إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [29]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سبب وقوع الشرك في بني آدم هو الغلو في الصالحين والتعلق بهم، واتخاذهم شفعاء عند الله، كما وقع لقوم نوح عندما صوروا الصالحين، ثم طال عليهم الأمر فعبدوهم من دون الله، وصور الشرك كثيرة، وقد حذرنا الله منها ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبين ذلك أهل العلم رحمهم الله.

    1.   

    تفسير التوحيد

    قال المصنف رحمه الله: [باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله].

    التفسير: هو الكشف والإيضاح والبيان. تفسير الشيء بيانه وإيضاحه، وقوله: [وشهادة أن لا إله إلا الله] عطف على التوحيد، و(لا إله إلا الله) هي التي دلت على التوحيد، وهي التوحيد، فيكون هذا من عطف الدال على المدلول؛ لأن الدال هو شهادة أن لا إله إلا الله، والمدلول هو التوحيد، وتوحيد الله يحصل بشهادة ألا إله إلا الله؛ لأن شهادة ألا إله إلا الله وضعت لإخلاص العبادة لله وحده، وإذا كانت العبادة غير خالصة لله جل وعلا فليس في العبادة توحيد وليست عبادة شرعية، وإن كانت عبادة لغوية ولكنها لا تكون شرعية؛ لأن العبادة الشرعية هي المقبولة التي أمر الله جل وعلا بها، والله يقبل الخالص ويأمر به، وينهى عن الشرك، فالعبادة الشركية محبطة للعمل.

    المشركون يقرون بأن الله خالقهم

    ومن المعلوم أن جميع المشركين الذين بعثت فيهم الرسل كانوا يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون معه غيره، ما كانوا يعبدون أصنامهم فقط غير عارفين بالله، بل كانوا مؤمنين بالله، ويعلمون أنه المتصرف في الكون كله، وأنه لا أحد يشاركه في الخلق والإيجاد والإحياء والإماتة، وأنه لا أحد يشاركه في إنزال المطر وإنبات النبات وإيجاد الرزق وكشف الكربات وإجابة المضطرين، كل الكفار يعلمون هذا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ [الزمر:38] يعلمون قطعاً أنها لا تفعل ذلك.

    وكذلك يعلمون أن الله جل وعلا وحده هو الذي ينزل المطر وينبت النبات ويرزقهم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22] كيف يعلمون؟ يعلمون أن الله هو المتوحد بما ذكر؛ لأنه هو الذي خلقهم وحده، وخلق من قبلهم، وهو الذي جعل لهم الأرض فراشاً، وجعلها على هذا الشكل يستطيعون الانتفاع بها والسكون عليها، وهو الذي أنزل المطر من السماء، وأنبت به ما يأكلون منه وتأكل منه أنعامهم، يعلمون هذا تماماً، فكيف يجعلون له نداً وهم يعلمون أنه المتفرد بذلك، وأن الأصنام التي يسمونها آلهة -سواءٌ أكانت أحجاراً أو أشجاراً أو أمواتاً أو ملائكة أو جناً أو أنبياء أو غيرهم- لا تملك من ذلك شيئاً، ويعلمون هذا قطعاً؟!

    إذاً: فشرك المشركين وقعوا فيه، هو أنهم يسألون الشفاعة من غير الله، ويقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، يقولون: ندعوا هذه المدعوات حتى تدعوا الله لنا. هذه حقيقة شركهم، وإلا ما كانوا يعتقدون أن الحجر يملك النفع ويدفع الضر، ما كانوا يعتقدون هذا، ولا أحد منهم، ولا كانوا يعتقدون أن الميت يستطيع أن يعطيهم الجنة وينجيهم من النار، وإنما يقول أحدهم: أنا أسأله، فهو بدوره يسأل الله لي؛ لأنه هو صالح مقرب عند الله. فيجعله شافعاً له فقط، وهذا قياس منهم على المعهود لهم في الدنيا، إذا كان هناك ملك أو رئيس فما كل واحد يستطيع أن يصل إليه ويطلب منه، فيتوسط إليه الطالب بمن هو مقرب عنده، وعلى هذا القياس وقعوا في الشرك، فأصل الشرك هو طلب الشفاعة.

    فالإخلاص هو أن تكون الدعوة لله وحده، ولا يكون هناك واسطة، ويكون العمل لله وحده، ولا يقصد بالعمل غير الله، ويكون العمل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا هو التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله).

    وجوب التعلق بالله وحده

    قال الشارح: [قوله: باب تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله.

    قلت: هذا من عطف الدال على المدلول.

    فإن قيل: قد تقدم في أول الكتاب من الآيات ما يبين معنى (لا إله إلا الله) وما تضمنته من التوحيد، كقوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]وسابقها ولاحقها، وكذلك ما ذكره في الأبواب بعدها فما فائدة هذه الترجمة؟

    قيل: هذه الآيات المذكورات في هذا الباب فيها مزيد بيان بخصوصها لمعنى كلمة الإخلاص وما دلت عليه: من توحيد العبادة، وفيها: الحجة على من تعلق على الأنبياء والصالحين يدعوهم ويسألهم لأن ذلك هو سبب نزول بعض هذه الايات كالآية الأولى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الإسراء:56] أكثر المفسرين على أنها نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيراً والملائكة، وقد نهى الله عن ذلك أشد النهي كما في هذه الآية من التهديد والوعيد على ذلك، وهذا يدل على أن دعاءهم من دون الله شرك بالله ينافي التوحيد وينافي شهادة أن لا إله إلا الله؛ ومضمون هذه الكلمة نفي الشرك في العبادة والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله؛ فإن التوحيد أن لا يدعى إلا الله وحده، وكلمة الإخلاص نفت هذا الشرك؛ لأن دعوة غير الله تأله وعبادة له، و(الدعاء مخ العبادة).

