إسلام ويب

أسباب تحصيل السعادةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن السعادة هي غاية يطلبها كل البشر، والإنسان دائماً يبحث عنها بكل ما أوتي من قوة، والناس بين مصيب في البحث عنها، ومخطئ، وهم كثير، فالسعادة ليست في جمع المال، ولا في تحصيل الملذات والشهوات، فيا ترى ما هي السعادة؟ وما هو السبيل إلى تحصيلها، وما هي الطريق إليها؟ هذا هو ما تتناوله هذه المادة.

    1.   

    السعادة غاية يقصدها كل البشر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فشكر الله للإخوة القائمين على هذه المراكز جهودهم الكبيرة المحمودة في توجيه الشباب، وشغل أوقات فراغهم، فيما يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير العميم، وإن هذه الجهود لتستحق الإشادة والثناء، ونسأل الله عز وجل أن يجزيهم عنها خير الجزاء، وأن يشد على أعوادهم، ويقوي عزائمهم، ويهبنا وإياهم الصبر والثبات، إنه على كل شيء قدير.

    البحث عن السعادة

    إنك -أيها المسلم- حين تتلفت حولك في هذه الدنيا، فتجد جموعاً غفيرةً من الناس، مختلفةً ألوانهم وأشكالهم وأديانهم وأخلاقهم وأجناسهم، وتجد هذه الجموع الغفيرة كلها تكدح في الحياة كدحاً، وتسعى فيها سعياً حثيثاً.

    تقف لتسائل نفسك: عن أي شيء يبحث هؤلاء؟

    وماذا يريدون؟

    وأي غاية يقصدون؟

    تقف لتتأمل فتجد أغراضهم شتى، ومقاصدهم مختلفة متباينة، وهنا تقف لتسأل نفسك سؤالاً آخر: هل توجد غاية أو هدف محدد معين يتفق الناس كلهم، أولهم وآخرهم على البحث عنه والرغبة فيه والحرص على تحصيله؟ هل يوجد هدف معين يتفق عليه هؤلاء الكادحون جميعاً على البحث عنه؟

    الجواب: إنه لا يوجد هدفٌ يسعى الناس جميعاً في تحصيله إلا هدفٌ واحد، وهو السعي لطرد الهموم عن قلوبهم، وتحصيل ما يسمونه: بالسعادة.

    أما ما عدا ذلك من الأغراض مهما تكن فإن الناس لا يتفقون على طلبها، فإن من الناس -مثلاً- من لا يسعى في العمل للآخرة وطلب مرضات الله عز وجل؛ لأنه غير مؤمن وغير مسلم وغير مستعدٍ ليوم المعاد، ولا راغبٍ في رضوان الله تعالى، ومثل هذا لا يعمل للآخرة.

    وهناك من الناس من لا يرغب في تحصيل العلم، وهم عامة العوام الموجودون في زمانك هذا وفي كل زمان، لا يشعرون بقيمة العلم، ولا يرغبون في تحصيله.

    ومن الناس من لا يرغب في المال، وذلك كالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم لا رغبة لهم في الأموال، زاهدون فيها معرضون عنها، ومن الناس من لا يرغب في الشهوات الدنيوية المحضة، وهكذا.. كل مطالب الدنيا التي يركض البشر خلفها، يتفاوتون فيها، فيسعى بعضهم إليها، وبعضهم الآخر لا يسعى إليها، ولا يرغب في تحصيلها، إلا أن هناك مطلباً واحداً يتفق الجميع على أنه مطلب محمود، بل ويسعون إليه بكل ما أوتوا من الوسائل، هذا المطلب هو: الحرص على دفع الهموم والغموم عن قلوبهم، أو بعبارة أخرى: الحرص على تحصيل السعادة.

    والسعادة كما يعرفها علماء اللغة هي: أصل يدل على الخير والسرور، وهي: ضد الشقاوة، وخلاف النحس.

    نظرة خاطئة في طريق السعادة

    أيها الإخوة: إذا عرفنا جميعاً أن الناس يتفقون في البحث عن السعادة، فإننا يجب أن نعرف أيضاً أن كثيراً منهم يخطئون طريقها، فالفقير يحسب السعادة في الغنى، فيسعى لجمع المال بكل وسيلة، والمريض يحسب السعادة في الصحة والعافية فيسعى إلى نيلهما وتحصيلهما، والضعيف يظن السعادة في القوة، والشخص الخامل المغمور يظن السعادة في الجاه والشهرة، والمخفق يظن السعادة في النجاح، وهكذا.. يظن كثيرٌ من الناس أن السعادة في تحصيل المطالب التي طويت عنهم، وحرموا نيلها وتحصيلها، فيسعون إلى نيل هذه المطالب بكل وسيلة.

    وأنت إذا نظرت إلى هذه الأشياء التي يسعى الناس إلى نيلها وتحصيلها؛ وجدت أنها في الحقيقة لا توصلهم إلى نبيل السعادة؛ لأن السعادة كما سبق هي: طرد الهم والغم عن القلب، وطلب هذه الأشياء -من المال، أو الجاه، أو الشهرة، أو المنصب، أو الصحة، أو النجاح- بمجردها ولذاتها لا لغيرها، لا يزيل الهم عن القلب، وإن تخيله بعض الناس كذلك، بل إن طلب هذه الأشياء ونيلها؛ يجر إلى الإنسان آلاماً وهموماً كثيرةً، فيا ترى ما هذه الآلام والهموم والغموم، التي يجرها سعي الإنسان لتحصيل هذه الأعراض الظاهرة من مالٍ، أو جاهٍ، أو صيتٍ، أو غيرها؟!

    أولاً: يصيب الإنسان الهم والغم، بعدم تحصيله لكل ما يريد، فكم من إنسان سعى سعياً حثيثاً لنيل المال -مثلاً- فأخفق في ذلك، وكانت نتيجة سعيه أن أثقلت كاهله الديون الكثيرة.

    إذاً فقد يصيب الإنسان الهمُّ، بحرمانه من هذه الأشياء التي يسعى في تحصيلها، أو من بعضها، وقد يصيبه الهم من خوفه من زوالها بعد الحصول عليها، فكم من إنسان جاءته الدنيا وأقبلت عليه، فتجده مع ذلك قلقاً خائفاً أن ترتحل عنه هذه الأعراض، وأن تزول عنه بين عشيةٍ وضحاها، ولذلك كان كثيرٌ من المتشائمين، وإن أقبلت عليهم الدنيا، فإن قائلهم يقول:

    يا راقد الليل مسروراً بأوله     إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً

    فحتى والإنسان يتمتع بهذه الأعراض، فإن الهم يأتي إلى قلبه من خوف زوالها، ثم إن هذه الأعراض قد تزول -فعلاً- بعدما حصل عليها الإنسان، فيبقى الهم لا يغادر قلبه، وكلنا يعرف كم من غنيٍ افتقر بعد غنى، وكم من حاكم دانت له الرقاب، وذلت له الرءوس، فإذا هو بين عشية وضحاها شريداً طريداً، وكلكم يذكر -مثلاً- قصة حاكم إيران، الطاغية المتجبر، الذي كان يحلم بإقامة امبراطوريةٍ عظمى، فإذا به بين عشيةٍ وضحاها يخسر عرشه، ويخرج طريداً من بلاده، ويهرب من بلدٍ إلى آخر لا يأمن على نفسه، ولا على ماله أو ولده، ثم يموت شرَّ ميتة بالصورة التي يعرفها الجميع.

