك في الهواء الطلق -كما يقال- وكل ما عنده ظاهر ومكشوف ومعروف للناس.

    وشخصيته عليه الصلاة والسلام لم يتلبس بها ما يريب أو يعاب، حتى التصرفات التي فيها تأويل كان عليه الصلاة والسلام يتجنبها، مع أنه قد يكون التأويل أو بعض الأشياء التي يكون فيها تلميح للإنسان فيها متسع،كالمعاريض ففيها مندوحة عن الكذب، ومع ذلك، حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تجنبها.

    ولذلك لم يجد المشركون أي أمر يمكن أن يتعلقوا به في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فاضطروا إلى إطلاق تهم عارية عن الدليل، فقالوا: هو ساحر، وشاعر، وكذاب، وكاهن... إلى آخره، والناس الذين رددوها هم أول من يدري أنها كذب، وجمهور الناس حين سمعوها، لم يستطيعوا أن يصدقوها وهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يجدون في شخصيته ما يمكن أن يصدق ما قيل عنه.

    ولذلك على الداعية:

    أولاً: أن يدرك أنه عرضة لهذه الأشياء، فعليه أن يحرص قدر المستطاع أن تكون شخصيته واضحة نظيفة، بعيدة عن أي أمر يمكن أن يتعلق به الخصوم.

    ثانياً: إن على الدعاة أن يحرصوا على إيضاح الصورة الحقيقية للناس من خلال وسائل إعلامية مكافئة وقوية وتقوم بهذا الدور، وتخاطب جماهير الأمة، بحيث لا يحال بين الأمة وبين دعاتها بأصوات غير نظيفة، ولا مخلصة ولا صادقة.

    ثم على الدعاة أن يربوا الناس على التثبت والتبين في الأقوال والأخبار، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] بحيث تملك الأمة منهجاً واضحاً صحيحاً في غربلة الأخبار والإشاعات والكتب والأقاويل والتهم، ومعرفة الحق منها والباطل، وعلى كل حال فإن عندنا نص من كتاب الله تعالى، يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] فمتى ما كان الدعاة مؤمنين صادقين مخلصين، ويريدون وجه الله والدار الآخرة؛ فلا عليهم أن يقول الناس فيهم ما قالوا.

    ومهما ضج الباطل فإن دولته ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، قال الله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] وكم من تهمة قيلت وتحدث الناس بها، وروجوا لها، ولكنها ولدت ميتة، ولهذا بمجرد أن تخلت عنها الأجهزة والأشخاص الذين كانوا يروجون لها سقطت ميتة، وبقي الحق شامخاً لا تؤثر فيه تلك العوادي.

    1.   

    أهم مظاهر العلمانية

    السؤال: ننتقل إلى موضوع آخر، ويبدو أننا في كثير من الأسئلة نثير بعض الهموم، ولكن هذه هموم الأمة، ونسأل الله تعالى أن يقودها إلى طريق النصر.

    ماهي أهم مظاهر العلمنة في الوقت الحاضر؟

    الجواب: العلمنة في الوقت الحاضر تتجلى في مظاهر كثيرة تسير جنباً إلى جنب، وبشكل عام: محاولة نقل واقع الأمة إلى واقع غير إسلامي، والحيلولة بين الإسلام الصحيح وبين واقع الأمة في كل مجالاتها.

    فلم تعد العلمنة اليوم مقصورة على جانب معين، يمكن أن يتحدث عنه، بل من الواضح أن هناك خططاً للعلمانيين في أنحاء العالم الإسلامي؛ لمحاولة حصر الإسلام في زاوية ضيقة، لا أقول في مسجد، بل في زاوية ضيقة من المسجد، لأنه حتى المسجد يحاول العلمانيون حصر المسجد في أدوار محدودة، والحيلولة بينه وبين دوره التاريخي، الذي كان يقوم به ولا يزال -بحمد الله- يقوم به إلى حد بعيد.

    فـالعلمنة اليوم ليست محصورة في مجال معين، بل هي حركة تستهدف حياة الأمة، والحيلولة بين الأمة الإسلامية وإسلامها.

    1.   

    المتعاطفون مع العلمانية

    السؤال: إذاً نحن نقول هنا -طارحين تساؤلاً يقوله بعض الناس-: إن الدعاة يبالغون أحياناً ويهولون من موضوع العلمانية ودورها في عالمنا الإسلامي، وفي البلاد الإسلامية، نقول هذا القول ونوجهه على شكل سؤال إلى الشيخ سلمان، فما إجابته؟

    الجواب: أنا لا ألوم من يطرح مثل هذا السؤال؛ لأنه أحد صنفين من الناس.

    إما أن يكون إنساناً يعيش غيبة عن الواقع، ويعيش في قرن مضى، أو يعيش في أحلام قادمة، فهو لا يعيش الواقع، ولذلك يستغرب الحديث عنه، وكم من إنسان يستفظع ويستعظم كلاماً،فإذا ذكرت له تفاصيل عاد فحملها أكثر مما كان ينكر من قبل.

    والنوع الثاني من الناس: هم أولئك العلمانيون، أو أولئك المتأثرون بهم، ممن يحاولون أن يخفوا حركاتهم، ويعملوا في الظلام بعيداً عن العيون،وبعيداً عن محاولة كشف خططهم وألاعيبهم، وبالتالي يشيرون بأصابع الاتهام لكل من يتحدث عنهم بأنه يبالغ، لأنهم يريدون أن يتحركوا.

    ومن الخطط الأساسية التي يتكلمون عنها -وبالأمس كان في يدي قصاصة من جريدة خارجية تتكلم عنها- أن التغيير يجب أن يكون بالتدريج، إذاً هم يؤمنون -الآن- بأن التغيير يجب أن يكون بالتدريج، وألاَّ يواجه المجتمع صراحة بأشياء كثيرة قد تستفز مشاعر المجتمع، ومعروف كيف يكون التدريج في مثل هذه الأمور، لا أعلم كيف يتصور الناس مثل هذا الأمر؟ على رغم الواقع الذي وجدنا فيه أنه حتى المسلم العادي، أصبح يشكك في أشياء كثيرة من واقعه، ومدى ارتباطها بالإسلام، وما ذلك إلا بتأثير لوثات علمانية عامة أصبح الناس يتنفسونها مع الهواء.

    1.   

    النصيحة ومفهومها الشرعي

    السؤال: إزاء هذه الأمور والقضايا التي تحيط بالأمة، والتي تجري في واقع العالم الإسلامي، نحن نعلم أنه -شرعاً- لا بد أن يكون للنصيحة دورها في هذا المجتمع، ولكن من خلال استقرائنا جميعاً، أن مفهوم النصيحة في الإسلام قد اختلط في هذا الزمن عند كثير من المسلمين مع مفهوم المعارضة المفهوم عند الغرب، فأخذوا يخلطون بين المفهومين، وينسون أن النصيحة أمر مشروع بالنسبة للمسلمين، فنريد من الشيخ سلمان -جزاه الله خيراً- أن يجلي هذه النقطة، حتى يعرفها الإخوة المستمعون حق المعرفة؟

    الجواب: لعل هذا نموذج -ذكرناه قبل قليل- من اختلاط المفاهيم وتأثير العلمنة في مفاهيم المسلمين العامة؛ لأن النصيحة أصل في الدين، حتى الذين يكتبون في العقائد، يذكرون وجوب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

    والله عز وجل ذكر في كتابه من صفات المؤمنين: إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:91] والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث تميم بن أوس في مسلم: {الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة} فهي أصل، ومع ذلك فهي أصل عملي درج عليها المسلمون منذ أبي بكر رضي الله عنه إلى يوم الناس هذا: أن كل فرد مسلم مطالب بالنصيحة: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

    فبالدرجة الأولى تكون النصيحة لمن ولي أمراً من أمور المسلمين، إذ أن النصيحة حينئذٍ تكون ثمرتها أكبر وأعظم، والمسئولية على الجميع في التوجيه والتصحيح، فهذا أصل شرعي ثابت مطرد مستقر، لم يتخل المسلمون عنه يوماً من الأيام، وكانوا يسلكون كافة الوسائل لهذا الأمر، والحديث في تفصيل الوسائل يطول.

    وبالمقابل، المسلمون اليوم بُلوا بحملات تغريبية وجهود للعلمنة، تحاول أن تنقل واقع المسلمين إلى الغرب. فمن جهود العلمانية: محاولة إثارة قضية المعارضة لتكون بديلاً عن النصيحة، فهم:

    أولاً: يعتبرون المعارضة لذات المعارضة، فهناك جهات -أو ما يسمونها أحزاباً- موقفها موقف المعارضة، وقد تكون القضية تمثيلاً في بعض الأحيان، وقد تكون حقيقة، لكن هذه الأحزاب تحرص على كشف عيوب الآخرين، وعلى التماس العيوب لهم، بل ربما تجعل من أمور فعلوها عيوباً ولو لم تكن كذلك إلى غير ذلك، مما يعرف في تاريخ الغرب المعاصر، وهكذا الحال بالنسبة لعدد من الدول الإسلامية.

    أما في نظام الإسلام، فليس هناك حاجة إلى شيء اسمه المعارضة، لأن عندنا النصيحة هي البديل الشرعي، فالناصح ليس معارضاً لك، ولا يعني أنه ضدك، فهو ينصح لأنه يرى أن هذا خطأ ينبغي أن يصحح، وهذا صواب متروك يجب أن يفعل. ولا يمنع أنه بعد حين، يأتي ليقول: إن هذا الفعل -فعل آخر- إنه صواب يوافق مادل عليه الكتاب والسنة، أو إن هذا الأمر الذي تُرك إنه -فعلاً- خطأ تُخلي عنه. فليست القضية قضية مبدأ، أن الإنسان يجب أن يكون مبدؤه مبدأ معارضة، بل القضية قضية النصيحة، التي تعني تصحيح الصواب وكشف الخطأ.

    1.   

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمفهوم الشرعي

    السؤال: بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أيضاً يرتبط في أذهان بعض الناس في هذا الزمن، بقضية إثارة الفتنة والخروج، فنريد أن توضح هذه النقطة أيضاً؟

    الجواب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو جزء من النصيحة، بل هو جزء لا يتجزأ من حياة الأمة ومقوماتها، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110] بل إن الأمة في مجموعها! يجب ويتحتم عليها أن يوجد فيها فئة أو طائفة أو أمة تقوم بهذا الدور.كما قال الله عز وجل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] فهو فرض على الأمة بالإجماع، إما فرض عين على الأفراد، وإما فرض كفاية على الأمة بمجموعها.

    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يأخذ صوراً شتى، فقد يُنصح المنصوح سراً، وقد ينصح علانية، وقد ينصح بالقول، وقد ينصح بالفعل،وقد يؤمر باليد، أو باللسان، أو بغير ذلك من الوسائل التي ذكرها أهل العلم، وفصلوا فيها.

    ولا يرتبط هذا بقضية الفتنة، بل إن الفتنة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال الله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:49] فالذي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الذي وقع في الفتنة ودعا إليها، لأن الفتنة هي أن تترك الأمة مميزاتها ومقوماتها لتتحول من أمة مسلمة إلى أمة تأتي إلى الشرق والغرب، فتأخذ ما سقط من فتات موائدهم وحثالات أفكارهم، وتتلمذ على مناهجهم، وتتخلى عن سر تميزها وقوتها وبقائها، وهو إيمانها والتزامها بهذا المبدأ، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    لأن هذا معناه عندنا -وعند كل من يؤمن بالله ورسوله وما جاء به- أن الأمة تسير إلى الهاوية، وتسير إلى العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. فمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ سلط الله عز وجل عليه من الآفات والمصائب- في المال وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي الأمور المختلفة، وفي عدم إجابة الدعاء، وفي التفرق والتشتت، وفي التناحر الداخلي، وفي كثرة الآلام والمصائب والنكبات، وفي تسليط الأعداء الخارجيين- ما لا قبل لهم به.