    وفى هذه الآية: أن المدعو لا يملك لداعيه كشف ضر ولا تحويله من مكان إلى مكان، ولا من صفة إلى صفة، ولو كان المدعو نبياً أو ملكاً، وهذا يقرر بطلان دعوة كل مدعو من دون الله، كائناً من كان؛ لأن دعوته تخون داعيه أحوج ما كان إليها؛ لأنه أشرك مع الله من لا ينفعه ولا يضره، وهذه الآية تقرر التوحيد ومعنى لا إله إلا الله.

    قوله: وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:57].

    يبين أن هذا سبيل الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من المؤمنين قال قتادة : تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57] قال العماد ابن كثير : وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين، وذكره عن عدة من أئمة التفسير.

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: في هذه الآية ذكر المقامات الثلاثة: الحب وهو ابتغاء التقرب إليه والتوسل إليه بالأعمال الصالحة، والرجاء والخوف، وهذا هو التوحيد وهو حقيقة دين الإسلام كما في المسند عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (والله يا رسول الله ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه: أن لا آتيك، فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال : الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال : أن تسلم قلبك وأن توجه وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة) وأخرج محمد بن نصر المروزي من حديث خالد بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذا معنى قوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان:22].

    يجب على المسلم أن يجعل خوفه ورجاءه وتعلقه بالله وحده فقط، ويعلم أن جميع الخلق لا يملكون ضراً ولا نفعاً من دون الله جل وعلا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم في وصيته لـابن عباس : (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك )، فالأمر كله بيد الله جل وعلا، فيجب أن يكون تعلق القلب والتوجه إليه وحده، وأن تكون العبادة خالصة له وحده.

    والعبادة تكون بالقلب وتكون بالجوارح، وتكون بهما جميعاً، فمثلاً القيام تعبداً يجب أن يكون لله، والركوع يجب أن يكون لله، والسجود يجب أن يكون لله، والتوبة يجب أن تكون لله، والنذر والدعاء والرجاء والخوف وغير ذلك من أنواع العبادة الكثيرة كلها يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، ولا يجوز أن يتعلق العابد لله بغير الله جل وعلا في دعاء ولا في خوف ولا في رجاء، إلا أن الخوف يكون خوفاً طبيعياً ويكون خوفاً غيبيا، فالخوف الطبيعي كالذي يخاف من السبع أو من الحية أو من الظالم المقتدر على أذاه أو تعذيبه، فهذا لا يضر الإنسان شيئاً، وليس عليه في ذلك شيء.

    ولكن الخوف الذي يضر إذا خاف من غائب عنه، فهو يخافه وهو ميت، أو يخافه في أمر ليس من الأسباب الظاهرة، فإن هذا لا يجوز أن يكون إلا لله وحده جل وعلا، فإن حصل للإنسان شيء من ذلك -والعياذ بالله- فقد وقع في الشرك، وهذا الشرك يكون من الشرك الأكبر.

    وكذلك المحبة يجب أن تكون لله وحده، فالحب هو لب العبادة وهو الـتأله، وهو معنى (لا إله إلا الله)، فيجب أن يكون لله وحده، إلا أن الحب -كما سيأتي- ينقسم أيضاً إلى حب طبيعي وحب خاص، فالحب الطبيعي كحب الجائع للطعام والظمآن للشراب، وكذلك حب الألفة والأنس والمصاحبة، وكذلك حب الحنان والرحمة كحب الوالد لولده وما أشبه ذلك فهذا لا ضير فيه، ولا يلام الإنسان عليه، وإنما الحب الذي يكون لله هو الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم، فهذا لا يجوز إلا أن يكون لله؛ إذ كان الحب في ضمنه ذل للمحبوب وتعظيم له، فهذا يكون عبادة لا يجوز أن يكون للمخلوق، وكذلك هذه الآية، حيث استثنى إبراهيم الله جل وعلا فقال: إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27] مما يدل على أنه لا يكفي في عبادة الله جل وعلا أن يقر الإنسان بأن الله هو ربه، مع أنه يوزع عبادته بين الله جل وعلا وبين المخلوقين، فإنه بذلك يكون مشركاً، فإذا قال الإنسان: إن الله هو ربي، وهو خالقي، وهو المتصرف في كل شيء والمالك لكل شيء، وهو المحيي والمميت، وهو الضار النافع، ومع ذلك يدعو غيره من الأموات فهذا الإقرار لا يفيده شيئاً ولا ينفعه، وذلك لأن المشرك لا يقبل منه عمل، والشرك يفسد العمل كله، فلابد في قبول العمل وصحته من الإخلاص، أن يكون الإنسان مخلصاً في عبادته ودعوته واتجاهه إلى الله جل وعلا.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون)

    قال المصنف رحمه الله: [ وقول الله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف:28] أي: لا إله إلا الله. فتدبر كيف عبر إبراهيم عليه السلام عن هذه الكلمة العظيمة بمعناها الذي دلت عليه ووضعت له من البراءة من كل ما يعبد من دون الله من المعبودات الموجودة في الخارج كالكواكب والأصنام التي صورها قوم نوح على صور الصالحين ود وسواع ويعوق ويغوث ونسر، وغيرها من الأمثال والأنداد التي كان يعبدها المشركون بأعيانها.

