إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [34]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كلمة الإخلاص تعني البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وصرف العبادة لله وحده لا شريك له، وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرة من كتاب الله، وأحاديث صحيحة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    العمل بما دلت عليه كلمة الإخلاص

    قال الشارح رحمه الله: [وهذان الحديثان تفسير الآيتين: آية الأنفال وآية براءة، وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلا الله، ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها؛ أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.

    قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله في قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.

    وقال القاضي عياض : اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقول: لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره. انتهى ملخصاً.

    وقال النووي : لابد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الرواية (ويؤمنوا بي وبما جئت به)

    وقال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم، قال: فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، قال: وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة، بل هم خارجون عن الإسلام. انتهى.

    قوله: (وحسابه على الله) أي: الله تبارك وتعالى هو الذي يتولى حساب الذي يشهد بلسانه بهذه الشهادة، فإن كان صادقاً جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقاً عذبه العذاب الأليم، وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد، ولم يأت بما ينافيه ظاهراً، والتزم شرائع الإسلام وجب الكف عنه].

    هذا يدل على أن الحكم على الظاهر في الدنيا، أما ما في القلب فأمره إلى الله جل وعلا، إن كان الإنسان صادقاً في قوله وعمله، فهذا هو المخلص الذي يكون فائزاً بوعد الله جل وعلا، وبجزائه يوم الدين.

    أما إن كان في قلبه خلاف ما يظهره بعمله وبقوله، فسوف يحاسبه الله جل وعلا على ذلك يوم يلقاه، وليس له من أجر ثوابه وعمله شيء، وإنما يعاقب عقاب الكفار والمنافقين؛ لأن الأعمال الظاهرة تكون تبعاً لما في القلب الباطن.

    ولهذا أخبر الله جل وعلا أن الذي يريد الدنيا وزينتها ليس له في الآخرة من نصيب، ومعنى يريد: أن تكون نيته وقصده، وإن عمل بخلاف ما في قلبه موافقاً ما جاء به الشرع، فإنما العبرة عند الله جل وعلا بالإرادة وبالنية والقصد، والعبرة عند المسلمين على الأحكام الظاهرة، فمن أظهر خيراً وجبت محبته وأخوته، وإن كان مبطناً شراً فالله يتولى حسابه، فهو الذي يحاسبه على ذلك فيصبح من المنافقين الذين يظهرون الخير ويبطنون الشر، وهم شر من الكفار الذين يصرحون بالكفر ويظهرونه، وإذا كان يوم القيامة صاروا تحتهم في طبقات النار كما قال الله جل وعلا: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، وقد كانوا يصلون مع المسلمين ويجاهدون ويؤدون الزكاة ومع ذلك يكونون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم أظهروا وفاقاً وأبطنوا نفاقاً، وهم يخادعون الله والذين آمنوا ولا يخدعون إلا أنفسهم، يظنون أنهم يخادعون وأنهم أهل العقل، وهم في الواقع أطاعوا شياطينهم وغروا أنفسهم، وسولت لهم أنفسهم أمراً قادهم إلى جهنم -نسأل الله العافية-.

    وعلى هذا فالكفار الأصليون الذين لم يدخلوا في الإسلام إذا قال أحدهم: لا إله إلا الله وجب الكف عنه حتى ينظر هل يلتزم بما دلت عليه هذه الكلمة أو لا يلتزم؟

    فإن التزم بذلك وحكم بإسلامه، وإلا لم يفده مجرد قوله: لا إله إلا الله، فمجرد القول لا يكفي، وإنما العبرة بالعمل الذي يتبع العقيدة، والعلم الذي في القلب.

    بيان ما تدل عليه كلمة الإخلاص

    قال الشارح رحمه الله: [قلت: وأفاد الحديث أن الإنسان قد يقول: لا إله إلا الله، ولا يكفر بما يعبد من دون الله، فلم يأت بما يعصم دمه وماله كما دل على ذلك الآيات المحكمات والأحاديث.

