إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. الفرقة الناجية والفرقة الضالة

الفرقة الناجية والفرقة الضالةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ عن أهمية طلب العلم وأن هناك صفات لـلخوارج وغيرهم من أهل البدع، وفرَّق بينهم وبين الفرقة الناجية التي تأخذ بالكتاب والسنة على فهم الصحابة، وختم بذكر أنواع الناس من حيث الانتفاع بالوحي وضعفه وعدمه.

    1.   

    أهمية طلب العلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    أما بعــد:

    نتكلم في هذا الدرس -إن شاء الله- عن إشارات تربوية في السنة النبوية، وفي اعتقادي أن طالب العلم لا ينبغي أن يكتفي بأخذ الأحكام والحلال والحرام، وهذا وإن كان لا بد منه إلا أنه لا يكفي وحده، فأنت حين تقرأ القرآن الكريم تجد أن الله عز وجل ينـزل آية الوعيد بادئةً ببيان حكم من الأحكام، وكذلك آية الرحمة، فإذا حرَّم أمراً عقب عليه بذكر عقاب الله تعالى وأخذه للعصاة، وإذا أوجب أمراً عقب عليه بذكر الجنة ونعيمها وما أعده فيها، وذلك من أجل أن يكون قلب الإنسان مستعداً لتلقي الأحكام الشرعية.

    ومن حكمة الله: أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، وهو يدعو إلى العقيدة، ولم ينـزل من الأحكام إلا القليل، فلما هاجر إلى المدينة وقوي الإيمان في نفوس الناس، وصار لديهم استعداد قوي لتنفيذ الأوامر، وصار الواحد منهم كالجندي في المعركة ينتظر الأوامر لينفذ، بدأت الأحكام تنـزل بكثرة.. حتى نـزل في المدينة كثير من الأحكام الشرعية التفصيلية، وهذا يؤكد أن طالب العلم مع شدة حاجته إلى معرفة الحلال والحرام والأحكام التفصيلية، أيضاً حاجته أشد إلى معرفة الأمور القلبية، والأشياء التي تزيد من حرصه على التطبيق والتنفيذ، ومن تباعده عن مخالفته لأوامر الله عز وجل، وتجعله أكثر انتفاعاً بالقرآن والسنة.

    1.   

    وصف الخوارج

    وهناك أحاديث كثيرة جداً، فيها فوائد عظيمة في هذا الموضوع، وأذكر منها الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في وصف الخوارج حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية -ثم قال صلى الله عليه وسلم في كلام عجيب بليغ- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يرى فيه شيء، وينظر إلى رصافه فلا يرى فيه شيء، وينظر إلى نضيه فلا يرى فيه شيء، وينظر إلى قدحه فلا يرى فيه شيء، قد سبق الفرث والدم}.

    أولاً: الكلمات والمعاني الموجودة في الحديث، بقوله صلى الله عليه وسلم: { يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم} ما معنى كونه لا يجاوز تراقيهم؟

    خلاصة كلام العلماء وشراح الحديث في تفسير هذه الكلمة، أمران:

    عدم فهم الخوارج لمعاني النصوص

    الأمر الأول: أن هؤلاء القوم يقرءون القرآن، ولا يفهمون معانيه، ولا يتدبرونه، ولا ينتفعون به، بل ما وجدوا من القرآن مما يناسبهم أخذوا به، وما وجدوا مما يخالف ما هم عليه اشتغلوا بتأويله وصرفه عن ظاهر معناه، فمثلاً: إذا سمعوا قول الله عز وجل: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:14-16] قال الخوارج: هذا دليل على أن كل من عصى الله فهو كافر مخلد في النار، وأن من دخل النار لا يخرج منها، حيث قال تعالى: لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى [الليل:15] أي: لا يصلاها إلا البالغ الغاية في الشقاء: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:16].

    فدل هذا عندهم على أن من دخل النار لا يخرج منها، وبذلك أنكروا خروج عصاة الموحدين من النار إلى الجنة، وهذا أمر ثابت متواتر بالقرآن والسنة، وأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والشفاعة أمر ثابت بالقرآن والسنة، وحكموا بكفر مرتكب الكبيرة، أو مرتكب المعصية، أخذاً بهذه الآية، وكأنهم لم يقرءوا في مقابلها قول الله عز وجل: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9] ثم قال في الآية التي تليها: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10].

