إسلام ويب

حديث مع بعض طلبة العلمللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طلب العلم ضرورة وفضيلة، حيث إن الناس مع ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والخير أصناف، فمتعلم مستفيد، ومتعلم مفيد غير مستفيد، ومعرض جاهل، فتحدث الشيخ موضحاً ذلك منبهاً على أهمية الصبر والمثابرة لطالب العلم.

    1.   

    ضرورة وجود من يحفظ العلم

    إن الحمد لله نحمده تعالى ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    بمناسبة وجود الشيخ سلمان العودة في هذه المدينة أردنا أن نجمع الشباب من أجل أن نستفيد من علمه في بعض الأمور التي نحن بحاجة إليها، وكنا عادة نقرأ في مثل هذا اليوم في كتاب جامع الترمذي وفي زاد المعاد لـابن القيم، وكنا نتمنى أن يحضر الشيخ درسنا وأن يعلق على بعض الأمور، ولكن لما كانت الحاجة إلى غير هذا أمَسّ، طلبنا من الشيخ أن يتحدث في بعض الأمور التي تهم طالب العلم، في طلب العلم وما المقصود من طلب العلم وما الغاية وما الثمرة؟

    شرع الله لا يدرك بالعقول

    أيها الإخوة: تعلمون أن شرع الله عز وجل لا يدرك بالعقول، ولذلك لم يَكِل الله الناس إلى أنفسهم في معرفة دينه وشرعه، بل أرسل إليهم الرسل وأنـزل عليهم الكتب، حتى لا يكون على الله حجة بعد الرسل، وجاءت رسل الله تعالى بدينه وشرعه، فعلم بها أنه ليست كل أمور الدين والشرع تدرك بالعقل؛ بل إن أمور الدين مبناها في الأصل على اتباع ما أنـزل إلينا من عند الله تعالى، وهناك مسائل كثيرة في أبواب الاعتقاد وفي أبواب العبادة وغيرها، لا تخضع للقياس؛ ولذلك نحن نجد أن الله تبارك وتعالى يفرق في خصال الكفارة، أحياناً تجد أن الكفارة يكون فيها اليوم مقابلاً بإطعام ثلاثة مساكين، وأحياناً يكون مقابلاً بإطعام مسكين، وأحياناً يكون بغير ذلك.

    فمثلاً: في كفارة الظهار صيام اليوم الواحد مقابل لإطعام مسكين واحد؛ لأنها إطعام ستين مسكيناً أو صيام شهرين متتابعين -أي: ستين يوماً- لكن في كفارة اليمين مثلاً تجد أن من خصالها إطعام عشرة مساكين، كما في الآية، وفي آخرها: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [البقرة:196] فكان صيام اليوم يقابل إطعام ثلاثة مساكين وثلث، وفي كفارة من حلق رأسه في الحج وهو محرم كما في حديث كعب بن عجرة: {أنه أمره صلى الله عليه وسلم بإطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام} فكان صيام اليوم مقابلاً لإطعام مسكينين، فعلم بذلك من هذا المثال أن هذه الأمور لا تخضع للقياس، وإنما تدرك بالوحي والشرع.

    من يحفظ شرع الله

    هذا الوحي والشرع المنـزل من عند الله تعالى يحتاج إلى من يقوم بحفظه، ولا شك أن الله تعالى تكفل بحفظه كما في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] والذكر هو القرآن، لكن حفظ القرآن يتضمن حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن السنة كما هو معلوم مبينة وموضحة وشارحة للقرآن، ولا يمكن أن يستغنى عنها بالقرآن بحال من الأحوال، فعلم أن حفظ القرآن يتضمن أيضاً حفظ السنة، وكيف حفظ الله تعالى على هذه الأمة دينها قرآناً وسنة؟

    إنما حفظه بأن سخر من علماء هذه الأمة ورجالها من يجتهدون، ويبذلون ثمرة أوقاتهم وخلاصة أعمارهم في تتبع العلم وحفظه واستظهاره ونشره بالكلام والتصنيف والدعوة وغير ذلك.

    1.   

    أمثلة من الجيل الأول

    ولهذا تجد تاريخ هذه الأمة يحفل بأولئك العلماء الذين ضربوا الأمثلة الرائعة في الذود عن السنة والاجتهاد في تحصيلها، وعلى رأس هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا يجتهدون في حفظ حديثه عليه الصلاة والسلام.

    أبو هريرة رضي الله عنه

    كان أبو هريرة -مثلاً- يتتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في مجالسه وذهابه وإيابه، ويحفظ كل ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يوماً: ابسط رداءك فبسطه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بألا ينسى شيئاً حفظه، فما نسي شيئاً حفظه بعد، وكان حافظ الإسلام.

    عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه

    ومثله عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه حيث كان كما في الحديث الصحيح يكتب كل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فقال له بعض القوم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {اكتب فوالله ما خرج منه إلا حق} يعني فمه الطاهر صلى الله عليه وسلم، فكان يكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ثمرة هذه الكتابة وجود صحيفة تسمى الصادقة عند عبد الله بن عمرو بن العاص، كان يقول في بعض أقواله: لولا هذه الصحيفة وأشياء أخرى لكان يفرح بالموت، وقد نقلت هذه الصحيفة عنه رضي الله عنه.