    ولم يستثن من جميع المعبودات إلا الذي فطره، وهو الله وحده لا شريك له، فهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62] فكل عبادة يقصد بها غير الله تعالى من دعاء وغيره فهي باطله، وهي الشرك الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ [غافر:73-74] ].

    يعني: هذا في الآخرة، حيث ضلوا في الدنيا فيضلهم الله في الآخرة إلى سوء الظنون، ويظنون أنهم على شيء وهم كاذبون، ومعنى قوله: ضلوا عنا يعني: ذهبوا لا نراهم ولا وجود لهم حيث اعتقدوا في الدنيا أنهم يشفعون لهم، وشرك المشركين السابقين كله من هذا القبيل، أي: التشفع فقط. يتخذون الأصنام والصالحين شفعاء، مثلما ذكر في قصة نوح عندما صاروا يدعون وداً وسواع ويغوث ويعوق ونسراً، يقول العلماء: إن هذه الأسماء لرجال صالحين كانوا فيهم، وكانوا قدوة لهم، فماتوا في وقت متقارب، فأسفوا على فقدهم لأنهم يقتدون بهم ويهتدون بهديهم، وهم علماؤهم وعبادهم، فجاءهم الشيطان بصورة ناصح وقال لهم: ألا تصوروا صورهم فتضعونها في أماكنهم التي كانوا يجلسون فيها ويتعبدون فيها، فإذا رأيتم صورهم تذكرتم أفعالهم فاجتهدتم كاجتهادهم؟! فاستحسنوا هذا وصنعوه وصاروا على هذا العمل وقتاً إلى أن ماتوا، فجاء الذين بعدهم، ونسوا السبب الذي من أجله صوروا، فجاء إليهم الشيطان فقال: آباؤكم ما صوروا هؤلاء إلا لأنهم يتشفعون بهم، ويطلبون شفاعتهم عند الله ويجعلونهم شفعاء. فهذا هو أصل الشرك، وهذا أول شرك وقع في الأرض، أما قبل ذلك فكان الناس كلهم على منهج أبيهم آدم عليه السلام موحدين يعبدون الله وحده، ولهذا فنوح هو أول الرسل، وقبل ذلك لم تكن حاجة إلى إرسال الرسل؛ لأن الناس كانوا عابدين لله جل وعلا متبعين الحق مقتدين بأبيهم آدم الذي هو نبي مكلم كلمه الله جل وعلا.

    فلما وقع هذا الأمر بعث نوح عليه السلام، وصار يدعوهم إلى عبادة الله وحده، يقول الله جل وعلا: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ [نوح:1] يعني: يأمرهم أن يعبدوا الله وحده. قال لهم هكذا: اعبدوا الله مالكم من إله غيره، وهكذا الرسل كلهم يقولون هذا القول.

    1.   

    سبب وقوع الشرك

    السبب في وقوع الشرك هو التعلق بالصالحين، وهكذا غير الصالحين مثل الأصنام التي يعبدها الكفار، سواء الكفار الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الكفار الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام، أو غيرهم الذين بعث إليهم جميع الرسل، كلهم كان لهم أصنام يتشفعون بها فقط، وما كان أحد يعتقد أن الصنم شريك لله جل وعلا في خلق السموات والأرض وفي التدبير وفي الإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وغير ذلك، هذا ما وجد في الناس أصلاً، وإنما عبادتهم لهم أنهم يجعلونهم شفعاء، كما قال الله عنهم: أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر:43] يعني: هذه المعبودات اتخذوها شفعاء وزعموا أنها تشفع لهم عند الل. وقال الله عنهم في الآية الأخرى: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] يعني: يشفعوا لنا عند الله.

    فهذا هو الشرك الذي وقع فيه المشركون، ولا يتصور أن شركهم أنهم يسجدون للأصنام والحجارة ويعتقدون أنها تدبر الأمور وتتصرف في الكون، هذا ما وقع، وهم أعقل من ذلك، بل كانوا إذا وقعوا في الشدائد والكروب تركوا هذه الأصنام أصلاً ولجاؤا إلى الله وحده، وعلموا أنه لا يجيبهم ويكشف ما بهم إلا الله وحده، ولهذا احتج الله عليهم بذلك، كما قال الله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] يعني: هل أحد غير الله؟ أقروا أنه الله وحده، وكذلك أخبر الله جل وعلا أنهم إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: من خلقكم؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: من بيده ملكوت السموات والأرض؟ قالوا: الله. فهم مقرون أن الذي يملك ما في السموات وما في الأرض هو الله، وكل هذا ظاهر جلي في القصص التي قصها ربنا علينا في القرآن عن الأمم السابقة والأنبياء.