    قوله: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب].

    يعني: أنه سيذكر بعد هذا الباب أبوباً كثيرة كلها توضح هذا المعنى وتبينه، والترجمة هي قوله: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ثم لما ذكر الآيات والحديث قال: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب يعني: أن الأبواب التي ستأتي بعضها في ذكر بعض الشركيات، وبعضها في ذكر بعض التعلقات على غير الله، وكلها تبين معنى لا إله إلا الله وتفسره؛ لأن الأمور تتبين بأضدادها، وسيبدأ بعد ذلك بحكم الذي يعلق تميمة أو يتبرك بشجرة أو حجر أو قبر، يطلب نفعه أو دفع الضر، بدء بهذا لأن هذا من الشرك الواضح الجلي، وهو أيضاً يفسر لا إله إلا الله كما سيأتي.

    قال الشارح رحمه الله: [قلت: وذلك أن ما بعدها من الأبواب فيه ما يبين التوحيد ويوضح معنى: لا إله إلا الله، وفيه أيضاً: بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر، وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع مما تركه من مضمون لا إله إلا الله، فمن عرف ذلك وتحققه تبين له معنى لا إله إلا الله، وما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك، وبضدها تتبين الأشياء، فبمعرفة الأصغر من الشرك يعرف ما هو أعظم منه من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، وأما الأصغر فإنما ينافي كماله، فمن اجتنبه فهو الموحد حقاً، وبمعرفة وسائل الشرك -والنهي عنها لتجتنب- تعرف الغايات التي نهى عن الوسائل لأجلها، فإن اجتناب ذلك كله يستلزم التوحيد والإخلاص بل يقتضيه، وفيه أيضاً من أدلة التوحيد إثبات الصفات وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله، وكل ما يعرف بالله من صفات كماله وأدلة ربوبيته يدل على أنه هو المعبود وحده، وأن العبادة لا تصلح إلا له، وهذا هو التوحيد، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله].

    الله جل وعلا أخبر أنه هو الخالق وحده، وهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي ينزل المطر وينبت النبات، وهو الذي يجب أن تكون العبادة له، وكل هذا من الكمالات التي يجب أن تعتقد لله جل وعلا.

    وإذا صرف من ذلك شيء لغيره فإنه تنقص لله جل وعلا، فالمشرك الذي يدعو غير الله من مقبور أو أحجار أو غيرها هو يتنقص الله جل وعلا بما ينافي كماله؛ لأنه هو الإله وحده، وكونه يتعلق بغيره فإنه يصرف حقه لغيره؛ ولهذا إذا ذكر الله جل وعلا الشرك يقول: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الطور:43] ينزه نفسه عن شركهم؛ لأن الشرك تنقص لله جل وعلا، ودل على أنه يجب أن تثبت له صفات الكمال، وهذا من باب المفهوم، وقد جاءت نصوص من كتاب الله جل وعلا وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم في وجوب اعتقاد اتصاف الرب جل وعلا بالصفات التي نص عليها، والتي تعرف بها إلى عباده؛ لأنه جل وعلا غيب، لا يطلع عليه أحد، ولم يره أحد، وإنما تعرف إلى عباده بأوصافه التي يصف نفسه بها، أو يصفه رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ومنها: كونه جل وعلا الإله وحده، والتأله له وحده، ومنها: كونه جل وعلا الخالق وحده، والرازق وحده، لا شريك له في ذلك، ومنها كونه جل وعلا مستوياً على عرشه، عالياً على خلقه، ومنها كونه جل وعلا عالماً بكل شيء لا يخفى عليه شيء، يعلم ما في ضمائر عباده، وما يكنون في قلوبهم، ومنها: كونه جل وعلا يحب المؤمنين، والتوابين، والمتطهرين، ومنها: كونه جل وعلا كلم رسله وأنزل كلامه عليهم الذي هو نور وهدى لمن آمن به واتبعه، إلى غير ذلك من أوصافه التي جاءت في كتاب الله جل وعلا وفي أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم وهي من التوحيد.