    بل إن الواحد من الصحابة كان يسمع بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أي مكان، فيذهب حتى يحصل عليه.

    ابن عباس رضي الله عنه

    وقد ذكر الإمام أحمد وغيره وكذلك قصة ابن عباس مع الأنصاري، كان ابن عباس يسمع بالحديث أو العلم عند أحد الأنصار وهو شاب، فيذهب إليه في الظهيرة، فيجده نائماً، فيتوسد رداءه عند بابه ينتظر خروجه، فتأتي الريح وتسفي عليه وهو صابر على ذلك، فإذا حانت صلاة العصر خرج الأنصاري للصلاة، فوجد ابن عباس متوسداً رداءه عند عتبة بابه، فيقول له: ابن عباس؟!

    فيقول: نعم، فقال: ما الذي جاء بك يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    لو أرسلت إليّ فأتيتك! فيقول ابن عباس: كلا! العلم أحق أن يؤتى إليه، حديث بلغني عنك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببت أن أسمعه، فيسمع منه الحديث.

    جابر بن عبد الله

    ومثله جابر بن عبد الله يرحل أميالاً طويلة إلى عبد الله بن أنيس طلباً لتحصيل حديث في المظالم والقصاص يوم القيامة، بل إن من الصحابة من يسافر إلى الشام أو إلى مصر أو إلى العراق في طلب حديث، فإذا وصل إلى صاحب الحديث حدثه به وهو على راحلته لم ينـزل، ثم بعد أن يسمع الحديث ينصرف على راحلته دون أن تقع قدمه على هذا البلد الذي جاء إليه، كل هدفه أن يسمع الحديث هذا ثم ينصرف.

    البخاري رحمه الله

    ومن بعدهم توفر علماء أفذاذ جهابذة لتدوين السنة وحفظها، ويكفيك أن تعرف جهود الأئمة الستة في حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    إن الإمام البخاري رحمه الله قضى عمره كله في هذا السبيل، شغل وقته وذهنه فيه.

    حتى إنك إذا جئت إلى أحدهم في مجال العلوم الشرعية والتحصيل وجدته يملك حافظة فذة، فإذا أتيته في أمور الدنيا وجدت كأنه لا يفقه شيئاً.

    البخاري رحمه الله لما صنف كتاب التاريخ الكبير في هذا الكتاب، الذي هو تراجم الآلاف من أسماء الرجال، تجده مع ذلك يقول: قَلَّ اسم في التاريخ الكبير إلا وله عندي قصة، لكني تركتها خشية الإطالة! وهذا يدل على سعة علمه بالرجال والحديث وغيره.

    وفي مقابل ذلك يقول رحمه الله: إن بعض قريباته كن يبعثن إليه بـبخارى بالسلام، فأراد يوماً ليكتب رسالة ليقرئهن السلام، فعزبت عنه أسماؤهن حتى لا يذكر منها شيئاً، لأنه قد استفرغ جهده وهمه في الحديث النبوي، ولذلك لم يعبأ بما سوى ذلك، وصار عنده عدم اكتراث لها، فغفل عنها وصار ينساها بسهولة، فيما يتعلق بالأمور الدنيوية التي لا يحتاج إليها في أمور العلم.

    وبذلك علم كيف حفظ الله دينه بواسطة من سخر من العلماء والرجال الأفذاذ من يتوفرون على حفظ السنة.

    1.   

    حفظ الله لنصوص دينه

    ليس حفظ الله لدينه بحفظ نصوصه، وإن كان حفظ النصوص أمراً مهماً، لأننا الآن -ولله الحمد- نجد أن هذه الميزة للأمة الإسلامية لا توجد في الأمم الأخرى، فأصحاب الكتب السماوية الأخرى حرفت كتبهم كما هو معلوم، ولذلك هم مختلفون في كتبهم وليس لهم شيء يرجعون إليه، فإذا اختلف اليهود أو النصارى في مسألة من مسائل دينهم، فكيف يمكن أن تحل هذه المسألة؟!

    لا يمكن أن تحل لأنه ليس عندهم شيء يرجعون إليه ويقبلون به جميعاً، لكن المسلمين إذا اختلفوا فعندهم قاعدة لحل هذا الخلاف، قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].

    والرد إلى الله هو الرد إلى القرآن الكريم لأنه كلام الله، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى حديثه بعد وفاته، ولذلك صارت سنته محفوظة، ويرجع إليها عند التنازع، وعندئذٍ يحل بها الإشكال.