    والعاصم من هذا كله -بإذن الله تعالى- هو إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما كانت ثقيلة على النفوس.

    1.   

    المناظرة وفائدتها وشروطها

    السؤال: بالنسبة لأسلوب المناظرات بين الدعاة وغيرهم، ما رأيك فيه من حيث جدواه وفائدته؟

    الجواب: المناظرة ثابتة في كتاب الله عز وجل، كما ذكر الله عن إبراهيم في قصة مناظرته مع الرجل الكافر، قال تعالى: قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258].

    فهي مناظرة بين إبراهيم عليه السلام وهذا الرجل الكافر النمرود، وكانت نتيجتها أن الله أظهر حجة إبراهيم، وبهت الذي كفر.

    فهي من حيث المبدأ لا حرج فيها، بل هي وسيلة من وسائل الدعوة الثابتة، التي لها ما يشهد في الكتاب والسنة.

    لكن لا شك أن المناظرة مرهونة بمجموعة من المقومات، إذا وجدت كانت المناظرة نافعة، منها:

    أولاً: أن يكون المناظر قوي الحجة، وإلا فقد يظهر عليه خصمه لضعف حجته، أو ضعف بيانه، فيلتبس الحق بالباطل، ويظن الحضور أو المستمعون أن الحق مع ذلك الكافر أو المبطل.

    ثانياً: أن تكون المناظرة في مسائل اشتهرت وانتشرت عند الناس، أما أن تكون المناظرة هي السبب في إشهارها ونشرها، فهذا لا حاجة إليه.

    فقد يكون هناك جمهور عريض من الناس، لم يسمع أصلاً بالشبهة، وليس بحاجة إلى ردها، فهذا لا حاجة إليه.

    1.   

    دور المرأة المسلمة

    السؤال: المرأة المسلمة، ما رأيكم في دورها الذي يمكن أن تقوم به في هذه الأزمة التي تعيشها الأمة؟

    الجواب: دور المرأة في الدعوة يبدأ مع دور الرجل تماماً، فالرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة، في أول صحيح البخاري، حين ذكرت نـزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء إلى خديجة، فذكرته وذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وكانت تقول له: {أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً } فبدأ دور المرأة متزامناً مع دور الرجل، وكان دورها التثبيت والتقوية، والنصيحة والمشورة والحماية والمشاركة.

    وكل هذه الأدوار نحتاجها من المرأة المسلمة اليوم، خاصة ونحن ندرك أن المرأة المسلمة والمجتمع المسلم البيت المسلمة، يتعرض لحملات شرسة من الأعداء، والمرأة هي الهدف الأول لسهام الأعداء الداخليين والخارجيين،ولهذا فإن العناية بالمرأة وتوعيتها،وقيام الفتاة المسلمة بدورها الدعوي والإصلاحي، ووجود من يعتنين بذلك، ويتخصصن له، ويبذلن في سبيله الغالي والنفيس، هذا أمر أصبح ضرورة لا خيار لنا فيها بحال من الأحوال.

    1.   

    واقع الصحوة الإسلامية

    السؤال: بالنسبة إلى الصحوة الإسلامية.. تحتاج منا إلى وقفة، فلو تحدث لنا الشيخ سلمان عن أسباب هذه الصحوة، وعن الواقع الذي تعيشه وتقويمه لهذا الواقع؟

    الجواب: بالنسبة للأسباب؛ فالصحوة هي الأصل، والانحراف هو الطارئ، فالصحوة لا تحتاج إلى البحث عن الأسباب، إنما الذي يحتاج إلى البحث عن الأسباب هو الانحراف الذي كان في الماضي في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وفي معظم قطاعات المجتمعات الإسلامية. فذلك الانحراف هو الذي يحتاج إلى البحث عن أسبابه؛ لأنه خروج عن الخط الأصلي الذي تميزت به هذه الأمة.

    ولا شك أن هناك خط انحراف تاريخي طويل، أدى إلى ما وصلت إليه الأمة، فصحت الأمة بعض الشيء على نفسها، وهي في أحضان الأعداء،والسهام مصوبة إليها من كل جانب، فبدأت تدرك أنه لا يمكن أن تتخلص من كيد أعدائها وتحتفظ بنفسها، إلا من خلال الرجوع إلى مقوماتها الأصلية.

    فهي لا تستطيع أن تواجه العدو بفكر العدو نفسه، ولا يمكن أن تواجه العدو إلا وهي أمة مستقلة، وإلا معنى ذلك أنها سوف تذوب وتصبح جزءاً من أعدائها، كما ذابت أمم كثيرة لما حاول أعداؤها أن يدخلوها ضمنهم، وسيطروا عليها،وهيمنوا عليها، واكتسحوها، فضاعت حضاراتها وضاعت مقوماتها، وضاع تاريخها، فأصبحت جزءاً من عالم آخر. أما الأمة الإسلامية، فإن هذا لا يمكن أن يكون بالنسبة لها، ولا يمكن أن تستأصل وتكون جزءاً من أمة أخرى.

    ولذلك تعود إلى مقوماتها الأصلية، إلى دينها، وعقيدتها الصحيحة، كلما تعرضت لهجمات العدو، وهذا الذي حصل بالنسبة للصحوة الإسلامية.

    1.   

    بعض سلبيات الصحوة

    السؤال: ما هي سلبيات الصحوة؟

    الجواب: في الواقع أن الصحوة تعتبر بداية مشجعة؛ ولذلك فمن الطبيعي أن يكون ثمة سلبيات كثيرة، لعل منها أن هذه الصحوة ما زالت لا تخاطب كل طبقات المجتمع، ولعل من سلبياتها: أن هذه الصحوة، أو الدعوة الإسلامية بشكل أصح وأوسع، لا تملك من الوسائل الإعلامية ما يكافئ ويقاوم قوة العدو.

    ولعل من سلبياتها أيضاً: ضعف التعليم، ولعل هناك نوعاً من التخبط، لأننا ما زلنا في البداية،ولذلك تجد الدعاة إلى الله عز وجل لا يملكون مناهج صحيحة، ولا يملكون مناهج مكافئة، ولا يملكون من ذلك إلا القليل، ومع ذلك ينبغي أن يكون عندنا ثقة بالله عز وجل، وأمل كبير في مقبلات الأيام.

    1.   

    مستقبل الصحوة الإسلامية عقبات على طريق الصحوة

    السؤال: ما مستقبل الصحوة الإسلامية؟ وما المحاذير والعقبات التي تقف في طريقها من وجهة نظر الشيخ سلمان العودة؟

    الجواب: بالنسبة لمستقبل الصحوة، وهو مستقبل الإسلام أيضاً، فهو من جهة: مستقبل مضمون، وأعجب كيف يقلق قوم بين أيديهم كتاب الله عز وجل الذي يقول: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33] ويقول: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:55] ويقول: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] ويقول: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] إلى آخر حشد هائل من النصوص، وأحاديث من السنة، تؤكد أن الأمة باقية والإسلام باقٍ: {بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر } فالمستقبل لهذه الأمة ولهذا الدين ولهذه الصحوة بلا شك.

    لكن هذا المستقبل؛ قضى الله تعالى وقدرَّ، أنه يتم من خلال جهد الناس وتضحيتهم وعرقهم وسهرهم وجهادهم، والله تعالى قادر على أن يكون ذلك بواسطة ملائكة ينـزلون من السماء، لكن شاء جل وعلا أن يكون هذا أثر من جهود الناس الذين ابتلاهم واختبرهم بهذا، لذلك فمن البدهي أن نقول: إن المستقبل لهذا الدين ولهذه الأمة، وللإسلام.

    وقد يكون في الطريق عقبات كثيرة ومتاعب ومصاعب، كما قال عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا [التوبة:16] وذكر في آيات كثيرة الابتلاء وأنه سنته في خلقه. فهناك محاذير وعقبات تواجه الدعاة إلى الله عز وجل، وقد تؤخر أو تؤجل من النصر الذي يمكن أن يحصل عليه المسلمون.

    ومن أهم هذه المحاذير: التفرق، فإن الله عز وجل قال: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] فإن التفرق والشتات من أهم أسباب الفشل، وذهاب الريح، وتسليط الأعداء، قال الله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65] إذ أنه يفتت الجهود ويشتتها، ويضرب بعض الدعاة ببعض، ويحول الجهد بدلاً من أن يكون مضاعفاً ضد العدو، إلى أن يكون العدو بعافية وبمنجاة، والجهد يضرب بعضه بعضاً، فيحطم بعضه بعضاً.

    ومن أهم المحاذير التي تخشى دائماً وأبداً: أن يندفع الدعاة إلى الله عز وجل والمؤمنون بعواطفهم قبل أن يحتكموا إلى منطق العقل، وقبل أن يستشيروا من هم أوسع منهم علماً، وأوضح منهم وأكثر وعياً، وأكثر قدرة على تصور الأمور ومعرفة النتائج والإيجابيات والسلبيات.

    إن مما نواجهه ونجده عياناً: أن الصحوة في أكثر من بلد إسلامي، أينعت وكادت أن تصل إلى حد أن تقطف الثمرة، ويحقق الله لها خيراً كثيراً، ويكون لها مكانة بين الناس، وتصل إلى كل بيت وإلى كل شخص. ولكن يكون هناك تحرك غير مدروس، أو يكون هناك تسرع، أو يكون هناك استجابة لبعض دوافع الاستفزاز، أو يكون هناك انفعالات تدعو إلى الدفاع، وتدعو إلى تصرف طائش، وتدعو إلى استخدام القوة في غير أوانها، أو في غير مكانها، وبأسلوب غير مناسب وممن لا يملك مثل هذا الحق، فتؤدي إلى أن تكون هذه عقبات في طريق الصحوة.

    وقد يخسر الدعاة شيئاً كثيراً دون أرباح تذكر، وما السبب إلا أنهم استجابوا لنوازع ودوافع واندفاعات، وربما الواحد منهم يريد أن يعبر عن شعور في نفسه، أو عن غضب، أكثر مما يبحث عن عز ونصر للإسلام والمسلمين.

    وأعتقد أن قضية الدعوة إلى الله عز وجل، ليست تنفيس عواطف، ولا مسألة تفريج انفعالات يحسها الإنسان، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} فليجرب الداعية نفسه، هل هو فعلاً وقاف عند حدود الله تعالى؟

    إذاً: قد يبلغ به الانفعال ذروته وأوجه، ومع ذلك يمسك ويلجم نفسه بلجام التقوى، والخوف من الله تعالى، فلا يتحرك إلا حيث يعتقد أن الشرع يريد منه أن يتحرك، ولا يندفع أي اندفاع يعتقد أنه يضر بالدعوة، وأحياناً شدة الاندفاع قد تجعل الإنسان يعمى، حتى عن معرفة النتائج وحسن تقديرها.

