إسلام ويب

صائمون ولكنللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصيام من أعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان من خالقه عز وجل، وسر هذه العبادة هو الإخلاص الذي يرتبط بصيام الفرض ارتباطاً أوثق منه بصيام النفل، والصوم من مكارم الأخلاق فهو يربي الإنسان على مجموعة من الصفات الحميدة كالإنفاق والصبر والحلم والشجاعة، وهو مما يستغل بأمور عديدة منها: قراءة القرآن وكثرة الصلاة والبعد عن جوارح الصيام كالغيبة والنميمة وأكل الحرام كالربا، وينبغي على المرأة المسلمة الاهتمام بالصيام كالرجل تماماً مع ملاحظة الأمور والآداب الخاصة بها.

    1.   

    أولاً: فاعبدوا الله مخلصين له الدين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً0

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    جزاكم الله خيراً يا أهل الفايزية، وجعلنا الله وإياكم من أهل الجنة َأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [التوبة:20] وسائر إخواننا الحاضرين، بل وجميع المسلمين والمؤمنين والمسلمات، إنه على ذلك قدير، وهو على كل شيء قدير.

    جزاكم الله خيرا ًحين كنتم السبب في عقد هذا المجلس المبارك في مستهل هذا الشهر الكريم، الذي نسأل الله تعالى أن يجعله شهر مغفرة لنا جميعاً، عنوان هذه المحاضرة "صائمون ولكن" في هذا المسجد الكبير -جامع الفايزية- في مخطط ب، في هذه الليلة -ليلة الأحد الثلاثين من شهر شعبان من سنة ألف وأربعمائة وثلاث عشرة للهجرة-، وعندي في هذا المجلس عدة موضوعات:

    أهمية الإخلاص

    إن الإخلاص في كل العبادات أساس لابد منه، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً أريد به وجهه، وعمل على سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] وقال: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ الزمر:2-3] وقال سبحانه: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] فالإخلاص واجب في كل العبادات، وإذا زال الإخلاص عنها تحولت العبادة إلى عمل لا يؤجر عليه صاحبه، بل يذم ويعاب ويعذب في الدار الآخرة، قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7] وقال سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    الصوم عبادة السر

    والصوم من بين هذه العبادات كلها: هو عبادة السر، فهو عمل بين العبد وبين الله عز وجل، لا يطلع عليه أحد من الخلق، أتم صيامه أم نقصه أم نقضه.

    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: {كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزي به} وإنما قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي؛ لأنه لا يطلع على حقيقة العبد إن كان صام صياماً شرعياً حقيقياً أم أفطر بينه وبين نفسه، لا يطلع عليه إلا الله، حتى إن العبد لو نوى الفطر نية جازمة صادقة ثابتة فإنه يفطر بذلك، ولو لم يتناول شيئاً، كما ذهب إليه جمع كثير من الفقهاء، أنه إذا قطع نية الصيام ونوى الفطر أفطر ولو لم يأكل شيئاً، فدل ذلك على أن سر الصيام: هو في الإمساك عن المفطرات بنية، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    إذاً: فلابد من التعبد، وإرادة وجه الله تعالى في الصيام، وألا يكون الإنسان صام مجاراةً للمجتمع، أو سيراً على تقليد الناس، أو خوفاً من البشر، وإنما صام رجاءً فيما عند الله، وخوفاً من عقابه، وأنت تجد من الناس اليوم من لا يستشعر نية الصيام، ولا يصوم إلا مجاملة لمن حوله، فهو يخشى الناس ولا يخشى الله، يخشى الناس أن لو أفطر لانكسر جاهه عندهم، وسقطت منـزلته، أو يخشى أن يتحدث الناس عنه: أن فلاناً أفطر ولم يصم، أو يخشى أن يعاقب من بعض الناس على فطره، فيصوم لهذا.

    وربما لو أتيح له أن يفطر سراً لفعل، ومنهم من لا يخشى إلا هذا، ولا يراقب الله تعالى في عمله، وحينئذ فإن هؤلاء ممن لو اقتضاهم الأمر أن يفعلوا ضد ذلك لفعلوا، فأنت تجد هذا في صوم الفريضة.

    الفرق في الإخلاص بين صوم الفرض والنفل

    أما بالنسبة لصوم النفل: فإن الأمر يختلف، ففي صوم الفريضة أغلب الناس إنما يصومون ابتغاء وجه الله، ومراقبة لله تعالى، وخوفاً منه، ويقل المراءون في صوم الفريضة؛ لأن كل المسلمين صائمون.

    فالإنسان لا يشعر أنه بصيامه فعل شيئاً عظيماً فاق فيه الناس كلهم أو خالفهم، أو أتى فيه من العبادة بما لم يأت به غيره، فغالب الناس يصومون الفرض لله تعالى، وقليل منهم من يصوم لغير الله.

    أما بالنسبة لصوم النافلة: فإن الأمر يزيد عن ذلك، فمن الناس من يصوم النفل ويشيع عند الناس أنه كثير الصيام، فإذا كان بينهم في مناسبة أو أكل أو شرب فإنه يمسك عن الأكل والشرب ولو كان مفطراً؛ خشية أن يخيب ظن الناس فيه؛ لأنهم ظنوه صائماً، فلو قالوا له: تفضل يا فلان، أم أنك صائم؟ لاستحى؛ وقال: نعم، أنا صائم، أو ربما تكلف أن يتظاهر بالصوم، ويتظاهر -أيضاً- بأنه يريد أن يكتم الصيام، فإذا قالوا له: تفضل يا فلان! أم أنت صائم؟ قال لهم: لا أريد أن آكل، ورفض الأكل، ولم يبح بالصيام؛ لأنه يريد أن يظنوا أنه صائم، وهو في الواقع لم يكن صائماً!!

    ومنهم من يخبر بأنه صام فيقول: منذ عشرين سنة وأنا أصوم، أو منذ كذا وأنا أصوم الإثنين والخميس، ومنهم من عادته أن يصوم الاثنين والخميس، فإذا دعي إلى غداء في الاثنين أو الخميس قال: اليوم خميس، وهو لو قال: أنا صائم بنية الرياء لربما كانت هذه بلية، فكيف إذا كان قال: اليوم خميس، وهو يريد أن يقول لهم: أنا أصوم كل أثنين، وأصوم كل خميس، ومنهم من ينظر إلى الناس بعين الازدراء والاحتقار؛ لأنه صائم وهم مفطرون.

    إذاً على العبد أن يحرر نيته لله تعالى، فإنه كبير -أَيّ كبير- أن يجهد الإنسان ويتعب، ويحرم لذات ما أحل الله تعالى في هذه الدنيا من طعام وشراب ونكاح بصيام نفل أو غيره، ثم لا يكتب له من ذلك شيء، بل ربما كانت عليه آثاماً؛ بسبب أنه ما أراد بها وجه الله، وإنما عمل ما عمل رياءً وسمعة، قال الله تعالى:الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2] قال الفضيل بن عياض: أي أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، فلا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً.

    فحرر نيتك، وراقب قلبك، واعلم أن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، ويقول سبحانه: {أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك} كما في الصحيح.

    إن الناس ينظرون إلى الظاهر، أما القلوب فشأنها عند علام الغيوب، فكما تجهد في إصلاح ظاهرك وتحسينه وجعله على الكتاب والسنة، فعليك أن تجهد -أيضاً- في إصلاح باطنك، ألا يعلم الله من نيات قلبك ومقاصده أنك لا تريد غيره، ولا تقصد سواه.

    1.   

    ثانياً: من مكارم الأخلاق

    تربية الصيام الإنسان علىالإنفاق

    إن من حكم الصيام: تربية العبد على الجود والإنفاق.

    فمثلاً الجوع -وهو جزء من الصيام- يذكر الإنسان بحال الفقير والمسكين والجائع؛ ولهذا كان الشاعر يقول بعد أن جاع زماناً طويلاً ثم أغناه الله تعالى، فكان ينفق ويتصدق فقالت له زوجته: ارفق بالمال، قال:

    لعمري لقد عضني الجوع عضة      فآليت ألا أمنع الدهر جائعاً

    فحين يجد الإنسان مس الجوع؛ فإن ذلك يدعوه إلى السخاء والكرم والإنفاق، ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة} رواه البخاري من حدين ابن عباس.

    إن جوده صلى الله عليه وسلم كان دائماً، فقد أعطى غنماً بين جبلين، وأعطى مائة من الإبل، حتى أنه سئل الثوب الذي يلبسه فأعطاه صلى الله عليه وسلم ولبس غيره، وإنما كان جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان لأسباب:

    أولها: أنه شهر الصيام، والصيام يدعو إلى الإنفاق والبذل والكرم والسخاء.

    وثانيها: أنه شهر تضاعف فيه الحسنات.

    وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر فيه من قراءة القرآن، والقرآن يدعو إلى الإنفاق (ِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:245] وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33] إلى غير ذلك. حتى أنه صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئا قط فقال: لا.

    كأنك في الكتاب وجدت أن (لا)      محرمة عليك فلا تحل

    فما تدرى إذا أعطيت مالاً           أيكثر في سماحك أم يقل

    إذا حضر الشتاء فأنت شمس     وإن حضر المصيف فأنت ظل

    إن المسلم الحق يستعلي على وعد الشيطان الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268] فلا يمنعه ذلك أن ينفق من فضل الله تعالى، وأن يتصدق على العباد خشية الفقر، ومن منع ما في يده خشية فقر؛ فالذي فعل هو الفقر، فإن كل يوم له رزق جديد يأتي به الله تعالى، وإن منعت ما عندك منعك الله تعالى ما عنده.

