اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب تحصيل السعادة للشيخ : سلمان العودة


أسباب تحصيل السعادة - (للشيخ : سلمان العودة)
إن السعادة هي غاية يطلبها كل البشر، والإنسان دائماً يبحث عنها بكل ما أوتي من قوة، والناس بين مصيب في البحث عنها، ومخطئ، وهم كثير، فالسعادة ليست في جمع المال، ولا في تحصيل الملذات والشهوات، فيا ترى ما هي السعادة؟ وما هو السبيل إلى تحصيلها، وما هي الطريق إليها؟ هذا هو ما تتناوله هذه المادة.
السعادة غاية يقصدها كل البشر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعــد: فشكر الله للإخوة القائمين على هذه المراكز جهودهم الكبيرة المحمودة في توجيه الشباب، وشغل أوقات فراغهم، فيما يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير العميم، وإن هذه الجهود لتستحق الإشادة والثناء، ونسأل الله عز وجل أن يجزيهم عنها خير الجزاء، وأن يشد على أعوادهم، ويقوي عزائمهم، ويهبنا وإياهم الصبر والثبات، إنه على كل شيء قدير.
 نظرة خاطئة في طريق السعادة
أيها الإخوة: إذا عرفنا جميعاً أن الناس يتفقون في البحث عن السعادة، فإننا يجب أن نعرف أيضاً أن كثيراً منهم يخطئون طريقها، فالفقير يحسب السعادة في الغنى، فيسعى لجمع المال بكل وسيلة، والمريض يحسب السعادة في الصحة والعافية فيسعى إلى نيلهما وتحصيلهما، والضعيف يظن السعادة في القوة، والشخص الخامل المغمور يظن السعادة في الجاه والشهرة، والمخفق يظن السعادة في النجاح، وهكذا.. يظن كثيرٌ من الناس أن السعادة في تحصيل المطالب التي طويت عنهم، وحرموا نيلها وتحصيلها، فيسعون إلى نيل هذه المطالب بكل وسيلة.وأنت إذا نظرت إلى هذه الأشياء التي يسعى الناس إلى نيلها وتحصيلها؛ وجدت أنها في الحقيقة لا توصلهم إلى نبيل السعادة؛ لأن السعادة كما سبق هي: طرد الهم والغم عن القلب، وطلب هذه الأشياء -من المال، أو الجاه، أو الشهرة، أو المنصب، أو الصحة، أو النجاح- بمجردها ولذاتها لا لغيرها، لا يزيل الهم عن القلب، وإن تخيله بعض الناس كذلك، بل إن طلب هذه الأشياء ونيلها؛ يجر إلى الإنسان آلاماً وهموماً كثيرةً، فيا ترى ما هذه الآلام والهموم والغموم، التي يجرها سعي الإنسان لتحصيل هذه الأعراض الظاهرة من مالٍ، أو جاهٍ، أو صيتٍ، أو غيرها؟!أولاً: يصيب الإنسان الهم والغم، بعدم تحصيله لكل ما يريد، فكم من إنسان سعى سعياً حثيثاً لنيل المال -مثلاً- فأخفق في ذلك، وكانت نتيجة سعيه أن أثقلت كاهله الديون الكثيرة.إذاً فقد يصيب الإنسان الهمُّ، بحرمانه من هذه الأشياء التي يسعى في تحصيلها، أو من بعضها، وقد يصيبه الهم من خوفه من زوالها بعد الحصول عليها، فكم من إنسان جاءته الدنيا وأقبلت عليه، فتجده مع ذلك قلقاً خائفاً أن ترتحل عنه هذه الأعراض، وأن تزول عنه بين عشيةٍ وضحاها، ولذلك كان كثيرٌ من المتشائمين، وإن أقبلت عليهم الدنيا، فإن قائلهم يقول:يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً فحتى والإنسان يتمتع بهذه الأعراض، فإن الهم يأتي إلى قلبه من خوف زوالها، ثم إن هذه الأعراض قد تزول -فعلاً- بعدما حصل عليها الإنسان، فيبقى الهم لا يغادر قلبه، وكلنا يعرف كم من غنيٍ افتقر بعد غنى، وكم من حاكم دانت له الرقاب، وذلت له الرءوس، فإذا هو بين عشية وضحاها شريداً طريداً، وكلكم يذكر -مثلاً- قصة حاكم إيران، الطاغية المتجبر، الذي كان يحلم بإقامة امبراطوريةٍ عظمى، فإذا به بين عشيةٍ وضحاها يخسر عرشه، ويخرج طريداً من بلاده، ويهرب من بلدٍ إلى آخر لا يأمن على نفسه، ولا على ماله أو ولده، ثم يموت شرَّ ميتة بالصورة التي يعرفها الجميع. إذاً: فهناك همٌ ثالث يصيب الإنسان، وهو: زوال هذه الأعراض بعد حصوله عليها.