    ولهذا السبب قسم العلماء التوحيد إلى أقسام ثلاثة:

    القسم الأول: توحيد الربوبية الذي يدل على أنه من فعل الله جل وعلا وحده كالخلق والرزق والأمر والنهي والشرع أي: أنه هو الذي يشرع وحده، فمن نازع الرب جل وعلا في شرع يضعه للناس فقد جعل نفسه شريكاً لله جل وعلا، ومن اتبع الشرع الذي يشرعه المخلوق فقد اتخذ رباً غير الله جل وعلا، فهذا من خصائص الربوبية.

    القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات، مثل عليم وحليم وكريم، وكونه جل وعلا يسمع ويرى، وأنه مع عباده جل وعلا، يعلم ما في ضمائرهم ويشاهدهم، ولا يخفى عليه خافية، وهو محيط بهم، وهم في قبضته، وكونه جل وعلا له وجه كما وصف جل وعلا نفسه بذلك، وله يدان، وأنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأن الإنسان إذا تصدق بصدقة من كسبٍ طيب -والله لا يقبل إلا طيباً- فالله يتقبلها بيمينه جل وعلا فيربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل وإن كانت تمرة، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ليؤمنوا بها، هذا يسمى توحيد الأسماء والصفات.

    القسم الثالث: توحيد العبادة التي تصدر من العباد أنفسهم: نحو الدعاء والرجاء والخوف والإنابة والنذر وغير ذلك. وهذه الأقسام مترابطة، لا ينفك بعضها عن بعض؛ فمن أتى بقسم منها ولم يأت بالبقية لا يصح دينه، ولا يصح إسلامه، فلا بد منها جميعاً.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ...)

    قال الشارح رحمه الله: [بيان أن هذا هو الشرك الأكبر].

    آية الإسراء هي قوله جل وعلا: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:56-57] وقد ذكر المؤلف رحمه الله ما روى أهل التفسير من أن هذه الآية نزلت في عيسى ابن مريم وأمه والعزير، وعيسى عليه السلام نبي كريم، بل هو من أولي العزم من الرسل، وأمه صديقة، وعزير نبي من الأنبياء، فمن الناس من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو العزير، ومنهم من يدعو مريم، ويدعونهم للشفاعة، وليس ذلك لأنهم ينزلون المطر، وينبتون النبات، ويحيون الموتى، لكن يدعونهم للشفاعة، ويطلبون منهم الشفاعة، ويقولون: اشفعوا لنا عند الله.

    أخبر الله جل وعلا عن هؤلاء المدعوين أنهم يتسابقون بالخيرات، كل واحد منهم يجتهد في العمل الصالح لعله يكون أقرب إلى الله من الآخر، يعني: أنهم يتنافسون في فعل الطاعة، ويتسابقون بفعل الطاعات ليسبق كل واحد منهم الآخر، وكل واحد يريد أن يكون هو الأقرب إلى الله.

    والمعنى أنهم فقراء ما يملكون شيئاً مما يدعون من أجله، بل هم عباد يدعون الله كما أنكم أنتم عباد تدعونهم وتدعون الله، فهم مثلكم، فتبين بهذا أن الدعوة وطلب الشفاعة عبادة يجب أن تكون موجهة إلى الله جل وعلا وحده.

    والقول الثاني: أنها نزلت في قوم من الجن كانوا مشركين، وأناس من الإنس يدعونهم، فأسلم الجن والإنس لم يعلموا بذلك، فبقي الإنس على دعوتهم وشركهم، وقد أسلم الجن وصاروا يتقربون ويتسابقون إلى الله جل وعلا بالعبادة.