    ورزق اليوم يكفيني وإني           بيومي جد مغتبط سعيد

    فلا تخطر هموم غد ببالي          فإن غداً له رزق جديد

    1- الاندهاش من شيخ كبير السن:

    إنني أندهش من ابن السبعين، وابن الستين، وابن الثمانين، الذي يملك الملايين، ويملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ثم تشح يده بقليل المال ينفقه في سبيل الله، حتى على نفسه، أو على ولده، أو على زوجه، يدخر هذا المال لماذا؟! إنه أمر لا تفسير له قط إلا الانسياق لألاعيب الشيطان، وإلا فإن نفسك التي تبخل عليها لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، ولم يبق من عمرك إلا كالشمس على رءوس الذوائب، فأنت لا تدري أيصبحك الموت أم يمسيك.

    أما أولادك الذين تبخل عليهم وزوجك؛ فهم الذين سيرثون هذا المال من بعدك، وها أنت الآن تبخل عليهم وتمنعهم، وربما قصرت في النفقة الواجبة، وليس معقولاً أبداً أن تجمع المال لهم، وتقول أريد أن يكونوا من بعدي أغنياء ولا يكونوا عالة يتكففون الناس، وها أنت تمنعهم في حياتك بعض الواجب عليك لتلقى الله تعالى بآثام تلك الرعية، التي تقول لمن تتركنا؟

    وللنفس تارات تحل بها العري      ويسخو عن المال النفوس الشحائح

    إذا المرء لم ينفعك حياً فنفعه      أقل إذا ضمت عليك الصفائح

    بأية حال يمنع المرء ماله           غداً فغداً والموت غادٍ ورائح

    يا أخي! ويا أختي! لقد دعاكما الداعي إلى الإنفاق، دعاكما إلى الإنفاق في أبواب الخير وهي كثيرة، دعاكما إلى الإنفاق في حلقة تحفيظ القرآن، أو إلى الإنفاق في حلقة تحفيظ سنة، أو دعاكما إلى الإنفاق على إطعام جائع، أو كسوة عار، أو إغاثة ملهوف، أو كفالة يتيم مات أبواه، أو إلى الإنفاق في مشروع دعوة توزيع كتاب، أو توزيع شريط، أو تجهيز غاز في سبيل الله، وأراك أخي! وأراكِ أختي! لا زلتما مترددين!!.

    2- علل واهية في عدم الإنفاق:

    أراك يوماً تتعلل بخوف الفقر، وأنت الذي تملك الملايين التي لو أنفقت بيديك طيلة عمرك ما نقص ذلك منك إلا القليل، وأراك يوماً آخر تحتج بأنه ليس لديك سيولة نقدية؛ وأقول لك: الحاجة أم الاختراع، وليس ضرورياً أن تكون الصدقة التي ندعوك إليها مالاً ودراهم وورقاً نقدية؛ بل قد تكون الصدقة أرضاً، أو مزرعةً، أو سيارةً، أو عمارةً توقفها في سبيل الله للمحتاجين وأبناء السبيل! وأراك يوماً تحتج بخوف ألا تصل الصدقة إلى مستحقيها، وقد وجدت طرقاً موثوقة! ولكنني مع ذلك أقول لك: لماذا تصم أذنيك عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو في الصحيح: {تصدق على زانية، ثم على غني، ثم على سارق، وقد كتبت كلها في الصدقة المتقبلة؛ أما الغني: فلعله أن يعتبر فينفق، وأما السارق: فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زناها}.

    وأحياناً نناديك لإغاثة المسلمين الفقراء في إفريقيا فتقول: فقراء الداخل أحوج! وفي الإسلام لا يوجد داخل وخارج، فالمسلمون سواسية، تجمعهم كلمة التوحيد والإخلاص، وتجمعهم الصلاة، يتجهون بها لرب العالمين، ويستقبلون البيت العتيق، ويجمعهم الصوم الذي يمسكون فيه لرب العالمين، وتجمعهم بطاح مكة التي يضحون فيها لله تعالى، فلا يوجد داخل ولا خارج.

    ما بيننا عرب ولا عجم           مهلاً يد التقوى هي العليا

    خلوا خيوط العنكبوت لمن هم      مثل الذباب تطايروا عميا

    وطني كبير لا حدود له          كالشمس تملأ هذه الدنيا

    تقول: فقراء الداخل أحوج! فإذا قلنا لك: تصدق على فقراء الداخل -كما تسميهم- قلت: أريد بناء مسجد؛ لأن أجره دائم، فإذا قيل لك: هذا مسجد فأنفق على بنائه، قلت: أريد شراء أرض لبناء مسجد، فإذا قيل لك هذه أرض يبنى عليها مسجد. قلت: هذه الأرض غالية، والمساجد حولها كثيرة.. لقد تحير فيك الأطباء!!.

    إن المال -أيها الأخ الكريم- هو العنصر المفقود في معظم الأعمال الخيرية الإسلامية، فقد وجدنا المسلمين قادرين -بإذن الله تعالى- على أن يقوموا بالدعوة، ونشر الخير، والأمر بالمعروف، وإحياء الجهاد، ولا ينقصهم لذلك كله إلا المال، والمال قد جعلك الله تعالى خازناً وأميناً عليه، أفيسرك أن يكوى به جنبك وجبينك وظهرك يوم يقوم الناس لرب العالمين؟!!

    إذاً: الخلق الأول الذي يعوده الصيام للصائمين: هو خلق الجود والكرم والإنفاق.

    تربية الصيام الإنسان على الصبر

    الخلق الثاني: الصبر.

    والصوم نصف الصبر، ومعنى الصبر في الصوم ظاهر، فإن الإنسان يكلف نفسه عناء الإمساك عن الشهوات والملذات المستطابة التي يتوق إليها القلب، وتشرئب إليها النفس، ويحبها الإنسان بطبعه، فيمسك عنها طيلة نهار رمضان؛ لوجه الله رب العالمين، وهو من الصبر على طاعة الله، وهو أيضاً من الصبر عن معصية الله، ولهذا أمر الله تعالى بالصبر في كتابه فقال:وَاصْبِرْ نَفْسَكَ [الكهف:28] وقال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] وقال: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد:17] وقال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ومدح الله تعالى أيوب عليه السلام فقال: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً [ص:44] والله تعالى يحب الصابرين كما أخبر، وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر}.

    والغريب أن الناس يتكلمون عن الصبر ويفيضون في الحديث عنه، بل ويسمعون كلاماً كثيراً، ويقرءون ما جاء فيه في الكتاب والسنة، ولكن إذا نـزلت بهم الملمات والمهمات، واحتاجوا إلى الصبر حتى يطبقوه في سلوكهم وخلقهم وأقوالهم وأعمالهم؛ بدوا كما لو كانوا لم يسمعوا يوماً من الأيام آمراً بالصبر، ولا ناهياً عن ضده، ولا محرضاً عليه، ولا مبيناً لفضل أهله، فإذا احتاجوا إلى الصبر في مواقعه نسوا هذا كله كأنهم لم يسمعوه؛ وهذا يدل على أن الإنسان يحتاج في تعليمه وتدريبه على الأخلاق الفاضلة، ويحتاج إلى التربية الواقعية؛ ومواجهة الأمر حقيقة، وقد يظن الإنسان نفسه صابراً وهو جزوع، وقد يظن نفسه حليماً وهو غضوب، قال عمر -رضي الله عنه: [[وجدنا خير عيشنا بالصبر]].

    إن الحياة بالصبر تبدو وتغدو جميلة بكل ما فيها من المحن والمصائب والمشاكل، بل إن الصبر هو الإكسير الذي تتحول به الآلام -بإذن الله تعالى- إلى نعم، وتتحول به المحن إلى منح، وكم من إنسان نـزلت به ملمة جليلة عظيمة فلما واجهها بالصبر وجد برد اليقين في قلبه، ولذة السكينة في فؤاده، ورضي بالله تعالى؛ فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    خليلي لا والله ما من ملمة      تدوم على حي وإن هي جلت

    فإن نـزلت يوماً فلا تخضعن لها      ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت

    فكم من كريم قد بلي بنوائب      فصابرها حتى مضت واضمحلت

    وكم غمرة هاجت بأمواج غمرة      تلقيتها بالصبر حتى تجلت

    وكانت على الأيام نفسي عزيزة      فلما رأت صبري على الذل ذلت

    فقلت لها يا نفس موتي كريمة     فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت

    إن المرء قد يسمع عن السجن والسجناء فيخيل إليه أن الأمر عادي، وأنه لو حبس لصبر، ووجد في ذلك فرجاً من مجاملة الناس ومجالستهم ومحادثتهم، والصبر على أذاهم، لكنه لو حبس ساعة فربما فقد الصبر وتململ، وهذا يوسف عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] ولما أتاه الداعي ما تلقاه عند الباب ولا أسرع إليه، وإنما قال له: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50].

