إسلام ويب

حتى تغيروا ما بأنفسكمللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يحصل للأمة خير ولا شر إلا بسبب عملها وتصرفها -كأمة- وهذه قاعدة شبه مطردة في الفرد أيضاً، ولذلك فإن التغيير من الله سبحانه وتعالى لا يكون إلا بأن تغير الأمة حالها. والأمة المسلمة وجدت لتبقى؛ لأن فيها عوامل للنجاح أعظمها المبدأ الصحيح الذي تفتقده -بشكله الكامل- جميع الأمم والمجتمعات الأخرى، وكذلك فدين هذه الأمة دين عملي؛ يؤدي بها إلى الرقي والتقدم، هذا بالرغم من سلبية الكثير من أفراد هذه الأمة وقلة الرجال الفاعلين فيها.

    1.   

    الشر بسبب الذنب والخير بسبب الطاعة

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أيها الإخوة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وحياكم الله تعالى في هذه الليلة المباركة، وهي ليلة الخميس، التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول لعام ألف وأربعمائة وإحدى عشرة للهجرة.

    إن عنوان هذه الكلمة أو المحاضرة: "حتى تغيروا ما بأنفسكم"، وأستغفر الله عز وجل فإنني ما قصدت بهذا العنوان حكاية كلام الله تعالى, وإنما قصدت به عنواناً أنشأته من عند نفسي, واقتبست معنى الآية الكريمة العظيمة فيه, ألا وهي قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

    وإنما جعلت العنوان خطاباً (حتى تغيروا) لأني لاحظت أمراً في غاية الخطورة نعانيه نحن المسلمين, ألا وهو أننا في كثير من الأحيان نتحدث عن غيرنا أكثر مما نتحدث عن أنفسنا.

    نعيب غيرنا، ونحمل المسئولية غيرنا، ونلقي بالتبعة على غيرنا, ونجعل الأسباب من غيرنا, وإذا سمعنا أحداً ينتقد, أو ينصح أو يوجه؛ خيل إلينا أنه يتحدث عن أمة أخرى أو شعب آخر أو أناس آخرين, لكن قلّما يسمع الواحد منا الحديث، وهو يحس أنه هو بذاته وباسمه وشخصيته المخاطب قبل غيره, ولذلك يقل الانتفاع من الكلام، لأن كل واحد يعتقد أنه ليس مخاطباً ولا مقصوداً, فاخترت أن يكون العنوان خطاباً "حتى تغيروا ما بأنفسكم" لدفع هذا المعنى الموجود في نفوسنا.

    وسوف تكون هذه الكلمة في سبع نقاط أو سبع وقفات، الوقفة الأولى عبارة عن مقدمات لابد منها.

    الله حرم الظلم على نفسه وعلى غيره

    إن الله تعالى حرم الظلم على نفسه، كما قال جل وعلا: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [هود:101] في أكثر من موضع من القرآن الكريم, وقال: وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76] وقال: وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة:70] وقال: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] وفي الحديث القدسي في صحيح مسلم عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: {يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً, فلا تظالموا} ومن عدله جل وعلا؛ أنه جعل الجزاء في الدنيا والآخرة مترتباً على فعل الإنسان وعمله.

    فأهل الجنة يقال لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32] هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24]؛ وأهل النار كذلك إنما دخلوها بذنوبهم وبخطاياهم وأعمالهم.

    وكذلك الجزاء الدنيوي، إنما يناله من يناله, إن كان خيراً فبعمله الخير, وإن كان شراً فبعمله الشر, ولذلك قال الله عز وجل: {يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} فمن عدله جل وعلا أن كل أمر يحصل للإنسان في الدنيا أو في الآخرة فهو بسبب عمله، وما ظلمه الله تعالى شيئاً.

    مصائب الأمة بفعل البشر

    نحن نعلم جميعاً أن الجزاء الأخروي حق, وهناك في الآخرة جنة ونار, وهذا من أصول العقيدة الإسلامية، كذلك يجب أن نعلم أن الجزاء الدنيوي واقع أيضاً.