    إذاً: فهناك همٌ ثالث يصيب الإنسان، وهو: زوال هذه الأعراض بعد حصوله عليها.

    وهناك هم رابع يصيب من نالته أو من نال هذه الأعراض، وهو: أن يخشى أن يزول هو عنها، فإن هذه الأعراض إن لم ترتحل عنك، فإنك سوف ترتحل عنها بالموت لا محالة، ولذلك فالموت سيفٌ مصلتٌ على رقاب الجبارين، لأنه لا أحد مطلقاً يطمع في النجاة منه والخلود أبداً، وهذا همٌ لا يغادر قلوبهم أبداً.

    الهم الخامس الذي يصيبهم؛ هو: ما يغشى قلوبهم ويعتريها، حين يرون من يفوقهم في هذه الأعراض، فالغني إذا رأى من هو أغنى منه اكتأب، والحاكم إذا رأى من هو أكثر منه في رقعة البلاد التي يحكمها، أو عدد البشر، أو غير ذلك اكتأب، والقوي إذا رأى من هو أقوى منه اكتأب، وهكذا...

    الهم السادس: هو ما يصيب قلوب هؤلاء الذين حصلوا على بعض الأعراض الدنيوية، مما يسمعونه من ذم الناس لهم، وعيبهم لهم، فأنتم تعرفون -مثلاً- أن هناك أغنياء يملكون الأموال الطائلة، ثم تجدون كثيراً من الناس يتكلم فيهم، وينال منهم بأي صورةٍ من الصور، فالإنسان الذي يملك الغيرة الدينية، يقول: تعساً لهؤلاء الأغنياء، ما أغنى عنهم مالهم، إن هذه الأموال يعذبون بها في الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كارهون، ويعذبون بها في قبورهم وآخرتهم، والإنسان الذي يحس بالغيرة الوطنية يقول: تباً لهؤلاء الأغنياء، إنهم تنكروا لأوطانهم وبلدانهم، فأصبحوا ينفقون الأموال الطائلة في بلاد أوروبا وغيرها، ولا تستفيد منهم بلدانهم التي ينتسبون إليها، وأقاربهم يقولون: ليس لنا إلا الاسم، أما غير ذلك فلم ننتفع منهم وهكذا.. فيشقى هؤلاء الأغنياء، بالذم الذي يسمعونه على ألسنة الناس.

    وأخيراً يشقى هؤلاء كلهم أو معظمهم بما يعرفونه من العذاب الذي أعده الله عز وجل لمن استعمل هذه الأعراض في غير مرضاته، فسواء آمنوا بهذا العذاب المنتظر لأمثالهم إيماناً حقيقياً، أو ظنوا أنه سيصيبهم، أو خافوا، ففي جميع هذه الحالات هم يعذبون بالوعيد الذي ذكره الله عز وجل في كتابه لأمثالهم.

    لذلك كله، فإن الإنسان يخطئ حين يعتقد أن السعادة، وطرد الهم والغم عن قلبه، يكون بتحصيل الأعراض الدنيوية، وتحصيل المال، والسمعة والصيت والجاه، أو بتحصيل المركز والوظيفة، أو القوة، أو بتحصيل الشهادة الدراسية، أو الشهوة الحيوانية، يخطئ الإنسان طريق السعادة حين يقضي عمره وأيامه في البحث عن هذه الأعراض الزائلة، وحينئذٍ يسأل الإنسان: وهل هناك سعادةٌ أو لذةٌ يشعر بها الإنسان غير هذه السعادة؟

    1.   

    السعادة الحقيقية

    لقد ذكر شيخ الكاتبين في مصر الأديب المشهور/ مصطفى المنفلوطي، في كتابه الذي سماه"بـالنبرات" قصة سماها "قصة الصياد" وخلاصة هذه القصة: أن أحد أصدقائه قال: إن رجلاً قرع عليه الباب، فخرج فإذا هو بصياد ممن يصيدون السمك، وإذا معه سمكةٌ كبيرة، وقال له -بعد أن سلم عليه وحياه- أتشتري مني هذه السمكة؟

    قال: فلم أساومه عليها بل سألته مباشرةً: كم تريد عليها؟

    فقال: أريد عليها كذا وكذا.

    قال: فنقدته الثمن حالاً، فارتاح الصياد لهذا، وشكرني ودعا لي، وقال لي -وقد رأى علي مظهر الغنى والثرى.

    قال: جعلك الله سعيداً في نفسك كما جعلك سعيداً في مالك.

    قال: فقلت له: أيها الصياد، وهل هناك سعادة غير سعادة المال؟

    قال لي: أجل! إن سعادة المال لا قيمة لها، ما لم يكن الإنسان سعيداً في نفسه.

    فقال له: وهل أدركت سعادة النفس؟

    قال: نعم، إنني وأنا الرجل الفقير، أحس في قرارة قلبي بسعادة لا حدود لها.

    قال: وكيف تشعر بالسعادة، وأنت ترى هؤلاء الأغنياء أصحاب الأموال الطائلة والقصور الفارهة والمراكب الفخمة؟

    قال له الفقير البسيط: وأي شيءٍ أغنت عنهم هذه الأموال التي وجدوها، وهي لم تمنحهم السعادة التي يبحثون عنها، إن هذا مما يزهدني في المال، أنني أرى الذين حصلوا عليه هم أكثر الناس شقاءً به، يشقون في جمعه، ثم يشقون في المحافظة عليه، ويشقون في تنميته، ويشقون به في الدنيا والآخرة.

    أما أنا -الصياد الفقير- فإني أجد لذةً في حياتي.. حياتي البسيطة.. البعيدة عن التكلف والتعقيد، بين أولادي وزوجي في هذا الكوخ المتواضع، ولا أشعر لأحدٍ بمنةٍ علي إلا لله عز وجل، فأتوجه إليه بالعبادة والشكر والتعظيم، وأتعرف عليه بأسمائه وصفاته، وأتقرب إليه بألوان العبادة بكرةً وعشياً. فتعجب هذا الرجل الغني من هذا المنطق القوي، الذي يتحلى به هذا الفقير.

    أيها الإخوة: إنك حين تبحث عن السعادة الحقيقية تجد أنها شعورٌ في النفس والقلب، حيث ينفسح وينشرح فيشعر بالسعادة، حتى مع فقد جميع الأعراض الدنيوية، ويضيق القلب ويظلم، فيشعر بالقلق والشقاء، حتى مع وجدان جميع الأعراض الظاهرة الزائلة.

    العمل لله عز وجل هو حقيقة السعادة

    لذلك فإن السبيل الوحيد -إلى تحصيل السعادة، وإلى طرد الهموم- السالم من جميع المنغصات، هو: العمل لله عز وجل، والتوجه إليه تبارك وتعالى بكل النفس والقلب، والإعراض عن كل ما سواه من المخلوقين.

    ولذلك فإن الإنسان الذي يعمل لله عز وجل يكون في سرور أبداً، فهو إذا حصل ما يعمل من أجله أصابه السرور، وإذا انتصر أصابه السرور، وإذا انهزم أو لم يحصل على ما يريد أو أخفق، فإنه لا يغتم لذلك؛ لأنه يعرف أن الأجر الذي وعده الله عز وجل مرتب على العمل وليس على النتيجة.

    ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: ما يصنع بي أعدائي، أنا جنتي وبستاني في صدري، حيثما ذهبت فهي معي لا تفارقني، سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة.

    فالسعادة مستقرها القلب، ولا سبيل لهم على القلب، فإن سجنوه تفرغ للعبادة، وإن آذوه شعر بأن هذا الإيذاء في ذات الله، فوجد من سرور القلب ونعيمه بهذا الأذى ما لا يجده الناس الذين يظن أنهم سعداء يتقلبون على فرش الحرير والديباج، وإن نفوه من بلده شعر بأن هذه سياحة، وأقصى ما يفعلون به أن يقتلوه، وهذه شهادة يتمناها كل مسلم صادق، ويدعو الله عز وجل أن يبلغه منازل الشهداء، فيحتار أعداؤه فيه.

    وها نحن أمام داعية من الدعاة المعاصرين يشرد من بلده ويطرد ويؤذى بألوان الأذى، فلا يأبه بما يصنع الأعداء وما يضعون أمامه من العراقيل، فيقول ضمن قصيدة طويلة:

    ولو ملكت خياري والدنا عرضت     بكل إغرائها في فنها العجب

    لما رأت غير إصراري على سنني      وعادها اليأس بعد الهدِ والنصبِ

    قلبي خليٌ عن الدنيا ومطَّلبي     ربي فليس سراب العيش من أربي

    ثم يقول وقد فقد كثيراً مما يجده الأغنياء والمترفون، وأخرج من بلده وتغرب، وفارق أهله وأصدقاءه، يقول بلسان المؤمن الصادق:

    ربي لك الحمد لا أحصي الجميل إذا     نفثت يوماً شكاة القلب في كرب

    فلا تؤاخذ إذا زل اللسان      وما شيء سوى الحمد في الضراء يجمل بي

    لك الحياة كما ترضى      بشاشتها فيما تحب وإن باتت على عضبي

    رضيت في حبك الأيام جائرةً      فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذب

    وهذا الشعور ليس شعوراً خاصاً بهذا الداعية، أو بذلك الإمام الجليل، بل هو شعورٌ وجده كل مسلم صادق، وهو يفقد ما يفقد من زخرف الدنيا، وجده محمد صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة، ووجده أصحابه وهم يطردون منها كل مطرد، ووجده المؤمنون في غزوة أحد وهم يهزمون , ووجده أصحاب الرجيع وهم يقتلون، ووجده كل مؤمنٍ يجد الأذى في ذات الله عز وجل فيعوض عما فقد من هذه الدنيا، بهذا السرور القلبي، الذي لا يمكن أن يوصف، وإنما عبر عنه هذا أو ذاك، عبروا عنه على لسان الجميع.

    أعظم الناس شعوراً بالسعادة هم أكثرهم عملاً للآخرة

    وأعظم الناس شعوراً بذلك، وإدراكاً لهذه السعادة هم أعظم الناس عملاً للآخرة، واستعداداً لها، وتضحيةً في سبيل الله عز وجل، ولذلك فإن للنبي صلى الله عليه وسلم من السعادة في الدنيا وفي الآخرة، أكملها وأزكاها وأوفاها، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:1-4] أي: قد شرحنا لك صدرك، ووسعناه وطمأناه بالإيمان والعلم النافع والنبوة، وأعطاه الله عز وجل ما ذكره في هذه السورة، من الرفعة والنعيم في الدنيا والآخرة.

    ولأتباع النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الشرح والسعادة والنعيم في الدنيا والآخرة، بقدر كمال اتباعه له صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] فمن شرح الله صدره للإسلام ووسعه للإيمان، فهو على نورٍ من ربه، يتحرك في هذه الحياة وهو يعرف لماذا جاء إلى هذه الدنيا؟

    وكيف يقطع هذه الرحلة القصيرة عليها؟

    وإلى أين سينتهي به المقام؟

    وما هو مصيره في الآخرة؟

    فيشعر بالأنس والسعادة، ويتلذذ بطاعة الله تعالى ومناجاته.

    أما الكافر فهو على الضد من ذلك، يسمع الآيات القرآنية، ويسمع ذكر الله عز وجل فيزيد هذا قلبه قسوةً وجموداً، فقلوبهم قاسيةٌ من ذكر الله، و(من) هاهنا سببية، أي: قلوبهم قاسية بسبب ذكر الله عز وجل وهكذا الكافر لا يزيده الله تعالى إلا قسوةً في قلبه، وقد تكون (من) ابتدائية، فيكون المعنى: أن قلوبهم قاسية بسبب بعدها عن ذكر الله عز وجل فهي معرضةٌ غافلةٌ عن ذكر الله، وهاهنا تكون من للابتداء، ويقول الله عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مثلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مثلاً [الزمر:29].

    فهذا الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، هو مثلٌ للمشرك الذي يعبد آلهةً شتى، فيصبح قلبه متشعباً في الأودية والشعاب، هذا يأمره بأمر، وذاك يأمره بضده، أما المؤمن الموحد لله عز وجل فقلبه على وجهةٍ واحدة.

    1.   

    أسباب تحصيل السعادة

    وحين ننظر إلى الأسباب التي حصل بها النبي صلى الله عليه وسلم، أو حصل بها أتباعه هذه السعادة نجد أنه يمكن تلخيصها واختصارها في الأسباب التالية:

    الإيمان والتوحيد

    السبب الأول: الإيمان والتوحيد.

    فإن للمؤمن من السعادة بالإيمان بالله عز وجل مالا يجده غيره، ولذلك تجد الكافر مظلم القلب والنفس، قلق الفؤاد، ولو قرأت ما تغنى به الشعراء الكافرون، وما عبروا به عما يحسونه في نفوسهم من الضيق؛ لشعرت ببعض ما يعانونه من ذلك، وهم يحاولون طرد هذه الهموم عن قلوبهم بالسكر -مثلاً- ليفقدوا عقولهم، ويفقدوا الشعور بالحياة، أو بغير ذلك من ألوان اللذائذ الدنيوية التي يتعاطونها، فلا يزيدهم هذا إلا قلقاً وظلمة.

    فيلجئون أخيراً إلى التخلص من هذه الحياة الدنيا بالانتحار، وإن أعلى نسب الانتحار اليوم هي في أعلى بلاد العالم حضارة، وفي التيسيرات المادية الهائلة، وهي ما تسمى بالدول الاسكندنافية ففيها أعلى نسبة لدخل الفرد، وبالمقابل فيها أعلى نسبة للانتحار، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي من طرقٍ موصولة ومرسلةٍ يشد بعضها بعضاً -كما يقول الحافظ ابن كثير- يقول صلى الله عليه وسلم: {إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح، قالوا: يا رسول الله! وهل لذلك من علامة؟ قال: نعم. التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نـزوله}.

    إن هذا هو العمل في سبيل الله عز وجل والتوجه بكل النفس والطاقات إلى الله تبارك وتعالى والدار الآخرة.

    العلم النافع

    السبب الثاني من أسباب السعادة: العلم.