    إذاً: فشرك المشركين هو في كونهم يدعون المعبودات التي يعبدونها ويدعونها لتشفع لهم فقط، سواءٌ أكانت المعبودات حجارة أم أشجاراً أم مياهاً أم أشخاصاً أم أمواتاً أم ملائكة أم جناً أم أنبياءً أم غير ذلك، فهذه هي عبادتهم، وهذا يجب على المسلم أن يتعرف عليه ويعرفه؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه لا يغفر أن يشرك به، وأن المشرك إذا مات مشركاً فهو خالد في النار، وأن الجنة عليه حرام، وأنه ليس بخارج من النار، وهذا أمر عظيم جداً، فإذا كان الأمر هكذا فيتعين على العاقل أن يتعرف على الشرك خوفاً من أن يقع فيه وهو لا يدري؛ لأنه قد يقع الإنسان في الباطل وهو لا يظن أنه باطل لجهل الأمر، والعاصم من ذلك فهم كتاب الله واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإنسان يعتصم بهذا -إذا عصمه الله جل وعلا- بفهمه وعلمه، وإلا فالإنسان قد يستطيع أن يفسر كلام الله ويبين دليله من اللغة وهو مخالف له، فقد وقع في هذا كثير من الناس، فالأمر ليس سهلاً.

    فالمقصود أن شرك المشركين هو من هذا القبيل فقط، ما كان أحدهم يتصور -فضلاً عن الاعتقاد- أن شيئاً من المخلوقات يحيي أو يميت أو ينزل المطر أو ينبت النبات ويتصرف مع الله جل وعلا.

    وكل هذا من باب القياس، وذلك أن بني آدم علموا أن العظماء والرؤساء والملوك عندهم من يقوم بتوصيل ما يحتاجون إليه، وأكثر الناس لا يستطيع أن يواجههم وأن يأتي إليهم، وإذا أتى إليهم قد لا يحصل على شيء، فقالوا: لابد من اتخاذ الوسائط والشفعاء الذين لهم مقام عند الرئيس وعند الملك حتى يكلموه وحتى يشفعوا عنده، وبذلك يحصل المقصود. فهم جعلوا هذا لرب العالمين، وقاسوا الخالق جل وعلا على المخلوق، وهذا هو الشرك الأكبر، هو تشبيه الخالق جل وعلا بالمخلوق، أو تشبيه المخلوق بالخالق، فهذا يتعالى الله عنه ويتقدس؛ إذ ليس بينه وبين عبده واسطة، أينما كنت اتجه إلى ربك فهو يراك ويسمعك، وهو أقرب إليك من كل أحد إذا أخلصت له ودعوت، ولا تجعل بينك وبين ربك وساطة، ولا يجوز أن يكون بين العبد وبين ربه وسائط إلا واسطة واحدة وهي الرسول صلى الله عليه وسلم في بادئ الأمر في تبليغ أمر الله فقط، في تبليغ شرع الله ودينه؛ لأن الله جل وعلا يوحي إلى من يشاء من الرسل فقط، ولا يكلم أحداً من الناس، وإنما يكلم الرسل إذا شاء من وراء حجاب أو بالوحي، فهم الوساطة بين الخلق وبين ربهم جل وعلا في تبيلغ أمره ودينه وشرعه.

    أما في الدعاء والتوجه والطلب فليس بين الله جل وعلا وبين الخلق وسائط، فمن جعل وسائط بينه وبين الله فقد وقع فيما وقع فيه المشركون الذين عبدوا مع الله غيره.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)

    قال المصنف: [وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31] ].

    هذه الآية أيضاً من الآيات التي توضح معنى (لا إله إلا الله) وتبين ذلك، فهي في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ[التوبة:31]، والأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد الذين يتعبدون لله جل وعلا. والله يخبرنا عن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا هذين النوعين من البشر أرباباً من دون الله، وقد جاء تفسيرها التفسير الواضح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم ، فإن عدياً كان نصرانياً، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في رقبته صليب، فقال له: (ألق عنك هذا الوثن، ثم سمعه يقرأ هذه الآية، فقال: إنهم لم يعبدوهم! فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ألم يحللوا الحرام فيتبعوهم على ذلك، ويحرموا عليهم الحلال فيتبعوهم على ذلك؟ قال: بلى. قال: تلك عبادتهم) يعني: اتباعهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. وباختصار: هو طاعتهم في معصية الله. فإذا أطاعوهم في معصية الله فقد اتخذوهم أرباباً، والرب: هو المالك المتصرف المعبود الذي يجب أن يعبد وحده، وهو الذي يملك الأمر والنهي ويملك التشريع، ويجب أن يكون له التحليل والتحريم، فلا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا؛ لأن من مقتضى الربوبية أن الرب هو الذي يأمر عباده ويحلل لهم ويحرم عليهم، ولا أحد من الخلق يملك شيئاً من ذلك، فإن اتبع مخلوقاً في شيء من ذلك فقد اتخذه رباً، والرب هو الذي يكون معبوداً.