    لقد سمعت أمس عن خروج داعية من دعاة الإسلام من سجون بلاد الشام، وقد مكث فيها ما يزيد على عشر سنوات؛ الله أكبر! عشر سنوات ولد فيها مواليد، وشبوا وكبروا ودخلوا المدرسة، ومات فيها أموات، حيا فيها أناس، ومات فيها آخرون، وقامت فيها دول، وزالت فيها دول أخرى، وتغيرت فيها أشياء كثيرة، وهؤلاء قد حيل بينهم وبين الدنيا.

    خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها      فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

    إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة      عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

    ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا     إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا

    يحكى أن أبا أيوب الكاتب حبس خمس عشرة سنة حتى كاد ييأس، فكتب إليه صديق يعزيه ويقول له:

    صبراً أبا أيوب صبر ممدح      فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها

    صبراً فإن الصبر يعقب راحة     ولعلها أن تنجلي ولعلها

    صبرتني ووعظتي وأنالها           وستنجلي بل لا أقول لعلها

    ويحلها من كان صاحب عقدها      كرماً به إذ كان يملك حلها

    فكتب إليه أبو أيوب يقول له:

    فلم يمكث إلا أياماً حتى جاء الكتاب بإخراجه من السجن، فخرج معززاً مكرماً.

    مشاكل ليس لها إلا الصبر:

    إنك لا تحصي النساء اللاتي يشكين أزواجهن لسوء المعاملة، أو قسوة الخلق، أو غلظ الطبع، أو كثرة التهديد والوعيد، أو عدم الاستقامة في الدين، أو منعها عن أهلها، أو التقتير عليها في النفقة، أو تعييرها، أو عدم العدل معها إن كان لها ضرة، أو ارتكاب المعصية في بيتها، أوما أشبه ذلك من ألوان المآسي التي توجد في البيوت، وربما ترامى إلى مسمعك صوت ضعيف، صوت أنثى تشتكي ما تعاني، وهي لا تجد لها مخرجاً، وقد ارتبطت مع هذا الرجل بعقد، وأنجبت منه أولاداً وأصبحت أسيرة قعيدة في بيته، لا تملك حلاً ولا عقداً، فأي دواء لهذه الأنثى إلا الصبر.

    وأنت -أيضاً- لا تحصي من يتبرمون من أحوالهم، فهذا موظف يتبرم من عمله، وهذا تاجر يتبرم من تجارته، وهذا رجل تحت مسئول ظلوم أو حاكم غشوم، أو تحت ضغط اجتماعى لا يراعيه، أو يعاني مشكلة تلاحقه وتؤرقه، أليس في الدنيا مشكلات قد لا يملك الناس لها حلاً؟ ولكن حلها عند من عقدها وهو رب العالمين.

    إن هناك أموراً إنما يكون حلها بالموت، بالدار الآخرة؛ ولهذا كان ذكر الموت أحياناً سبباً في التفريج عن الإنسان، فإن الموت ما ذكر عند ضيق إلا وسعه، ولا ذكر عند سعة إلا ضيقها، فهو من أسباب التنفيس، فهب أن هذه المشكلة ظلت معك حتى الموت، أليس في الموت فرج؟

    قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا           في الموت ألف فضيلة لا تعرف

    منها أمان لقائه بلقائه               وفراق كل معاشر لا ينصف

    هذا مع أن فرج الله تعالى للصابرين قريب، قال الله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] وقال سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]

    اشتدي أزمة تنفرجي      قد آذن ليلك بالبلج

    وقال تعالى:فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5-6] وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: {واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً}.

    وإذا كنا اليوم وكل يوم نأسى لمصاب امرأة في عقر بيتها وعقر دارها، أو لموظف صغير تحت مسئول قاس، أو لرجل يعاني من مشكلة اجتماعية، فإن الأولى بمزيد الأسى هي تلك الشعوب المسلمة، والأمم الموحدة التي تسام الهوان في دينها، ولا تملك الانتصاف من ظالمها، ولكن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته قال الله عز وجل:وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    تربية الصوم الإنسان على الحلم

    الخلق الثالث: الحلم.

    وهو: مقابلة الإساءة بالإحسان، والعفو عن الجاهل، والإعراض عنه، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله كما في الصحيح: {ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: {أن رجلاً قال: يا رسول الله أوصني ولا تكثر عليَّ أو قال: -كما في رواية أخرى-: يا رسول الله! مرني بأمر وأقلله علي؛ لكي لا أنساه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تغضب} والصوم سبب لتربية الإنسان على الحلم، والصفح عن الجاهل، والعفو عن المسيء؛ لأنه عبادة يتلبس بها الإنسان، والعابد قريب من الله تعالى بعيد عن نـزغات الشيطان، بعيد عن إغراءات النفس الأمارة بالسوء، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في كتاب الصوم باب "من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم" ورواه أبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه} والله تعالى غني عن العالمين، فليس لله حاجة أن يدع هذا طعامه وشرابه، كما أنه ليس لله تعالى حاجة أن يدع غيره أيضاً ممن ترك قول الزور والعمل به؛ فالله تعالى غني عن هؤلاء وغني عن أولئك، وليس بحاجة إلى هؤلاء ولا إلى غيرهم، وكل البشر ليس تعالى في حاجة إلى أحد منهم.

    ولكن المعنى -والله تعالى أعلم- أن الصوم إنما هو للعبد، لتربية العبد وتهذيبه، وحمله على كريم الطباع، وجميل الأخلاق، والنأي والبعد به عن قول الزور، وعن العمل بالزور، وعن شهادة الزور، وعن الظلم، وعن الفحش، وعن السب، وعن الشتم، وعن الجهل، فإذا لم يترك ذلك فإن الصوم يكون حينئذ لم يفعل فعله فيه.

    ولماذا يصوم مثل هذا؟ علام يصوم إذا لم يصم لنفسه؟ إن لله تعالى غني عنه، ولهذا قال تعالى إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر:7] فهو سبحانه غني عن هؤلاء الذين كفروا وأعرضوا عنه، وهم لا يضرونه شيئاً، كما أنه سبحانه غني أيضاً عن المؤمنين، ولهذا قال سبحانه: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:6] وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:23].

    فكفر العبد هو على نفسه، وفسقه على نفسه، وارتكابه للزور هو على نفسه قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286] ولهذا أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن الله تعالى قال: {يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً}.

    فالله تعالى لا تضره المعصية، ولا تنفعه الطاعة، إنه سبحانه غني عن العالمين، وإنما الصائم يعمل لنفسه فيمسك عن الطعام والشراب من أجل أن يربيه ذلك على أن يدع قول الزور وأن يترك العمل به، فإذا لم يدع قول الزور ولم يدع العمل به فلماذا صام إذاً؟ هل صام لله تعالى ومن أجل الله؟ الله تعالى ليس له حاجة إلى أن يترك هذا الإنسان طعامه وشرابه.

    مقابلة الإساءة بالإحسان:

    وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الصائم إلى هذا الخلق الكريم فقال في الحديث المتفق عليه:{إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤٌ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم} يقابل الإساءة بالإحسان، فإذا عصى الله تعالى فيك فعليك أن تطيع الله تعالى فيه.

    إنه لا يليق بالمسلم عامة ولا بالصائم خاصة أن يوزع ألفاظ السباب والشتائم على من حوله، فإن قصرت الزوجة في طهي الطعام أو كنس البيت أو كي الثياب أو العناية بالأطفال أو صناعة الشاي سبها، وسب أباها وأمها، وعيرها وهددها، وملأ البيت صراخاً وضجيجاً! إنه ليس من المروءة والكمال أن يكون الرجل في بيته امبراطوراً، إذا تكلم سكت الجميع، وإذا ظهر تجمد الكل، فلا ينطقون ولا يتكلمون، بل قد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم حكيماً حليماً صبوراً رقيقاً حتى مع أهله، وربما رفعت عليه زوجه صوتها، وربما هجرته إحداهن إلى الليل.

    فليس مناسباً إن قصر زوجك أن تغلظ له في القول، أو أفسد بعض الأطفال أثاث المنـزل، أو مزقوا أوراقاً، أو نثروا طعاماً فربما شتمهم، وربما شتم نفسه معهم أيضاً، وفي صحيح مسلم: {سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يلعن بعيره أو ناقته، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تصحبنا ناقة ملعونة} فتركها صاحبها، فكانت تمشى بمفردها بعيداً عن الناس؛ استجابة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام.

    وإن أطال مراجع على هذا الموظف في النقاش، أو تحدث معه، أو ألح عليه أغلظ له في القول، وربما افتعل هذا الإنسان مشكلة مع إمام المسجد أو مع الجار أو مع صديق أو مع زميل في العمل، وعذره في كل ذلك أنه صائم، ونفسه -كما يعبرون- واصلة.

    والواقع أن الصوم يجب أن يكون جنة تمنع العبد مما يسخط الله، وحاجزاً يحول بينه وبين الغلط في القول أو في الفعل، لا،بل أقول لك: حتى أولئك الذين يبدأونك بالسب والشتم، أو يعيرونك، أو يسبونك، أو يغلظون لك في القول، أو لا يراعون شعورك، أو لا يحترمون مقامك، عليك أن تقابل ذلك كله بالإعراض، عليك أن تقابل ذلك كله بالصفح كما قال الله عز وجل: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

    ليس القول كالعمل:

    ما أسهل هذه الكلمات! أن نقولها، وما أصعب أن تمسك نفسك عن الغيظ فلا تنفذه، وأن تحجزها عن الغضب فلا تستجيب له، وأن تردها عن الانتصار للنفس فلا تقبله، قال الله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:34-35] والصوم من الصبر، فتعلم الحلم في الصيام، وقال الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83].