    خطورة من ينادي بنبذ السنة

    و بهذا يدرك مدى خطورة من ينادون بنبذ السنة؛ لأنهم بذلك يتسببون في مزيد من الاختلاف بين المسلمين، كما في القصة التي كان فيها عمر رضي الله عنه يسأل ابن عباس عن المسلمين، وكيف يختلفون مع أن دينهم واحد ونبيهم واحد وربهم واحد؟

    فقال له ابن عباس رضي الله عنه: إن القرآن أنـزل علينا ونحن نعلم فيم أنـزل، وسيأتي بعدنا أقوام لا يعلمون فيم أنـزل، فيختلفون فيه، فإذا اختلفوا وتنازعوا اقتتلوا.

    لذلك لو أقصيت السنة -مثلاً- وصار المدار على القرآن؛ فإن القرآن كما قال علي رضي الله عنه: حمال وجوه، دلالاته متنوعة، وكثير من آياته ظنية الدلالة، وليست قطعية الدلالة، ولذلك يفتح لهم الباب على مصراعيه ليقولوا في الدين ما شاءوا.

    حفظ القرآن والسنة

    المقصود أن حفظ نصوص القرآن والسنة هي نعمة كبيرة، لأنها تشكل -كما يقال- قاعدة يمكن الرجوع إليها عند التنازع، ما دمنا سلمنا بأن القرآن والسنة هما مصدر التشريع، فعند حدوث أي نـزاع في مسألة علمية يمكن الرجوع إلى القرآن والسنة وفهم السلف الصالح لهذين المصدرين، فهذا لا شك جزء كبير من حفظ الله بالذات، لكن أيضاً لا ننسى أن من حفظ الله للدين، أن قيض لهذه الأمة من يربون الناس ويزكونهم، وإلا فما قيمة النص إذا كان لا يعمل به؟!

    ألسنا جميعاً نعلم أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن يُسرى عليه في آخر الزمان في ليلة حتى لا يبقى في الأرض منه آية، وإذا أسري على القرآن فمعناه أن السنة قد ضاعت قبل ذلك بكثير، ولم يسرى على القرآن في ليلة حتى لا يبقى منه آية؟

    لأنه تعطل العمل به، ولم يعمل به الناس، فلم يقيموا حياتهم الفردية والاجتماعية على منهاج القرآن الكريم، فلذلك أذن الله برفعه.

    كما يأذن سبحانه بخراب الكعبة حيث يسلط عليها ذا السويقتين من الحبشة، فيقلعها بمسحاته حجراً حجراً -كما في الصحيحين- لأنه لم يعد هناك من يحج أو يعتمر أو يصلي إلى هذه الكعبة، وكما يأذن الله عز وجل بقبض أرواح الطائفة المنصورة الذين أقامهم لحفظ الدين وحمايته ودعوة الناس إليه، يأذن بقبض أرواحهم فيبعث ريحاً طيبة فتقبض أرواحهم؛ لأنه لم يعد هناك من يطيعهم ويتقبل ما عندهم من العلم والخير والصلاح، فرحمةً بهم يأذن الله بقبض أرواحهم قبل قيام الساعة.

    1.   

    أحوال الناس مع العلم

    ونحن نعلم أن الدين ما نـزل ليكون نصوصاً تتلى، وإنما نـزل ليتدبره الناس ويعملوا به، فإذا تعطلت هذه المنافع رفع القرآن، وهدمت الكعبة، وقبضت أرواح المؤمنين الداعين إلى الله.

    أثر العلم في صاحبه

    وبذلك نعلم أن المقصود الأعظم من طلب العلم هو العمل بالعلم في الواقع، وظهور أثر العلم على صاحبه كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه في الصحيح عندما ذكر المثل العجيب فقال: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً} الهدى والعلم كالمطر ينـزل على الأرض، فتهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج، وهذا أمر ملحوظ مشهود فإنك تجد كثيراً من الناس يعيش في عماية، فإذا عرفت حاله في جاهليته قلت: سبحان الله! هذا لا خير فيه، سوء خلق وقلة أدب وقلة دين، لا ينفع في دين ولا دنيا، لكن إذا قيض الله من يعلمه ويربيه على الحق والخير حتى كأنه بعد هدايته خلق آخر، تبارك الله رب العالمين..!

    وهذا موجود في جيل الصحابة رضي الله عنهم، قارن بين عمر قبل إسلامه وبعد إسلامه، عمر كان قبل إسلامه الرجل الغليظ الجافي القاسي، وله في ذلك قصص وآثار معروفة، وبعد إسلامه كان يسمع الآية من القرآن تقرأ، فيبكي حتى يجلس في بيته أياماً يعاد من جراء تأثره بهذه الآية.

    أصناف الناس مع العلم

    فالقرآن والعلم يحدث انقلاباً كاملاً في شخصية الإنسان، وتغيراً كاملاً فيها من جميع جوانبها، فما بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم هو كالمطر إذا نـزل على الأرض أخرجت زينتها، وقد تأتي إلى أرض قاحلة جدبة شهباء، فإذا نـزل عليها المطر، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، لكن أيضاً الأرض تتفاوت، وليست الخصوبة سواء، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ثلاثة أصناف من الناس في هذا المثل.