    ولكن في هذا شيء من التفصيل، فإن هذا الأمر ينقسم إلى قسمين، فإذا اتبع الإنسان مخلوقاً في التحريم والتحليل فلا يخلو الأمر إما أن يكون عالماً بأنه حلل الحرام وحرم الحلال ويعلم ذلك فيتبعه مع علمه أنه فعل ذلك، فمن اتبعه على هذا الوصف فهو كافر مشرك خارج من الدين الإسلامي.

    وأما إن كان جاهلاً لا يدري، بل أحسن به الظن فاتبعه فإن هذا عاص له حكم أمثاله من العصاة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف) والمعروف هو ما جاء به الشرع أنه أمر بكذا ونهى عن كذا.

    إذاً: فمعنى هذه الآية أن اليهود والنصارى اتبعوا علماءهم وعبادهم الذين تركوا أمر الله وارتكبوا المحرمات، وتركوا ما هو أمر إلزامي من الله تبارك وتعالى، فاتبعوهم على هذا فكانوا أرباباً لهم.

    وهكذا إذا اتبع الإنسان من هذه الأمة هذا السبيل، اتبع من يحلل الحرام ويحرم الحلال، فإن له حكمه، وذلك أن القرآن ذكر هذه الأشياء عن اليهود والنصارى حتى نجتنبها ونبتعد عنها، وإلا فإنهم في الغالب لا ينتفعون بهذا، وإنما المقصود نحن المسلمين، حتى لا نقع فيما وقع فيه أولئك.

    إذاً: فالتحريم والتحليل والاتباع هذا من خصائص الله، ومن معنى (لا إله إلا الله)، فإن معنى (لا إله إلا الله) أن تعبد الله، وعبادة الله تكون باتباع أمره الذي أمرك الله به واجتناب نهيه الذي نهاك الله عنه، أما إذا اتبعت أمر مخلوق وتركت أمر الله فإن هذا ينتقض، وتكون هذه العبادة لذلك المخلوق.

    الحديث المفسر لهذه الآية

    قال الشارح: [ وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله! لسنا نعبدهم. قال: أليسوا يحلوا لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم) فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير الله تعالى، وبهذا اتخذوهم أرباباً كما هو الواقع في هذه الأمة، وهذا من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد الذي هو مدلول شهادة ألا إله إلا الله، فتبين بهذه الآية أن كلمة الإخلاص نفت هذا كله لمنافاته لمدلول هذه الكلمة، فأثبتوا ما نفته من الشرك، وتركوا ما أثبتته من التوحيد ].

    يكون الاتباع شركاً أكبر إذا كان الإنسان عالماً بأنهم عملوا هذا الشيء -أي تحليل الحرام وتحريم الحلال- فعلم بذلك واتبعهم على هذا، فيكون قد وقع في الشرك الأكبر.

    أما إذا كان جاهلاً فإنه يكون عاصياً من العصاة، يستحق العقاب إن لم يعف الله عنه، وإلا فهو معرض لعقاب الله جل وعلا، ولكن لا يكفر.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)

    قال المصنف: [ وقوله تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] ].

    وهذه الآية أيضاً تبين معنى لا إله إلا الله، وذلك أن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب حباً وخوفاً ورجاءً.

    وفي هذه الآية يقول الله تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165]، والند: هو المثيل والشبيه والنظير. فما هناك أحد من الخلق يعتقد أن شخصاً من بني آدم أو صنماً من الأصنام أو شجرة أو حجراً شيئاً يصنعه بيده يكون مثيلاً لله جل وعلا في التصرف والإيجاد والخلق وجميع الأمور، وإنما التنديد في الحب فقط،، اتخذوهم أنداداً في المحبة، أما في التصرف والفعل فهم يعلمون علماً يقينياً بأنه ليس لهم منه شيء، وأن هذا خاصٌ بالله جل وعلا.

    إذاً: فيكون معنى ذلك: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] أي: في المحبة فقط. فالتنديد هنا في المحبة فقط، والحب هو الذي قلنا: إنه الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم. ومعلوم أن الحجر أو الشجر لا يجوز أن يخاف منه، فإذا خاف الإنسان منه أو رجاه فلابد أنه يحبه، وهذا أمر ضروري، ومن وقع في ذلك فقد وقع في الشرك، وهذا يكون من الشرك الأكبر الذي يكون مخرجاً من دين الإسلام، وإذا مات عليه صار من أهل النار، ولهذا قال الله جل وعلا في آخر هذه الآية: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ [البقرة:166]، والأسباب -كما يقول ابن عباس- هي المودة والمحبة التي بينهم، انقطعت وانتهت، وكل واحد تبرأ من الآخر، العابد تبرأ من المعبود، والمعبود تبرأ من العابد إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [البقرة:166-167] يعني: يقولون: يا ليت لنا كرة. يا ليت لنا رجعة إلى الدنيا. هذا معناه: فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ [البقرة:167]، فهذا لأنهم أحبوهم حب الإلهية والتعظيم، وهذا هو التنديد، وهذا هو التسوية التي ذكرت في الآية الأخرى التي ذكرت أن أهل النار يخاطبون معبوداتهم وهم في النار فيقولون: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98]، والمعنى: لقد كنا ضُلّالاً ضلالاً واضحاً لا يخفى لما كنا نسويكم برب العالمين. أي: في الحب فقط، ما هو في التصرف، وهذه التسوية هي المذكورة في هذه الآية: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165]، فيجب أن يكون الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم لله وحده، ولا يجوز أن يكون لغير الله.