    فإن الله تعالى قد أثبت للمتقاتلين الإيمان والأخوة: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الحجرات:9] فأثبت لهم الإيمان، وأثبت لهم الأخوة: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10].

    فدل هذا على أن الإنسان قد يقع في المعصية، ومع ذلك لا يكفر إلا أن تكون هذه المعصية هي الشرك والعياذ بالله فالشرك بالله مخرج من الإسلام، أما المعاصي فهي من أمر الجاهلية كما قال الإمام البخاري: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر بها صاحبها إلا بالشرك، فـالخوارج أخذوا ما يناسبهم، ويناسب مذهبهم فيما يزعمون، وهو قوله تعالى مثلاً: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى [الليل:14] أو وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً [الجن:23] ونسوا قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] وقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178] وهو القاتل هاهنا والمقتول، فاعتبرهم إخوه، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة.

    بل من أصرحها قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    فهذا هو الوجه الأول في معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا يجاوز تراقيهم } أي: لا يفهمون معانيه ولا يتدبرونه ولا يعملون به.

    لا يرفع لهم أجر

    والوجه الثاني: أن قوله: { لا يجاوز تراقيهم} معناه: لا يرفع لهم أجره ولا يكتب لهم ثوابه، فهم يقرءون القرآن وعملهم هذا حابط عليهم، وليس لهم، فالقرآن لا يجاوز تراقيهم لسببين:

    الأول: وكلا المعنيين صحيح، فيقال: إنه لا يجاوز تراقيهم ولا يكتب لهم أجرهم، لماذا؟

    لأنهم لم يقرءوا القرآن ليعرفوا الحلال والحرام، والحق والباطل، والهدى والضلال، بل قرءوا القرآن ليعلموا ما يوافق بدعتهم في الظاهر، فيؤلونه على ما يريدون، وأما ما يخالف بدعتهم فيردونه ويئولونه، فما يوافق بدعتهم يأخذونه كما يريدون، وما يخالف بدعتهم يؤولونه ويصرفونه عن ظاهره، ولذلك لا يكتب لهم أجره.

    مروقهم من الدين

    ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: { يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية } فما المقصود بالرمية؟

    المقصود بالرمية: هي الشيء المرمي، فهي كما يقول أهل اللغة: فعيل بمعنى مفعول أي: المرمي، والشيء المصيد.

    فهم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، وكيف يمرق السهم من الرمية؟

    بين لك الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يمرق السهم من الرمية، والعرب: لهم طريقة خاصة في صناعة السهام معروفة لدى بعضكم، وهي تجعل السهم إذا أصاب طائراً فإنه ينفذ فيه ثم يخرج بسرعة شديدة جداً، حتى أنك تأخذ السهم بعد ما خرج من الرمية، فتنظر في نصله -وهي الحديدة- فلا ترى فيه شيئاً من دم، وتنظر في رصافه وهو العصب الذي يعصب فيه السهم فلا ترى فيه شيئاً من الدم ولا من الفرث، وتنظر في نضيه: وهي الخشبة التي تبرى حتى تصبح دقيقة جداً فهو نضي بمعنى دقيق ضعيف، فلا تجد فيها شيئاً من أثر الفرث والدم، وتنظر في قدحه -أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {في قذذه} وهو القدح، وهو ريش السهم- فلا تجد فيه أثراً لهذه الأشياء.

    خلاصة التشبيه

    وخلاصة هذا التشبيه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبه هؤلاء القوم لسرعة دخولهم في الإسلام، ثم خروجهم منه بالسهم الذي دخل في الطير المصيد بسرعة فائقة، وخرج منه قبل أن تتفجر العروق والشرايين بالدم، وقبل أن يصيبه شيء من ذلك، فتنظر في السهم بعد أن خرج من الصيد فتتعجب، ليس فيه دم ولا فرث، ولذلك عقب الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث بقوله: {قد سبق الفرث والدم } أي: هذا السهم الذي رمي خرج بسرعة، وسبق الفرث والدم فلم يصبه شيء منه، وهكذا هؤلاء القوم دخلوا في الإسلام بسرعة وخرجوا منه، وقرءوا القرآن وخرجوا منه ولم يتأثروا به.