    وأعتقد أن من أعظم المخاطر والمحاذير والعقبات، التي نستطيع أن نقول: إنها أثرت تأثيراً بالغاً في مسيرة الدعوة الإسلامية في أكثر من بلد هي الاندفاعات غير المدروسة، واستخدام القوة بأساليب ليست شرعية ولا يقرها النظر الصحيح، بل إن النتائج تؤكد أن آثارها السلبية كبيرة، ونتائجها الإيجابية إن لم تكن معدومة، فهي ضئيلة جداً.

    فما أحوج الدعاة إلى الله عز وجل، أن يتذرعوا بالصبر والحلم وسعة البال وطول النفس، وإذا أشكل عليهم أمر أن يرجعوا إلى علمائهم، وإلى من هم أقدم منهم وأوسع علماً، ويستنيروا بالآراء، والعاقل من حنكته التجارب، ومن اتعظ بأمسه ليومه.

    فهذه من أعظم المحاذير التي يُخشى على مستقبل الصحوة الإسلامية منها.

    أما إذا سلكت الصحوة الإسلامية أسلوب الحكمة،وأسلوب الدعوة الهادئة، فأعتقد أن النفوس تملك قدراً كبيراً من التأهيل لقبول ما لدى الدعاة، ولسماع كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستفادة من الموعظة، ومن الحكمة.

    وهناك مؤشرات كبيرة تدل على هذا منها: قرب النفوس من الخير، واستعدادها لذلك.

    فأرجو الله عز وجل وأسأله أن يجنب شباب الصحوة وشباب الدعوة مثل هذه المزالق والمنعطفات، التي لا تعود عليهم بمصلحة، لا في دينهم ولا في دنياهم.

    وكم من إنسان يذهب من هذه الدنيا، يعتقد أنه مجاهد وموحد، لكن قد يكون مأزوراً غير مأجور، لأنه ما حسب حسابات صحيحة، ولا درس الأمور دراسة صحيحة، ولا عمل بما يقتضيه الشرع، وما تمليه العقول السليمة، فأدت إلى نتائج أضرت به وبدعوته.

    1.   

    الجزيرة العربية وبعض مميزاتها

    السؤال: الجزيرة هي بلد الإسلام، وقلعته الأولى، هذا ما تطرحونه دائماً يا شيخ سلمان في بعض أحاديثكم ومحاضراتكم وندواتكم، وهو بلا شك رد على كثير ممن يريدون أن ينالوا من هذه القلعة، فهل يمكن أن تذكر لنا ما تتميز به هذه الجزيرة؟

    وما يجب على أبنائها من عمل في سبيل حماية دينها وكيانها؟

    الجواب: بالمناسبة أذكر أنني قرأت في إحدى المجلات، في مقابلة مع أحد قادة التحالف، أنه سئل عمَّا لاحظه في هذه الجزيرة، فكان يقول: إنه مضطر إلى أن يعترف بأن هناك عناية إلهية تحمي هذه الجزيرة، وأن الله تعالى يدافع عن أهلها، فهو قال كلاماً هذا معناه.

    وأعتقد أن هذا كلام صحيح، والعدل ما شهدت به الأعداء، فلا شك أن هذه الجزيرة هي أرض الإسلام ومنطلقه، وإليها يجتمع وينظم ويأوي مرة أخرى، وكل الفتن التي تعم المسلمين إذا وصلت إلى هذه الجزيرة تحطمت ولا أدل على ذلك من أعظم فتنة؛ فتنة المسيح الدجال، يبدأ العدد التنازلي عنده عندما يصل إلى المدينة المنورة، فيخرج إليه الرجل الصالح، ويفضح أكاذيبه، فيظل في تأخر وتراجع حتى يقتل في الشام، كما هو معروف في الروايات الصحيحة.

    فهذه الجزيرة هي قلعة الإسلام وأرضه،وإليها يأوي مرة أخرى، وفيها البلاد التي اختارها الله عز وجل، كـمكة والمدينة، وهناك أحاديث وآثار أكثر من أن تذكر.

    في هذه البلاد تتميز الدعوة الإسلامية بمميزات، قد لا توجد في أي بلد آخر، لعل من أهمها: أن هذه الدعوة مرتبطة بالمشايخ والعلماء وطلبة العلم المعروفين، فهي ليست مبتوتة عنهم، أو هي طرف وهم طرف آخر، بل الكل نسيج واحد، لا يفترق بعضهم عن بعض.

    ولعل من آثار ذلك: أن الصحوة تميزت بأنها صحوة علمية شرعية، تعتمد على النص والدليل من الكتاب والسنة، فهي بعيدة عن اندفاعات العواطف الهوجاء، كما أنها بعيدة عن البدع والانحرافات والأخطاء.

    إضافة إلى أن هذه الصحوة، سلمت من ألوان التطرف الذي قد يكون حصل في أكثر من بلد، بل في أكثر من زمان ومكان، من حيث وجود نوع بما يسمى التطرف، واسمه الشرعي الغلو، أعني الغلو الحقيقي، ولا أعني الغلو الذي يلصقه بعض المغرضين بالإسلام وبالدعوة الإسلامية، من أجل تشويه الصورة، فيعتبرون أن الملتزم بالسنة، والعامل بالكتاب، الداعي إلى الله تعالى، متطرفاً مهما كان.

    حتى إنني قرأت في أحد المجلات في هذا الأسبوع، يقول: "إن المتطرفين قالوا كلاماً لم يُقل عبر التاريخ كله" فتعجبت وتساءلت في نفسي: ما هذا الكلام الجديد الذي لم يقله أحد عبر التاريخ كله؟

    فقال: "إنهم يقولون: إن سماع الموسيقى حرام" يا سبحان الله!! هذا الكلام لم يقل عبر التاريخ، دعك من قناعتك أنت، وإن كنت لست أهلاً لتَبُتَّ في قضايا شرعية، لكن إلى هذا الحد تتجاهل الحقائق!!

    إذاً: أنا لا أعني التطرف بمفهوم العلمانيين وأعداء الدين، إنما أعني التطرف والغلو الحقيقي الذي يحكم العلماء عليه فعلاً بأنه تطرف، مثل: من يكفر المسلمين أفراداً أو مجتمعات، فهذا لا شك أنه من الغلو، وهو من فكر الخوارج، وهو موجود في أكثر من بلد، لكن هذه البلاد حماها الله تعالى من مثل هذا التطرف، ووجود حالات فردية -مهما كان- لا تعتبر ظاهرة تستحق أن يشار إليها، وتكبر بحال من الأحوال، فهذه من المميزات.

    كما أن هذه الصحوة سلمت من الاختلافات التي توجد في بلاد أخرى كثيرة، فهي دعوة إلى الله عز وجل، تقوم على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعيداً عن تلاعب الأهواء، وبعيداً عن الدوران وراء أشخاص بأعيانهم، ولذلك نرجو الله تعالى أن تكون دعوة واحدة، لا يفرقها مفرق ولا يشتتها مشتت.

    فهذه بعض ميزات الدعوة الإسلامية في هذه البلاد، وتلك بعض ميزات هذه الجزيرة.

    1.   

    وسائل ترشيد الصحوة الإسلامية

    السؤال: عندما تحدثنا الآن عن الإيجابيات والسلبيات في الصحوة، وذكرنا أن هنالك محاذير وعقباتٍ، يخيل إلي أن الموضوع يدعونا إلى أن نوجه سؤالاً إلى الشيخ سلمان حول وسائل النهوض وترشيد هذه الصحوة، لتحقق الآمال المرجوة منها؟

    الجواب: الحقيقة إذا شعر المسلمون بأنهم هذه الصحوة، والصحوة هي هُم، وأنها جزء من مجتمعهم، فأعتقد أن المجتمع والأمة والصحوة إلى خير، لأن كل فرد سيجعل من همه تصحيح المسار، وتوجيه هذه الدعوة توجيهاً سليماً.

    الأب في بيته، والأخ والأخت، والقريب والبعيد، والكبير والصغير، والعالم والمتعلم، الجميع يتعاونون في هذا السبيل، فإذا حدث هذا؛ فهذا خير كبير للأمة وللمجتمع ولهذه البلاد دون شك.

    وعلى أي حال، فإن ترشيد هذه الصحوة، إضافة إلى أنه مسئولية الجميع، هو أيضاً مسئولية من يملكون القدرة على تصور الأمور تصوراً صحيحاً، ورسم الطريق الصحيح،وفهم الأشياء على ضوء الكتاب والسنة.

    إن ترشيد هذه الصحوة يعني ضرورة التوجيه الدائم للشباب؛ لأن الإنسان لا بد له من سير؛ فإن وجد الطريق الصحيح، ووجد من يدله عليه سار، وإن لم يجد الطريق الصحيح، فسوف يجتهد ويمضي، وقد يخطئ ويصيب، وقد لا يكتشف خطأه إلا متأخراً، بل قد يصعب عليه أن يتراجع عن خطأٍ أصر عليه سنين عدداً.

    ولذلك كان من هدفين اختيار سلسلة من الكتب، عنوانها: نحو ترشيد الصحوة، وقد خرج الكتاب الأول من هذه السلسلة، وهو بعنوان: من أخلاق الداعية، وقد ركزت فيه على عدد من الجوانب، خلاصتها: الدعوة إلى الاعتدال، إلى التوسط، والبعد عن الإفراط أو التفريط في كثير من الأمور، مما يضمن للداعية قدراً كبيراً من الانضباط.

    ولعل من القضايا الأساسية التي تحتاج إلى ترشيد هي: علاقة الشاب الداعية أو طالب العلم، أو الشاب المتدين، بالمجتمع، بأسرته وبوالديه وجيرانه وزملائه، وبالحي وبالبلد، بل بالمجتمع كله، فهذه من القضايا التي تحتاج إلى الكثير من التركيز.

    بمعنى: ألا نركز في ذهن الشاب المتدين، أنه طرف والمجتمع طرف آخر، وأن العلاقة بينهما علاقة تباعد وتضاد، كلا، بل نشعر هذا الشاب بأنه عنصر إصلاح في هذا المجتمع، وأن دوره في الإصلاح إنما يتم من خلال إقامة الجسور مع هذا المجتمع.

    بالخلق الحسن، بالكلمة الطيبة، بتعميق الصلة بالناس، بتقديم الخدمات لهم، حتى في المجالات الدنيوية، بالخدمات لأهل البيت، وللإخوة وللأخوات، للجيران، إيصال الخير إليهم بكل وسيلة، فيكون أنموذجاً حياً لما يدعو إليه الإسلام، بحيث إننا سنستغني بذلك عن الكثير من الكلام الذي يقال في تلميع صورة الدعاة إلى الله تعالى، وسنستغني عن الكثير من الكلام الذي يقال في الدفاع عن الدعاة، وسنستغني عن كثير من الكلام الذي يقال في حماية أعراض الدعاة، أو رد بعض الإشاعات والأقاويل والتهم التي تحاك ضدهم. لماذا؟

    لأنه أصبح كل داعية وكل شاب متدين، أصبح أنموذجاً عملياً لما يدعو إليه.

    فهو وسيلة إيضاح واضحة، لا تدع لأحد مجالاً، بحيث إنه إذا وجد مجلس واكتظ هذا المجلس، تحدث هذا فأثنى على شاب طيب، وآخر أثنى وآخر... وقد يكون من بينهم مريض القلب، في قلبه مرض وحقد، لكن لا يستطيع أن يتكلم؛ لأنه يشعر أنه يسبح ضد التيار الذي تكلم فيه هؤلاء المؤمنون.