    والمقصود بالعلم العلم النافع الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه، فإن هذا العلم يفسح القلب، فقد يطلب الإنسان العلم كما قال الإمام الزهري رحمه الله وقلبه شعبٌ من الشعاب، فما يزال في طلبه حتى يصبح قلبه وادياً من الأودية، وقد يكون مراد الإمام الزهري: أن الإنسان تتسع مداركه للعلم وهذا صحيح، ولكن يدخل في ذلك أيضاً: أن الإنسان كلما تزود بالعلم النافع اتسع صدره، وانشرحت نفسه، وبضد ذلك فإن الجهل ظلمة تخيم على قلب صاحبها، فلا يأنس بشيءٍ بعده أبداً.

    محبة الله تعالى

    السبب الثالث من أسباب تحصيل السعادة: محبة الله تبارك وتعالى بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بذكره.

    ولذلك كان العباد والمحبون يعيشون في أعلى درجات السعادة، حتى يقول قائلهم: إنه لتمرُّ بالقلب ساعات يرقص فيها طرباً، حتى إنني لأقول: إن كنت في الجنة في مثل هذا، فإني إذاً في عيشٍ طيب.. ساعات يرقص القلب فيها طرباً، ابتهاجاً بالقرب من الله تبارك وتعالى والأنس بذكره، والتلذذ بمناجاته، وبضد ذلك، فإن من أسباب الشقاوة أن يتعلق قلبك بغير الله عز وجل.

    ولذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: من تعلق قلبه بشيءٍ غير الله تبارك وتعالى عذب به، وذلك لأن الإنسان قد يتعلق قلبه بغير الله، من المحبوبات والمعشوقات، بالصور الجميلة، سواء كانت صورة امرأة، أو صورة شاب، أو كانت تعلقاً بدنياً، أو بجاهٍ، أو بأي أمرٍ آخر، فيصبح قلبه متألهاً لهذا المحبوب متعبداً، حتى ليقول القائل من هؤلاء المصابين بلوثات الوثنية عن محبوبته:

    لا تدعني إلا بياعبدها     فإنه أشرف أسمائي

    وحتى ليبلغ تقديس الوطن -مثلاً- على لسان أحد الشعراء أن يقول:

    وطني لو صوروه لي وثناً     لهممت ألثم ذلك الوثنا

    ويقول آخر:

    وطني لو شغلت بالخلد عنه     نازعتني إليه في الخلد نفسي

    إذاً: تعلق القلب بغير الله تبارك وتعالى سببٌ لأن يعذب الله هذا القلب المتعلق بغيره، بهذا الشيء الذي تعلق به، فتجد واحدهم -مثلاً- قضى حياته كلها بالتعلق بمعشوقة بغض النظر عمن تكون، ثم لم يتح له أن يجتمع بها، ولا أن يسعد -فيما يعتقد- هو بلقائها، فمات محروماً من الخير كله، لا هو حصل على ما يريد من هذه المحبوبة، التي ملأت عليه قلبه، ولا هو عاش حياته بعيداً عن هذا الشقاء، فمات ميتة التعساء الأشقياء.

    وليس يغني عن هؤلاء العشاق شيئاً أن يكون بعض الناس يقرءون قصائدهم فيجدون المتعة فيها، فأي غنى لهذا العاشق وهو في ظلمة قبره أن يردد الناس اسمه، أو يتغنوا بقصائده، أو يتمدحوا بالمواقف التي حصلت له، إنها الشقاوة تحيط به، وتحيط بقلبه من جميع جوانبه، وهكذا من تعلق قلبه بغير الله تعلق حبٍ وذلٍ وتأله، فإنه يعذب بهذا الشيء الذي تعلق به.

    ولذلك تجدون الشباب الذين يركضون خلف الأغاني المنحرفة، ويكثرون من سماعها، فتتأثر قلوبهم بذلك، تجد أنه لا مكان للقرآن، أو للذكر، أو للذة المناجاة في قلوبهم، وهذا مصداق ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول:

    حب الكتاب وحب ألحان الغنا     في قلب عبدٍ ليس يجتمعان<

    ذكر الله تعالى على كل حال

    السبب الرابع: دوام ذكر الله تعالى على كل حال.

    وهذا أثر من آثار المحبة، فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، فإذا أحب العبد ربه تبارك وتعالى فإنه يأنس بذكره فيزداد لذلك أنساً، ويزداد به سعادة.

    الإحسان إلى المخلوقين

    السبب الخامس: الإحسان إلى المخلوقين.

    فإن الإنسان الذي يبذل نفسه للناس، وماله، وجاهه، وما يستطيع في إيصال الخير الدنيوي والديني إليهم؛ يجد في قلبه من السعادة واللذة الشيء العظيم، وهذا السر وضعه الله عز وجل في قلوب العباد، فتجد الناس الذين تتحرك أريحيتهم لخدمة الآخرين والإحسان إليهم، وإيصال ألوان المعروف إليهم يشعرون في قلوبهم بلذة وسعادة بالبذل، أعظم بكثير مما يشعر الآخذون بالأخذ، أي الكرماء والأجواد، الذين جبلوا وطبعوا على ذلك، يشعرون بلذة العطاء، أكثر بكثير مما يشعر الآخذ بالفرح والسرور واللذة، لهذا المال الذي أخذه.

    ولكن يشترط لذلك: أن يكون هذا العطاء، وهذا الإحسان الذي تقدمه للآخرين، بدون انتظار مقابلٍ من الناس، فإن الذي يحسن إلى الناس، وهو يشعر بقيمة العطاء، ويشعر بأنه أعطى وقدم، ويدرك قيمة ما بذل، يصبح منتظراً أن يرد الناس إليه الجميل، وأن يقابلوا إحسانه بالإحسان، ومعروفه بالمعروف، فيفاجأ بأن كثيراً من الناس قد لا يكونون كذلك.

    فكم من إنسان تحسن إليه فيسيء إليك، أو على الأقل لا يشعر بقيمة هذا الإحسان، فمن أعطى وهو ينتظر المقابل، فإن عطاءه لا يدوم، بل سرعان ما يخيب أمله في الناس، وينطوي على نفسه، ولذلك لو قرأتم في بعض كتب الأدب -مثلاً- لوجدتم فصولاً في ذم مخالطة الناس، وفي عيب الناس، ووجدتم كثيراً من القصص والأحداث.

    فمن أعطى الناس من أجلِ الله عز وجل، ودون انتظار مقابل من الناس يشعر في قلبه بالسرور أكثر بكثير مما يشعر غيره من الناس، وبضد ذلك فإن الإنسان الذي يمنع عن الناس عطاءه؛ يجد في قلبه من الظلمة بقدر ذلك.

    ولذلك جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً للمتصدق والبخيل، فقال: {مثل المتصدق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من تراقيهما إلى ثدييهما، فالمتصدق إذا أراد أن يتصدق اتسعت هذه الجبة أو الجنة، حتى تقفو بنانه وتعفو أثره، أما البخيل فإنه إذا أراد أن يتصدق لزقت كل حلقةٍ من هذه الجبة مكانها وتضايقت، فلا ينفق أبداً}.

    فهكذا الكريم إذا أراد أن يتصدق وهكذا البخيل، وأشد من ذلك من لم يقتصر على منع خيره عن الناس، بل تعدى ذلك إلى إيصال شره إلى الناس بالظلم -مثلاً- فإن الذي يظلم الناس لا يشعر للسعادة بطعم، فهو يدرك دائماً وأبداً أن هذا الظلم سيحيق به يوماً من الأيام، ويتذكر هؤلاء الناس الذين ظلمهم وأساء إليهم؛ فيشعر بالحزن والهم والغم؛ لذلك.