    عموم الحديث في أهل البدع

    وهذا -أيها الإخوة- ليس خاصاً بـالخوارج فقط، بل هو عام في سائر أصحاب البدع، ولذلك نبينا صلى الله عليه وسلم لما ذكر الفرق الضالة قال: {افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنـتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار -ومن هؤلاء الفرق الخوارج الذين هذا شأنهم- إلا واحدة وهي: ما أنا عليه وأصحابي -وفي رواية: الجماعة-} وقد صح الحديث بهذين الوصفين، والحديث ورد بصور عدة، حيث وصفهم: {بالجماعة}و: { ما أنا عليه وأصحابي } ووصف ضدهم -يعني الفرق الضالة- بما تقدم.

    1.   

    خصائص الفرقة الناجية في تلقي نصوص الوحي

    إذاً: الفرقة الناجية ما هي طريقتها في أخذ القرآن والسنة؟

    ما هي طريقتها في تلقي نصوص الوحي؟

    طريقتها هي طريقة الجيل الأول؛ لأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هم الذي اتفق العلماء على أنهم الفرقة الناجية، ومن كان على ما كانوا عليه.

    فانظر إلى أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام كيف كانوا يأخذون الوحي والقرآن والسنة، وفي هذا المجال يشار إلى أربع خصائص أذكرها باختصار:-

    معايشتهم لوقت التشريع

    أولاً: أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا معايشين للنبي صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر والظعن والإقامة، فكانوا يعرفون الملابسات والأسباب التي نـزلت فيها النصوص، ولذلك كانوا أكثر الناس إيماناً بالنصوص، وأكثر الناس فهماً لها رضي الله عنهم، وهذه قضية مهمة جداً، بحيث يقال: كل فهم للقرآن والسنة مخالف لفهم الصحابة فهو مردود على صاحبه، ولا يقال: هؤلاء رجال ونحن رجال؛ لأن الله زكاهم، والرسول صلى الله عليه وسلم زكاهم، فكل فهم للقرآن والسنة مخالف لفهم الصحابة فهو مردود على صاحبه.

    فصاحتهم

    ثانياً: أنهم كانوا عرباً أقحاحاً فصحاء، يعرفون معنى القرآن والسنة، ولم تختلط ألسنتهم بشيء من العجمة أو اللكنة التي دخلت فيمن بعدهم، فكانوا يفهمون المعاني المرادة بلغة العرب، بخلاف من جاءوا بعدهم.

    سلا متهم من البدع والأهواء

    ثالثاً: أن الله عز وجل حماهم وعصمهم من أن يتلبس أحد منهم بشيء من البدع، فقد انتهى جيل الصحابة، ولم يقع واحد منهم في بدعة من البدع على الإطلاق، ولذلك فهم حين يفهمون من القرآن أو من السنة شيئاً يفهمون أن هذا هو مراد الله، ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس تعصباً لبدعة أو هوى، بخلاف كثير ممن جاءوا بعدهم، فقد بدءوا يميلون بالنصوص يميناً وشمالاً لتوافق أهواءهم.

    قرب عهدهم بالوحي

    رابعاً: أن قرب عهدهم من وقت التشريع أعفاهم من سلسلة الإسناد الطويلة، فكانوا يأخذون مباشرة، فيسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، أما من جاء بعدهم، وخاصة من المتأخرين، فقد جاءت الأسانيد، ولذلك تجد أن العلماء يختلفون في تصحيح الحديث أحياناً أو تضعيفه، والتبس على كثير من الناس الحق بالباطل، بل وصل الحال ببعض الجهال إلى ألا يقبل كثيراً من الأشياء الواردة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: أن هناك أحاديث ضعيفة قد يكون هذا منها، ولا يأخذ بكلام أهل العلم الذين صححوا هذا الحديث.