    1- متعلم مستفيد:

    قال صلى الله عليه وسلم: {فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير}.

    هذا هو الصنف الأول من الناس يقابل هذا الصنف من الأرض، طائفة من الناس طيبة قبلت الهدى والشرع وتعلمت، وليس فقط علماً باللسان يتحدث به في المجالس، ويتخاصم فيه في المناسبات، ويظهر فيه كل إنسان ما لديه من المعرفة، كما يقع أحياناً لنا، بل كثيراً ما يقع في هذا العصر من هذا! تجد طالب العلم أحياناً همه أن يحصل مسائل معينة، يجادل ويخاصم فيها، وكل ما حصله من العلم هو ما يقع فيه جدل وخصومة في عشر أو عشرين مسألة من المسائل الفرعية في الصلاة وغيرها، فإذا أتيت إلى أمهات المسائل وإلى أصول العلم وجدت أنه لا يملك منها شيئاً.

    إنما هي طائفة طيبة قبلت هذا الماء، فأنبتت الكلأ والعشب، وظهر أثر التأثر بالقرآن والسنة على أقوالها وأفعالها وسلوكها ومواقفها كلها، ولا شك أن هذه نفع الله بها نفعاً عظيماً، لأن غاية ما يتصور من أرض نـزل عليها المطر أن تنبت الكلأ والعشب الكثير.

    2- متعلم مفيد غير مستفيد:

    {وأصاب طائفة أخرى أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا} هذا القسم الثاني، هناك أرض صلبة إذا نـزل عليها المطر، فإنها لا تتشربه بل تمسكه، فتصبح مثل الإناء، لا تشرب الماء فتنبت الكلأ مثل الطائفة الأولى، وإنما تمسك الماء حتى يأتي الناس، فيأخذوا من هذا الماء فيشربوا، وهذا يشبه الإنسان الذي حصل على علم من علم الدين، لكنه لم يتأثر بهذا العلم، ولم ينتفع به في قلبه وفي سلوكه، إنما يحمل هذا العلم لينتفع به الناس، ونسأل الله أن نكون من الأولين، ونفترض أن هذا الصنف الثاني لا بد أن يكون عندهم شيء من التأثر، فعلى الأقل أصل الإسلام والإيمان عندهم، وإلا لم يكن علمهم هذا شيئاً، ولم يؤخذ منهم هذا العلم الذي عندهم لو لم يكونوا مسلمين، فهم تأثروا لكن تأثراً قليلاً قياساً على العلم الذي عندهم، فإذا أتيت إلى العلم الموجود عند الواحد منهم لقلت: هذا يفترض أن يكون إماماً في العمل، وفي الدعوة، وفي الإصلاح، ولكن واقعه على خلاف هذا، نسأل الله العافية.

    فهم لم يعملوا بهذا العلم الذي علموه، فينتفع الناس بعلمهم، وربما يدخل بعض الناس الجنة بسبب ما علموهم، وهؤلاء الله أعلم ماذا يكون مصيرهم، وفي صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟!

    ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟!

    أي: فكيف دخلت النار- فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه}.

    فربما كان ممن أمرهم ونهاهم من أطاعوه، فدخلوا الجنة، وهو يدور بأقتابه كما يدور الحمار برحاه في نار جهنم، نسأل الله العافية والسلامة.

    فهذا لم يزده ما عنده من المعرفة والعلم إلا بعداً عن الله عز وجل، هذه الطائفة الثانية من يحفظ العلم على الناس، لكنه لا يعمل به، فهو مثل الأرض الصلبة التي أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، لكن هي ما انتفعت، فهي كالسراج أو كالشمعة تحرق نفسها لتضيء للناس.

    3- معرض جاهل:

    والطائفة الثالثة: {إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً}. أرض تشرب الماء ولا تنبت، فهذا مثال لمن لم يتعلم علماً شرعياً ولم يعمل به، فخسر الاثنتين، وهذه شر الطوائف.

    فعلم بذلك أن المقصود من الوحي والعلم الشرعي أن يظهر أثره على حامله قولاً وعلماً وسلوكاً، ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الذين يخرجون في آخر الزمان، الذين هم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، قال: {يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية} وقوله: لا يجاوز حناجرهم: إما أن يكون المعنى أنه لا يرفع لهم؛ أو أنهم لا يستفيدون منه.

    الدعوة إلى الله على بصيرة

    ومن العمل بالعلم أن يدعو الإنسان إلى الله تعالى على بصيرة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {بلغوا عني ولو آية} فإننا نجد الآن كثيراً من الناس يترك تعليم الناس ودعوتهم إلى الله تعالى بحجة أنه متفرغ لطلب العلم، وما هكذا كان توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا كنت تحفظ آيات وأحاديث غير قليلة وتوجيهات للناس، فكيف تترك الناس ولا تبلغهم مع أنه عليه السلام أمرك بذلك، وقال: {بلغوا عني ولو آية}؟!