    وقال سبحانه:وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنـزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53].

    فإن القول البذيء السيئ الجارح من أعظم أسباب فساد القلوب، وتغير النفوس، واختلاف الصفوف، وفي الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجة وغيرهم -وهو حديث صحيح- عن أنس بن معاذ الجهني رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{من كظم غيظاً وهو قادر على إنفاذه؛ دعاه الله تعالى يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء}.

    قال الأحنف بن قيس: ما عاداني أحد قط إلا أخذت فيه بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان أقل مني حفظت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى الكبير الذي ذكره سيد من سادات الحلماء وهو الأحنف بن قيس فقال:

    سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب      وإن كثرت منه علي الجرائم

    فما الناس إلا واحد من ثلاثة      شريف ومشروف ومثل مقاوم

    فأما الذي فوقى فأعرف قدره      وأتبع فيه الحق والحق لازم

    وأما الذي دوني فأحلم دائماً      أصون به عرضي وإلا فلائم

    وأما الذي مثلى فإن زل أو هفا      تفضلت إن الفضل بالفخر حاكم<

    تربية الصيام الإنسان على الشجاعة

    الخلق الرابع: الشجاعة.

    ولقد كان أشجع الناس هم أهل العفة؛ العفة في طعامهم وشرابهم، والعفة في نكاحهم، فإن الشهوة تضعف القلب، والمنهمكون في الدنيا من غير تمييز بين حلالها وحرامها وحقها وباطلها دائماً هم جبناء! جبناء في المعارك! وجبناء في قول كلمة الحق! وجبناء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن قلوبهم ضعيفة، ونفوسهم رديئة، والشهوات قد نبتت عليها أجسامهم، ومصالحهم أصبحت مرتبطة بهذه الدنيا الدنية؛ فهم يحامون عن مصالحهم والراكضون وراء الوظائف والمناصب من غير تقوى هم -أيضاً- من الجبناء.

    إن الصوم يكشف للإنسان عن جانب من حقيقة الحياة الدنيا، وأنها زخرف ولغو ولهو وباطل وزينة، وتكاثر في الأموال والأولاد، وأنه لا يركن إليها إلا المغفلون.

    إن الصوم ينتزع الإنسان من الإغراق في الملذات ليفطمه عن هذه الدنيا، ويهزه هزاً عنيفاً ليقول له: نعم هذه هي الدنيا، وأنت فيها كالحالم الذي يجب أن يصحو، نعم، هذه هي الدنيا، ولكن هناك الدار الآخرة، أنت الآن تصوم عن الدنيا لا لأنك سوف تكسب من وراء الصوم مالاً، ولا جاهاً، ولا رتبة، ولا وظيفة، ولا سلامة دنيوية، ولا صحة في بدنك، فكل ذلك قد يأتي، ولكنك لا تصوم من أجله، وإنما تصوم؛ لأنك توقن أن هناك آخرة تعمل لها، وأن ثمة موتاً وبعثاً ونشوراً وجزاءً

    إني رأيت عواقب الدنيا           فتركت ما أهوى لما أخشى

    فكرت في الدنيا وعالمها           فإذا جميع أمورها تفنى

    وبلوت أكثر أهلها فإذا           كل امرئ في شأنه يسعى

    أسنى منازلها وأرفعها في           العز أقربها من المهوى

    ولقد مررت على القبور فما      ميزت بين العبد والمولى

    أتراك تدرك! كم رأيت من     الأحياء     ثم رأيتهم موتى

    إن أدنى مراحل الشجاعة إذا لم تقل الحق؛ ألا تقول الباطل، وألا يتلفظ لسانك بما يسخط الله تعالى، وإذا لم تكن مع أهل الإيمان فلا أقل من ألا تكون ضدهم، وإذا لم يكن لسانك في صالحهم، فلا أقل من أن يسلموا منك، وإذا رأيت في نفسك هلعاً وجبناً ورخاوة فتأمل ما السبب؟! ربما تكون آكلاً للربا! أو الحرام فنبت جسدك على سحت! وربما تكون مرتكباً لما لا يحل لك من الفواحش والذنوب؛ فهذه عاقبتها في الدنيا!!

    1.   

    ثالثاً: العمر يفوت

    نعم، وأنت تطويه كطي الثوب.

    يسر المرء ما ذهب الليالي      وكان ذهابهن له ذهابا

    وهذا الشهر الكريم هو مضاعفة للعمر، ففيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فما بالك بالشهر كله! إنه حري بالمسلم الصائم أن يستدرك أيام هذا العمر ولياليه فيما ينفع.

    الأمر الأول: قراءة القرآن

    أول ذلك: القرآن الكريم، وله بكل حرف عشر حسنات، لقد أنـزل هذا القرآن في هذا الشهر قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] وكان جبريل عليه السلام يعارض النبي صلى الله عليه وسلم في كل سنة في شهر رمضان مرة، وعارضه في السنة التي توفي فيها بالقرآن مرتين إيذاناً بدنو أجله صلى الله عليه وسلم، وهذا كان أصل مشروعية ختم القرآن في شهر رمضان.

    فجدير بك أيها المسلم! وبك أيتها المسلمة! أن تخصص لنفسك ورداً من القرآن الكريم طيلة العام ولو قل، ثم في هذا الشهر -خاصة- أجدر وآكد، وعليك أن تسرح طرفك في القرآن، وأن تعمل فكرك فيه، فلا يكون همك آخر السورة، أو آخر الوجه، أو آخر الجزء، أو آخر القرآن أن تختمه؛ بل أن تقرأ وتتأمل قال تعالى: كِتَابٌ أَنـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

    فهذا خير تؤمر به، وهذا شر تنهى عنه، وهذا خبر ماضٍ من أخبار السابقين تعتبر به، وهذا خبر مقبل تتهيأ له وتستعد قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف:3].

    وهذا حق على الجميع، على جميع الناس، أئمة ومأمومين، فليس جديراً بالإمام أن يهذ القرآن كهذ الشِعر؛ لأنه يقول: أريد أن أختم قبل نهاية الشهر، أو أريد أن أختم، ثم اذهب إلى العمرة في آخر الشهر، بل عليه أن يترسل في قراءة القرآن، ولا بأس أن يردد بعض الآيات، ويرقق بها القلوب، ويتغنى بالقرآن.

    ففي صحيح البخاري مرفوعاً: {من لم يتغن بالقرآن فليس منا} عليه أن يحرك به القلوب، ويدمع به العيون، ويستدر به العواطف والمشاعر، ويطرق به النفوس، كما أن على القارئ مثل ذلك، وعلى المرأة مثل ذلك، بل حتى الصغار يجب أن يربوا على هذا.

    الأمر الثاني: الصلاة

    قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45] وقال سبحانه:وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] وقال:وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)[طه:132] وقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43].

    ففي مواضع كثيرة من كتابه الكريم أمر الله عزوجل بالصلاة فرضها ونفلها، وهي الفيصل بين المسلمين والكفار؛ ولهذا قال:وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الروم:31].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة}.

    وفي الحديث الآخر: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر} وهذا المعنى يعرفه حتى الكفار.

    يقول أحد المؤرخين البريطانيين-وهو توماس أرنولد- في كتاب له اسمه "العقيدة الإسلامية" يقول: هذا الفرض المنظم -أي: الصلاة- من عبادة الله تعالى هو من أعظم الأمارات المميزة للمسلمين عن غيرهم في حياتهم الدينية، فكثيراً ما لاحظ السائحون وغيرهم في بلاد المشرق ما لكيفية أداء الصلاة من التأثير في النفوس.

    ويقول أحد القسس النصارى -وهو الأسقف لوفرو- يقول: لا يستطيع أحد خالط المسلمين لأول مرة إلا أن يندهش، ويتأثر بمظهر المسلمين في عقيدتهم حينما يكبرون ويصلون، فإنك حيثما كنت في بلاد المسلمين، في شارع مطروق، أو في حقل، أو في محطة سكة حديد، أو في غير ذلك أكثر ما تألف عينك مشاهدةً أن ترى رجلاً ليس عليه أي مسحة من الرياء، ولا أقل شائبة من حب الظهور، يترك عمله الذي كان بيده كائناً ما كان ذلك العمل، ثم ينطلق في سكينة وتواضع لأداء الصلاة في وقتها المعين.

    نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم      والحرب تسقى الأرض جاماً أحمرا

    جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا      في مسمع الروح الأمين فكبرا

    محمود مثل إياس قام كلاهما      لك في الوجود مصليا مستغفرا

    العبد والمولى على قدم التقى     سجدا لوجهك خاشعين على الثرى

    يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:36-37].

    الناس والصلاة في رمضان:

    الفريضة في رمضان وفي غير رمضان يصليها المسلم، ولكن بعض المسلمين لا يعرف المساجد إلا في رمضان، أما في غيرها فإنهم يصلونها في بيوتهم، أو يؤخرونها عن وقتها؛ بل ومنهم من لا يصليها في غير رمضان، فإذا جاء رمضان ازدحمت المساجد بالمصلين، خاصة أول الشهر، وخاصة صلاة المغرب وصلاة الفجر.