    فاحرص -أيها المسلم- إن كنت باحثاً عن السعادة على أن تكون كريماً معطاءً جواداً، ليس بالمال فقط، بل جواداً بنفسك، تجود بالابتسامة للناس، وبالعطاء، والإحسان، تجود بالإحسان بكل صوره وألوانه، وانظر كيف كان إمامك ومتبوعك، صلى الله عليه وسلم يحسن إلى الناس، فاقتفِ أثره في ظروف الإحسان، تجد لذلك من اللذة ما يغريك للزيادة والمواصلة في هذا الطريق.

    شجاعة القلب وجراءته

    السبب السادس من أسباب السعادة: شجاعة القلب وجراءته.

    فالإنسان الشجاع واسع البطان، مسرور القلب، بهيج النفس، وبضد ذلك الجبان، فإن السعادة كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: حرام على كل جبان، كما هي حرام على كل بخيل، والمقصود بالشجاعة: هي قدرة الإنسان على ضبط نفسه، فيما يحتاج إلى ضبط وإحجام، وعلى الاندفاع والإقدام، فيما يحتاج إلى الإقدام.

    إخراج الأعراض الرديئة من القلب

    السبب السابع: إخراج دغل القلب، وإخراج الأعراض الرديئة من القلب.

    فالإنسان الذي يحس بالحسد للناس -مثلاً- أو بالحقد عليهم، لا يمكن أن يكون سعيداً؛ لأنه لا بد أن يجد سروراً يصيب من يحسدهم، وخيراً ينـزل بهم، فيغتم لذلك، أما من يحب للناس الخير كما يحب لنفسه، فإنه يفرح بما أصاب الناس من خير، فيكون ما أصابهم سبباً أيضاً لسعادته وسرور قلبه.

    ترك فضول النظر والاستماع والكلام وغيره

    السبب الثامن: ترك فضول النظر والكلام والاستماع، والأكل.

    والمقصود بفضول هذه الأشياء: الزيادة منها التي لا حاجة إليها، لا تكثر من الكلام بلا فائدة، أو النظر بلا فائدة، أو الأكل، أو النوم، أو المخالطة التي لا فائدة منها، فإن الزيادة من هذه الأشياء حمى للقلب، ومن أكثر منها شعر بظلمة في قلبه، واسوداد فيه، ومن قلل منها واقتصر على القدر المطلوب المناسب وجد من اللذة ما يجد.

    الإيمان الحق بالقدر

    السبب التاسع: الإيمان الحق بالقدر حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وهذا يجعل المؤمن مطمئناً لما يمكن أن ينـزل به من المصائب والهموم، فإذا نـزل به شيئٌ من ذلك، كان متوقعاً له هادئ النفس غير جزعٍ من ذلك.

    هذه جماع الأسباب التي يحصل بها للإنسان السعادة في الدنيا، وكما ذكرت فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحقق بهذه الأسباب أعظم تحقق، فحصلت له السعادة من جميع نواحيها، فأنت إذا اقتديت به في ذلك، أدركت من السعادة بقدر كمال الإقتداء.

    وليس المقصود السعادة الدنيوية فحسب، بل إن للمؤمن مع سعادة الدنيا سعادة الآخرة، ولذلك يقول الله عز وجل عن المؤمنين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64] ويقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنـزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ويقول سبحانه: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت:31] ويقول سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

    أيها المسلم: إنك حين ترى الناس من حولك، وهم يركضون وراء المقاصد التي ظنوا فيها السعادة، يجب أن تدرك أن هؤلاء القوم قد أخطئوا طريقها، وأن طريقها أمامك واسعٌ واضحٌ مستقيم، فعليك أن تسلك السبيل الموصل إلى السعادة، حتى تحظى بخيري الدنيا والآخرة.

    أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن عاشوا عيشة السعداء، وماتوا ميتة الشهداء، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    الشعور بالكسل في العبادة بعد الجد والنشاط

    السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إني أحبك في الله، وأسأل الله أن يظلنا في ظله، يوم لا ظل إلا ظله. سؤالي هو: عند خروج رمضان، أو عند العودة من أحد المخيمات، بعدها بأيام قلائل، تذهب الروحانية التي كانت تلازمني في ذلك الوقت، فما سبب ذلك؟

    وما هو علاج هذه الحالة؟

    وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: مما لا شك فيه، أن لمجالس الذكر والعبادة والعلم أثرٌ كبيرٌ جداً في تقوية الإيمان، وتحريكه في القلوب، ولذلك يجد الإنسان في حضور هذه المجالس إشراقاً في قلبه، وحركة وارتفاعاً في مستوى إيمانه، وهذا شيء طبيعي، فإذا خرج الإنسان من هذه الأوقات أو الأمكنة أو المجتمعات، شعر بأن مستوى الإيمان قد ضعف عما كان عليه، وقد أدرك أو شعر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بذلك، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن حنظلة بن الربيع الأسدي، أنه جاء إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه وأرضاه فقال: {يا أبا بكر نافق حنظلة. قال: وما ذاك؟ قال: إنا نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على حال من الإيمان، وقوة اليقين، واستحضار الآخرة، فإذا فارقناه وذهبنا إلى بيوتنا عافسنا الأولاد والأزواج والضيعات، ونسينا كثيراً.

    قال أبو بكر: والله إني لأجد مثل ذلك، فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال حنظلة مثلما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم لو تدومون على الحال التي تكونون بها عندي في جميع الأوقات؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعةً وساعة}.

    وهذا الحديث فيه عبرة فهو:

    أولاً: دعوة إلى كل مسلم، أن يحرص على أن يكثر من حضور مجالس العلم والذكر والعبادة؛ لما فيها من تقوية الإيمان وزيادته.

    ثانياً: إن الإنسان لا يمكن أن يبقى على مستوىً واحد، بل لا بد أن يشعر أحياناً بارتفاع، وأحياناً بشيء من الهبوط، ساعةً وساعة، أما الحال التي يطمح إليها حنظلة رضي الله عنه فهي إنما تجدر وتليق بالملائكة، ولذلك نبهه صلى الله عليه وسلم، إلى أنه لو كنتم على هذه الحال في كل أوقاتكم، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وطرقكم، والإنسان لم يخلق ليكون ملكاً، وإنما خلق ليكون إنساناً، ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    فالله عز وجل يعلم بحكمته وعلمه وهو الذي خلقنا -أن الإنسان يشتجر في نفسه الهوى، وتتحرك في نفسه الشهوة، ولكن ليس المطلوب ألا يوجد الهوى أبداً، إنما أن ينهى الإنسان نفسه عن الهوى، وهذا هو المستوى الإيماني الذي ينبغي للإنسان أن يجاهد في الوصول إليه.

    التوازن بين العلم والعبادة والدعوة

    السؤال: عندما ينشغل بعض الدعاة خلال دعوتهم عن التفرغ لطلب العلم، أو كثرة التعبد لله سبحانه، فإن مشاغل الدعوة قد أخذت عليه جل وقته، فما هو إرشادك لهؤلاء، بحيث يتمكن من الجمع بين الثلاثة، دون الإخلال بأيٍ منهم؟

    الجواب: لا شك أن المسلم مطالب بالتوازن، والحقيقة أن كثيراً من الناس وخاصةً الشباب يخلون بهذا المطلب الذي هو التوازن، فإذا أقبل الإنسان على أمر أقبل عليه كله، وإذا أدبر عنه أدبر عنه كله، فتجد الشاب اليوم -مثلاً- منشغلاً بالدعوة، حتى ربما تفوته صلاة الجماعة، وربما أخل بكثيرٍ من الواجبات، وربما سبب مضايقات لأهله ولوالديه، وقصر في أشياء كثيرة.