    وفي مقابل ذلك تجد طائفة من الناس قد تشتغل بأمر الدعوة إلى الله وتوجيه الناس دون علم، فتبلِّغ في الحقيقة آراءها وأهواءها، ولا تبلغ ما أنـزل الله على رسوله، فلا بد من الاعتدال والتسديد والمقاربة في هذا الباب وفي غيره.

    1.   

    ضرورة الاستمرار على طلب العلم

    ولعل هذه الكلمة قد طالت أكثر مما كنت أريد، فأختمها بالتأكيد على أهمية الاستمرار في طلب العلم، لأن العلم الشرعي في الواقع -كما يقال- بحر ليس له ساحل، ومن ميزة العلم الشرعي أنه كلما تعمق فيه الإنسان، ازداد تواضعاً لله تعالى لمعرفته بجهله حينئذ، كما قال الأول:

    وكلما ازددت علماً      ازددت علماً بجهلي

    وهذا والله هو الواقع، فإن الإنسان كلما توسع في العلوم، أدرك شدة جهله، لأنه عرف مقدار العلوم الكثيرة التي لا يعلمها، وربما لا يعرف من بعض العلوم إلا أسمائها أو رءوس المسائل فيها، فأدرك حينئذ أنه جاهل، لكن بعض العامة أحياناًَ -فضلاً عن بعض طلبة العلم المبتدئين- قد يقول الواحد منهم: نحن كل شيء نعرفه، ما يخفى علينا شيء، لكن عسى الله أن يهدينا! لماذا يظنون أنهم يعرفون كل شيء وأنهم لا يخفى عليهم شيء؟!

    لشدة جهلهم، فإذا عرف الواحد منهم مسائل كثيرة ظن أنه يعرف، فالعلم الشرعي بحر ليس له ساحل، بل هو بحار.

    علو همة طالب العلم

    ولهذا فإن طالب العلم ينبغي أن يوطن نفسه منذ بداية طريق الطلب أن يكون عالي الهمة، صبوراً في تحصيل العلم، وأن يتعود على أن يثني الركب في طلب العلم وتحصيله، ويصبر على هذا الأمر، كما نبهنا الله تعالى إلى ذلك في قصة موسى والخضر عليهما السلام، حيث قال موسى للخضر: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:66-67] فبين الخضر أن الصبر ضروري لمن يريد أن يتعلم الرشد، فكان جواب موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69] لا بد من الصبر..!

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد في الصحيح:{ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من صبر}.

    اصبر على طلب العلم، وإلا فنحن نجد في كل مكان أنه حين يبدأ درس -مثلاً- قد يحضر هذا الدرس -ربما- مئات من الناس، لكن هؤلاء لماذا حضروا؟

    هل حضروا فعلاً وهم يعرفون لماذا جاءوا؟

    أم أنه يريدون أن يستطلعوا الأمر أول مرة فقط، ثم ينصرفوا بعد ذلك إلى شغلهم؟

    فبعد فترة تجد أنه يصفو من هذا الجم الغفير أعداد قليلة، وهذا يكفي؛ لأنه ليس مطلوباً أن يكون الناس كلهم علماء ومتخصصين في علوم الشريعة وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] يكفي أن يوجد طائفة من الناس في كل بلد تتفرغ لطلب العلم الشرعي وتحصيله؛ لتكون مرجعاً يرجع الناس إليها في العلم والفتيا والحلال والحرام، المهم وجود الصبر والدأب والاستمرار حتى يحصل الإنسان على ما يريد أو على بعض ما يريد.

    جعلني الله وإياكم ممن عَلِمَ وعمل وعلَّم، فذلك يدعى في ملكوت السموات كبيراً، كما قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه وأرضاه.

    وأستغفر الله لي ولكم، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئـــلة

    ضرورة وجود الهمة العالية

    السؤال: هل الهمة مطلوبة في طلب العلم؟

    الجواب: الهمة مطلوبة في كل أمر يعمله الإنسان، وما لم يكن عند الإنسان همة، فإنه لا يستطيع أن يصل إلى ما يريد، ولذلك لو نظرت إلى أي أمر من الأمور العادية لوجدت أن تحصيل الإنسان مربوط بعلو همته، فالذي يكون عنده قناعة بأي أمر من الأمور لا يواصل؛ لأنه إذا حصل على شيء ولو يسيراً اكتفى به.

    خذ على سبيل المثال الأمور الدنيوية كالتجارة؛ لو أن هناك إنساناً يقول: أنا قنوع ولا أريد أموالا كثيرة، ويكفيني ما يعيلني وأولادي، لفتح محلاً متواضعاً يتناسب مع هذه الهمة الموجودة عنده، كذلك العلم الشرعي -وهو لا شك من المنافسات الشرعية التي يتنافس فيها أرباب الهمم العالية- قد تجد إنساناً يقول: أنا ليس لي طموح أن أحصل على علم كثير يستفيد منه الناس ويحتاجون إليه.