    فما أحوجنا إلى تربية الشباب المتدين على تمتين وتعميق الجسور والروابط مع المجتمع، والقيام بالخدمات التي يحتاجونها، حتى في المجالات الدنيوية، فضلاً عن المجالات الدينية، من إيصال الكتاب، والشريط، وإيصال المفهوم الصحيح، والفكرة الطيبة، وكل وسيلة من شأنها أن تحقق هذا الهدف. والحقيقة هذا الموضوع مهم، وكم كنت أتمنى أن يكون موضوعاً لمحاضرة أو درس، عسى الله تعالى أن يوفق لذلك، لكن -على الأقل- نلقي هذه الإضاءة السريعة.

    1.   

    أهم مظاهر غربة الدين ووسائل رفع هذه الغربة

    السؤال: من خلال سلسلة الغرباء، التي أصدرتموها، ما أهم مظاهر غربة الدين، وما وسائل رفع هذه الغربة في نظركم؟

    الجواب: تحدثت في الجزء الأول عن مظاهر غربة الدين في العصر الأول، كما أنوي الحديث في سلسلة رقم [3] عن وسائل دفع ورفع هذه الغربة، وفي العدد الخامس منها -إن شاء الله تعالى- سيكون الحديث عن الغربة المعاصرة وأهم مظاهرها، ووسائل دفعها أو مدافعتها.

    وهذا العدد الخامس هو لا يزال في طور الإعداد، وهو يحتاج إلى وقت كبير، لكن من أهم مظاهر غربة الدين في هذا الوقت، وما أكثر مظاهرها:

    أولاً: ما أشرنا إليها قبل قليل من قضية العلمنة، التي غزت العالم الإسلامي، بحيث أصبح الدين في نظر كثير من الناس، وفي واقع الحياة، معزولاً عن جوانب كثيرة من شئون الحياة، لا يستشار فيها، وإن استشير فإنما يستشار لتقرير أمر معين يراد أن يكون.

    فهذا جانب من مظاهر غربة هذا الدين، حيث أصبح بدلاً من أن يخدم أصبح يستخدم في جوانب معينة، ويعزل عن أكثر جوانب الحياة.

    ثانياً: الجهل بقضية الإسلام، أصولاً وقواعد، الجهل بالعقيدة الصحيحة، غلبة البدع المنحرفة: الصوفية، والرافضة، والبدع الاعتقادية الأخرى، أما البدع العملية فحدث ولا حرج، وتضرب في طول البلاد وعرضها، فتجد أن هذه الأشياء أصبحت جزءاً من الدين، يتدين به جماهير المسلمين وعامتهم في بلاد كثيرة دون أن ينكرها أحد، بل إذا همَّ أحد بإنكارها اعتُبر أنه يغير السنة، وهذا يذكرنا أيضاً بكتاب من الكتب المخطوطة في موضوع الغربة، اسمه: بيان غربة الإسلام في بلاد مصر والشام وما حاذاهما من بلاد الأعجام.

    ويتحدث هذا الكتاب بالدرجة الأولى، عن قضية الصوفية وانتشارها وتغلغلها في فترة تاريخية مضت -في فترة بعيدة- فما بالك في هذا الزمان، والله المستعان.

    1.   

    واقع الأمة الإسلامية اليوم

    السؤال: عندما نفتح بوابة للتأمل على واقع الأمة الإسلامية في هذا الزمن، فما الذي سيقوله الشيخ سلمان العودة في وصفه لهذا الواقع؟

    الجواب: واقع الأمة الإسلامية، أصبح على سبيل الإجمال ليس بحاجة إلى بيان، فإن كل فرد منا يعيش هذا الواقع، ولعل من إيجابيات هذا الواقع: أنه لم يعد هناك أحد مقتنعاً بصلاحية هذا الواقع للبقاء والاستمرار، فقد وصل الواقع في الأمة الإسلامية من التردي إلى الحد الذي أصبح الجميع مقتنعين بأنه واقع متردٍ يجب أن يتغير، فيكفي هذا وصفاً لهذا الواقع، فهو نهاية مجموعة من الإحباطات، ومجموعة من حالات الفشل والتأخر عن دين الله عز وجل، والانفلات من قيم الدين وأحكامه، حتى الانفلات، من مصالح الدنيا التي يحتاج الناس إليها وهذا نتيجة طبيعية لترك الدين، ونرجو أن يكون هذا بداية للتصحيح، فإن الأمر إذا بلغ نهايته، معناه بداية صفحة جديدة، يرجى أن تكون أفضل مما كان عليه الحال.

    1.   

    أخطر الأعداء

    السؤال: هنالك بعض النقاط حول واقع الأمة الإسلامية، نستأذنكم بأن نطرحها بشكل سريع؛ منهم أخطر أعداء الأمة؟ وما وسائلهم في تفريقها وتمزيقها من وجهة نظركم؟

    الجواب: أخطر الأعداء ذكرهم الله تعالى في كتابه: وهم اليهود، فـاليهود أخطر الأعداء، وأشدهم عداوة، وأعظمهم مكراً وكيداً، وإن كانوا يكيدون على التقية والخفاء، فهم لا يستطيعون مواجهة الأمة في وضح النهار، إنما من وراء الأستار يكيدون ويدبرون، ولهذا لا يحتفظ التاريخ بمعركة فاصلة مع اليهود للمسلمين قط، إنما يحتفظ بمناورات ومحاورات وكيد خفي، ولا يزال الكيد موجوداً إلى اليوم.

    وبقي أن نعلم أن هناك معركة قادمة، شاء الناس أم أبوا مع اليهود، كما حدد الرسول صلى الله عليه وسلم مكانها على نهر الأردن، كما في حديث نهيك بن صريم، وهذه المعركة آتية لا ريب فيها.

    وفي حديث في الصحيحين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: {أن المسلمين سوف يقاتلون اليهود، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله} فخطر اليهود هو أعظم خطر على الأمة الإسلامية.

    العدو الثاني: النصارى، وهم أيضاً عدو تاريخي كبير، وملاحهم مع الإسلام في الماضي والحاضر والمستقبل معروفة، وامتلأت بها صفحات كتب التاريخ.

    العدو الثالث: المشركون والوثنيون، ويدخل فيهم الملاحدة الشيوعيون ونحوهم، وهؤلاء أيضاً عدو شديد العداوة.

    والعدو الرابع: هم المنافقون، ولعل المنافقين هم من أخطر الأعداء؛ لأنهم يتعاونون مع كل عدو ضد الإسلام والمسلمين، ولأنهم مندسون في الصف، وتمييزهم صعب، وهم يعتبرون جزءاً من الأمة، ويتسمون بأسماء المسلمين،وقد يكون لهم من القدرة على التأثير والتغيير والإفساد ما ليس للعدو البعيد المتميز.

    فهذه أبرز أعداء هذه الأمة، وينبغي أن نعلم أن هذه الأعداء جميعاً تتحالف بعضها مع بعض ضد الإسلام.

    1.   

    من خطط الأعداء في تفريق الأمة الإسلامية

    السؤال: هنالك مقولات تفرق عادة بين المسلمين، وتنطلق من خلالها أخطار تحدق بالأمة، كأخطار القومية والشعوبية، كيف يمكن لك أن تحدد هذا؟

    الجواب: القومية والشعوبية، وجهان متقابلان في الظاهر، والقومية هي التي تغالي في تقدير قيمة العرب، والشعوبية هي التي تسقط العنصر العربي وتزدريه وتحتقره، وكلاهما انحراف عن الجادة، والعرب في ميزان الشعوب لهم ميزات وفضائل متى تمسكوا بهذا الدين، لكن إذا تخلوا عن هذا الدين فلا قيمة لهم ولا اعتبار.

    ويبقى أن من خطط الأعداء: تفريق المسلمين، لأنهم يدركون أنهم يستطيعون أن يقضوا على المسلمين متى ما أوجدوا الفرقة بينهم، فكل فئة يمكن القضاء عليها على انفراد، لكن لو واجههم المسلمون كأمة واحدة ولحمة واحدة؛ لعجز العدو عنهم.

    ولهذا فخطط الأعداء تبدأ بتفريق المسلمين بدعوات القومية ودعوات الشعوبية، فضلاً عن الدعوات الأخرى من الدعوات الأرضية، كـالبعثية واليسارية والماركسية وغيرها، حتى يفرقوا الأمة ويمزقوها، ويقطعوا أجزاءً وأوصالاً من جسدها، فجزء صار بعثياً، وجزء صار اشتراكياً، جزء صار شيوعياً، كل هذه أوصال انفصلت عن جسم الأمة الإسلامية، فإذا بقيت الأمة فرقوها بشتى الشعارات والآراء، حتى يقضوا عليها شيئاً فشيئاً.

    1.   

    منهج أهل السنة والجماعة في التغيير

    السؤال: إزاء هذا الواقع، ما منهج أهل السنة والجماعة في تغيير واقع الأمة إلى الأصلح؟

    وما وسائل تحقيق هذا المنهج؟

    الجواب: هذا السؤال مهم جداً، لأنه مجال أفكار وآراء كثيرة متباينة، وأعتقد -أيضاً- أن مثل هذا الموضوع ليس مجرد سؤال، بل هو موضوع كبير، وهو مما يحتاج إلى أن يتنادى إليه العلماء والدعاة والمصلحون في حلقات نقاش طويلة، ولو أمكن في بعض المؤتمرات التي تعقد في أكثر من مكان، أن يكون هذا من موضوعات البحث، بحيث تطرح فيه أوراق مختلفة، ويكون هناك نقاش للوصول إلى الأفضل.

    لكنني أود أن أشير إلى عدد من الكُتاب عُنوا بهذا الموضوع، ولا يمكن لمن يتكلم في هذا الموضوع؛ أن يتجاهل ما كتبه المفكر الجزائري المسلم: مالك بن نبي، فقد كتب عدداً من الدراسات، مهما يكن عليها من مآخذ وملاحظات، إلا أن فيها نفساً جيداً في قضية النظرة السليمة للتغيير -تغيير واقع الأمة- لأننا يجب أن ننظر للأمة على أنها كلُّ، وليست أجزاء.

    إذاً: التغيير يجب أن يكون تغييراً حقيقياً للأمة،وليس تغييراً شكلياً، والتغيير الحقيقي للأمة لا بد أن ينطلق من الإنسان، فإذا أفلحنا في تغيير الإنسان، معنى ذلك أننا أفلحنا في تغيير الأمة، وبدأت البداية صحيحة.

    ويكون التغيير بتغيير الإنسان عقدياً، وهذا التغيير العقدي بإصلاح عقيدته في الله وفي الملائكة، والكتب، والرسل، وفي البعث وفي كل قضايا الإيمان، وهذا التغيير يترتب عليه تغيير في سلوك الإنسان، ويترتب عليه تغيير في واقع الأمة بأكملها؛ لأننا نملك قناعة بأن هذه الأمة أمة عقدية، ومتى تخلت عن هذه الميزة فليس لها قيمة، فهي أمة عقدية.

    فلا بد أن ينطلق التغيير من الإنسان، الإنسان يجب أن يكون منطلقاً لهذا التغيير.

    يتساءل بعضهم عن عقبات وأوضاع كثيرة موجودة في واقع الأمة، وكيفية تغييرها.

    فنقول: هذه العقبات مرتبطة بأشخاص، وأفراد الأمة، والقرآن الكريم واضح كل الوضوح في الترابط الكامل بين جميع طبقات هذه الأمة، كالترابط بين الآباء والأبناء، وبين العالم والمتعلم، وبين الرجل والمرأة، وبين الحاكم والمحكوم فالترابط بين كل فئات المجتمع، وهذه قضية ثابتة في الشرع.