    وقد يشتبه الأمر على بعض الناس أن بعض المخلوقين يحب أكثر من محبة النفس، كالرسول -مثلاً- صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجب على المسلم أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من محبته لنفسه وأهله وماله والناس أجمعين، وإلا فلا يكون مؤمناً الإيمان الذي ينجيه، فيجب أن يعلم أن هذا الحب-حب الرسول صلى الله عليه وسلم- يكون تابعاً لحب الله، وليس حباً مع الله، بل هو يتبع محبة الله جل وعلا، فالمسلم يحب الله حباً أكثر، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك تكون أعظم وأكثر؛ لأنه يحب ما يحبه الله، فالله يحب رسوله، فهي تبع لمحبة الله، وليست محبة مع الله أنها ليست محبة ذل وتعظيم وعبادة، وإنما يحب الرسول لأن الله جل وعلا يحبه، فأنت تحب محبوبات حبيبك، فهي مكملة لمحبة الله جل وعلا ومتممة لها، وهذا يتبين في قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل عرى الإيمان) أو نحو ما قال، فمحبته تكون تبعاً لمحبة الله جل وعلا، فإذا رأيت من يطيع الله تحبه، لا لذاته، ولا لأنه شخص أو لأنه قريب، لا، تحبه لعمله، تحبه لأجل فعله، وتحبه لأجل العمل الذي عمله وهو طاعة الله، وكلما زادت طاعته لله تزداد محبته لدى المؤمنين.

    وهكذا العكس، فإذا عصى الإنسان ربه يبغضه المؤمن، وإذا زادت معصيته زاد بغضه، والكافر يجب أن يتبرأ منه، كما سبق في الآية أن إبراهيم تبرأ من أبيه وقومه لأجل أنهم كفار، وذلك أن الله جل وعلا بريء من المشركين ورسوله، فيجب أن يكون المسلم كذلك بريئاً من المشركين، كما قال الله جل وعلا: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22] أي: لو كان ابنك أو أباك أو أخاك أو زوجك أو أحداً من قومك ما يجوز أن توده وهو عدو لله.

    إذاً: فالحب الذي يكون للمخلوقين ما هو حب ذات، حب الذات لا يكون إلا لله وحده؛ لأنه لا يوجد شيء يحب لذاته إلا الله جل وعلا، أما المخلوقون كلهم فيحبون لصفاتهم وأفعالهم فقط، فإذا كان مطيعاً لله حب لأجل ذلك، ما يحب لأنه بشر، وسواءٌ أكانوا أنبياء أم ملائكة أم غير ذلك، وإنما الذي يحب لذاته هو الله وحده، وذلك أنه جل وعلا هو الإله الحق وحده، وهو المالك وحده، وهو الموجد وحده، وهو المنعم وحده على العباد، والعبادة تكون تبعاً لذلك.

    الشرك في حب الله يكون شركاً منافياً للتوحيد

    قال الشارح رحمه الله: [ وكل من اتخذ نداً لله يدعوه من دون الله ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته وتفريج كرباته كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك؛ فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى ويقولون: (لا إله إلا الله) ويصلون ويصومون فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه، ويبطل كل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا: لا إله إلا الله فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة من العلم بمدلولها؛ لأن المشرك جاهل بمعناها، ومن جهله بمعناها جعل لله شريكاً في المحبة وغيرها، وهذا هو الجهل المنافي للعلم بما دلت عليه من الإخلاص، ولم يكن صادقاً في قولها؛ لأنه لم ينفٍ ما نفته من الشرك، ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص، وترك اليقين أيضاً؛ لأنه لو عرف معناها وما دلت عليه لأنكره أو شك فيه، ولم يقبله وهو الحق، ولم يكفر بما يعبد من دون الله، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165]؛ لأنهم أخلصوا له الحب فلم يحبوا إلا إياه، ويحبون من أحب، ويخلصون أعمالهم جميعاً لله، ويكفرون بما عبد من دون الله.

    فبهذا يتبين لمن وفقه الله تعالى لمعرفة الحق وقبوله دلالة هذه الآية العظيمة على معنى شهادة ألا إله إلا الله، وعلى التوحيد الذي هو معناها الذي دعا إليه جميع المرسلين، فتدبر ] .

    يعني أن الحب مع الله يكون شركاً منافياً للتوحيد، فيجب أن يكون الحب خالصاً لله جل وعلا، وحب عباد الله الصالحين متعين، ولكن مثلما سبق أن عباد الله الصالحين يحبون لله لا يحبون معه، فمعنى محبتهم أنها مكملة لمحبة الله جل وعلا.

    وأما قوله: (فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة) فالقيود التي قيدت بها هذه الكلمة جاءت في الأحاديث الصحيحة وفي الآيات، كقوله جل وعلا: إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] يعني: لابد أن يكون عالماً بمعنى هذه الكلمة، (شهد بالحق) الذي هو لا إله إلا الله، (وهم يعلمون) هذه الشهادة ومعناها وحقيقتها حتى لا يخالفوها.