    ثم تجده من الغد وقد ترك هذه الأشياء كلها، فتسأله ولم يا أخي؟

    يقول لك: يا أخي أنا نظرت فوجدت أنني قد أهملت نفسي، وقد قصرت في العبادة، وقد قصرت في طلب العلم، وقد قصرت في حقوق الوالدين, ويبدأ في تعداد الآثار السلبية التي نتجت عن عدم توازنه الأول.

    فيجعل من هذه الأسباب وسيلة لأن يخطئ مرةً أخرى، ويخل بالتوازن مرةً أخرى، فيترك أمر الدعوة بالكلية ليتجه لتحصيل العلم، فتجده متنقلاً من حلقةٍ إلى حلقة، ومن درسٍ إلى درس، وإذا خلا ببيته خلا للقراءة، وإذا اجتمع بأصدقائه فإنه يكون قد اصطحب معه كتاباً ليقرأه وهكذا، فيسيطر عليه هم العلم لفترة معينة، فيستيقظ بعد فترة، وإذا به قد أخل بأشياء أخرى كثيرة، فيلتفت إليها، وهكذا، لا يعرف التوازن إليه سبيلاً، هذا خطأ.

    وقد لاحظت وقوع كثيرٍ من الشباب المقبلين على الدين وعلى الدعوة في هذا الأمر، والنصيحة التي أنصح بها نفسي وإخواني أن نحرص على أن نكون متوازنين في سائر أعمالنا، وحين نشعر بتقصيرنا في مجال من المجالات، يجب أن نشعر أنه من غير الممكن، أن نسدد النقص الذي نشعر به بين عشية وضحاها، ولذلك قال أحد العلماء، كما حكاه أبو هلال العسكري في كتابه "الحث على طلب العلم" قال: من أراد أن يحصل على العلوم كلها في وقتٍ قصير فهو مجنون.

    وهذا حال كثيرٍ من الناس، فحين تشعر بالتقصير في مجال من المجالات، فتذكر أن الطريق الصحيح للتغلب على هذا التقصير الموجود لا بد أن يكون بالتدرج، لنفترض أنك قد أخللت، أو شعرت بالإخلال بواجب طلب العلم، فحينئذ عليك أن ترسم لنفسك برنامجاً معتدلاً معقولاً فإن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى، وليكن -مثلاً- بدء هذا البرنامج، بأن تحفظ القرآن الكريم بصورة تدريجية، خلال سنتين أو ثلاث سنوات، مع مجموعة من زملائك في المسجد، أو في البيت، أو في أي مكان، وحفظ القرآن هو عنوان طلب العلم، قال الله عز وجل عن القرآن: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] فإذا حفظت القرآن، انتقل إلى أخذ علمٍ آخر، فإذا أتقنته أو أتقنت أصوله ابدأ بعلمٍ ثالث وهكذا.

    وهناك طريقة أخرى وهي: أن تبدأ بحلقةٍ معينة -مثلاً- فتقرأ على شيخٍ مجموعة من الكتب، فإذا أنهيتها وأخذت ما عند هذا الشيخ، انتقلت إلى شيخٍ آخر، وهكذا.

    طريقة ثالثة: قد تقول: ليس لدي وقت لملازمة حلقة هذا العالم، أو هناك موانع، فحينئذٍ ابدأ في تحصيل العلم مع نفسك، أو مع مجموعة من زملائك، باختيار مجموعة من الكتب، في ألوان شتى من العلوم والفنون، وتستعين على ذلك بسماع أشرطة العلماء؛ فإنك تجد اليوم بحمد الله مجموعة كبيرة من الأشرطة، قد سجلت عليها دروس علمية في سائر العلوم، وأنت حين تسمع هذه الأشرطة تستفيد منها فائدة كبيرة، حتى كأنك حاضرٌ في هذه الحلقة، مع وجود الفارق، لا أقول: إنك حاضر، ولكن كأنك حاضرٌ في هذه الحلقة، وإن كان للحضور فائدة وبركة أخرى، المهم: النصيحة مرةً أخرى حين تشعر بالتقصير في أي مجال من المجالات يجب أن تتذكر أن سد هذا التقصير لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها، بل لا بد أن يأخذ صورة تدريجية شيئاً فشيئاً.

    الحسد والغبطة

    السؤال: فضيلة الشيخ، أشهد الله على حبك فيه، وبعد.. فإني أجد في نفسي حسداً لبعض إخوتي، عند تميزهم علي بأعمال مع أنها أعمال خير، ويصيبني بذلك شيءٌ من الغمة، وأشهد الله على كراهية ذلك، فكيف أدفعه عن نفسي؟

    الجواب: أحبك الله.. أما من شأن الحسد، فلا شك أنه خلقٌ ذميم، والنصوص صريحة في النهي عنه، لكن ينبغي التفريق بين الحسد، وبين الغبطة؛ فإن الحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير، بحيث إذا رأيت أحداً قد أصيب بخير حسدته حتى تتمنى أن يزول هذا الخير عنه، أما الغبطة فهي: أنك إذا رأيت أحداً أصابه خير، تمنيت أن يصيبك مثل هذا الخير الذي أصابه، وأن ترتفع إلى مثل الدرجة التي وصل إليها.

    وسواء كان الذي تحس به حسداً أو غبطة، فإن الحسد الممنوع المحرم يزول بإذن الله بالمجاهدة، وأحيل السائل على كتاب قيم، للإمام ابن حزم الأندلسي، اسمه كتاب" الأخلاق والسير في مداواة النفوس" فقد تكلم فيه عن موضوعات كثيرة مفيدة، تتعلق بعلاج النفوس ومداواتها؛ بل وذكر الإمام ابن حزم بعض الخصال الذميمة التي كانت موجودةً فيه، كالحدة والعجب وغيرها، وكيف استطاع بإذن الله أن يتخلص منها.

    المعوقات عن الدعوة إلى الله

    السؤال: فضيلة الشيخ! لدي حماس للإسلام، والعمل له، والدعوة إلى الله، ولكن هناك ما يعيقني عن ذلك، وهو إحساسي بقيودٍ في داخلي تمنعني من عمل شيء، وهذا أمرٌ أعاني منه كثيراً فما الحل للمشكلة هذه؛ وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذه القيود التي تعاني منها ليست ظاهرة، وهي إن كانت قيود نفسية، وموروثات، وأشياء تشكلت في نفس الإنسان وصارت تشكل عقداً تحول بينه وبين الاستمرار في طريق الدعوة؛ فإن هذا الأمر لا يكاد يخلو إنسان من شيءٍ منه، فمقل ومستكثر، وإنما الفرق بين الناس هو أن منهم من يملك الهمة، والعزيمة، والإرادة القوية فيقدم ويتغلب على هذه الصعاب، ومنهم من لا يملك الإرادة والعزيمة، فيحجم فتتضخم هذه القيود عنده.