    والمعنى واحد سواء نزلت في هؤلاء أو هؤلاء، وكل مدعو يدعى من دون الله فهو لا يستطيع كشف الضر الذي نزل بالداعي، ولا يستطيع تحويله من موضع من جسده إلى موضع آخر، لا يستطيع إزالته بالكلية، ولا يستطيع تخفيفه، والمعنى أنهم لا يملكون شيئاً مما يدعون من أجله، فتصبح دعوة الداعي سبهللاً ضائعة لا فائدة فيها، بل فيها الضر لأنها شرك يعود على الداعي بالضر، وهذا في كل مدعو من دون الله جل وعلا، وإن كانت الآية نزلت في قوم صالحين كما قال المؤلف سواء كانوا من الأنبياء أو كانوا من الجن الذين كان الإنس يعبدونهم قبل إسلامهم، قال الله جل وعلا: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6]، وسواء كان هذا أو هذا فكل مدعو من دون الله جل وعلا فإنه لا يملك نفع الداعي ولا يملك دفع الضر عنه، وإذا نزل به الضر ما يستطيع رفعه، ولا تخفيفه، ولا تحويله من مكان إلى آخر.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)

    قال الشارح رحمه الله: [ومنها آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً مع أن تفسيره الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم].

    الآية في أهل الكتاب من اليهود والنصارى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]والأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد الذين يتعبدون لله جل وعلا.

    وبين أن تفسيرها الواضح جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم ، وفسرها بأنها طاعتهم في معصية الله، وكان عدي بن حاتم نصرانياً، فسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية، فقال له: يا رسول الله! إننا لم نعبدهم، قال: (بلى، ألم يحرموا عليكم الحلال فحرمتموه، ويحلوا لكم الحرام فأحللتموه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم) فتبين بهذا أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جل وعلا عبادة لذلك المخلوق، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله جل وعلا، فمن أطاع مخلوقاً في معصية الله وهو يعلم أنها معصية فقد اتخذه رباً كما في هذه الآية: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا[التوبة:31] والأرباب جمع رب، والرب معناه هنا: المعبود الذي يعبد ويتأله، فدل على أن الشرك يكون في الطاعة، وأن الطاعة يجب أن تكون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولمن أمر بطاعة الله وطاعة رسوله.

    وأما إذا أمر المخلوق بمعصية الخالق جل وعلا فلا طاعة له، مهما كان سواء كان والداً أو غير والد، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله جل وعلا، فمن أطاع ذلك المخلوق في معصية الله، فقد اتخذه رباً من دون الله جل وعلا، وليس المعنى أنهم يعبدونهم بمعنى يصلون لهم ويسجدون لهم، لكن يكفي كونهم يطيعونهم في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، هذه هي عبادتهم.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ...) الآية

    قال الشارح رحمه الله: [ومنها: قول الخليل عليه السلام للكفار: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:26-27] فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28].

    والكلمة عبارة عن هذا المعنى الذي هو التبرؤ من المعبودات غير الله جل وعلا، واتخاذ الرب جل وعلا معبوداً وحده، وهذا هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن قول القائل: (لا إله) نفي، والنفي في ضمنه التبرئ، وقوله: (إلا الله) إثبات الإلهية لله جل وعلا وحده، فهو ينفيها عن كل ما سوى الله، ويثبتها لله وحده، فهذه هي الكلمة التي جعلها الله جل وعلا باقية في عقب إبراهيم في ذريته؛ لأن ذرية إبراهيم فيهم الأنبياء، وآخرهم وخاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين هو من ذرية إبراهيم.

    وقد بعث الله جل وعلا في العرب قبله أباه إسماعيل بن إبراهيم فإنه نبي أرسله الله جل وعلا إلى العرب يعني: أهل مكة وغيرهم، فدعاهم إلى توحيد الله، ونبينا صلى الله عليه وسلم من ولده من ذريته.