    وخذ على سبيل المثال، قول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] نولي أي: نجعلهم أولياء، والولاية في أصل اللغة العربية معناها: أن شيئاً يلي شيئاً، أي: أنه قريب منه، مقترباً منه، وموالياً له.

    إذاً هذا المجتمع الذي يوالي بعضه بعضاً، فكبيره يوالي صغيره، وحاكمه يوالي محكومه، وهكذا الرجل والمرأة، والعالم والمتعلم، إذاً: هذا المجتمع بينهم قاسم مشترك عام، وهو روح تسري في هذه الأمة، فمتى أمكن تغيير الفرد وبدأ تغيير الفرد بداية صحيحة، معنى ذلك أن هذه الأمة ستتغير لا محالة، وأن مقتضى عدل الله عز وجل أن الله تعالى يولي بعض الظالمين بعضاً، وكذلك يولي بعض الصالحين بعضاً، فيوم كان الناس في مثل حال عثمان وعلي وعمر والزبير وطلحة، كان على رأسهم مثل أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، ولما تردت أوضاع الناس؛ تردت أوضاعهم على كافة المستويات، على مستوى العالم، والمتعلم، وعلى مستوى الحاكم، والمحكوم، والرجل والمرأة.

    ومن الملاحظ أن الأمة من ضمن ما تعيش من آفات وأمراض وعلل؛ أنها دائماً تحاول أن تلقي بالمسئولية على الآخرين، ومن ضمن ذلك: أن الناس يلقون بالمسئولية على أي جهة، يمكن أن تتحمل الوزر عنهم في زعمهم مثلاً، فتجد أن العامة يلومون العلماء، وقد تجد من العلماء من يلومون العامة، وقد تجد من الرعايا من يلومون حكامهم، وقد تجد الحكام يلومون رعاياهم، أي أن هناك روح التلاوم الكبيرة، ولا شك أن نسبة الخطأ تتفاوت، فليست المسئولية واحدة.

    لكن من حيث مبدأ التغيير والإصلاح، إذا تصور شخص أن القضية هي إصلاح العالم فقط، أو إصلاح الحاكم فقط، أو إصلاح المرأة فقط، فإنه يكون مخطئاً، فلا بد من إصلاح المجتمع بأكمله، وبالتالي فإن المجتمع عبارة عن أفراد فلا بد من إصلاح الإنسان، والتركيز على الإنسان في بنائه وفي عقيدته، وفي تصحيح نظرته؛ لأن العقيدة منطلق لكل التصرفات، فتصحيح العقيدة يتبعه تصحيح كل تصرفات الإنسان.

    والكلام في هذه القضية لا شك يطول، بل إنني أعلم أن هنالك رسائل ماجستير ودكتوراه في مثل هذا الموضوع، لكن هذه على الأقل نظرة عابرة تتناسب مع ضيق الوقت.

    1.   

    آثار أزمة الخليج

    السؤال: أزمة الخليج المعاصرة، صورة من الصور الدامية في واقع هذه الأمة، ولا شك أن لهذه الأزمة آثارها التي ظهر بعضها، والتي ربما يظهر بعضها في المستقبل.

    فما تصوركم لهذه الآثار، وما توقعاتكم للآثار المستقبلية من خلال استقراء أحداث هذه الأزمة؟

    الجواب: في الواقع ينبغي أن نسأل أولاً: هل هي أزمة مبتوتة الأصل عن واقع الأمة؟ بمعنى أنها مجرد نـزوة من طاغية، أم أن الأمر مع ذلك وأكبر من ذلك.

    لا شك أن القضية نـزوة طاغية، هذا موجود، لكن لا أعتقد أن هذا الأمر بهذا التبسيط، ولعل هذا من عيوبنا في التفكير، فأحياناً قد نضخم القضايا أكبر من حجمها،حتى كأنها تستعصي على الحل، ثم نُهوِّنها من جهة أخرى حتى كأنها لا تحتاج إلى حل.

    فأعتقد أن القضية ليست قضية فردية، بل القضية تنبعث من مشكلة الأمة بأكملها، فهي أزمة ضمن أزمة أكبر منها، هي مظهر في الواقع أو عرض لمرض تعيشه الأمة، وهو غياب الإنسان، -كما ذكرنا قبل قليل- هذا نموذج.

    أزمة غياب الإنسان الفاعل المؤثر في الأمة، وبالتالي يمكن أن ينتهي دور حاكم العراق، ويأتي دور عشرات أمثاله، لماذا؟

    لأن غياب الإنسان الذي يقول له: لا، ويمنعه من الطغيان، ويمنعه من الاستبداد والاعتداء على حقوق غيره، ويمنعه من الظلم، غياب هذا الإنسان، هي الأرضية الخصبة التي يمكن أن ينبت فيها مثل هذا الحدث مرة أخرى أو يتكرر.

    إذاً هي جزء أو إفراز واقع الأمة، ولذلك فإن الآثار في اعتقادي باقية، ونسأل الله تعالى أن يقي الأمة شر أعدائها، وأن يكفيها كل من يريد بها سوءاً أو مكروهاً.

    وأما سبل الاستفادة من تلك الآثار والخروج منها، فلا شك أنه ما أنـزل الله من داءٍ إلا وله دواء، وأن سبل الإصلاح كثيرة، لكنها تحتاج إلى العزيمة الصادقة في إزالة الأسباب التي قد تُوجد مثل ذلك، فإذا أقبلت الأمة على الإنسان -ثروتها الهائلة المهدورة- تنمي فيه رجولته وكرامته وإنسانيته، وتحفظ له شرفه وقيمته وقدره، ولا تهدر ذلك على عتبة النفاق والتردد والمجاملة وإذا اعتبرت الأمة بأفرادها وبالبشر الذين هم جزء منها؛ فمعنى ذلك أن الأمة سلكت الطريق الصحيح للإصلاح، وهذا كله لن يكون ولن يتم إلا من خلال مراجعة المنهج الإلهي، والرجوع إليه، والتزام الناس بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في دقيق أمورهم وجليلها.

    1.   

    وضع الجهاد الأفغاني

    السؤال: ننتقل إلى سؤال آخر حول واقع الأمة الإسلامية، وهو سؤال يتعلق بالجهاد، فالجهاد في بعض الدول الإسلامية قائم وبحمد الله، ولو أخذنا مثلاً على ذلك أفغانستان؟

    فما تقويمكم لوضع الجهاد الأفغاني الآن؟

    الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر في أحاديث كثيرة؛ أن الجهاد ماض إلى قيام الساعة، ومصداق ذلك أن هذه الراية مرفوعة، كلما سقطت في بلد تلقفها آخرون، ولعل المجاهدين في أفغانستان ممن شارك في حمل هذه الراية، وإحياء هذه الشعيرة على مدى أكثر من عشر سنوات، وهذه منِّة كبرى من الله تعالى منَّ بها على أهل تلك البلاد.

    والجهاد الأفغاني أصبح مدرسة تخرج منها كثيرون، وتعلم منها المسلمون في أكثر من بلد كيفية صناعة العزة والكرامة، وكيفية رفض مؤامرات الأعداء، وكيفية التحرر من كيدهم ومكرهم،حتى استطاع المسلمون أن يؤثروا في واقع أكبر دولة في العالم، واقع روسيا الشيوعية.

    ولست أزعم أن سقوط روسيا هو بسبب الجهاد الأفغاني، فلا شك أن هذا زعم مفرط للخيال، ولكنني أعتقد أن للجهاد الأفغاني أثراً لا ينكر فيما حصل للشيوعية، فهو أحد الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها الشيوعيون.

    ومجموع هذه الأخطاء كان سبباً في سقوط الشيوعية في بلاد العالم، وتخلخل وضع الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية كما هو معروف، وتعرضها للانهيار الاقتصادي والسياسي الذي تعاني منه الآن.

    فالجهاد الأفغاني مدرسة استفاد منها المسلمون في أكثر من بلد، وفي كيفية إحياء شعيرة الجهاد، في كيفية مقاومة عدوهم، ولهذا فلا غرابة أن نسمع بأخبار الجهاد في إرتيريا وفي الفلبين وفي أكثر من بلد إسلامي.

    ولكن من الأشياء التي أتساءل عنها بدهشة، أن هذا الجهاد الذي عمره -كما ذكرت- أكثر من عشر سنوات، عدد من قتلوا -ونرجو من الله تعالى أن يكونوا شهداء في سبيله- قد يقارب المليونين، والأموال الذي بذلت فيه طائلة هائلة لا يقدرها إلا الله، العرق، الدموع، الدماء، السهر، تضحيات جسام، ألا تستحق هذه الجهود الجبارة، وهذه التضحيات الجسيمة، ألا تستحق من المسلمين نوعاً من المراجعة، ونوعاً من محاولة الدراسة لمعرفة الأرباح والخسائر، ومعرفة الخطأ والصواب، ومعرفة أسباب تأخر النصر، ومعرفة أهم العقبات والمعوقات، ومعرفة وسائل تحقيق النصر، ومحاولة تصحيح المسار، ومحاولة الاستفادة من الجهاد في أفغانستان؛ للجهاد في أي بلد إسلامي آخر، ومحاولة الاستفادة حتى لواقع الأمة الإسلامية؟

    أعتقد أن هذه الأسئلة وغيرها كثير لم يطرح إلى الآن، وهو في الواقع مدهش، فهو يدل على أن المسلمين يملكون التضحيات، لكنهم لا يملكون التفكير الجاد في كثير من الأحيان.

    فأقل ما يجب للجهاد الأفغاني على المسلمين والعلماء والمفكرين؛ أن يكون هناك مؤتمر، بل مؤتمرات أو دراسات -على الأقل- على صفحات المجلات والصحف، دراسات منصفة هادفة، يعنيها همُّ الإسلام، وليس يعنيها شيء آخر،ولا تنطلق من منطلق التشفي أو الوقيعة، أو أي منطلق غير شرعي، إنما تنطلق من منطلق النصيحة لله ورسوله، ثم النصيحة لهؤلاء المجاهدين، ثم النصيحة للمسلمين في كل مكان، تعمل على مراجعة المسيرة، ومعرفة أين أخطأنا وأين أصبنا، وما حجم أرباحنا، وما حجم خسائرنا، وكيف نستفيد من هذا الأمر للمستقبل!!

    أما أن نتعامل مع القضية بعاطفية محضة؛ فهذا لن ينقلنا من ورطة إلا إلى ورطة أخرى، ولن ينقلنا من مشكلة إلا إلى مشكلة أعقد منها.

    وأسأل الله تعالى أن يكلل جهود المجاهدين الأفغان بالنجاح، ويكلل جهود المجاهدين في كل مكان. وأثني على الانتصار والنجاح الذي حصل في رمضان، وهو سقوط مدينة خوست أحد أكبر المدن الرئيسية، في أيدي الإخوة المجاهدين.

    1.   

    ولاية الفقيه

    السؤال: مسألة ولاية الفقيه، أثارها بعض الناس، واتهم بعض الدعاة بالدعوة إليها، فما قول الشيخ سلمان العودة في هذه المسألة؟

    الجواب: الناس قد يتكلمون في أمور، لا يستطيعون أن يدركوا خلفياتها ولا أبعادها الفكرية ولا العقدية أو سواها.

    فأول سؤال يجب أن يطرح: ما هي ولاية الفقيه؟ فمن حق قرائي أو مستمعيَّ أن أشرح لهم المصطلح، والمصطلح ليس ملكي، ولا أنا الذي ابتدعته، أي أن الذي كتب في هذه المسألة، ليس المصطلح ملكه ولا هو الذي ابتدعه، إنما هو ناقل فليحدد لنا ما هي ولاية الفقه.