    وكذلك قيدت باليقين، فيكون الإنسان موقناً بذلك، والذي يدعو مع الله غيره يكون غير موقن، بل يكون غير عالم بها، وكثير من الناس يغتر؛ لأنه جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، والمقصود بقول: (لا إله إلا الله) نفي العبادة عن غيره جل وعلا وإثباتها له، فمن مات وهو لا يعبد إلا الله وحده فإنه يكون من أهل الجنة، ولكن إذا كان يقول: (لا إله إلا الله) وهو يدعو غير الله معه فهذه الكلمة تكون لا فائدة في قوله لها؛ لأنه يأتي بالفعل الذي ينافي هذا القول.

    وكذلك كونه لا يكفر بما يعبد من دون الله، فإن هذا قيد من القيود التي قيدت به هذه الكلمة، لابد لمن يقول: (لا إله إلا الله) أن يكفر بما يعبد من دون الله، أما إذا آمن بالمعبودات من دون الله فقد ناقض هذا القول.

    والمقصود أنه يجب على العبد أن يتعرف على معنى كلمة التوحيد، وعلى القيود التي قيدت بها وشروطها، ومنها أنه لابد أن يكون القائل لها عالماً بها ولمدلولها، صادقاً فيها، والصدق معناه أن يقولها صادقاً لا متردداً أو شاكاً فيها.

    ولابد أن يكون محباً لها الحب الذي ينافي البغض لمدلولها وما دلت عليه، فمن أبغض شيئاً مما دلت عليه فهو لم يأت بهذه الكلمة على الوجه المطلوب.

    وكذلك لابد أن يكون مخلصاً في قولها، فمن وقع في الشرك وقالها لا تفيده، ولابد أن يكون أيضاً منقاداً لها مذعناً، فلو قال -مثلاً-: (لا إله إلا الله) ولم ينقده لما دلت عليه من الفرائض والواجبات التي أوجبها الله جل وعلا فهذا لم يأت بها على الوجه المطلوب، ولم يحصل على ما وعد من دخول الجنة لمن قالها، إلى غير ذلك من القيود التي قيدت بها هذه الكلمة.

    1.   

    معنى قوله: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب..)

    قال المصنف رحمه الله: [ وقول الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57] ].

    قبل هذه الآية يقول الله: قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً [الإسراء:56] ( ادعوا الذين زعمتم ) يعني أنهم كانوا يدعون المخلوقين غير الله جل وعلا، وقوله: ( ادعوا ) هذا أمر تعجيز وتهديد لهم، يقول: إنكم إذا دعوتموهم فإن دعوتهم لا تنفع بل تضركم، قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ [الإسراء:56] لا يملكون كشف الضر الذي تدعونهم لكشفه ولا تحويله من مكان إلى آخر، والمعنى أنهم لا يملكون شيئاً.

    ثم بعد ذلك قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً [الإسراء:57] يكاد يجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في الذين يدعون المسيح وأمه وعزيراً والملائكة، يقول: إن هؤلاء الذين تدعونهم عباد مثلكم يتسابقون في طاعة الله والتقرب إليه أيهم يكون أقرب إلى الله بالعمل الصالح الذي يعمله، فهم لا يجوز أن يدعون، فدعوتكم إياهم ضلال وخسران، وهي تضركم ولا تنفعكم.

    وقيل: إنها نزلت في قوم من الجن كان بعض المشركين يدعونهم، وكان من عادة المشركين أنهم يعبدون الجن، فقال الله جل وعلا عنهم: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6] كان أحدهم إذا آواه الليل وهو في البر ينادي ويقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. أستجير بسيد هذا الوادي-يعني رئيس الجن- أستجير وأستعين به -وهذه عبادة- من سفهاء قومه أن يعتدوا علي فزادوهم رهقاً يعني: خوفاً وذلاً. فأذلوهم حيث تسلطوا عليهم بسبب هذا الدعاء الذي هو العبادة؛ لأن الذي يتعلق بغير الله يسلط الله عليه ذلك المخلوق الذي تعلق به بخلاف الذي يتجه إلى ربه جل وعلا فإنه لا يضره شيء، والله يحميه.

    فقوله: أولئك الذين يدعون يعني: هؤلاء. وقرأ بعض القراء: أولئك الذين تدعون خطاباً للكفار، أنهم يدعون بعض من يدعونهم من دون الله، سواءٌ أكانوا ملائكة أم غيرهم، فإن فريقاً من مشركي العرب كانوا يعبدون الملائكة كما أخبر الله جل وعلا عنهم في كتابه، وإذا جمعهم يوم القيامة فإن الله يخاطب الملائكة ويقول: أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ:40]، فتتبرأ الملائكة منهم ويقولون: قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [سبأ:41] أي: الشياطين التي أمرتهم بذلك أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:41]، ومنهم من يعبد المسيح، ومنهم من يعبد عزيراً وهو نبي، وكذلك أم المسيح مريم عليها السلام، فقد كان بعض الناس يعبدها وهي ليست نبية، وإنما هي صديقة كما أخبر الله تعالى عنها، فهؤلاء المعبودون يخبر الله جل وعلا عنهم أنهم كانوا يتقربون إلى الله ويسارعون إلى مرضاته أيهم يكون أقرب عند الله، والوسيلة التي يبتغونها هي الإسلام، هي الدين الذي أوحاه الله جل وعلا إلى أنبيائه.