    ولذلك يقول عبد الله بن عباس كما في مقدمة صحيح مسلم: [[كنا إذا سمعنا أحداً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا]] أي: من شدة تلهفهم إلى معرفة السنة، سمعوا أحداً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارهم.

    ولذلك كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه مع أنه من صغار الصحابة، يروي كثيراً من الأحاديث، وهي ما يعرف بالمراسيل، والمراسيل التي رواها ابن عباس عن غيره من الصحابة: عن أبي هريرة، وعن الفضل بن العباس، وعن ابن عمر، وعن غيرهم من الصحابة كثيرة، حتى قيل: إنه لم يروِ عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، إلا نحو أربعين حديثاً، وما عدا ذلك فهو من المراسيل.

    فيقول ابن عباس رضي الله عنه: [[فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما نعرف]].

    فهذه أربع خصائص لجيل الصحابة رضي الله عنهم.

    فالخاصية الأولى هي: معايشتهم لوقت التشريع، ومعرفتهم بأسباب النـزول.

    الخاصية الثانية هي : فصاحتهم.

    الخاصية الثالثة هي: سلامتهم من البدع والأهواء.

    الخاصية الرابعة هي: قرب عهدهم بالوحي وعدم حاجتهم إلى سلسلة الإسناد التي قد يلتبس على بعض الناس الصحيح بغيره.

    ولذلك نقول: إن فهم الصحابة رضي الله عنهم للقرآن والسنة هو الفهم الصحيح الذي يجب أن يكون مقياساً لمن جاء بعدهم من الناس، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في وصف الفرقة الناجية: {من كان على ما أنا عليه وأصحابي}.

    1.   

    أصناف الناس بالنسبة لانتفاعهم بالوحي بعد جيل الصحابة

    وإضافة لهذا الحديث نقف الآن بإيجاز عند أصناف الناس الذين قل انتفاعهم بالوحي أو انعدم، ولم يهتدوا بهداية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم ينتفعوا من الوحي، إما أنهم لم ينتفعوا بالكلية أو أنهم انتفعوا انتفاعاًً جزئياً.

    عدم الانتفاع بالوحي بالكلية

    أما الذين لم ينتفعوا بالكلية فهم الكفار الذين ردوا وحي السماء جملة وتفصيلاً، وقد ذكرهم الله تعالى بقوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] فهم لا يستفيدون من الآيات الشرعية ولا من الآيات الكونية، فأما الآيات الكونية، فمثل ما يرون في الكون وفي الأنفس من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، وأنه هو المستحق للعبادة، فلا ينتفعون بذلك، بل ينظرون إليها، ويقولون: إنها خلقت باطلاً أو لهواً وعبثاً، كما قال الله عز وجل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27] فهم لا يستفيدون من الآيات الكونية.. ومن رؤيتهم للأرض أو للشمس أو للقمر أو للسماء أو للإنسان وما فيه من بديع الصنع.

    وكذلك لا يستفيدون من الآيات الشرعية، والمقصود بالآيات الشرعية، القرآن الكريم، فهم لا ينتفعون به، ولا يزيدهم إلا خساراً، كما قال تعالى: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [الإسراء:82] فهم لا يزيدهم نـزول القرآن إلا بعداً؛ لأنهم يكذبون به، وكلما كذبوا بوحي جديد زاد كفرهم، ولجوا في العناد، ولأنهم يجهدون في الرد عليه وصد الناس عنه وتحذير الناس منه، فيزدادون كفراً إلى كفرهم، وهؤلاء هم الصنف الأول، وهم الذين حرموا هداية الوحي ونفعه، وهم الكفار، وحرمانهم منه حرمان كلي مطلق، والعياذ بالله.

    الانتفاع الجزئي بالوحي

    والصنف الثاني: هم من حرموا من هداية الوحي من بعض الوجوه دون بعض، بمعنى أنهم مسلمون في الجملة، لكن عندهم مانع حال بينهم وبين الانتفاع بنصوص الوحي كما ينبغي، ولو في جانب من الجوانب، وهؤلاء أصناف من الناس.