    ولاية الفقيه مبدأ شيعي (100%) غير قابل للنقل لأي مذهب آخر، لأن الشيعة تميزوا بميزات عن أهل السنة.

    ومن مميزاتهم أنهم يعتقدون بوجود إمام غائب،غاب سنة (260هـ) ولن يعود إلا في آخر الزمان، وهو الإمام الثاني عشر محمد بن حسن العسكري،ولهذا يسمون الإثنى عشرية، لأنهم ينتظرون ظهور هذا الثاني عشر.

    وكثيراً ما يقولون بما فيهم الخميني: (عج) بعدما يذكرون اسمه، فهم يرمزون له بحرف العين والجيم، رمزاً لقولهم: عجل الله فرجه وسهل الله مخرجه، فهم يعتقدون أن هذا الإمام المختفي في السرداب سيظهر.

    ولذلك سخر منهم الشعراء، وقال قائلهم:

    ما آن للسرداب أن يلد الذي      أدخلتموه بجهلكم ما آن

    فعلى عقولكم العفاء فإنكم      كلفتم العنقاء والغيلان

    أي: أنكم أتيتم بالمستحيلات، رجل غاب سنة (260هـ) ودخل السرداب،ويخرج بعد عشرات القرون بل مئات القرون، فهذا أمر عجاب، فـالشيعة يعتقدون بالإمام الثاني عشر، ويرون أن الأمور كلها موقوفة إلا بظهور هذا الإمام، فلا ولاية إلا بظهوره، وكل دولة تقوم قبل ظهوره؛ فهي دولة باطلة ظالمة طاغية وحكامها مغتصبون. فهذه هي عقيدتهم، وبالتالي واجهوا إحراجاً كبيراً طوال التاريخ، فأوجد الخميني في ولاية الفقيه لهم مخرجاً، حيث أنه جعل الفقيه الشيعي ينوب عن الإمام الغائب -بزعمهم- في تولي مسائل معينة، فجعله نائباً عنه وسمى هذا الاجتهاد الخاص به ومن قبله بأحد مشايخه، سماه: ولاية الفقيه.

    فـأهل السنة والجماعة ليس عندهم الإمام الثاني عشر، وأهل السنة والجماعة منذ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كان الحكم فيهم للكتاب والسنة،والذين يحكمونهم -بحمد الله تعالى- مسلمون، وبالتالي ليسو بحاجة إلى ولاية الفقيه؛ لأن الفقيه حينئذٍ ينوب عمن؟! فليس هناك أصلاً من ينوب عنه هذا الفقيه؛ حتى تقوم هذه الفكرة أو النظرية أصلاً، إنما هي نظرية شيعية بدءاً وانتهاءً.

    أما أهل السنة والجماعة، فالذي يحكمهم مسلم، سواء كان فقيهاً أم يأخذ عن الفقهاء، والأمر سيان، سواء حكم بعلمه هو إن كان عالماً، كما يُفعل بالنسبة للخلفاء الراشدين، أو عمر بن عبد العزيز أو معاوية بن أبي سفيان أو غيرهما من الخلفاء الفقهاء، أم كان يرجع إلى فقهاء أهل السنة، فيأخذ منهم، ويستشيرهم،ويصدر عن رأيهم، فالأمر في ذلك سيان، والحكم والولاية فيه لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فمن هذا المنطلق يتبين أن القضية زوبعة في غير محلها،وإنما الذين أثاروا هذه القضية -في الواقع- انطلقوا من ألعوبة نفسية يخادعون بها، وهذه الألعوبة قرأناها يوم كنا طلاباً، وأعتقد أنهم يسمونها التعلم الشرطي، أي: ربط شيء بشيء، بحيث لا يهمه إن كان الكلام خطأً أو صواباً، قبله الناس أم لم يقبلوه، حتى لو اكتشف الناس أنه خطأ، لكن يكفي أن تربط اسم فلان باسم فلان، بحيث يكون هناك شيء من التداعي،كلما ذكر فلان ذكر معه شخص آخر، فيكون هذا مدعاة لتشويه الصورة، أو للتخويف، أو لإحداث نوع من علامات الاستفهام.

    وأعتقد أن هذا نوع من الكيد والمكر الفاسد، والله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] ولهذا دائماً تكون النتائج -بحمد الله- عكس ما يراد له.

    1.   

    خطبة الجمعة بين الدور المنوط بها والواقع الذي نعيشه

    السؤال: خطبة الجمعة، بين الدور المناط، والواقع الذي تعيشه؟

    الجواب: خطبة الجمعة هي من أعظم وسائل الدعوة، لا يوجد وسيلة في الدنيا، بأن يأتي الناس لسماع إنسان -بأوامر الله تعالى وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم- إلا خطبة الجمعة، فبمقتضى التعبد؛ الإنسان مسوق ومدعو إلى الإنصات، وكل مسلم يأتي للجمعة، حتى المقصرين في الفروض الخمسة، ولا يصلونها مع الجماعة، أو يفرطون فيها، يأتون يوم الجمعة، وينصتون للخطبة، بمقتضى أمر الشرع، حتى قال صلى الله عليه وسلم: {إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت} حتى إنكار المنكر وأنت تسمع الخطبة لا تنكر، حتى رد السلام وأنت تسمع الخطبة لا ترد، حتى تشميت العاطس وأنت تسمع الخطبة لا تشمت، لماذا؟

    لأن المطلوب كمال الإنصات للخطيب.

    يبقى السؤال: هذا الخطيب كم يستمع إليه؟

    لا أعني خطيباً بعينه، لكن عموم خطباء المسلمين، وعموم المساجد يحضرها ملايين بلا شك، بل مئات الملايين في أنحاء العالم الإسلامي، فماذا يسمعون؟

    هذا هو السؤال الكبير!

    ألا تستحق خطبة الجمعة التي يحشد لها هذا الحشد الهائل، ألا تستحق جهوداً خاصة؟!

    ألا تستحق كتباً معينة؟!

    ألا تستحق دورات تدريبية للخطباء؟!

    ألا تستحق تأهيلاً للخطباء؟!

    ألا تستحق عناية الدعاة إلى الله عز وجل والعلماء والخطباء بالدرجة الأولى، بحيث يكون هنالك اهتمام؟!

    فليس كثيراً على الخطيب؛ أن يخصص يوم الجمعة والخميس كاملاً؛ لإعداد الخطبة ومراجعتها، وضبطها وتصحيحها، بحيث تكون ملائمة للواقع، وتمس حاجات الناس وواقعهم وظروفهم، وتناسب مستواهم العقلي والذهني واللغوي، وتحرك مشاعرهم، وتكون منوعة، ويلتزم فيها بتربية الناس على الكتاب والسنة والدليل الشرعي، إلى غير ذلك من الأشياء التي يجب على الخطباء أن يحرصوا على إيصالها إلى الناس.

    أما واقع الخطبة فالله المستعان! فهناك خطب لا شك على المستوى المطلوب، وخطباء مشاهير ربما بلغت شهرتهم العالم الإسلامي، وهذا أمر مما يحمد بلا شك.

    لكن بالمقابل هناك خطباء كثير، قد تجد أن الخطيب في واد، والناس في واد آخر، حتى إننا دخلنا في عدد من المساجد، في العديد من البلدان الإسلامية، فوجدنا أن الناس حلقاً حلقاً، كل عشرة يتحدثون فيما بينهم،وكأنهم في مطعم أو ناد، والخطيب يصيح بأعلى صوته، ولا نكاد نرى إنساناً يستمع لهذا الخطيب، ما السر في ذلك؟

    هناك عدة أسباب، منها: أن الخطيب قد لا يكون لامس شغاف قلوب الناس، أو تلمس حاجاتهم،أو خاطبهم بصورة مباشرة، لأن الكلام المؤثر يستمع إليه الجميع، حتى من لا يرغب في الاستماع.

    وأمر آخر: قصر الخطبة على معان محددة، بعيدة عما يعتمل في نفوس الآتين إلى المسجد.

    وأضرب على ذلك مثالاً: حين كانت الأزمة في الكويت وغزو الكويت، وما ترتب عليها من آثار بعيدة؛ أصبح كل مسلم مشحون بهذه القضية، ثم يأتي إلى المسجد فماذا يسمع؟

    قد يجد أن الخطيب يتكلم عن أحكام تغسيل الموتى مثلاً، وهذا الموضوع جيد بحد ذاته، ولا بد للناس أن يعرفوا كيفية تغسيل الموتى، وأحكام الدفن، وما شابهه، لكن هل هذا اليوم هو يومه المناسب؟

    ليس هذا اليوم يومه المناسب، هذا في وادٍ وذاك في واد آخر.

    فكان ينبغي أن تعالج الخطبة واقع الناس، أو تستفيد من واقع معين لتوجيه الناس نحو الأشياء المطلوبة لهم.

    1.   

    رد الأفكار المنحرفة وكيفية الرد عليها

    السؤال: الأفكار المنحرفة لا تقدم نفسها للناس بنفسها، وإنما يحملها أشخاص ويقدمونها إلى الناس، فالرد الأسلم هل هو التركيز على الأفكار لدحضها؟

    أم على الأشخاص الذين يحملونها لإسقاطهم؟

    الجواب: المهم أولاً: هو الأفكار بلا شك؛ لأن الفكرة تنتشر، بخلاف الفرد يذهب ويأتي، ويموت وينتهي ويتراجع، لكن المهم الفكرة في الدرجة الأولى، لأن الفكرة تنتشر وتبقى، وهي بحاجة إلى دحض، وإذا سقطت الفكرة سقط من يحملها. لكن أيضاً لا ننسى أن الفكرة تتقمص أشخاصاً، وخاصة الأفكار الأرضية في كثير من الأحيان، ليس لها عمر ولا بقاء، ولا امتداد، لأنها كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

    فهي تقوم بأفرادها، خذ على سبيل المثال: الناصرية فهي فكرة شاعت وذاعت وراجت في يوم من الأيام، ببقاء أو بوجود شخص يتبناها ويدعو إليها، وأوتي ملكة الخطابة والبيان والتأثير بأسلوب معين، فتجاوب معه سريع التأثر والانفعال في شرق البلاد وغربها، حتى في هذه البلاد وسواها، لكن انتهى فماتت بموته، ودفنت معه في كفنه.

    إذاً: الفكرة هي الأهم، أيضاً الأشخاص الذين تقمصوا هذه الفكرة وتبنوها، وأصبحوا رموزاً تعرف بهم، ويعرفون بها، هم أيضاً بحاجة إلى أن يكشفوا للناس؛ حتى لا يغتروا بهم أو ينخدعوا بهم.

    1.   

    برنامج الشيخ سلمان اليومي

    السؤال: ننتقل إلى بعض الأسئلة السريعة، لنصل بعد ذلك إلى ختام هذا اللقاء، حيث أسعدتنا -جزاك الله خيراً- بهذه الإجابات المختصرة، ولكنها إجابات مفيدة ونافعة بإذن الله تعالى.

    فما البرنامج اليومي الذي يتبعه الشيخ في حياته اليومية؟

    الجواب: أولاً: درس بلوغ المرام بعد صلاة الفجر، ثم الدرس العلمي الذي أشرت إليه سابقاً، حيث يستمر ساعة تقريباً، وقد يزيد على ذلك في بعض الفرص، ثم ساعة أو أكثر للراحة، ثم الإفطار، ثم بعد ذلك الاشتغال إلى الظهر بما يتيسر، إن كان هناك دروس أو محاضرات، أو قراءة لبعض الكتب، أو تصحيح لكتب أخرى، أو ما أشبه ذلك.