    وبعض الناس قد يكون مصلياً في رمضان فإذا جاء الشهر نام عن صلاة الفريضة؛ لأنه مشغول بالدوام، وفي الليل يسهر، فإذا جاء من الدوام نام ربما عن صلاة العصر فلم يصلها إلا بعد غروب الشمس.

    وآخرون قد يقصرون في النوافل من القيام، والتراويح، وغير ذلك، منشغلون بالجلوس مع بعضهم في أحاديث لا تنفع ولا تضر، بل ربما كانت ضارة، أو في مشاهدة التلفاز -مثلاً- أو في لعب الكرة، أو في التسوق والانتقال من محل إلى محل، ومن معرض إلى معرض، ويذرعون الشوارع جيئة وذهاباً. أين المصلون؟ أين الذين كانت الصلاة قرة أعينهم، وسرور قلوبهم، ونداوة أرواحهم، وبهجة نفوسهم؟!!

    الأمر الثالث: الإحسان

    ينبغي الإحسان إلى الفقير والمسكين وابن السبيل، فإن هذا شهر المواساة، {ومن فطر صائماً فله مثل أجره} كما وعد الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].

    الأمر الرابع: العمرة

    العمرة في رمضان كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري {تعدل حجة معي} ولا يلزم من العمرة طول البقاء، فإن من ذهب إلى البيت العتيق، وأحرم بالعمرة، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر فقد أدى عمرة، وهي بالنية الصالحة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنما وقفت معه بـعرفة، وبت معه بـمزدلفة، ورميت معه الجمار، وطفت معه بالبيت، وسعيت معه بين الصفا والمروة، وبت معه بـمنى، ووادعت معه عليه الصلاة والسلام، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ولو لم تستغرق منك هذه العمرة إلا بضع ساعات.

    إن البعض ممن يطيلون البقاء في رمضان في مكة المكرمة، وربما قضوا الشهر كله هناك، يحصلون أيضاً على خير كثير، فإن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فهي في مسجده عليه السلام بألف صلاة، وهي في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة؛ المهم أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، وهذا فضل عظيم، وأجر كبير من الله عز وجل ولكن أيضاً ينبغي للإنسان ألا يهمل أهله، فلا ينبغي أن يذهب إلى هناك ويترك أهله لا يجدون من يطعمهم، أو يتفقد شئونهم، أو يقضي حاجاتهم، أو يراقبهم، بل أن يذهب بهم إلى هناك ويدعهم، وربما جلس في المسجد يصلي، ويجلس حتى تطلع الشمس، وينام في المسجد ولا يخرج للبيت إلا للوضوء أو لقضاء بعض حوائجه، أما أهله أين هم؟ أين يذهبون؟ ماذا يصنعون؟ ماذا يفعل أولاده؟ ماذا تفعل بناته؟ فإن ذلك كله ليس منه في قبيل ولا دبير.

    بل من الناس من يذهب بأطفاله، ويذهب معه بخادمه، وتكون أحياناً كافرة، وقد كتب إلي بعض الإخوة أن أسرة من هذه المنطقة -بالذات- ذهبت معها بخادمه كافرة، فلما أقيمت الصلاة؛ قالت المرأة العجوز للخادمة: اخرجي، اخرجي؛ فقامت الخادمة سريعاً وخرجت من الحرم، فقال ناسٌ لهذه المرأة العجوز: لماذا أمرت الخادمة بالخروج؟ فقالت: لأنها نصرانية، ولا أريد أن تجلس في المسجد وقت الصلاة! سبحان الله إلى هذا الحد! الله تعالى يقول:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] والمرأة هذه لم يجعلوا الأمر بالنسبة لها قرباناً للمسجد فقط، بل دخلت إلى المسجد بذاته، ومتى؟ في الشهر المبارك ثم تخرج وقت الصلاة، لم تعلم الدين ولا الإسلام، ولا ربيت على العقيدة، ولا دعيت إلى دين الله عز وجل وهذه من المصائب الكبار.

    1.   

    رابعاً: الصائمون عن الحرام

    نعم، أنت عاقد العزم ولا شك على أن تصوم -بإذن الله تعالى- كما أمرك الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن حري بك أيضاً أن تصوم عن الحرام.

    أولاً: الربا

    نعم، أنت عاقد العزم ولا شك على أن تصوم -بإذن الله تعالى- كما أمرك الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن حري بك أيضاً أن تصوم عن الحرام.

    حري بك أن تصوم عن الربا، وذلك الرصيد الضخم الذي نعرفه لك في البنوك الربوية التي قامت على محاربة الله تعالى ورسوله، وأعلنت ذلك، واحتلت أفضل المواقع وأرفعها وأعظمها، فهي قلاع حصينة، وكأنها معدة لمحاربة الله تعالى ورسوله، رصيدك في تلك البنوك لابد أن نأخذ منك وعداً قاطعاً بأن تخرجه، ولا تسمح لهؤلاء المرابين أن يستفيدوا من مالك، ويستعينوا به على معصية الله، والله تعالى يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279].

    ويقول تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:275-276].

    فتعاملك بالربا، أخذك الفوائد البنكية التي يسمونها فوائد وهي في الواقع لون من الربا المحرم، وتعاملك بالمعاملات المحرمة.

    ومضاعفتك للدين وقلبك للدين على المدين، واستخدامك لمسألة العينة، وغيرها من المسائل التي جاء الأمر أو النص بتحريمها، أو نطق العلماء بذلك؛ ماذا يعني؟ لماذا تصوم عما أحل الله لك من الطعام والشراب، ولا تصوم عما حرم الله عليك من المال الحرام؟

    ثانياً: الغيبة والنميمة

    إن اللسان نعمة من نعم الله تعالى، قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:9].

    وكان الجدير بالإنسان أن يستخدم لسانه في ذكر الله، أو دعائه، أو استغفاره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلام الطيب، والنصيحة، وما أشبه ذلك، ولا حرج عليك أن تتكلم في المباح، فإن هذا من شأن الإنسان وطبيعته، فعلت وأكلت وشربت وذهبت وأتيت، وما أشبه ذلك من ألوان المباحات.

    لكن أن يتحول الأمر إلى أن تستخدم نعمة الله تعالى في معصيته، في الغيبة، والوقوع في أعراض الناس، والتدخل في شئونهم، فلان فيه! وفلانة قالت! وفلانة فعلت! وما أشبه ذلك! وقول الزور، ونقل الكلام، والنميمة، والتحدث بين الناس ونقله على جهة الإفساد، وإشاعة الباطل والإثم والزور، وما أشبه ذلك.

    فإن هذا من أعظم الذنوب والمعاصي خاصة وأنت صائم، فعليك أن تمسك عن ذلك كله.

    وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الغيبة:{ذكرك أخاك بما يكره قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته}.

    وقد قال الله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات:12] وقال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم:10-13]

    وقال الشـاعر:

    فاحفظ لسانك أيها الإنسان      لا يلدغنك إنه ثعبان

    كم في المقابر من قتيل لسانه     كانت تخاف لقاءه الشجعان

    وقد ورد في هذا الباب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم { جيء بامرأتين غلبهما الصيام إليه، فقال لهما: قيئا، فقاءتا قيحاً ودماً عبيطاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:إن هاتين المرأتين صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله} أي: الغيبة والنميمة، وهذا الحديث رواه أحمد والطيالسي وغيرهما، وهو حديث ضعيف لا يحتج به، وإن احتج به الإمام أبو محمد بن حزم وغيره رحمه الله تعالى.

    ثالثاً: النظر الحرام

    ومن الأشياء التي يجب على العبد أيضاً أن يصوم عنها من الحرام: الصوم عن النظر إلى الحرام، سواءً أكان هذا النظر إلى امرأة، أم إلى التلفاز، أم إلى تمثيليات، أم أفلام محرمة، أم ما أشبه ذلك، مما يعلم هو في قلبه أن الله تعالى لا يحبه ولا يرضاه.

    فإن هذا كله من مقدمات الزنا، وأسباب الفاحشة التي تفضي بالعبد إلى ما حرم الله عز وجل، وقد قال الله تعالى:وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] وهذه الآية هي نهي عن الزنا، ولكنها أيضاً نهي عن النظر الحرام، ونهي عن القول الفاحش، ونهي عن الخلوة بالأجنبية، ونهي عن كل قول أو فعل يكون سبباً في القرب والدنو من الزنا، ولهذا قال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا).

    1.   

    خامساً: المرأة الصائمة

    أولاًً: المرأة شقيقة الرجل

    المرأة جزء من المجتمع، وهي شقيقة الرجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:{إنما النساء شقائق الرجال} والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ [الحجرات:13] ويقول سبحانه:أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195] فالمرأة شقيقة الرجل، وهي مثله بأصل التكليف، ونظيرته في أصل الخلقة، وهي تنعم إن أطاعت، وتعذب إن عصت، ولذلك ينبغي أن يدرك المسلم أن من واجبه أن يحترم المرأة، سواءً كانت أماً له، أم أختاً، أم بنتاً، أم زوجةً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم}.

    وكثيراً ما يتكلم الناس والرجال خاصة عن النيل من النساء والوقيعة فيهن، وكأنهم يبرئون أنفسهم ويتهمون المرأة، حتى إن بعض الشعراء يقول:

    إن النساء شياطين خلقن لنا     نعوذ بالله من شر الشياطين

    وهذا خطأ عظيم فإن في النساء مريم التي اصطفاها الله تعالى، وفي النساء عائشة، وفي النساء خديجة، وفي النساء آسيا امرأة فرعون التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وفي النساء أمهات المؤمنين، وفي النساء الصحابيات الجليلات، وفي النساء من المؤمنات الفاضلات التقيات من هي أهل للخير، ولا يجوز لمؤمن أبداً أن يطلق مثل هذه الألفاظ.