    الصنف الأول: هم أهل الأهواء والبدع الذين استقرت في نفوسهم البدعة والهوى، وصاروا يقرءون في القرآن والحديث ليبحثوا عما يؤيد بدعتهم، ويلتمسوا منها ما يناسبهم في ذلك، وهؤلاء فيهم شبه كبير من الصنف الأول -الكفار- في عدم استفادتهم من الوحي.

    ولذلك قرن الله تعالى بين هذين الصنفين في كتابه، ولو التفتنا إلى الآية لوجدنا هذا ظاهراً، فبعد أن ذكر الله عز وجل في الآية السابقة الكفار من أصحاب النار الذين ذرأهم لجهنم من الجن والإنس، والذين لم يستفيدوا من عقولهم، لا بالآيات الشرعية ولا بالآيات الكونية، وقال: أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] عقب بقوله: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180] فجمع بين الذين يلحدون في أسماء الله عز وجل وبين الكافرين، سواء كان هذا الإلحاد في أسماء الله كأن يسمى غير الله بها، أو بصرفها عن معانيها الظاهرة إلى معانٍ غير صحيحة، أو بتسمية الله عز وجل بأسماء ليست صحيحة.. لم يسم بها نفسه ولا سماه بها رسوله، أو غير ذلك من ألوان الإلحاد، فهذا نوع من الهوى.

    ولذلك كان من أصحاب الأهواء المعتزلة والجهمية وغيرهم من الذين أولوا أسماء الله وصفاته عن معانيها الحقيقية إلى معانٍ أخرى مجازية، ومنهم من قال: إن هذه الأسماء هي أعلام لا تدل على صفة، وكوننا سمينا الله بالرحمن الرحيم، لا يعني وصفه بالرحمة عندهم، وهؤلاء هم المعتزلة، وإنما هي مجرد علم، كما يسمى الإنسان محمداً أو عبد الله، فألحدوا في الاسم ونفوا عنه الصفة التي يأخذها ويدل عليها، فهؤلاء -أيضاً- حرموا من هداية الوحي من هذا الباب، واستسلموا لفكرهم وأهوائهم، أو استسلموا للفلسفات اليونانية التي أفسدت على المسلمين كثيراً من علومهم.

    وقال سبحانه في آية أخرى عنهم: هُوَ الَّذِي أَنـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7] فبين أنهم يتبعون المتشابه، في حين أن أهل العلم والإيمان يحملون المتشابه على المحكم ويردونه إليه، فيسلمون من اتباع المتشابه.

    ولذلك عقب بقوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ آل عمران:7] وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: {أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران:7] ثم قال: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فأحذروهم}.

    ولذلك تجد أن أهل البدع كلهم قد يستدلون بالقرآن، أو بالحديث على بدعتهم وهم يستدلون بعمومات ونصوص متشابهة كان عليهم أن يردوها إلى النصوص الظاهرة البينة.

    وقد رأيت بعض الضالين المنحرفين ممن يكفرون سواد المسلمين، ويقولون: إن أتباع المذاهب الأربعة كفار، فلما نوقشوا في هذا القول وما دليلهم، قالوا: إن الله يقول: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:31-32] فوصف الذي فرقوا دينهم وكانوا شيعاً بأنهم من المشركين، وأهل المذاهب الأربعة هم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فهم مشركون.

    ولذلك يتجنبون الصلاة خلفهم، فلا يصلون معهم جمعة ولا جماعة، بل ولا يعتمدون على المسلمين في رؤية هلال رمضان، ولا في رؤية هلال ذي الحجة، ولذلك قد يصومون قبل المسلمين، وقد يقفون بعرفة قبل العيد أو بعده، وكل هذه الضلالات -وأعظم منها وقوعهم في تكفير سواد المسلمين- بسبب شبهة عرضت لهم أو نص عام لو ردوه إلى النصوص الخاصة الصريحة لسلموا من هذا الانحراف.

    ومع الأسف إن الإنسان إذا تشبع قلبه ببدعة يصعب عليه أن يخرج منها، خاصة إذا كانت هذه البدعة بدعوى أنه يرجع إلى الكتاب والسنة، كما سولت لهم أنفسهم، فهؤلاء ممن حرموا من هداية القرآن والسنة في كثير من جوانب حياتهم، وهم أهل الأهواء.