    الله المستعان! ويأتي بعبارات تدل على خمول همته وخمودها، لكن يكفيني أن يكون عندي بصيص على الأقل لنفسي، فمثل هذا -بطبيعة الحال- لا يمكن أن يواصل الطلب، لأنه متى حصل على العلم الذي يخصه من علم فرض العين الذي يتعلق به من حيث الصلاة والطهارة والمعاشرة وما أشبه ذلك اكتفى به، وكلما علت همة الإنسان، كان لديه إمكانية أكثر في التحصيل.

    والله تعالى قسم الهمم بين الناس، فقد تجد من الناس من تكون همته أن يصلح أهل البلد، ويوصل الخير إليهم جميعاً، وقد تجد آخر همته فوق ذلك قد يطمح أن يصلح أهل دولةٍ بأكملها، وربما تجد ثالثاً همته أن يصلح أحوال المسلمين بكاملهم، وليس بالضروري أن يحصل الإنسان على الهمة التي يتطلع إليها، ولكن بقدر همته يحصِّل، ولذلك كان يقال:

    وكن رجلاً رجله في الثرى     وهامة همته في الثريا

    فكلما علت همة الإنسان كان أدعى وأكثر لتحصيله، ولعلكم تعرفون كلمة الإمام الشافعي رحمه الله التي قالها في مجال طالب العلم والإصرار عليه، يقول:

    سأطلب علماً أو أموتَ ببلدة     يقل بها سفح الدموع على قبري

    أي أنه: سوف يصر على طلب العلم حتى يتغرب في بلاد لا يُعرف فيها بحثاً عن الحديث والسنة،

    فإن نلت علماً عشت في الناس سيداً     وإن مت قال الناس بالغ في العذر

    إذا ما مضى يومٌ ولم أستفد يداً     ولم أكتسب علماً فما ذاك من عمري

    وعلو الهمة في حياة السلف أمر عجيب، والكلام فيه يطول، لكن لا بد من وجود الهمة عند طالب العلم، وبقدر همم الناس يحصلون من العلوم بإذن الله تعالى.

    أهمية حفظ القرآن الكريم لطالب العلم

    السؤال:هل حفظ القرآن الكريم شرط لتحصيل العلم؟

    الجواب: القرآن هو أساس العلم وأصله، كما قال الله عز وجل: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] فوصف الذين حفظوا القرآن وكان القرآن في صدورهم أنهم من الذين أوتوا العلم، ولذلك فإن العمل على حفظ القرآن من الأشياء التي ينبغي أن يأخذ طالب العلم بها نفسه، نحن لا نقول هذا شرط لتحصيل العلم، فليس هناك ما يدل على هذا، بل إننا نعلم من حياة السلف أن منهم من كان لديه علم يشار إليه بالبنان، ولم يكن حافظاً للقرآن كله، لكن من أراد أن يحفظ العلم، فعليه أن يبدأ بحفظ القرآن الكريم، ولا تعارض بين حفظ القرآن وبين طلب العلوم الأخرى كالحديث والفقه والأصول وغيرها، بل على الإنسان أن يجعل له وقتاً يحفظ فيه القرآن، كأن يحفظ في اليوم وجهاً أو وجهين أو ثلاثة، بحسب ما يتيسر له، المهم أن يلتزم بمقدار من حفظ القرآن الكريم لا يتخلف عنه أبداً، ويجعل له وقتاً لحفظ السنة وطلب العلم؛ بحيث أنه بعد ثلاث سنوات أو أربع سنوات، يجد نفسه قد حفظ كتاب الله، وحصل جزءاً طيباً من العلوم.

    أما من يقول: أريد أن أتوفر على حفظ القرآن فقط دون غيره فهذا يختلف، بعض الناس قد يكون عنده جودة وسرعة في الحفظ، حتى أن منهم من حفظ القرآن في شهر، ومنهم من حفظ القرآن في شهرين، فهذا لا بأس أن يتفرغ شهراً أو شهرين ليحفظ القرآن كاملاً، لكن غالب الناس لا يستطيع حفظ القرآن إلا على الأقل في حولين كاملين، فمثل هذا من العسير أن يقال له: تفرغ حولين كاملين لحفظ القرآن، اللهم إلا أن يكون الإنسان لا يستطيع إلا ذلك، أو مشغول في أمور أخرى، وكل حالة تقدر بقدرها، لكن ينبغي أن يكون حفظ القرآن هو الأمر الأول في أساسيات طالب العلم.

    المفاضلة بين العلم والعبادة

    السؤال: هل العلم نفسه عبادة لله عز وجل؟

    فبعض الناس يحجم عن طلب العلم بحجة أنه لا يستطيع تبليغ العلم في هذا الزمان، وما كل أمر يريد أن يقوله يستطيع أن يقوله؟

    فما رأيكم؟

    الجواب: أما أن طلب العلم عبادة، فلا شك أنه إذا كان لوجه الله تعالى فهو من أعظم القربات، ولذلك صرح بعض أهل العلم كـالشافعي والإمام مالك وغيرهما بأن طلب العلم يقدم على النوافل الأخرى، وهذا ظاهر لأسباب كثيرة:-

    منها أن العبادات تفتقر إلى العلم، والعلم لا يفتقر إلى نوافل العبادات، فالإنسان لو تعبد على غير علم قد يعبد الله على جهل وضلال، فالعبادة تفتقر إلى العلم في تصحيحها، والعلم لا يفتقر إلى العبادة.