وهناك هم رابع يصيب من نالته أو من نال هذه الأعراض، وهو: أن يخشى أن يزول هو عنها، فإن هذه الأعراض إن لم ترتحل عنك، فإنك سوف ترتحل عنها بالموت لا محالة، ولذلك فالموت سيفٌ مصلتٌ على رقاب الجبارين، لأنه لا أحد مطلقاً يطمع في النجاة منه والخلود أبداً، وهذا همٌ لا يغادر قلوبهم أبداً.الهم الخامس الذي يصيبهم؛ هو: ما يغشى قلوبهم ويعتريها، حين يرون من يفوقهم في هذه الأعراض، فالغني إذا رأى من هو أغنى منه اكتأب، والحاكم إذا رأى من هو أكثر منه في رقعة البلاد التي يحكمها، أو عدد البشر، أو غير ذلك اكتأب، والقوي إذا رأى من هو أقوى منه اكتأب، وهكذا...الهم السادس: هو ما يصيب قلوب هؤلاء الذين حصلوا على بعض الأعراض الدنيوية، مما يسمعونه من ذم الناس لهم، وعيبهم لهم، فأنتم تعرفون -مثلاً- أن هناك أغنياء يملكون الأموال الطائلة، ثم تجدون كثيراً من الناس يتكلم فيهم، وينال منهم بأي صورةٍ من الصور، فالإنسان الذي يملك الغيرة الدينية، يقول: تعساً لهؤلاء الأغنياء، ما أغنى عنهم مالهم، إن هذه الأموال يعذبون بها في الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كارهون، ويعذبون بها في قبورهم وآخرتهم، والإنسان الذي يحس بالغيرة الوطنية يقول: تباً لهؤلاء الأغنياء، إنهم تنكروا لأوطانهم وبلدانهم، فأصبحوا ينفقون الأموال الطائلة في بلاد أوروبا وغيرها، ولا تستفيد منهم بلدانهم التي ينتسبون إليها، وأقاربهم يقولون: ليس لنا إلا الاسم، أما غير ذلك فلم ننتفع منهم وهكذا.. فيشقى هؤلاء الأغنياء، بالذم الذي يسمعونه على ألسنة الناس.وأخيراً يشقى هؤلاء كلهم أو معظمهم بما يعرفونه من العذاب الذي أعده الله عز وجل لمن استعمل هذه الأعراض في غير مرضاته، فسواء آمنوا بهذا العذاب المنتظر لأمثالهم إيماناً حقيقياً، أو ظنوا أنه سيصيبهم، أو خافوا، ففي جميع هذه الحالات هم يعذبون بالوعيد الذي ذكره الله عز وجل في كتابه لأمثالهم.لذلك كله، فإن الإنسان يخطئ حين يعتقد أن السعادة، وطرد الهم والغم عن قلبه، يكون بتحصيل الأعراض الدنيوية، وتحصيل المال، والسمعة والصيت والجاه، أو بتحصيل المركز والوظيفة، أو القوة، أو بتحصيل الشهادة الدراسية، أو الشهوة الحيوانية، يخطئ الإنسان طريق السعادة حين يقضي عمره وأيامه في البحث عن هذه الأعراض الزائلة، وحينئذٍ يسأل الإنسان: وهل هناك سعادةٌ أو لذةٌ يشعر بها الإنسان غير هذه السعادة؟
السعادة الحقيقية
لقد ذكر شيخ الكاتبين في مصر الأديب المشهور/ مصطفى المنفلوطي، في كتابه الذي سماه"بـالنبرات" قصة سماها "قصة الصياد" وخلاصة هذه القصة: أن أحد أصدقائه قال: إن رجلاً قرع عليه الباب، فخرج فإذا هو بصياد ممن يصيدون السمك، وإذا معه سمكةٌ كبيرة، وقال له -بعد أن سلم عليه وحياه- أتشتري مني هذه السمكة؟ قال: فلم أساومه عليها بل سألته مباشرةً: كم تريد عليها؟ فقال: أريد عليها كذا وكذا. قال: فنقدته الثمن حالاً، فارتاح الصياد لهذا، وشكرني ودعا لي، وقال لي -وقد رأى علي مظهر الغنى والثرى. قال: جعلك الله سعيداً في نفسك كما جعلك سعيداً في مالك. قال: فقلت له: أيها الصياد، وهل هناك سعادة غير سعادة المال؟ قال لي: أجل! إن سعادة المال لا قيمة لها، ما لم يكن الإنسان سعيداً في نفسه. فقال له: وهل أدركت سعادة النفس؟ قال: نعم، إنني وأنا الرجل الفقير، أحس في قرارة قلبي بسعادة لا حدود لها. قال: وكيف تشعر بالسعادة، وأنت ترى هؤلاء الأغنياء أصحاب الأموال الطائلة والقصور الفارهة والمراكب الفخمة؟ قال له الفقير البسيط: وأي شيءٍ أغنت عنهم هذه الأموال التي وجدوها، وهي لم تمنحهم السعادة التي يبحثون عنها، إن هذا مما يزهدني في المال، أنني أرى الذين حصلوا عليه هم أكثر الناس شقاءً به، يشقون في جمعه، ثم يشقون في المحافظة عليه، ويشقون في تنميته، ويشقون به في الدنيا والآخرة. أما أنا -الصياد الفقير- فإني أجد لذةً في حياتي.. حياتي البسيطة.. البعيدة عن التكلف والتعقيد، بين أولادي وزوجي في هذا الكوخ المتواضع، ولا أشعر لأحدٍ بمنةٍ علي إلا لله عز وجل، فأتوجه إليه بالعبادة والشكر والتعظيم، وأتعرف عليه بأسمائه وصفاته، وأتقرب إليه بألوان العبادة بكرةً وعشياً. فتعجب هذا الرجل الغني من هذا المنطق القوي، الذي يتحلى به هذا الفقير. أيها الإخوة: إنك حين تبحث عن السعادة الحقيقية تجد أنها شعورٌ في النفس والقلب، حيث ينفسح وينشرح فيشعر بالسعادة، حتى مع فقد جميع الأعراض الدنيوية، ويضيق القلب ويظلم، فيشعر بالقلق والشقاء، حتى مع وجدان جميع الأعراض الظاهرة الزائلة.
 أعظم الناس شعوراً بالسعادة هم أكثرهم عملاً للآخرة
وأعظم الناس شعوراً بذلك، وإدراكاً لهذه السعادة هم أعظم الناس عملاً للآخرة، واستعداداً لها، وتضحيةً في سبيل الله عز وجل، ولذلك فإن للنبي صلى الله عليه وسلم من السعادة في الدنيا وفي الآخرة، أكملها وأزكاها وأوفاها، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:1-4] أي: قد شرحنا لك صدرك، ووسعناه وطمأناه بالإيمان والعلم النافع والنبوة، وأعطاه الله عز وجل ما ذكره في هذه السورة، من الرفعة والنعيم في الدنيا والآخرة.ولأتباع النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الشرح والسعادة والنعيم في الدنيا والآخرة، بقدر كمال اتباعه له صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] فمن شرح الله صدره للإسلام ووسعه للإيمان، فهو على نورٍ من ربه، يتحرك في هذه الحياة وهو يعرف لماذا جاء إلى هذه الدنيا؟ وكيف يقطع هذه الرحلة القصيرة عليها؟ وإلى أين سينتهي به المقام؟ وما هو مصيره في الآخرة؟ فيشعر بالأنس والسعادة، ويتلذذ بطاعة الله تعالى ومناجاته.أما الكافر فهو على الضد من ذلك، يسمع الآيات القرآنية، ويسمع ذكر الله عز وجل فيزيد هذا قلبه قسوةً وجموداً، فقلوبهم قاسيةٌ من ذكر الله، و(من) هاهنا سببية، أي: قلوبهم قاسية بسبب ذكر الله عز وجل وهكذا الكافر لا يزيده الله تعالى إلا قسوةً في قلبه، وقد تكون (من) ابتدائية، فيكون المعنى: أن قلوبهم قاسية بسبب بعدها عن ذكر الله عز وجل فهي معرضةٌ غافلةٌ عن ذكر الله، وهاهنا تكون من للابتداء، ويقول الله عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مثلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مثلاً [الزمر:29]. فهذا الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، هو مثلٌ للمشرك الذي يعبد آلهةً شتى، فيصبح قلبه متشعباً في الأودية والشعاب، هذا يأمره بأمر، وذاك يأمره بضده، أما المؤمن الموحد لله عز وجل فقلبه على وجهةٍ واحدة.