    الصنف الثاني الذين حرموا من هداية القرآن والسنة في كثير من جوانب حياتهم: هم الذين انصرفوا عن تعلم الدين واشتغلوا بالدنيا عن الآخرة، والاشتغال بالدنيا عن الآخرة من سيما الكفار، قال الله عز وجل في وصف الكافرين: وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ [إبراهيم:2-3] وقال سبحانه: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16-17] وقال سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً.

    فالذي يؤثر الدنيا ويتعب من أجلها، ويغفل عن تعلم علم الشرع الذي لا بد له منه، قد حرم من كثير من هداية الوحي ونصوصه، وهو عبد لهذا الشيء الذي شغل نفسه في طلبه؛ وكما في صحيح البخاري عن أبي هريرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش} فيدعو الرسول عليه الصلاة والسلام عليه، وهذا الحديث عظيم جداً ولابد أن نقف عنده، لكن المقصود والشاهد منه الآن هو قوله: {عبد الدرهم، عبد الدينار} فليست العبودية فقط أن يجعل الإنسان له صنم ويصلي إليه، أو أن يطوف بقبر.

    ومن أنواع العبودية أن يتجه القلب ويتأله لغير الله، فمثلاً: الذي يؤثر الدنيا على الآخرة، ويقدمها عليها عبد للدنيا، فكيف يؤثر الدنيا على الآخرة؟!

    هو أن يشتغل بالدنيا عن الصلاة، أو يشتغل بالدنيا عن الصيام، أو يشتغل بالدنيا عن فعل الواجبات، أو تدعوه الدنيا إلى فعل الحرام. كأكل الربا، والسرقة، والنهب، وما أشبه ذلك من الأشياء، فإذا قدم الدنيا على الدين في مثل هذه الأشياء، فقد وقع في شيء من العبودية للدنيا قل أو كثر، ولذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى: {عبد الدرهم، عبد الدينار} وكأنه جعل هذا الدينار أو الدرهم أمامه وصار يتعبد له، لأن العبودية في الأصل هي خضوع القلب وذله وانقياده، فمن انشغل قلبه بشيء فهو عبد له.

    الصنف الثالث من الذين حرموا من الانتفاع بالوحي هم: أهل التقليد، الذين يقدمون آراء الرجال وأقوالهم على كلام الباري جل وعلا وعلى كلام المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم، وهم بذلك يخالفون قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، وقول الأئمة الذين قلدوهم.

    فأما مخالفتهم لقول الله فإن الله تبارك وتعالى أمر بطاعته، وطاعة رسوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92] اتَّبِعُوا مَا أُنـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3] ونعى سبحانه على أهل الكتاب طاعتهم للأحبار والرهبان في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، فقال: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] وتفسيرها الذي لا إشكال فيه، كما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ هو ما فسرها به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه وأحمد وغيرهما.

    {عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله! ما كنا نعبدهم، قال: أليسوا يحرمون عليكم الحلال فتطيعونهم؟

    قال: بلى. قال: ويحلون لكم الحرام فتطيعونهم؟

    قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم}.

    وقد عقد الإمام محمد بن عبد الوهاب لهذه الآية باباً نفيساً في كتابه: كتاب التوحيد عنوانه: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله، فارجع إلى هذا الباب، وارجع إلى شرحه في كتاب فتح المجيد فإن فيه كلاماً مفيداً.

    وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه أيضاً أمر باتباع الكتاب والسنة، وقال: {ألا إني أوتيت القرآن، ومثله معه} وأنكر على من رد سنته، وقال: {ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: ما وجدنا في كتاب الله أخذناه...الخ}. فأمر بطاعة الله، وجعل طاعته صلى الله عليه وسلم من طاعة الله.

    وكذلك العلماء الذين يقلدونهم كانوا مجمعين على أنه لا يجوز لأحد عرف السنة أن يخالفها لقول أي عالم من العلماء، يقول الإمام الشافعي رحمة الله: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: أجمعوا على أن المقلد ليس من العلماء، وقال الإمام أحمد رحمه الله: لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذوا، وقال أيضاً: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تبارك وتعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] أتدري ما الفتنة؟

    الفتنة الشرك، لعله إن رد بعض قوله -أي: بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم- أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

    فمثل هذه الكلمات صريحة بأنه لا أحد من العلماء المحققين يرضى أو يقر بتقليده فيما عرف الإنسان الدليل بخلافه.