    وهذه الكلمة لم تزل باقية من وقت إبراهيم إلى اليوم في ذريته، جعلها كلمة باقية فيهم، وهي التبري من الشرك وأهله، والإخلاص لله جل وعلا وحده.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)

    من المسائل التي توضح معنى لا إله إلا الله وتفسرها: الآية التي في سورة البقرة وهي قوله جل وعلا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:165-167] أخبر أنهم لا يخرجون من النار بسبب أنهم اتخذوا مع الله أنداداً يحبونهم كحبهم لله تعالى، وهذا الحب هو حب التأله الذي يتضمن الخوف والرجاء والذل وطلب الرغبة من هذا المحبوب؛ لأن هذا لا يجوز أن يكون لغير الله جل وعلا، فحب التأله الذي يتضمن الذلة والخوف والرغبة والرهبة لا يجوز أن يكون لمخلوق، ويجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، فإذا جعل هذا الحب أو بعضه لغير الله جل وعلا صار هذا الذي عمل ذلك مشركاً شركاً أكبر، وإذا مات عليه يكون خالداً في النار كما أخبر الله جل وعلا في هذه الآيات، وهذا هو معنى قول: لا إله إلا الله يعني: أن الحب الذي فيه الذل والخوف والرغبة يجب أن يكون لله وحده، وهذا هو التأله، وهذا هو الذي نفي عن غير الله جل وعلا في كلمة الإخلاص وأثبت لله وحده.

    وأخبر أن هؤلاء يحبون أندادهم كحبهم لله، فدل على أنهم يحبون الله حباً شديداً، ولكن هذا الحب لم ينفعهم لأنه حب شركي، أشركوا مع الله غيره في هذا الحب، فصار هذا الحب غير نافع بل هو ضار، بل هو الشرك الذي يفعله المشركون، ولم يذكر الله جل وعلا في كتابه ولا ذكر المؤرخون الذين يذكرون أحوال الناس من القدم أن أحداً من الخلق اعتقد أن مخلوقاً من المخلوقات شريكاً لله في الخلق والإحياء والإماتة والتصرف، وإنما الشرك الذي وقع في بني آدم هو شرك إما في الحب أو في الوساطة بأن يتخذ هذه المحبوبات أو المدعوات وسائط يسألها أن تقربه إلى الله زلفاً يعني: يطلب منها الشفاعة كما هو الواقع عند كثير من الناس، يتجهون إلى من هو رميم في قبره، وقد أكله الدود، وتفتت عظامه، ويسألونه أن يشفع لهم عند الله، وربما سألوه أموراً في الدنيا، ويعتقدون أنه يستطيع أن يفعل ما يطلبونه منه، وهذا أمر توارثوه وليس لهم عليه أي دليل، بل الأدلة من العقل ومن كتاب الله ومن سيرة الرسل تدل على أنهم ضلوا ووضعوا السؤال في غير موضعه، وقد قال الله جل وعلا: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6] يعني: أن الاستجابة تحصل لهم إذا حشروا وبعثهم الله جل وعلا، وجمع الداعي والمدعو، فيسأل المدعو ويقال له: هؤلاء الذين يدعونك اتخذوك شركاء مع الله، هل أمرتهم بذلك؟ فيكفر بهم ويتبرأ منهم، ويعلن بأنه غافل عن ذلك وليس له علم، وأنه كافر بهذه الدعوة، ثم يكون عدواً لهذا الداعي، فيصبح بعضهم يلعن بعضاً، هذه هي نتيجة من يتجه بالدعاء أو بالحب الذي هو حب الخضوع والذل إلى غير الله جل وعلا كما قال الله جل وعلا في قصة إبراهيم: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [العنكبوت:25] يعني: أن المدعو يلعن الداعي، والداعي يلعن المدعو كما في هذه الآية وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [البقرة:167] لَوْ أَنَّ يعني: يا ليت لنا كرة، يا ليت لنا رجعة إلى الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين كنا ندعوهم كما تبرءوا منا، ولكن هيهات انتهى الأمر!

    فهذا خبر من الله جل وعلا بما سيقع لهؤلاء الذين يدعون غير الله، ومن أصدق من الله خبراً، تعالى الله وتقدس.