أسباب تحصيل السعادة
وحين ننظر إلى الأسباب التي حصل بها النبي صلى الله عليه وسلم، أو حصل بها أتباعه هذه السعادة نجد أنه يمكن تلخيصها واختصارها في الأسباب التالية:
 الإيمان الحق بالقدر
السبب التاسع: الإيمان الحق بالقدر حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وهذا يجعل المؤمن مطمئناً لما يمكن أن ينـزل به من المصائب والهموم، فإذا نـزل به شيئٌ من ذلك، كان متوقعاً له هادئ النفس غير جزعٍ من ذلك. هذه جماع الأسباب التي يحصل بها للإنسان السعادة في الدنيا، وكما ذكرت فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحقق بهذه الأسباب أعظم تحقق، فحصلت له السعادة من جميع نواحيها، فأنت إذا اقتديت به في ذلك، أدركت من السعادة بقدر كمال الإقتداء.وليس المقصود السعادة الدنيوية فحسب، بل إن للمؤمن مع سعادة الدنيا سعادة الآخرة، ولذلك يقول الله عز وجل عن المؤمنين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64] ويقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنـزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ويقول سبحانه: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت:31] ويقول سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].أيها المسلم: إنك حين ترى الناس من حولك، وهم يركضون وراء المقاصد التي ظنوا فيها السعادة، يجب أن تدرك أن هؤلاء القوم قد أخطئوا طريقها، وأن طريقها أمامك واسعٌ واضحٌ مستقيم، فعليك أن تسلك السبيل الموصل إلى السعادة، حتى تحظى بخيري الدنيا والآخرة.أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن عاشوا عيشة السعداء، وماتوا ميتة الشهداء، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الأسئلة

 الدعوة إلى الله تعالى في البيت بالحكمة
السؤال: هذا سائل يسأل عن أن والده، يمنعه من صحبة الطيبين، ويحول بينه وبين مجالستهم، فما العمل؟الجواب: أقول: هذه الشكوى كثيراً ما تسمعها، وكثيراً من الشباب يضيقون بها، وعلى الإنسان أن يخلص في الدعاء لنفسه ولوالده، أن يخلص القصد، وأن يحرص على الأسلوب الحسن في معاملة الوالد.وبعض الشباب -مثلاً- يقرءون في سير الصحابة، أن أبا عبيدة قتل أباه، وإن كان العلماء ضعفوا هذه الرواية، أو أن مصعباً أو علياً أو عمر قتلوا أقاربهم أو حاولوا، فتثور في نفوسهم روح التحدي والمواجهة للمنحرفين من أقاربهم، فتجد الشاب مستعداً ليواجه أبويه. مثلاً: قد يكون الأب منحرفاً، وفاسقاً، ويترك الصلاة أحياناً، أو يسافر إلى الخارج لقضاء الإجازة بصورة غير صحيحة، أو يقوم بأعمالٍ كثيرة محرمة، فعلى الشاب حينئذٍ أن يدرك أن فتح جبهةً في البيت وهو لا يزال غضاً طري العود قد يعود عليه هو بالضرر، وسوف يصبح البيت كله ضده، وهو غير مؤهل في هذه المرحلة للمواجهة إلى نهاية المطاف، فالأصل أن من الصعب أن الشاب يخرج من البيت وهو في سن مبكرة، إلى أين يخرج؟ هناك حالات استثنائية ونادرة لها حكمها. لكن نحن نتحدث عن الوضع الغالب، حينئذ يقول الشاب: إذاً أدع المنكرات في البيت كما هي، فنقول: لا. هناك مرحلة بين هذه وتلك، عليك أن تحرص على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالأسلوب الحسن، حاول أن تؤثر في أهلك، حاول أن تدعوهم إلى الله عز وجل وقد وجد -وهو كثير بحمد الله- شباب صغار كانوا سبباً في إحداث انقلاب كامل في البيت، فأصبح الأب والأم، والبنات، والشباب الكبار، كلهم صالحين، بتأثير واحد قد يكون هو أصغر الأبناء، ولعل كثيراً منكم يعرف نماذج لهذا الأمر.إذاً يمكن بالمحاولة أن تؤثر في البيت تأثيراً إيجابياً مع حرصك على تحصين نفسك من هذه المنكرات قدر ما تستطيع، وتجنبها وحرصك على الإحسان لوالديك، والبر بهما، والدعاء لهما، وقول الكلام الطيب لهما، والقيام في حاجاتهما المباحة، والمسارعة فيها، وإذا كان لك أصدقاء طيبين صالحين فلا بأس أن تعرف الأب عليهم إذا كان هذا قد يقنعه؛ فإن كان لا يمكن فعليك أن تعرض هذه القضية على أحد أساتذتك الذين يعرفون ظروفك، وربما يعرفون طبيعة أبيك، والموقف أو التصرف الذي يناسبه، وبالجملة فهذا الأمر أمر طبيعي، وهو أثر من آثار إقبال الشباب على الدعوة إلى الله عز وجل وتوجههم إليه. والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب تحصيل السعادة للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net