    ومن المؤسف أن كثيراً من أتباع المذاهب المتعصبين، يثأرون ممن خالف المذهب، ولكن لا يثأرون ممن خالف الكتاب والسنة، بل أنقل لكم بعض النصوص المظلمة الموحشة التي قال بها بعض هؤلاء، يقول الصاوي في حاشيته في التفسير عند تفسير قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] وهو من الأحناف المتأخرين يقول: فلا يجوز الأخذ بما خالف إجماع الأئمة الأربعة، وإن كان قول صحابي -أي: لو جاءك قول عن أبي بكر أو عمر، أو عن كليهما مخالفاً لإجماع الأئمة الأربعة، لم يجز عند هذا المصنف أن تأخذ بقول أبي بكر وعمر، فهل هذا الكلام صحيح؟

    بل لم يكتف بهذا، وقال: وإن كان حديثاً نبوياً، ثم لم يقف عند ذلك، بل قال: وإن كان آية قرآنية!

    وهذا الكلام كلام خطير، وقد ذكره الإمام الشنقيطي في التفسير، وتكلم على قائله بما يستحق.

    ويقول مصنف آخر اسمه القاضي الكرخي : كل نص خالف مذهبنا فهو إما منسوخ أو مؤول؛ مع أن الإمام أبا حنيفة حريص على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه كان في العراق بعيداً عن الحجاز والشام التي كانت موطن الحديث، وفي وقته كثر الوضع، فكانوا لا يستطيعون أن يأخذوا من الأحاديث إلا ما استوثقوا منه، واضطروا إلى الاجتهاد، ولذلك إذا ثبت لديهم الحديث أخذوا به، بل إن الإمام أبا حنيفة نقل عنه أنه قال: إذا ورد حديث صحيح أخذت به، وإذا ورد قول صحابي أخذت به، فإذا ورد عن التابعين فهم رجال ونحن رجال، فهذا كلام أبي حنيفة رحمه الله، لكن هذا التابع استقر في ذهنه أن كل ما في مذهب الأحناف فهو حق، وما عداه من النصوص التي تخالفه فهي إما منسوخة، أو مؤولة، أي: يشتغل بتأويلها وصرفها عن ظاهرها.

    وهنا ينبغي أن نتساءل جميعاً إذا كان القرآن والسنة فيما عدا مذهب أبي حنيفة -مثلاً- فما فائدة النصوص حينئذٍ؟!

    إذاً: يؤخذ بمذهب أبي حنيفة وتترك النصوص على حالها، ويصبح القرآن والسنة كأنهما يقرءآن للبركة فقط، ولا يؤخذ منها الحلال والحرام، وهذا وضع خطير والعياذ بالله.

    ولذلك نقل عن بعض المصنفين من الأحناف أن عيسى عليه الصلاة والسلام إذا نـزل في آخر الزمان يتحير، ولا يدري بما يحكم، حتى يمر على نهر في بلاد المشرق، فيجد يداً مرفوعة وفيها كتاب من كتب الحنفية، فيأخذ هذا الكتاب ويفرح به ويعمل بما فيه.

    وهذا فساد، ولا ينبغي أن يكون قائله محسوباً على الأئمة المعتبرين، فكل مذهب يوجد من أتباعه من غيروا وبدلوا وانحرفوا، ولا يؤاخذ المذهب بأخطاء هؤلاء الناس، وليس المقصود الحط من مذهب بعينه، بل هؤلاء أئمة فضلاء، وهم جميعاً حريصون على الاتباع وتجنب الابتداع، وإنما المقصود بهذه الأمثلة أنها تدل على قلة انتفاع المولع والمغرم بالتقليد بالنصوص، وأن المسلم الذي يريد الانتفاع بالنص ينبغي أن يوطن نفسه على أنه إذا عرف القرآن والسنة لم يدعهما لقول أحد كائناً من كان: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65].. والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.