    فالمقصود أن هذه الآية من الآيات التي توضح معنى لا إله إلا الله وتبينه، وما أكثر الآيات التي توضح ذلك وتبينه؛ لأن هذا هو أصل الدين، وأصل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد بين هذا غاية البيان حتى لا يبقى للناس حجة، وقد قامت حجة الله على خلقه بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب عليه، فإذا وقع الإنسان في شيء من هذه الأمور فاللوم عليه؛ لأن التقصير حصل منه، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد وضح وبلغ، وبين غاية البيان، وقامت الحجة على جميع الخلق.

    1.   

    الأمور الواجبة على من يتكلم بكلمة الإخلاص

    قال الشارح رحمه الله: [ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله) وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه.

    فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع].

    هذا أيضاً من الأمور التي توضح معنى لا إله إلا الله وتبينه، وذكر المؤلف رحمه الله خمسة أمور لا بد أن تجتمع فيمن يتكلم بهذه الكلمة حتى ينتفع بقول: لا إله إلا الله:

    الأمر الأول: النطق بها، لا بد أن ينطق ويتكلم بها، أما لو علم معناه واعتقده في قلبه، ولم يتلفظ بها، فإنه لا يعد مسلماً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، وفي رواية: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) لا بد من قولها، والله جل وعلا يقول: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:136]، والإيمان بالله جل وعلا هو عبادته، أن يعبد ويمتثل أمره، ويجتنب نهيه جل وعلا.

    ثم مع النطق بها لا بد من معرفة معناها؛ لأنه لو تكلم بها وهو لا يعرف المعنى فإنه لا يفيده شيئاً، لا بد من معرفة أن معناها: نفي التأله عن غير الله، وإثبات التأله لله وحده، وأنه لا يجوز أن يكون شيء من التأله الذي هو العبادة لغير الله، فإن حصل تردد في هذا أو شك فإسلام الإنسان غير صحيح.

    الأمر الثالث: الإقرار، أن يقر بذلك، والإقرار ضد الجحود، فإن الإنسان قد يكون قائلاً لها وعالماً بمعناها، ولكن يجحد ذلك تكبراً أو عناداً أو لأمور أخرى غير ذلك.

    والأمر الرابع: أن يكفر بما يعبد من دون الله، والكفر بما يعبد من دون الله معناه: مفارقته وبغضه، وكراهته والتبري منه ومن عابده، هذا معناه كما قال الله جل وعلا: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256].

    الأمر الخامس: الانقياد والتسليم، يسلم بذلك وينقاد، ولا يكون عنده تردد أو تضجر من هذا أو رغبة في غيره، بل يسلم وينقاد ويذعن لذلك ويغتبط به، يفرح به ويكون محباً لهذا، ويكون متيقناً بصحته، وأن النجاة لا تكون إلا بذلك.

    فلابد من هذه الأمور حتى ينتفع الإنسان بهذه الكلمة العظيمة التي تفرق بين المؤمن والكافر، وهي التي أرسل بها الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهي التي من أجلها خلقت الجنة والنار، وهي التي عليها يثيب الله جل وعلا، ويعاقب على هذه الكلمة؛ ولهذا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أُمِر بقتال الناس حتى يقولوها، فإذا قالوها امتنع من قتالهم، وحرمت أموالهم ودماؤهم إلا بحقها، وحق هذه الكلمة كل واجب أوجبه الله جل وعلا على عباده؛ لأنها في الواقع هي الدين كله، فلهذا احتيج إلى إيضاحها لمن لا يعرفها، وإلا فهي واضحة وجلية، ولكن قد يكون الإنسان غافلاً أو يكون جاهلاً أو يكون في بيئة لا تساعده على معرفتها فيحتاج إلى بيانها له، وبيان معناها، وإيضاح ذلك، وهذا أمر حتمي، فواجب على من عرف ذلك أن يوضحه ويبينه، ويجب على من لا يعرفه أن يبحث عنه ويطلبه، ويطلب من يبين له ويوضحه، وهو -والحمد لله- واضح جلي من كتاب الله، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3029715270

    عدد مرات الحفظ

    726080982