    وأضرب لذلك مثلاً -والمثال بسيط لكنه يوضح المراد-: من أساليب الدعوة: الكلمة الطيبة تلقيها أمام الناس، وكل إنسان يجد نوعاً من الصعوبة، والتردد في الوقوف أمام الناس، وقد يشعر بحرج، وقد يشعر برعدة تعتريه أحياناً وهو يهم بالقيام، فهذه صعوبة أو عقبة، تحول بينك وبين صورة من صور الدعوة إلى الله عز وجل فمن الناس من يظل يستجيب لهذا المانع، فيحجم عن الدعوة والقيام بالموعظة مرة بعد مرة.

    وقد تأتي فرص يمكنه أن يقوم فيها ولو بشيء من الصعوبة، فيفوت هذه الفرص، وقد يستجيب لهمسات الشيطان ووساوسه، التي تقول له: لا تقم. تقوم في مناسبة أخرى، في مرة قادمة تحضر وتعد الموضوع إعداداً جيداً، حتى لا تحرج أمام الناس، وأحياناً إذا كنت تريد أن تقوم، لتتحدث بعد الصلاة، يقول لك الشيطان: لا تقم الآن والناس يسبحون, ويهللون، وقد ارتفعت أصواتهم فتقطع عليهم تسبيحهم انتظر قليلاً، وهذا ليكن أهون لك أيضاً.

    فإذا سكتوا قال لك: الآن غير مناسب؛ لأن الناس بدءوا يخرجون من المسجد، ولا ينتظرون أن يقوم أحد بعد هذا الوقت، وهكذا يضع الشيطان أمامك عقبات كثيرة، فإذا استمعت لهذه العقبات الذي يضعها، مع وجود عقبات وموانع فطرية انتهى عمرك وأنت لا تستطيع أن تتكلم.

    لكن إذا حاولت أن تتدرب، وتتغلب على هذه العقبات من خلال المناسبات، والفرص الكثيرة، كالفرص في المراكز الصيفية، والمدرسة، والمسجد الذي يكون أهله قليل، أو بين الزملاء..إلخ، فإنك تزيل هذه العقبة شيئاً فشيئاً وإلا فهل تتصور -مثلاً- أن الخطباء الذين يعتلون أعواد المنابر، ويتكلم الواحد منهم الساعات الطوال دون تردد قد ولد هكذا؟

    الجواب: لا.

    وأنا أضرب مثلاً واحداً بهذا الأمر، وإلا فأساليب الدعوة كثيرة، وطرق الخير كثيرة ليست مقصورة على هذا الباب، فقد يوجد مثلاً من ييأس من إمكانية علاج هذا الجانب، وحينئذ فعليه أن يدرك أن وسائل فالدعوة كثيرة جداً، الدعوة تكون بالتربية وتكون بالتعليم وبالصلات الفردية والمناصحة، وتكون بالكتابة، والمشاركة في الأنشطة المختلفة إلى غير ذلك.

    علاج التعلق بغير الله

    السؤال: ذكرت أن من تعلق قلبه بغير الله كان سبباً لشقاوته وعذب هذا الشخص به، فما هو علاج التعلق بغير الله، مثلاً: بالصور، أو بالأخص بالأشخاص الذين يوجد فيهم ما يسبب التعلق القلبي؟

    الجواب: غالباً ما يكون التعلق القلبي بالصور الجميلة سواءً كانت صورة امرأة، أو شاب، أو غير ذلك، فإذا وجد في الشخص الظرف، والملاحة، وخفة الدم، فإن هذا مدعاة لتعلق من حوله به، وهذا بصراحة موجود عند كثير من الشباب، وقد يأخذ أحياناً اسم الحب في الله، مع أنه ليس حباً في الله بالمعنى الصحيح.

    صحيح أنهم متحابون في الله جملةً لكن هذا الحب الزائد ليس لأن هذا الشاب -مثلاً- يملك علماً أكثر، أو عبادةً أكثر، أو قرباً من الله أكثر، وإنما الصفات الشكلية التي ذكرتها، وهذا بابٌ خطير، وعلى الإنسان أن يحرص على حماية قلبه من ذلك؛ لأن القلب إذا وقع في هذا الشرك، فقد وقع في أمرٍ عظيم، فالحماية والوقاية خيرٌ من العلاج، خاصةً في هذا الباب، أما من ابتلي بشيء من ذلك فعليه أن يبحث عن الوسائل التي تخلصه من هذا الأمر، ويجاهد نفسه فيه، ويكثر من العبادة، وذكر الله، ودعائه، ويحرص على معرفة العيوب الموجودة في هذا الشخص الذي تعلق به.

    فإنه إذا عرف عيوبه، وتذكر ما فيه من المعايب التي هي موجودة في كل إنسان زهد فيه وخف ميزانه عنده، ثم يحرص على ألا يستجيب لما تدعوه نفسه إليه، من كثرة مخالطته ومجالسته وممازحته، وإذا جلس إليه يحرص أن يكون في مجلس عام، وألا يكثر من الجلوس إلى جواره، والنظر إليه، وحب التعليق على الكلمات التي يقولها، وغير ذلك من الأشياء التي يكون دافعها التعلق بهذا الشخص، وهناك مقالات للإمام ابن القيم بسط في هذا الموضوع بسطاً جيداً يمكن أن تقرأه في زاد المعاد، وإغاثة اللهفان، والجواب الكافي، وغيرها من الكتب.

    علاج الظن بكلام الناس والحساسية الزائدة

    السؤال: كيف التخلص من الحساسية الزائدة والمرهفة، حيث يتأثر الإنسان من كل كلمة تقال له، ويحسب لها ألف حساب ويفسرها تفسيرات قد تكون شيطانية، وربما ظن في إخوانه الظنون الخاطئة؟

    الجواب: هذه الحساسية الزائدة لا شك أنها مرض يعتري الإنسان، وهي عذاب له ولمن حوله.

    عذاب له؛ لأنه يحلل ويفسر تصرفات الناس، ويربط بينها بطريقة غير صحيحة، فيصبح وكأنه هو محط جميع التصرفات، الكلمة الفلانية هو المقصود فيها، والعمل الفلاني قصد فيه إبعاده، والخطوة الفلانية كانت من أجل الإساءة إليه، وهكذا.

    وهي عذابٌ لمن حوله؛ لأن من حوله إذا أدركوا عنده هذه الحساية المرهفة بدءوا يجاملونه، ويحاولون تجنب الأشياء التي تثير هذه الحساسية، فيتعبون لذلك أشد التعب، ومع ذلك لا يفلحون بل لابد أن يقعوا في أشياء عفوية يفسرها هذا الإنسان تفسير غير صحيح.

    وأول خطوات العلاج: أن يدرك هذا المصاب بالحساسية أنه حساس، حتى يكون عنده استعداد لقبول تفسيرات الناس لمواقفهم، فإذا قلت: أنت قلت في اليوم الفلاني كذا وكذا، وأنت تقصدني. قال لك الطرف الآخر: لا -يا أخي- أنا لا أقصدك، إنما أقصد أمراً آخر. ثم بينه لك فيكون لديك استعداد لقبول هذا التفسير، إذا عرفت أن عندك حساسية زائدة، ومن العوامل المعينة على إزالة أو تخفيف الحساسية: كثرة المخالطة في مثل هذه المراكز، وخاصةً أن يهدف الإنسان من خلال المخالطة إلى تدريب نفسه على الاختلاط بالناس وتفسير التصرفات تفسيراً صحيحاً، وتخفيف هذه الحساسية، والإنسان -وأعرف أشخاصاً جربوا ذلك عملياً- إذا عرف أن الحساسية موجودة لديه, وسعى في علاجها، فإنه ينجح في ذلك إلى حدٍ بعيد، وهذا من توفيق الله تبارك وتعالى.