    ثم بعد صلاة الظهر وقت للإجابة على الأسئلة بالهاتف، ثم الغداء، ثم وقت الراحة قبل صلاة العصر.

    بعد صلاة العصر امتداد لوقت الضحى، إما قراءة لكتب، أو إعداد لدروس أو محاضرات، أو مراجعة كتب معينة.

    وبعد المغرب إلقاء درس أو محاضرة، كما هو في يوم الأحد والثلاثاء، وبقية الأيام قد يكون فيها استقبال بعض الضيوف وبعض الطلبة والمحبين،وقد يكون للاستفادة من أشياء مفيدة، أو لزيارة الوالدة أو بعض الأقارب أو نحو ذلك.

    وبعد العشاء، إذا كان هناك درس أو محاضرة؛ فالغالب أني لا آوي إلى البيت إلا متأخراً بعض الشيء، ثم يكون هناك تناول طعام العشاء، ثم قد يكون هناك استفادة من الوقت، في قراءة أو تحضير أو مراجعة أو إجابة على بعض الأسئلة، أو تصحيح، وقد يكون هناك أحياناً ارتباطات أخرى.

    وقبل النوم يكون هناك ساعة ونصف أو ساعتين: تحضير لدرس الفجر: قراءة من صحيح البخاري وصحيح مسلم، والواسطية، ونخبة الفكر، ونحوها من الكتب، وتخريج لبعض هذه الأحاديث وما أشبه ذلك، ثم النوم بعد ذلك. فهذه صورة مجملة للبرنامج اليومي.

    1.   

    ضيق الوقت بالنسبة للأسرة

    السؤال: هل تجد صعوبة أو ضيقاً في الوقت بالنسبة إلى الأولاد والأسرة؟

    الجواب: لا شك أنه في حالة وجود الدروس بكاملها قائمة، أن هذا يؤثر على ارتباطات أخرى تأثيراً بليغاً، ولذلك أكثر المستفيدين من توقف الدروس هم الأولاد والوالدة حفظها الله، ولعل ما يحدث هو ببركة دعائهم أيضاً.

    1.   

    مكتبة الشيخ سلمان

    السؤال: هل يمكن أن نتجول جولة ذهنية في مكتبتك العامرة، ونعرف بعض معالمها وأوصافها ليعرفها الإخوة المستمعون؟

    الجواب: عندي مكتبة -بحمد الله- لا بأس بها، وقد قيض الله لي مجموعة من الفضلاء الطلاب والإخوة يوافونني بما يجد في المكتبة العامة من مطبوعات قديمة أو جديدة، في تأليفها، وهذه المكتبة عندي مقسمة إلى أنواع الفنون:

    تبدأ بالتفسير فالعقيدة، ويتبعها الفرق والملل والأهواء والنحل، ثم الفقه وأصوله، ثم منوعات مختلفة، -وأنا أسردها لك الآن على حسب تسلسل الكتب فيها- ثم التاريخ والسيرة النبوية، ثم الأدب والشعر وما يتعلق بهما، ثم اللغة والنحو والصرف، ثم الموسوعات والقواميس والمعاجم والمنوعات، ثم كتب الوعظ والتربية والتوجيه ونحوها، ثم كتب التراجم ونحوها، ويدخل فيها كتب الرجال في الحديث النبوي ثم كتب الفهارس، ثم كتب السنة النبوية، تأتي في الأخير، وهي في الواقع في الأول؛ لأنها تكون قريبة من مكان جلوسي، بحيث يسهل تناولها لكثرة الحاجة إليها، وكثرة التردد عليها.

    وفي هذه المكتبة مجموعة لا بأس بها من أمهات الكتب، وفي ألوان وأنواع وفنون، ولا زال هناك حاجة إلى المزيد.

    السؤال: هل هناك عدد تقديري بالنسبة للكتب؟

    الجواب: لا أستطيع أن أحددها بالطبع.

    السؤال: هل هي مرتبة بحسب الترتيب المعروف؟

    الجواب: ليست مرتبة، إنما مرتبة على حسب الفنون، وبسبب الانشغال ليس هناك ترتيب دقيق حتى في داخل الفن الواحد، فهي لا زالت تحتاج إلى حملة أخرى لمزيد من التنظيم.

    السؤال: لكن بالنسبة إليك من خلال تعودك عليها لا يكون لك مشكلة في الرجوع، أليس كذلك؟

    الجواب: ليس هناك مشكلة كبيرة.

    1.   

    الأدب والأدباء

    السؤال: بالنسبة للأدب والأدباء، هل لديكم متابعات للساحات الأدبية، وما رؤيتكم للأدب الإسلامي؟

    الجواب: في الواقع هناك متابعة قد تكون محدودة، من خلال ما ينشر من كتب أو دواوين أو مقالات أو أشعار أو نحوها، في المجلات الإسلامية والمجلات المتداولة، أو في أشرطة من خلال أمسيات شعرية، أو دواوين ملقاة في أشرطة. وهناك بعض المتابعات فيما ينشر من نقد أو نظرات في الأدب أو دراسات أدبية، لكنها تبقى في إطار محدود؛ لعدم التفرغ وعدم التخصص.

    أما فيما يتعلق بالأدب الإسلامي؛ فلا شك أنه لون من ألوان الدعوة إلى الله عز وجل، بأسلوب يخاطب طبقة غير قليلة من الناس، وهو لا زال كأساليب الدعوة الأخرى، يحتاج إلى مزيد من التأصيل ومزيد من العناية، وتوسيع مجال مخاطبته لفئات المجتمع.

    ونسأل الله أن يجعل فيك يا دكتور عبد الرحمن، وفي أمثالكم خيراً وبركة.

    1.   

    حب الشيخ للشعر مع قصيدة من شعره

    السؤال: يلاحظ كثرة إيراد الشيخ سلمان للشعر في ندواته ومحاضراته، فهل نعتبر ذلك حباً للشعر فقط، أم أن هناك تجارب في نقد الشعر وقرضه؟

    الجواب: في الواقع كلا الأمرين، فمن جهة محبة الشعر، فأعتقد أن حب الشعر أمر طبعي موجود عند أكثر الناس، والتلذذ بسماعه، خاصة إذا كان ذا معان قوية وجذابة ومؤثرة، ولذلك كنت أحفظ من صغري عشرات المقطوعات الشعرية بعضها طويل جداً قد يصل إلى ستين أو سبعين أو خمسين بيتاً، ولحفظها في الصغر صرت لا أنساها، وتأتي على لساني كثيراً، وأرى أن إيراد جميل الشعر وحكمه، أنه مما يجمل ويزين الدروس والمحاضرات والمجالس، ويتجاوب معه عدد غير قليل من المستمعين.

    السؤال: نسمع شيئاً من شعرك؟

    الجواب: الشعر حقيقة استغنيت عنه بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فشغلت بروايات الحديث، وأرجو الله أن يكون الأمر كذلك، وأرجو أن أكون اشتغلت بكتاب الله تعالى عن الشعر.

    لكنني كنت أقول الشعر، وربما كانت الفترة الذهبية في ذلك هي المرحلة المتوسطة والثانوية، وإن كان هناك محاولات في المرحلة الابتدائية في الشعر بنوعيه، ومن القصائد التي أذكرها، قصيدة عنوانها: أمة الإسلام، وربما كانت على غرار قصيدة عمر أبو ريشة: أمتي هل لك بين الأمم، قلت في مطلعها:

    سبح الحق بتيار الدم      واشتوى باللهب المضطرم

    قد عرفناه جمالاً ألقاً      ساحر الأنفاس حلو النغم

    قد عرفناه وما زال      وما ينبغي للحق غير الشمم

    ذلك الإيمان مصباح الدجى      وعذاب الكافر المنهزم

    وضياء الله في الأرض فما      غيره يبرئها من سقم

    عرف الله مطيع مخبت      طاهر النفس رضي الشيم

    ليله محرابه منطقة الدمع      مشكاة الظلام الأسحم

    وهداه الوحي أن شط بمن      حوله الجهل ولثم الصنم

    أمة في الأرض لا يقهرها      مجرم بل هي ذل المجرم

    لا تقل ذلت فما يصدق أن      يستذل الفأر ليث الأجم

    وانتظر وثبتها في غدها      انطلاقاً من هداها القيم

    انتظر وثبة جيل مؤمن      طاهر النفس رضي الشيم

    يغسل الأرض من الكفر فقل      ما يريد الناس غير المسلم

    زمزم فينا ولكن أين من      يقنع الدنيا بجدوى زمزم

    1.   

    كتب ينصح بقراءتها

    السؤال: ما الكتاب الذي حاز على إعجابك وتود أن يقرأه الشباب؟

    الجواب: الأسئلة عن الكتب من الأسئلة المحرجة، لكثرة الكتب، وكثرة الجيد منها، فيصبح الإنسان -أحياناً- كالذي يريد أن يفاضل بين أعزاء لديه، بين أولاده، كلما اتجه إلى واحد أدلى الآخر بحجته، ولكن من الكتب القديمة التي قرأتها واستفدت منها كثيراً كتاب: معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي، وميزة هذا الكتاب أنه عني بسرد نصوص كثيرة جداً في باب العقائد، ولا شك أن النصوص في أبواب العقائد مهمة للقارئ، لربط القارئ بالنص من كتاب أو سنة.

    وهناك كتاب آخر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للشيخ: أبي الحسن الندوي وهو أيضاً من الكتب التي قرأتها واستفدت منها كثيراً.

    وكتاب: خصائص التصور الإسلامي، لـسيد قطب رحمه الله، أيضاً كتاب بديع، وفيه وقفات ولمحات مفيدة، وغيرها كثير.

    1.   

    آخر كتاب قرأه الشيخ

    السؤال: إذاً نقول آخر كتاب قرأه الشيخ سلمان العودة، وهل يمكن أن تلقي الضوء عليه؟

    الجواب: آخر كتاب قرأته، بل لعله من آخر ما قرأت كتاب اسمه: البعد الديني للسياسة الأمريكية، للدكتور يوسف الحسن، وهي أطروحة دكتوراة، وهذا كتاب في الواقع قيّم في بابه؛ لأنه يكشف عن الدوافع الدينية وراء السياسات الغربية، ويثبت بما لا يدع مجالاً للشك، بل بمنطق علمي قوي ورصين لمن يدعون إلى العلمانية في بلاد الإسلام، أنه حتى تلك الدول التي تتظاهر بـالعلمانية أنها تتحرك بدوافع دينية خفية، هي وراء دعمها لإسرائيل، وهي وراء مواقفها من العرب والمسلمين، وهي وراء تصرفات كثيرة جداً في حياتها السياسية.

    وهذا الكتاب مليء بالنقول والنصوص والدراسات والتوثيقات، وهو يتحدث عن الحركة الأصولية المسيحية كما يسميها، أو اللوبي الصهيوني المسيحي في الولايات المتحدة.

    1.   

    سماع الأشرطة، وأول من تأثر بهم الشيخ

    السؤال: هل تسمعون أشرطة؟

    الجواب: نعم، على الأقل في السيارة أحياناً، ولعل من آخر ما سمعت من أشرطة هو للشيخ عبد الوهاب الناصر، مثل هتافات العيد، وغيبة الوعي.