    وآخر سمعته يقول:

    إذا رأيت أموراً      منها الفؤاد تفتت

    فتش عليها تجدها      من النساء تأتت

    وهذا أيضاً غلط، فإن الشر ليس من النساء فقط، بل الشياطين مسلطون على بني آدم ذكورهم وإناثهم، والرجال أيضاً لهم في ذلك نصيب، نعم قد يكون الخطأ في النساء أكثر، وهو عليهن أغلب، ولهذا في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: {تصدقن يا معشر النساء، فإني رأيتكن أكثر حطب جهنم، فقامت امرأة وقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير}.

    أمور مهمة للمرأة الصائمة

    المرأة المسلمة الصائمة عليها أمور:

    أولها: حفظ وقتها؛ فيجب عليها أن تشغل وقتها بما ينفعها من قراءة القرآن، وذكر الله، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وغير ذلك من الصالحات.

    ثم عليها -أيضاً- أن تشغل وقتها بالأعمال النافعة التي تحتاجها في شئونها الدنيوية، وفي منـزلها، وفي أولادها، وفي شأن نفسها، أو ما أشبه ذلك.

    ثم عليها أن تحفظ وقتها من الغيبة، والنميمة، والقيل والقال، سواءً أكان ذلك من خلال المجالس مع الأخريات، أم من خلال المجالس التي تكون في مدارس البنات، أم من خلال الهاتف، أم ما أشبه هذا!!

    كذلك عليها أن تحفظ وقتها عن مشاهدة التلفاز والأفلام المحرمة، والتمثيليات الهابطة، فإن هذه تدمر الأخلاق، وتقضي على الحياء، وتربى الإنسان على قيم ومبادئ مخالفة لما جاء به المرسلون عليهم الصلاة والسلام، ومخالفة لما توارثه المسلمون في مجتمعاتهم وبيئاتهم المتدينة.

    ثم عليها أن تحفظ نفسها عن الخروج لغير الحاجة، وعن التبرج، وعن التطيب وإظهار الزينة، وعن الانسياق وراء المغريات التي قد تعرض لها في حياتها، وأن تحفظ زوجها في نفسها، وأن تطيع الله تعالى فيما ائتمنها عليه من أمر نفسها.

    ثم عليها أن تحفظ مالها عن الإسراف؛ فإن كثيراً من الأخوات تملك مالاً كثيراً وقد تكون معلمة، تأخذ راتباً يقدر بعشرة آلاف ريال أو أكثر من ذلك، ثم هي ترى أن هذا الراتب لا قيمة له إلا أن تجدد الأثاث في كل عام، وتشتري ألوان الملابس والأحذية، وغير ذلك لها ولأولادها، وتقول: الأمر هين؛ لأن هذا مال لها ليس لها فيه حاجة. والواقع أن هذا من الإسراف الذي لا يحبه الله والله تعالى يقول: وَلا تُسْرِفُوا [الأنعام:141] ويقول: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:26-27] عليها أن تحفظ هذا المال ولا تنفقه إلا في حق مما تحتاجه في أمر دنياها من الملابس التي تحتاجها وتريدها هي، فضلاً عما يشتري لها زوجها، وإلا زوجها مطالب بالإنفاق عليها حتى لو كانت غنية أو ما أشبه ذلك.

    ثم عليها أن تحفظ بقية المال، وإن استطاعت أن تنمي هذا المال فهو حسن، وإن استطاعت أن تصرفه حاضراً أو مستقبلاً في أعمال الخير والبر والإنفاق فهذا أعظم ما يدخر له المال، فإنما يفرح بالمال-والله العظيم- لينفق في وجوه الخير وفيما يرضي الله تعالى.

    وعليها كذلك أن تحفظ زوجها بالإحسان إليه، والصبر عليه، وتحمل الأذى منه، وحسن القول له، وحسن التبعل له، وأن تتزين له ما استطاعت، وتحرص على أن تكون سبباً في إعفافه، إعفاف فرجه، وغض بصره عن الحرام، وتستعد له في نفسها ولباسها وتزينها ومنـزلها وأطفالها؛ حتى لا تقع عينه منها على قبيح، ولا يشم منها إلا أطيب ريح.

    وعليها أيضاً أن تحفظ أطفالها، تحفظهم عن الشارع فلا يخرجوا إلى قرناء السوء، أو يقعوا ضحية المخدرات، أو يتعلموا التدخين، أو يقعوا أيضاً ضحية حوادث السيارات أو الدراجات، أو ما أشبه ذلك مما يقع كثيراً.

    وعليها ألا تخرج وتدعهم في البيت إذا خافت عليهم، فقد يقعون في حريق أو في مصاب، أو يقع على أحدهم شيء وهي بعيدة عنهم وقلبها معهم؛ بل إذا كان الأمر كذلك فعليها أن تصلي في بيتها، وقد قال الصادق المصدوق -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيحين: {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله} وقال صلى الله عليه وسلم: {وبيوتهن خير لهن} فالرجل لا يجوز له أن يمنع زوجه عن المسجد؛ إذا كان ذلك لا يضر بها ولا يضر بأولادها.

    ولكن المرأة أيضاً عليها أن تعلم أن صلاتها في البيت ما قدر لها مفردةً أو مع أحد إن كان في البيت أحد أنه خير لها من أن تخرج، وخاصةً إذا كان يترتب على خروجها إهمال لزوجها أو بيتها أو أطفالها، أو تبرج بالزينة، أو ما أشبه ذلك.

    1.   

    سادساً : نصائح متفرقة

    نصيحة حول الإعلام

    التلفاز الذي يحفر في العقول، يغرس المعاني الذميمة في النفوس، ويهدم كثيراً من مكارم الأخلاق من خلال ما يعرض وما يقدم، ومن خلال السياسة العملية التي يتبعها.

    أيها الأحبة.. إن آخر ما واجهنا به التلفاز أنه أصبح يقدم لنا الفتاة السعودية في التمثيليات، فيشترط إعلامياً لأي تمثيلية عربية حتى نقوم نحن هنا بشرائها أن يشارك فيها ممثل سعودي، وهذا أسلوب لإجبار الممثلين السعوديين على المشاركة في الأعمال الأخرى، ولإجبار العاملين في مواقع أخرى أن يشاركوا ببعض الممثلين السعوديين، حتى ولو كانوا عن غير معرفة ولا جدارة، المهم حتى يحوز هذا العمل على موافقة وزارة الإعلام.

    ثم بدءوا يظهرون فتيات سعوديات من الحجاز، ومن الشرقية، ومن نجد يظهروهن في تمثيليات سعودية، وتكون الفتاة متزينة، متجملة، متبرجة، بل تخرج بالبنطلون الضيق الذي يصف جسدها وهي مع رجل، وقد يكون هذا الرجل يظهر في المسرحية أو التمثيلية كما لو كان زوجاً لها، فهو يحدثها حديثاً هامساً، حديث الزوج إلى زوجته، ويتحدث معها، ولك أن تتصور أولاً نفسية وعقلية تلك الفتاة وهي تقوم بهذا المشهد وهذا الدور.

    ثم لك أن تتصور - وهذا هو الأخطر؛ لأنه لا يهمنا الجانب الفردي بقدر ما يهمنا الجانب الاجتماعي- لك أن تتصور كم ستؤثر مثل هذه المشاهد في عقول بناتنا، وأخواتنا، ونسائنا وهن يدرسن دائماً وأبداً أن المرأة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة؛ ثم ترى هذه المرأة التي تدرس أنها عورة، وهي تظهر على التلفاز بأبهي زينة. وتقرأ في القرآن الكريم: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] فتشاهد هذه الفتاة التي تحملق في زميلها في التمثيلية بكل عيونها. وتقرأ قول الله تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] ثم تشاهد تلك الفتاة وقد تبرجت ليس أمام عشرة رجال ولا مائة ولا ألف، بل أمام ملايين المشاهدين، لا أقول في داخل المملكة، بل في داخل المملكة وخارجها.

    فواجب علينا جميعاً أن ننكر هذا المنكر ونحاربه، ونعترض عليه، ونتصل بقدر ما نستطيع بوزارة الإعلام وبغيرها، وبالعلماء، سواءً عن طريق الهاتف، أم بالمراسلة، أم بالاتصال، أم بالزيارة.

    وعلينا أيضاً أن نكون دائماً وأبداً حرباً على كل المنكرات التي تغزونا في بيوتنا، وتهددنا في أخلاقنا، وقيمنا، وعقائدنا.

    وعلينا أن نحارب هذا التلفاز، ذلك الجهاز الذي لا يربي في الناس -غالباً- إلا مثل هذه المعاني.