    علاج السأم والملل

    السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: تمر على الإنسان أثناء عيشه مع إخوانه في الله، ومع العمل في الدعوة إلى الله؛ حالات يحس فيها بالملل والضيق، ما أدري ما السبب؟ وكيف علاج ذلك؟

    الجواب: هذا قد يكون أمراً طبيعياً، فإن القوم الذين يعيشون أكثر حياتهم ووقتهم بعضهم مع بعض لا بد أن يجد بعضهم أحياناً نوعاً من السأم، أو الملل، أو الضيق، فعلى الإنسان أن يعرف إن كانت هناك أسباب خاصة، دعت إلى هذا الملل، فيسعى إلى إزالتها، كما إذا كان هناك -مثلاً- برنامجاً ثقيلاً، طويلاً وقته، من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالملل.

    حينئذ يكون العلاج تخفيف هذا البرنامج، وصياغته بطريقة لا تدعو إلى الملل، مع أن الإنسان لا بد أن يصبر نفسه على طلب العلم، وعلى مجالسة الصالحين، حتى تجد لذة ذلك فيما بعد، وإلا فلا شك أن الإنسان -خاصةً في مثل هذا السن- قد تدعوه نفسه إلى قضاء الوقت في ميادين ربما تكون أروح لنفسه، وأسعد لقلبه -سعادة عارضة بطبيعة الحال- من كونه يجلس لسماع محاضرة، أو كلمة، أو للمشاركة في مسابقة، أو لغير ذلك من الأعمال التي يستعملها الشباب الصالحون.

    مجاهدة النفس

    السؤال يقول ملخصه: إنه يجاهد نفسه في صلاة الفجر، وفعل كثيراً من الأسباب، ولكنه لم يستطيع، فما هو العلاج؟

    الجواب: أولاً: الجهاد باب طويل يبدأ ولا ينتهي، ولذلك من الصعب أن نقول: إنسان جاهد ولم يستطع، تقول بدأ الجهاد فهذا صحيح، لكن هل انتهى الجهاد؟

    فنقول له: إذاً اترك صلاة الفجر جماعة، وجاهد نفسك في ميدان آخر! كلا، شعار المسلم: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] فالمسلم مجاهد حتى الموت، وإذا كان أصحاب الأغراض الدنيوية يرفعون شعارات، يزعمون فيها أنهم مقاتلون حتى الموت، أو حتى النصر؛ فإن المسلم يجب أن يعرف أنه بحكم ربانيته -فعلاً- مجاهد حتى الموت، حتى تخرج الروح، وحين يكون المسلم على سرير الموت، أيضاً يكون مجاهداً، وربما تكون أخطر حالات المجاهدة، ومدافعة الشيطان هي في حالة النـزع والاحتضار.

    فأنت مطلوب منك المواصلة في المجاهدة، والتفكير في وسائل جديدة في هذا الجهاد، مثلاً: قد يكون جهادك أنك تضع ساعةً منبهة، أو تركب ساعة الهاتف، أو تطلب من جيرانك أو أحد أصدقائك، أن يطرق عليك الباب، لكن هناك نوع آخر من الجهاد، وهو معرفة الأسباب التي تؤدي إلى عدم استيقاظك، قد تكون تنام متأخراً، أو تجهد نفسك، فحينئذٍ عليك أن تحرص قدر الإمكان على النوم مبكراً؛ ليتسنى لك أن تستيقظ لصلاة الفجر، لكن لو افترض أن شخصاً مصاب بمرض وهذا المرض لا يجعله يستطيع أن يستيقظ لصلاة الفجر أبداً، فحينئذٍ لا شك أنه معذور، وعليه أن يصلي متى تمكن من الاستيقاظ، وفي سنن أبي داود وغيره، أن صفوان بن المعطل كان لا يستيقظ لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي إذا استيقظ.

    الدعوة إلى الله تعالى في البيت بالحكمة

    السؤال: هذا سائل يسأل عن أن والده، يمنعه من صحبة الطيبين، ويحول بينه وبين مجالستهم، فما العمل؟

    الجواب: أقول: هذه الشكوى كثيراً ما تسمعها، وكثيراً من الشباب يضيقون بها، وعلى الإنسان أن يخلص في الدعاء لنفسه ولوالده، أن يخلص القصد، وأن يحرص على الأسلوب الحسن في معاملة الوالد.

    وبعض الشباب -مثلاً- يقرءون في سير الصحابة، أن أبا عبيدة قتل أباه، وإن كان العلماء ضعفوا هذه الرواية، أو أن مصعباً أو علياً أو عمر قتلوا أقاربهم أو حاولوا، فتثور في نفوسهم روح التحدي والمواجهة للمنحرفين من أقاربهم، فتجد الشاب مستعداً ليواجه أبويه.

    مثلاً: قد يكون الأب منحرفاً، وفاسقاً، ويترك الصلاة أحياناً، أو يسافر إلى الخارج لقضاء الإجازة بصورة غير صحيحة، أو يقوم بأعمالٍ كثيرة محرمة، فعلى الشاب حينئذٍ أن يدرك أن فتح جبهةً في البيت وهو لا يزال غضاً طري العود قد يعود عليه هو بالضرر، وسوف يصبح البيت كله ضده، وهو غير مؤهل في هذه المرحلة للمواجهة إلى نهاية المطاف، فالأصل أن من الصعب أن الشاب يخرج من البيت وهو في سن مبكرة، إلى أين يخرج؟

    هناك حالات استثنائية ونادرة لها حكمها.

    لكن نحن نتحدث عن الوضع الغالب، حينئذ يقول الشاب: إذاً أدع المنكرات في البيت كما هي، فنقول: لا. هناك مرحلة بين هذه وتلك، عليك أن تحرص على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالأسلوب الحسن، حاول أن تؤثر في أهلك، حاول أن تدعوهم إلى الله عز وجل وقد وجد -وهو كثير بحمد الله- شباب صغار كانوا سبباً في إحداث انقلاب كامل في البيت، فأصبح الأب والأم، والبنات، والشباب الكبار، كلهم صالحين، بتأثير واحد قد يكون هو أصغر الأبناء، ولعل كثيراً منكم يعرف نماذج لهذا الأمر.

    إذاً يمكن بالمحاولة أن تؤثر في البيت تأثيراً إيجابياً مع حرصك على تحصين نفسك من هذه المنكرات قدر ما تستطيع، وتجنبها وحرصك على الإحسان لوالديك، والبر بهما، والدعاء لهما، وقول الكلام الطيب لهما، والقيام في حاجاتهما المباحة، والمسارعة فيها، وإذا كان لك أصدقاء طيبين صالحين فلا بأس أن تعرف الأب عليهم إذا كان هذا قد يقنعه؛ فإن كان لا يمكن فعليك أن تعرض هذه القضية على أحد أساتذتك الذين يعرفون ظروفك، وربما يعرفون طبيعة أبيك، والموقف أو التصرف الذي يناسبه، وبالجملة فهذا الأمر أمر طبيعي، وهو أثر من آثار إقبال الشباب على الدعوة إلى الله عز وجل وتوجههم إليه.

    والحمد لله رب العالمين.