    وكذلك شريط لأخي الشيخ عائض القرني، وهو بعنوان: واجب الأمة بعد كشف الغمة، أيضاً.

    السؤال: مَن مِن الدعاة يسمع الشيخ سلمان أشرطته، وبمن تأثرت في البداية؟

    الجواب: بالنسبة للدعاة مثل ما ذكرت لك، غالب ما أسمع لهؤلاء وقد أسمع لغيرهم، فكل شريط جديد يصلني وأجد وقتاً لسماعه أستمع إليه.

    أما موضوع التأثر، بالمناسبة أذكر أن أول محاضرة ألقيتها -إن صح تسميتها محاضرة- كانت في المرحلة الثانوية، لا أدري بالضبط في أول أو ثاني ثانوي، وكانت المحاضرة عند أحد شيوخنا، الشيخ الدكتور: صالح الخزيم أستاذ في قسم الفقه في الجامعة الآن.

    فكأنه أحب أن أتعود على إلقاء المحاضرات، فاقترح أن أقوم بها بالنيابة عنه،وفعلاً ذهبت إلى ذلك المكان، ولم أكن أعرف نوعية الحضور،ولذلك أعددت محاضرة عنوانها: (الحضارة الغربية بين إفلاس الروح وطغيان المادة).

    وجمعت فيها وثائق وحقائق وأرقاماً عن الفساد الأخلاقي والتأخر والانحراف، وأشياء كثيرة جداً في واقع الحضارة الغربية، فلما تقدمت وجدت أن الحضور كلهم أو غالبهم من الصبيان، وقد يكون في مقدمتهم مجموعة من أساتذتهم الكبار، لكنهم قلة، لكنني كنت مضطراً إلى إلقاء الكلام الذي أعددته، فألقيت المحاضرة وربما كان غالبهم يغط في نوم عميق.

    وبعدما انتهت المحاضرة؛ قام المقدم يختم ويشكرني وينتقد في نفس الوقت هذا الموضوع، الذي جعل الطلاب يشردون ولا يستمعون المحاضرة، وكان المفروض أن يكون الموضوع على مستوى الأطفال، ولم أكن أعرف أنهم أطفال.

    فالشيخ صالح الخزيم بارك الله فيه، لم يتحمل هذا الموقف، وقام وعلق على ذلك المعلق بكلام آخر، عز فيه الموقف ودافع عني بما فتح الله عليه في تلك الساعة، ولا زلت أذكر هذا الموقف.

    وأعتبر أن البداية كانت على يد الشيخ صالح بارك الله فيه.

    1.   

    رسالة إلى العلماء والدعاة

    السؤال: نريد من الشيخ سلمان أن يبعث بمجموعة رسائل، إلى:

    أولاً العلماء والدعاة.

    الجواب: أما بالنسبة للعلماء، فالأمة أمانة في أيديهم، وكذلك الدعاة إلى الله عز وجل، وهم مسئولون عنها أمام الله تعالى حفظوا أم ضيعوا، وما أظنهم -إن شاء الله- إلا حافظين للأمانة، أسأل الله أن يعينهم على ذلك.

    1.   

    رسالة إلى شباب الصحوة

    السؤال: ثانياً: شباب الصحوة.

    الجواب: أما حديثي ورسالتي إلى شباب الصحوة:

    فأولاً: سلامة القلوب، والبعد عن تلبيس الشيطان، وإثارة العداوة والبغضاء فيما بين المؤمنين.

    ثانياً: الروابط والوشائج والجسور مع المجتمع، فهي خير معبر لدعوتهم.

    1.   

    رسالة إلى المرأة

    1.   

    رسالة إلى مسئول

    السؤال: رسالة إلى مسئول.

    إذا كان الناس مسئولين عن أنفسهم، فأنت مسئول عن نفسك وعنهم، الله الله فيما استرعاك الله.

    1.   

    برنامج الشيخ في القرآن الكريم

    السؤال: برنامج الشيخ سلمان العودة في القرآن الكريم ومائدته؟

    الجواب: القرآن الكريم مأدبة الله عز وجل، والسلف رضي الله عنهم كانوا يحرصون على كثرة قراءة القرآن، ومع الكثرة كانوا يحرصون على نوعية وكيفية القراءة، وكيف يتأثرون به ويطبقونه عملياً، وقد غلب على المسلمين في هذه العصور الناحية الكمية على الناحية الكيفية، فأصبحوا يسمعون في أحاديث المساجد -مثلاً- أن فلاناً ختم خمسين وفلاناً ختم مائة مرة، لكن قلَّما يسمعون أحاديث وأخباراً وآثاراً وانفعال عن تأثر وأفعال أولئك القراء بما قرءوا، ولذلك كانت عادتهم دائماً السؤال عن كم، وليس السؤال عن كيف.

    أما فيما يتعلق بالعبد الضعيف، فهو مفرط بالكيف مفرط بالكم، وليس له إلا سعة رحمة الله تعالى.

    1.   

    طريقة الشيخ في تربية أبنائه

    السؤال: ما هي طريقة الشيخ سلمان في تربية أبنائه؟

    الجواب: هناك تقصير كبير في هذا الجانب، ولعل العذر الذي يتذرع به بعضنا وأنا منهم، هو الانشغال بأمور أخرى قد يرى كثير من الدعاة أن فائدتها أوسع وأعم، ومع ذلك فالإنسان يحرص على إيجاد جزء -ولو قليل- من الوقت يقضيه مع أبنائه، في توجيههم في بعض الأمور، بل وفي ممازحتهم، إذا أمكن صحبتهم في السيارة، أو في بعض الأسفار التي لا حرج من صحبتهم فيها؛ للتعويض عما يحدث من تقصير، وإيصال بعض الأشرطة المناسبة ليسمعوها، وربما يكررون سماعها فيحفظونها.

    أحياناً يكون هنالك بعض الحوافز على حفظ شيء، أو حل الواجب أو ما أشبه ذلك، وحفظهم عن الشارع بقدر المستطاع، وجعل علاقتهم بالمسجد وبالبيت فحسب، أو بصلات مع أناس يطمئن إليهم ويثق بهم الإنسان.

    1.   

    اعتناء الداعية باللغة والأسلوب

    السؤال: داعية يقدم ما لديه بأسلوب لا يعتني باختياره، وبلغة عربية فيها شيء من الخلل أو الضعف، ما رأيك في هذا؟

    الجواب: لا شك أن هذا قدم مادة صحيحة، ولكنها في طبق مكسور.

    1.   

    برنامج مقترح للشاب

    السؤال: نريد منك برنامجاً مقترحاً لشاب ملتزم؟

    الجواب: ليست المشكلة في ترتيب الوقت بالدقيقة أو بالساعة، فكم من إنسان يرتب وقته ولكنه لا يستمر على هذا الترتيب أكثر من أسبوع، إنما الشيء المهم هو أن يحدد الإنسان له أهدافاً لا بد من تحقيقها.

    فخلال هذا الأسبوع سوف أقرأ كتاب كذا وهو ثلاثمائة صفحة، وسوف أقرأ من القرآن كذا، وسوف أحفظ من القرآن كذا، وسوف أقوم بزيارة إلى بعض الدروس العلمية، وفي نهاية الأسبوع ماذا أنجزت من هذه الأهداف.

    1.   

    مشاركة شعرية للدكتور عبد الرحمن العشماوي

    السؤال: جزاكم الله خير يا شيخ سلمان.. وهنا نقف وقفة أخرى؛ ليختار لنا الشيخ سلمان -جزاه الله خيراً- مادة في هذه الوقفة؟

    الجواب: لعل مسك الختام قصيدة مختارة بصوت الأخ الكريم الدكتور عبد الرحمن العشماوي.

    الحقيقة أنا لم أكن جاهزاً بأوراق لألقي قصيدة، ولكنني أحفظ بعض القصائد، فعندي قصيدة عنوانها: وشم على ذراع بغداد. سأستجيب لدعوتك الكريمة، وألقي منها بعض الأبيات، وهي من آخر ما كتبت من القصائد، فأقول في مطلعها:

    بغداد بغداد هذا ما رأيناه وكم يكذِّب فينا ما سمعناه

    ما بال عينيك يا بغداد قد عميت عن ظالم صمتك المشئوم أغراه

    الحاضر المرُّ يا بغداد يؤلمني فأين ماضيك؟ أين العز والجاه؟!

    ما زال يروي لنا التأريخ قصته      فكم حديث على شوق رويناه

    وكم حديث عن الأمجاد أسعدنا      عشنا نردده حتى حفظناه

    وكم حديث عن الأحباب أطربنا      وزادنا طرباً لما أعدناه

    بغداد يا لغة الإشراق في شفتي ويا غناءً عصامياً شدوناه

    وقع الحوافر يا بغداد أغنية ثراك ينشدها والرمل أفواه

    وحمحمات خيول النصر تطربني      الحرب دائرة والناصر الله

    صهيلها في دروب الحق يملكني      فكم أذوب به وجداً وأهواه

    وابن الوليد يروِّي الأرض من دمه والعين في رؤية الأحداث عيناه

    لم يستعر مقلة أخرى ولا شفة أخرى ولم تصغ للتضليل أذناه

    كيانك الضخم يا بغداد حصَّنه سيف المثنى ونور الحق جلاه

    كيانك الضخم بالإسلام قام ولم      يقم على فكر زنديق ودعواه

    النور فوق ذراع الشمس صبَّحه      والنور فوق ذراع الفجر مسَّاه

    بغداد هذا هو الزيف الرهيب وما أظن قومك إلا من ضحاياه

    نمضي ومن حولنا غابات أسئلة كثرت     تكاد تذهلنا عمن قصدناه

    أين الكتائب والرايات خافقة      والله أكبر لفظ جلَّ معناه

    وأين ربعي والإيمان يرفعه وأين رستم لم تحمله رجلاه

    أين الرشيد الذي ما كان يذكره نقفور إلا وتلقي السيف يمناه

    أين ابن حنبل في بغداد مجلسه يزهو فكم طالب للعلم يغشاه

    لو أبصرت مقلة المنصور ما صنعت بك الدعاوى لما سارت مطاياه

    ولو تأملك المأمون لاحترقت أوراق حكمته وانهد ركناه

    ولو درى دجْلة عن بعض من وقفوا      على شواطئه ما سال مجراه

    بغداد ما بال عين الكرخ ترمقنا حيرى وعهدي بأن الكرخ تياه

    بغداد بغداد ما بال روح الجسْر قد فنيت فما ترى مقلتي إلا بقاياه

    أين الرصافة وابن الجهم ينشدها شعراً على مسمع التأريخ ألقاه

    بغداد لم نترك لأمتنا بابا ًمن النصح إلا قد طرقناه

    ولم ندع لغة في الشعر صادقة      إلا ذكرنا بها حقاً وقلناه

    لكنها تصرف الوجه الجميل فوا      بؤساه من غفلة المحبوب بؤساه

    لا فض فوك، بارك الله فيك.

    أيها الإخوة المستمعون، كان هذا اللقاء الذي استمتعنا به جميعاً مع فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة، الذي تعرفونه جميعاً من خلال ندواته ومحاضراته وإسهاماته.

    نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنه، وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه الكريم.

    شكراً لله تعالى على أن هيَّأ لنا هذا اللقاء، وشكراً للشيخ سلمان على تحمله لنا في هذا اللقاء أيضاً، وشكراً لكم أيها الإخوة المستمعون على حسن إصغائكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    والحمد لله رب العالمين.