    ومن جوانب فضل العلم على العبادة أن العلم نفعه متعدٍ، والعبادة نفعها لازم، فالعالم ينفع الله به الناس كلهم، والعابد ينفع نفسه.

    ومنها: أن العلم يكون به حفظ الشريعة، وليس كذلك العبادة، فإن العُبَّاد قد ينشغلون عن طلب العلم وتحصيله، ويضيع عليهم الكثير من أمور الدين.

    ومنها: أن العلماء هم ورثة الأنبياء.. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن العلماء ورثة الأنبياء} وليس كذلك العُبَّاد، فلم يرد في شأن العُبَّاد مثلما ورد في شأن العلماء أنهم ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

    ومنها أن العلماء هم الذين أمر الله تبارك وتعالى بطاعتهم، ولم يأمر بطاعة العُبَّاد كما في قوله عز وجل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] وكما في قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]فأولي الأمر -كما قال المفسرون- هم العلماء والأمراء، فطاعة العلماء فيما يبلغونه من دين الله وشرعه واجبة بخلاف العباد.. إلى غير ذلك من الأسباب التي يعلم بها أن الاشتغال بالعلم من أعظم القربات وأجل الطاعات، لأن فيه حفظ الدين كما ذكرت.

    أما كون الإنسان أحياناً لا يستطيع أن يقول كل ما في نفسه، فنحن نسأل: لماذا؟

    لغلبة الشر وكثرة الأشرار، فلو أن المسلمين انتدب منهم من يحرصون على تعلم العلم وتعليمه ونشره لتغير الحال، وأصبح الخير هو الغالب، وأمور المجتمعات -أيها الإخوة- مرتبطة بعضها ببعض، فكثيراً ما تجد بعض الناس يكثر من اللوم على القائمين على أحوال المسلمين، من السلاطين وغيرهم وما وقعوا فيه، وينسى لوم الناس أنفسهم، والواجب لوم الجميع؛ لأن الأمور هذه مرتبط بعضها ببعض، والله عز وجل يقول في كتابه: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] فإن ما سلط على الناس يكون سبباً في عدم إمكانية أن يقول الإنسان كل ما عنده، وينشر علمه في كثير من البلاد، بسبب سوء أحوال الناس وانحرافهم، فعوقبوا بشيء من ذلك.

    فإذا عملنا على إصلاح أنفسنا ونشر العلم؛ فإننا بذلك نجد كثرة العلماء والمتعلمين وكثرة الفرص التي يستطيع الإنسان بها أن ينشر علمه، وفي كثير من الأحيان قد تجد هناك مسئولاً فيه خير وصلاح، يبحث عن إنسان صالح ليعتمد عليه في من حوله، فلا يجد، لغلبة الشر -كما ذكرت- وكثرة الأشرار وتنفذهم، فهذا الذي ترك طلب العلم بحجة أنه لا يستطيع أن ينشر علمه، فماذا عمل بعد ذلك؟

    قعد في بيته واشتغل بتجارته أو وظيفته أو دراسته، وتعطل من المصالح الشرعية جملةً، وهذا في الواقع ليس بحل.

    ترك إظهار العلم خشية الرياء

    السؤال: ما حكم ترك إظهار العلم خشية الرياء؟

    الجواب: إذا عرفنا الهدف من تحصيل العلم وجمعه، فالعلم لا شك إذا كان علماً لا يُبدى، فهو مثل إنسان عنده كنـز من الأموال، لكنه محفوظ في خزائنه لا ينتفع الناس به، إنما يكون حساباً عليه يوم القيامة، فما هي الأشياء التي تمنع الإنسان من إبداء العلم؟

    قد تكون هناك أسباب شرعية تمنعه من إبداء العلم، مثل ظنه بأن هذا الإنسان الذي سأله أو طلب منه سوف يستخدم هذا العلم في غير وجهه الشرعي، فيرى من المصلحة حجبه عنه للمصلحة الشرعية، أو يرى أن إبداء هذا العلم قد يكون ليس هذا أوانه، وله وقته المناسب، كأنواع خاصة من العلوم، وقد يكون على الإنسان خطر في نفسه أو ماله، فيجوز له أن يترك ذلك، وإن كان الأولى والأحرى به أن ينشر العلم كما قال أبو ذر رضي الله عنه: [[لو وضعتم الصمصامة على هذه -أي على رقبته- ورأيت أني أنفذ شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تقتلوني لأنقذته]].