    وقوله تعالى: يبتغون إليه الوسيلة يعني: يعتنقون الدين ويؤمنون به ويتبعونه؛ لأنه هو الوسيلة التي تقربهم إلى الله جل وعلا. ويتبين بهذا أن الدعاء من العبادة يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا وحده.

    1.   

    معنى قوله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه..)

    قال الشارح: [ يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها وهو قوله تعالى: قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً [الإسراء:56] .

    قال ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى: ( قل ) يا محمد للمشركين الذين عبدوا غير الله قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ من الأصنام والأنداد، وارغبوا إليهم فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم أي: بالكلية ولا تحويلا أي: ولا أن يحولوه إلى غيركم.

    والمعنى أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر.

    قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه فى الآية : كان أهل الشرك يقولون : نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً. وهم (الذين يدعون) يعنى: الملائكة والمسيح وعزيراً.

    وروى البخاري فى الآية عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا. وفى رواية : كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم ].

    يعني أن المعبودين من الجن أسلموا فصاروا يتقربون إلى الله ويتسارعون لطاعته أيهم أقرب إليه زلفى، وبقي الإنس المشركون على عبادتهم، يقول: أولئك الذين تدعون يبتغون عند ربهم الوسيلة. يعني أنهم أسلموا واتبعوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الوسيلة إلى الله جل وعلا.

    قال الشارح: [ وقول ابن مسعود هذا يدل على أن الوسيلة هي الإسلام، وهو كذلك على كلا القولين.

    وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس فى الآية قال: عيسى وأمه وعزيراً. وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية : هم عيسى وعزير والشمس والقمر. وقال مجاهد : عيسى وعزير والملائكة ]

    الصواب أن هذه الآية عامة في كل من يدعى من دون الله، سواءٌ أكان صالحاً من عباد الله سواء من البشر أو من الملائكة أو من الجن، أم كان صنماً أم شجراً أم غير ذلك، فكل ما دعي من دون الله فهو لا يملك كشف الضر ولا تحويله، أي: لا يملك شيئاً، وهو أيضاً إذا كان عاقلاً خاضعاً لله جل وعلا ذالاً له عابداً له بالعبادة التي سخره الله تعالى ليعبده بها، فإنه جل وعلا كل من في السموات والأرض من غير بني آدم والجن يعبد ربه ، أما الجن والإنس فهم الذين حق على كثير منهم القول؛ لأنهم كفروا بالله جل وعلا.

    فالمقصود أنه إذا وقعت العبادة لغير الله سواءٌ أكانت لعاقل أم لغير عاقل فهي شرك وضلال، وذلك المعبود سوف يتبرأ من العابد أحوج ما كان إليه، وسوف يكفر بعبادته، كما أخبر الله جل وعلا بذلك بقوله جل وعلا: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6] وهذا عام في كل معبود من دون الله.

    لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء

    قال الشارح: [وقوله : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فكل داع دعا دعاء عبادة أو استغاثة لابد له من ذلك، فإما أن يكون خائفاً، وإما أن يكون راجياً، وإما أن يجتمع فيه الوصفان.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه الآية الكريمة لما ذكر أقوال المفسرين: وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابداً لله، سواءٌ أكان من الملائكة أم من الجن أم من البشر، والسلف في تفسيرهم يذكرون تفسير جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله : ما معنى الخبز ؟ فيريه رغيفا فيقول: هذا. فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه، وليس مرادهم من بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية.

    فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأولياء والصالحين، سواءٌ أكان بلفظ الاستغاثة أم غيرها فقد تناولته هذه الآية الكريمة كما تتناول من دعا الملائكة والجن، فقد نهى الله تعالى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، ولا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ولا تحويلاً فذكر نكرة تعم أنواع التحويل.

    فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة فقد دعا من لا يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله].

    يعني: من دعا حاضراً في شيء لا يقدر عليه. فلا يلزم أن يكون ميتاً، أما دعوة الميت والغائب فهي شرك مطلقاً، لأنه في دعوته هذه لا يسمع وليس قادراً على ذلك، أما إذا كان حاضراً فيشترط أن يكون دعاؤه فيما يستطيع أن يجيبه، أما إن كان في الشيء الذي لا يجيبه، مثل أن يدعوه أن يشفي مريضه أو يصلح قلبه أو أن يهب له مولوداً أو ما أشبه ذلك فهذا شرك أكبر بالله جل وعلا؛ لأنه من خصائص الله جل وعلا، وكل من جعل شيئاً مما هو لله جل وعلا للمخلوق فقد وقع في الشرك الأكبر.

    قال الشارح: [وفي هذه الآية رد على من يدعو صالحاً ويقول : أنا لا أشرك بالله شيئاً، الشرك عبادة الأصنام!]

    الذي يدعو صالحاً سواءٌ أكان حياً أم ميتاً، ويقول: دعائي ليس شركاً وإنما هذا توسل به فالواقع أن هذا هو الشرك، وإن غير الاسم فهو لا يجدي شيئاً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011439480

    عدد مرات الحفظ

    722140802