    الخطر الثاني: الدشوش:

    وهي خطر كبير، وقد قرأت في جريدة الحياة أن عدد الدشوش سيصل في منطقة الخليج العربي خلال العام القادم إلى ما يزيد على ثلاثمائة ألف دش، بعضها يستقبل أكثر من مائة قناة، قنوات إيطالية، وقنوات من جنوب شرق آسيا، وقنوات من فرنسا، وقنوات من إسرائيل، وبعضها مخصص للدعارة، وبعضها مخصص للتنصير، نعم، لا أنكر أن ثمة قنوات علمية، وقنوات تعليمية، وقنوات اقتصادية، إلى غير ذلك، لكن أي مستوى من الوعي والمتابعة يوجد في المجتمع حتى لا يكون الانهماك في متابعة الدشوش إلى هذا الحد؟

    إن الكثيرين لا يعتنون أصلاً بمتابعة هذه الأشياء -أعني الأخبار- ولا بتتبعها، ولا بمعرفتها، وإنما ذلك لأغراض أخرى في غالب الأحيان، فعلينا أن نكون حرباً على ذلك.

    وأعلم أن في هذا المجتمع بالذات في منطقة القصيم العدد يتزايد، وعندي أسماء ومواقع من يمتلكون هذه الدشوش، وواجب علينا جميعاً أن نناصحهم، جيراناً كانوا لنا أو أقارباً أو معارف، أو حتى لو لم يكن يربطنا بهم إلا رابطة الإسلام، فواجب علينا أن ننصحهم، ونكثر عليهم، ونظل ندندن حول هذا الموضوع حتى يمتثلوا.

    الخطر الثالث الإعلامي: الصحافة:

    والصحافة ذات تأثير بليغ، وهي في كل بيت، وفي كل بقالة، وفي كل مدرسة، وفي كل مؤسسة حكومية.

    وأقول علينا أن نكون واعين في تناولنا للصحافة، فلا نقبل كل ما ينشر فيها، بل أن نميز الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، وأن نكون على حذر مما ينشر فيها، وأن نحرص على حماية عقولنا وأولادنا ونسائنا من آثار تلك الصحف والمجلات، وأن نحرص على مقاطعة أكثرها شراً وإثماً وسوءاً.

    ولقد صحت وناديت مرات ومرات ومرات بمقاطعة خضراء الدمن "الشرق الأوسط"، وأفيدكم أنه وصلت إلي معلومات موثقة تدل على أن هذه الجريدة قد أصابها من جراء المقاطعة ضرر، ولذلك زادت في حجم صفحاتها، وبذلت جهداً لذلك، ومع مازالت الجريدة مصرة على سياستها، فأنا أناديكم وأطالبكم سواءً كنتم مسئولين في دوائر حكومية، أو في فنادق، أو في مؤسسات، أو في مدارس، أو أفراداً، أو غير ذلك أن تبذلوا قصارى جهدكم في مزيد من الضغط على هذه الجريدة.

    وقد يقول بعضهم: لماذا هذه الجريدة بالذات؟ ولماذا لا نقاطع غيرها؟ نعم، وغيرها أيضاً مما نعلم أنه ينشر الشر والفساد، ولكنني أعتقد أن التركيز على هذه الجريدة المتميزة بهذا الجانب أنه سيكون سبباً في نجاح الحملة عليها أولاً، وبالتالي سيكون سبباً في أن يقلع غيرهم، ويدرك أن جمهور الناس متدينون ولله الحمد، وحريصون على الخير، وغيورون على الدين، وأنهم لو قاطعوا مطبوعاته لكسدت ولم تجد من يشتريها.

    النصيحة الثانية: نصيحة للمتهاجرين والمتقاطعين

    فإن كثيراً من الناس يوجد بينهم خصومات في أموال أو مواريث، أو بسبب الأطفال، أو بسبب مشاكل، أو أعمال، أو غير ذلك قد تؤدي إلى القطيعة بينهم، ومع الأسف الشديد أن القطيعة أكثر ما تكون بين الأقارب، وربما وجدت أباً لا يكلم ولده منذ ثلاث سنوات، أو ولداً لا يكلم والده -والعياذ بالله من مثل ذلك-، أو أخاً لا يكلم أخاه، أو يمنع أولاده من تكليم جدهم أو قريبهم أو خالهم أو عمهم أو ما أشبه ذلك، وهذا كله من الباطل وفي الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم:{لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث} وهجر المسلم سنة هو كسفك دمه، فكيف إذا كان هذا المسلم قريباً أو ذا حق عليه كأب أو عم أو جد أو ما أشبه ذلك.

    إن رمضان فرصة لأن يعود المتهاجرون حتى يحظوا بمغفرة الله تعالى، فإن الأعمال تعرض على الله تعالى في كل اثنين وخميس، فيغفر لكل موحد لا يشرك بالله شيئاً إلا المتهاجرين يقول:{ انظرا هذين المتهاجرين حتى يصطلحا}.

    ثالثاً : البرنامج اليومي للأسرة.

    البرنامج للأسرة يقوم أولاً: على رب الأسرة، على الأب، فإن الأب هو بيت القصيد فيها.

    رأيت صلاح المرء يصلح أهله     ويعديهم داء الفساد إذا فسد

    يعظم في الدنيا بفضل صلاحه     ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد

    فعلى الإنسان أن يكون قدوة صالحة لأهل بيته في خلقه، وفي محافظته على الصلوات، وطيب كلامه، وبعده عن الحرام، ثم عليه في رمضان -خاصة- أن يتجنب السهر الطويل، وأكثر الناس يغيرون برنامجهم، فيسهرون إلى الفجر، ثم ينامون بعد ذلك، ويترتب على ذلك تضييع العمل المنوط بهم دراسة أم عملاً أم وظيفةًً، ويترتب على ذلك ترك الصلاة -أحياناً- ويترتب على ذلك الإغراق في النوم.

    وإذا كانوا يسهرون الليل في أمور أحسن الأحوال أنها مباحة، فإنه يترتب على ذلك أن يضيع عليهم أكثر الشهر الكريم في أمور لا تحمد ولا تمدح.

    ثم إن كثيراً من الناس يشتغلون في رمضان بلعب الكرة، ويجلسون في ذلك خارج البلد، أو داخله إلى الفجر؛ بل بعضهم حتى بعد صلاة الفجر يتجمعون لما يسمى بالتفحيط أو التطعيس أو ما أشبه ذلك، وهذه أشياء نأنف بشبابنا أن يشغلوا أوقاتهم في الأيام العادية فيها فضلاً عن هذا الشهر الكريم.

    وواجب علينا -خاصة معشر الدعاة، والمهتدين، وأهل الخير، وطلبة العلم- أن نتجه إلى هؤلاء، ونجالسهم، ونحادثهم، ونتآلف قلوبهم على الهداية، وننشر بينهم الكتاب المفيد، والشريط المفيد، ونلقي كلمة قد لا تستغرق خمس دقائق، ربما ينفع الله تعالى بها ولو واحداً منهم، {ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    بل إنه جدير بنا أن نحول تلك التجمعات إلى ظاهرة إيجابية، فبدلاً من أن يجتمعوا على محرم -على طبل مثلاً أو على غناء، أو موسيقى، أو يجتمعوا على أمور مباحة- بدلاً من ذلك نجمعهم على ذكر الله، وعلى المناقشة في الأمور المفيدة، ونربطهم بقضايا الإسلام، وقضايا الدعوة، وقضايا العقيدة.

    كما أن من الأمور التي يجب التفطن لها في موضوع البرنامج: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر من الاشتغال والانشغال بالأمور المفضولة، ويترك الأمور الفاضلة فضلاً عن أن يشتغل بالأمور المحرمة -كما أسلفت-.

    إن بعض الناس قد يجد تجارته فيما حرم الله عز وجل عليه في هذا الشهر الكريم، فمن يبيعون الدخان -مثلاً- أو ما فوقه، ومن يبيعون الأغاني والأشرطة، ومن يبيعون أشرطة الفيديو، ومن يبيعون الأجهزة المحرمة عليهم أن يتقوا الله تعالى ويتوبوا من ذلك كله.

    1.   

    الأسئلة

    إخراج زكاة المال قبل الحول

    السؤال: ما حكم من أخرج زكاة أمواله ولم يحل عليها الحول؟

    الجواب: على أي حال، إذا أخرج الزكاة في وقت معين ولم يحل عليها الحول فهذا حسن ولا شيء فيه، فقد عجل الزكاة حينئذٍ، ثم يخرج الزكاة في العام الثاني بعد مضي سنة من إخراجه زكاته أول مرة. وعلى سبيل المثال: لو ملك مالاً قبل رمضان بوقت، وأحب أن يخرج الزكاة في رمضان، فأخرجها قبل أن يحول عليها الحول فحسن؛ ليكون شهر زكاته رمضان، فكل ما جاء رمضان أخرج زكاة ماله.

    الدعاء عند الإفطار

    السؤال: ما هو الدعاء الشامل الجامع الذي يقال عند الإفطار؟

    الجواب: جاء فيها أدعية منها "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" وهذا فيه ضعف. وأصح ما ورد {الحمد لله، ذهب الضمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى} وإن دعا بما يحب فإنه يرجى أن يكون للصائم عند فطره دعوة مستجابة، فيدعو بما أحب من خير الدنيا والآخرة، ومن أجمع الدعاء وأفضله "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".

    مجاهدة النفس

    السؤال: ما رأيكم فيمن يكون في بداية رمضان نشيطاً في الأعمال الصالحة وفي العبادات ثم ما يلبث أن يضعف شيئاً فشيئاً؟

    الجواب: هذا من تلاعب الشيطان بابن آدم، وعليه أن يجاهد نفسه، لا أقول أن يكون طيلة الشهر كذلك، بل أن يكون طيلة عمره هكذا.