    أما ترك إظهار العلم خشية الرياء، فهو من مزالق ومداخل الشيطان على ابن آدم، في العلم وغير العلم، وكثيراً ما يوسوس للإنسان من خوف الرياء، فيدعوه إلى القعود عن الطاعة والعبادة، وكم من إنسان ترك التقدم إلى الجماعات، وترك إمامة الناس في الجمع والجماعات، وترك الدعوة إلى الله، وترك قراءة القرآن، وترك صلة الأرحام، بحجة أنه يخشى أن يكون هذا من الرياء، وليس الحل أن يترك العمل، إنما الحل أن يستمر في العمل، ويدافع الرياء.

    ومبدئياً كونه ترك العمل خوف الرياء دليل على أن عنده أصل الإخلاص، وإلا فالمرائي يفرح ويفخر بأن يظهر العمل للناس ليمدحوه به، فكون الإنسان يكون عنده هاجس وهم بأنه سوف يترك العمل خوف الرياء دليل على أن عنده إخلاص، لكن قد يخطر الرياء في قلبه، وأصل النية عنده خالصة، فلا ينبغي له أن يترك العمل حينئذٍ، بل عليه أن يستمر في العمل، ويحرص على دفع الرياء ما استطاع، فإن لم يندفع الرياء، وكان الأصل الدافع للعمل خالصاً، فإن هذا لا يؤثر في أصل العمل، وإن كان قد يقلل من أجره.

    طلب العلم للنساء

    السؤال: إحدى الأخوات تطلب الدلالة على كيفية طلب العلم للنساء بسبب ظروفهن العائلية، وترجو توجيه كلمة لأولياء أمور النساء في مساعدتهن في هذا الأمر؟

    الجواب: أما كيفية طلب العلم للنساء فكما في حديث رواه النسائي وغيره بسند قابل للتحسين: {أنما النساء شقائق الرجال} فما يقال في الرجل يقال في المرأة أيضاً في طلبها للعلم، والطريق واحدة، لكن ظروف المرأة العائلية قد تحول دون بعض ذلك، فيمكن للمرأة أن تعوض ما فاتها عن طريق سماع الأشرطة وقراءة الكتب وما أشبه ذلك.

    ثم إنني أنصح الأخوات الحريصات على طلب العلم على التركيز على العلوم التي يحتجن إليها في أمورهن العملية والحياتية بصفة أخص، لأن طبيعة المرأة ودور المرأة في المجتمع من الزواج ثم الحمل والإنجاب والاشتغال بالولد تحول بين استمرارها على وتيرة واحدة في الطلب، فكونها تقدم الأهم هذا هو الأحزم والأولى في حقها، فتعنى -مثلاً- بمسائل الطهارة ومسائل الصلاة، والمعاشرة، وحقوق الأهل، ومعرفة أحكام بعض المنكرات الموجودة والأدلة على تحريمها، وأحكام بعض الأعمال التي يعملها الناس؛ حتى تكون آمرة ناهية، ومعرفة العقيدة، وهذا قبل ذلك كله، والدعوة إليها، معرفة الترغيب والترهيب وما ورد فيه من أحاديث؛ لأن هذه من الأشياء التي تحتاجها المرأة في مجالستها ومعاملتها مع غيرها من الناس، وتستفيد منها بشكل أكبر، فإذا بقي عندها بعد ذلك فضل وقت، فلا بأس أن تصرفه في فروع العلوم الأخرى.

    أما أولياء أمور النساء، فلا شك أن ولي أمر المرأة لها عليه حقوق كثيرة، من أهمها أن يعلمها حدود ما أنـزل الله على رسوله، ومن العيب أن يكون طالب العلم أحياناً مشتغلاً بالعلم، وربما بالتعليم أيضاً، فإذا أتيت إلى أهله، وجدت عندهم جهلاً مطبقاً، وقد علمت أن بعض النساء يوجد عندهن جهلٌ غريب في أمور الدين؛ بسبب أن المرأة محصورة في بيتها لا تذهب ولا تجيء ولا تخرج، وفي نفس الوقت ولي أمرها لا يوصل إليها ما يسمعه من العلم والذكر، فلا هي سمعت بنفسها، ولا هو أوصل إليها بعض ما سمع، حتى إن من النساء من قد تجهل أصول الإسلام.

    وقد علمت أن إحدى النساء وهي نشأت في بيئة طيبة جداً، ومع ذلك لم تكن تعلم أن الناس يبعثون بعد موتهم حتى تزوجت، وحدثني آخر أن زوجته لا تصلي، ولما أمرها بالصلاة وألح عليها، قالت: ما سمعنا أن الدين للمرأة! الدين للرجال، تقوله جادة ليست ساخرة، تقول الدين للرجال، وهم الذين يخاطبون وينهون ويذهبون إلى المساجد، أما المرأة فليس عليها دين، فالمرأة بأمس الحاجة إلى أن ولي أمرها إن كان عالماً أو عنده علم، يوصل إليها ما عنده من علم، وإن لم يكن كذلك يمكنها من سماع العلم والذكر والموعظة، ويذهب بها إلى الدروس والمحاضرات والمجالات التي يكون فيها خير، ويحضر لها ما تحتاجه من الكتب والأشرطة وغيرها؛ ليقوم بذلك ببعض الواجب الملقى على عاتقه تجاهها.