    مراعاة الإمام للمأمومين

    السؤال: ما رأيكم في مراعاة الإمام للمأموم في إطالة الصلاة وقصرها؟

    الجواب: نعم، ينبغي للإمام أن يراعي حال المأمومين، ولا شك أن اجتماع أمر جماعة المسجد على الحق وعلى كلمة واحدة خير من تفرقهم وتشتتهم وانتشار القالة فيما بينهم، فإذا كان المأمومون يريدون شيئاً مثل أن لا يطيل الصلاة إطالة شديدة ولكن أيضاً لا يخل بالصلاة ولا يخل بطمأنينتها، ولا يستعجل، ولكن لا يطيل إذا كانت الإطالة تشق عليهم.

    ومثله -أيضاً- لو كان جمهور المأمومين يرون أن يصلي أكثر من خمس تسليمات وأكثرهم على هذا، وهو أرفق بهم، فراعى حالهم في ذلك، فلا حرج عليه في ذلك كله إن شاء الله تعالى، وإلا فالأصل أن يراعي الإنسان السنة الواردة فيصلي بهم خمساً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله عنها: {ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة} وفي رواية {على ثلاث عشرة} والحديث في الصحيح، وكذلك أيضاً أن يطيل الصلاة بقدر معتدل.

    دعوة المرأة في رمضان

    السؤال: في كيفية استغلال المرأة رمضان من ناحية تعليمها أمر دينها. أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نعم، هذه فرصة مهمة، فإن كثيراً من النساء يجتمعن في رمضان في المساجد لصلاة التراويح والقيام، وهي فرصة لأئمة المساجد والدعاة والمصلحين بتوجيه الوعظ والحديث إلى النساء، وتخصيص أيام لذلك، لمعالجة القضايا التي تحتاجها المرأة، وتعليمها أمور دينها، وعقيدتها، والصلاة، وأحكام الحيض، وأحكام النفاس، وآداب المعاشرة الزوجية، وكيفية تربية الأولاد، وما يتعلق بلباس المرأة، وغير ذلك، وآداب الدخول والخروج، والمخاطر التي تهدد المرأة. وعلينا جميعاً أن نستغل هذه الفرصة في توزيع الكتب والأشرطة على النساء في المساجد وفي غيرها من تجمعات النساء، وأن نجتهد في ذلك بقد المستطاع.

    الصلاة في المسجد البعيد خلف حسن الصوت

    السؤال: الذين يقومون بأداء صلاة التراويح في مساجد غير مساجدهم بحجة أن القارئ الفلاني أفضل من إمامهم بصوته، والجزء الآخر يقول: القارئ الفلاني أفضل من إمامنا في تدبر الآيات. أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: على كل حال، الأصل أنه لا حرج على الإنسان أن يصلي في أي مكان شاء، وذهابه إلى مسجد يرى أنه يكون فيه أكثر خشوعاً أو أكثر تدبراً أو ما أشبه هذا لا حرج عليه فيه، ولكن ينبغي ألا تهمل المساجد، وأن تعمر المساجد كلها بصلاة التراويح والقيام، وإن حصل أن يكون الإنسان في مسجده فهو أولى في نظري، خاصة إذا كان يحتاج إليه في أن ينوب عن الإمام، أو يفتح عليه إذا أخطأ أو سهى، أو يحدث الجماعة أو ينصحهم، أو يقوم ببعض المشاريع الدعوية في المسجد، أو ما شابه ذلك.

    دعوة الشباب التائه في رمضان

    السؤال: بقدوم شهر رمضان تمتلئ الشوارع والاستراحات بالشباب الذين نسأل الله عز وجل أن يردهم إلى الحق رداً جميلاً وإلى سلوك طريق الحق والبعد عن ترهات الأمور، السؤال: من لهؤلاء الشباب، ما هو دور الشباب الملتزم تجاه ذلك؟ أتمنى أن ينظر الشباب الملتزم بعين العطف ويحرص على كسر تلك الحواجز؟

    الجواب: نعم، هذا الكلام نكرره كل عام، من لهؤلاء إلا الله ثم أنا وأنت، فعلينا أن نذهب إلى هؤلاء.

    أولاً: ندرب أنفسنا على الدعوة، فقد يكون الكثير منا لا يعرف كيف يدعو الناس، فيحتاج إلى أن يتدرب عملياً.

    ثانياً: أفلا يسرك أن تكون موسوماً بوسام الدعوة، وأن تكون خليفة للأنبياء عليهم السلام، وأن تكون من أهل القول الحسن وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] فكن من أهل هذه الآيات، واذهب إلى هؤلاء، اجلس معهم، واصبر عليهم، وتلطف معهم، واحرص على أن تواجههم بالكلمة الطيبة والابتسامة، وأن لا تعجل عليهم، بل تألف قلوبهم بذلك كله، في اليوم الأول وزع عليهم كتاباً واذهب، وفي اليوم الثاني وزع عليهم شريطاً واذهب، وفي اليوم الثالث سوف يحتشدون عليك ويسلمون فاستأذنهم أن تلقي قصيدة أو كلمة أو شرح آية أو شرح حديث أو موعظة أو تذكرة لهم، أو ما أشبه ذلك، فالأسلوب الذي تعتقد أنه يناسبهم أبداً به، وبعد ذلك ستجد أنهم استفادوا منك فائدة عظيمة، وأنك أنت أيضاً لم يخرج هذا الشهر إلا وقد أضفت إلى خبرتك خبرة جديدة، وإلى حسناتك أيضاً -بإذن الله تعالى- أجوراً عظيمة لمن هداهم الله تبارك وتعالى على يدك.

    صحة حديث { من أفطر رمضان}

    السؤال: ما صحة الحديث "من أفطر رمضان من غير عذر لم يجزه صيام الدهر ولو صامه"؟

    الجواب: هذا الحديث رواه أهل السنن، وذكره البخاري تعليقاً وليس بالصحيح، فإن فيه عللاً منها أبو المطوس عن أبيه وهو مجهول، وفي الحديث انقطاع وفيه اضطراب، فهو لا يصح، كذلك الحديث الطويل الذي جاء فيه " شهر رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار" فهذا الحديث ليس صحيحاً بل هو شديد الضعف، وينبغي لمن قرأه أن ينبه على ذلك.

    أهمية الأذان في رمضان

    السؤال: هل أمسك في الأذان الأول أم هل أمسك قبل أذان صلاة الفجر؟

    الجواب: أما الأذان الذي يؤذن به قبل صلاة الفجر، فهذا ليس لإمساك الصائم، وإنما هو ليقوم النائم، ويقعد المصلي لتناول طعام السحور، وإنما مطلوب الإمساك بالأذان الذي هو أذان الفجر الذي فيه (الصلاة خير من النوم) الأذان الثاني، وهذا الأذان هو الذي يكون بعد طلوع الفجر، لكن السائل قد يقصد: هل أمسك مع أول أذان أسمعه أم أمسك مع آخر مؤذن؟ أقول: العبرة بطلوع الفجر فالله تبارك وتعالى يقول: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح:{إذا أدبر النهار من هاهنا وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم} إذاً الصوم والفطر يكون معلقاً بالليل والنهار، فإذا طلع الفجر أمسك الصائم، وإذا غابت الشمس أفطر الصائم، وإنما الأذان أمارة وعلامة سواء أذن الفجر للإمساك أم أذن المغرب للإفطار.

    فإذا كان هناك مؤذن مأمون فعليك أن تصوم وتفطر على أذانه، وإن شك الإنسان فلا حرج عليه أن يحتاط في ذلك، فيمسك مع أول المؤذنين ولا يفطر حتى ينظر إلى أن الشمس قد غربت، خاصة أن بعض المؤذنين لا يضبطون ذلك، وهذا ينبغي التنبيه عليه أيضاً، فإن المؤذنين مؤتمنون ويجب عليهم أن يرعوا هذه الأمانة، هي أمانة عظمى يتعلق بها شعيرتان من أعظم الشعائر: صلوات المسلمين وصيامهم، فما بالك أيها المؤذن إذا صلت المرأة صلاة الفجر على أذانك قبل أن يطلع الفجر وقبل دخول الوقت، إنك أنت الآثم حينئذ، وما بالك إذا أفطر المسلمون على أذانك قبل أن تغرب الشمس.

    بعض المؤذنين يقول: أحتاط، ولا ينبغي الاحتياط في هذه المسألة؛ لأن الاحتياط فيها يتسبب في ضرر آخر، بل على الإنسان أن يؤذن على الوقت تماماً، سواءً أذان الفجر أم أذان المغرب، لئلا يترتب على ذلك أن يصلي الناس قبل الوقت، أو يمسكوا قبل الوقت.

    فقد يقوم إنسان ويسمع أول أذان قبل دخول الوقت، قبل طلوع الفجر فيمسك وعنده حاجة إلى أن يتسحر، أو يشرب ماءً، أو يتناول دواءً أحياناً فيتركه لأنه ظن الفجر قد خرج، والسبب هذا المؤذن الذي أذن قبل الوقت.

    فعلى المؤذنين أن يتقوا الله تعالى ويراقبوه في أمر الوقت، فلا يتقدمون ولا يتأخرون، وإذا كان المؤذن لا يطيق ذلك ولا يستطيعه أو لا يعرفه فبإمكانه أن يجعل غيره يتولى عنه أمر هذه الأشياء.