    صحيح أن الدنيا ليست دار جزاء, ولكن الله جعل في هذه الدنيا نواميس وسنناً تجري على العدل والاستقامة, فكل ما يصيب الأمم دعك من الأفراد، مثلاً: كون فلان أصابه مرض، أو حادث سيارة، أو كان عنده مؤسسة وفشلت فاترك هذه جانباً.

    دعنا نتكلم في المصائب العامة: فمثلاً: أمة من الأمم أصابها جدب وقحط, وهلكت الأموال والزروع والمواشي, أو أصابها فقر شديد, أو أصابتها هزائم عسكرية أو سياسية أو هزائم اقتصادية, أو نكبات عامة, فالقرآن الكريم صريح في أن هذا بفعل البشر، بسبب فعل الناس، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41] وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

    ولما جاءت معركة أحد وانهزم المسلمون, وكانوا يتصورون أنه ما دام ألهم المسلمون وقائدهم محمد صلى الله عليه وسلم ويقابلون جيشاً مشركاً يعبد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى, كانوا يعتقدون أنَّ النصر لهم حتماً, فأصابتهم المصيبة وقتل منهم من قتل, وجرح من جرح, حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت حلق المغفر في وجنتيه, وشج رأسه, وكسرت رباعيته, وسقط صلى الله عليه وسلم في بعض الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق -الذي كان يسمى بـالراهب- حتى أشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل, فهنا دهش المسلمون وتلفتوا يقولون: أنّى هذا؟! كيف يحصل هذا؟! فجاءهم الجواب بياناً مفصلاً في سورة آل عمران، قال تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] إذاً كما أن الجزاء الأخروي حق, فكذلك الجزاء الدنيوي حق, قال الله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل:50-51].

    فالمصائب في الدنيا -المصائب العامة- بسبب الذنوب, والسعة في الرزق والمال والأهل والمتاع الطيب هو أيضاً بسبب الطاعات, هذه هي القاعدة العامة وكل قاعدة لها استثناءات, البشر قد لا يستطيعون أن يطبقوا القاعدة في كل ظرف وفي كل حال, لكن هذه القاعدة ربانية قرآنية لا كلام فيها.

    التغيير من عند أنفسنا

    إنَّ الله عز وجل ربط التغيير بفعل الناس, فإذا كان الناس في حال خير وانتقلوا إلى حال سيئة, فلا ينبغي أن يقولوا: من أين جاء هذا؟ لأنه يقال لهم حينئذٍ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] وكما قال الله عز وجل في سورة الأنفال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53].

    أمة من الأمم عزيزة منيعة الجانب قوية قاهرة غالبة ممكنة في الأرض, ثم يؤول الأمر بها إلى انهيار وانهزام وتصبح في ذيل القافلة, وتصبح أمة لا قوام لها ولا اعتبار لها ولا شأن لها, تسمى كما يقولون في لغة العصر الحاضر "العالم الثالث"، والآن أخرجوا مصطلحاً جديداً يسمونه "العالم الرابع"، وهو الذي فيه تخلف التخلف, الذين لا يجدون لقمة يأكلونها, وكلهم أو جلّهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون, والمرض يسري فيهم سريان النار في الهشيم إلى غير ذلك من مظاهر التخلف, فيما يسمونه بحزام البؤس أو العالم الرابع، وهي دول من أمم المسلمين.

    يجب هنا أن يتساءل الإنسان، أو أن يفكر أن هذا المصير الذي آلت إليه تلك الأمة العزيزة المنيعة, إنما هو من عند أنفسها وبسبب ذنوبها, وكذلك العكس فهذه الأمة أو غيرها التي تعيش في وضع سيئ متردٍ، وتريد الخروج؛ منه أن عليها أن تفكر أن البداية تأتيها من عند نفسها، لا تتصور أبداً أن الخروج من هذا المأزق، ومن هذه الأزمات، ومن هذا التخلف، ومن هذا الجهل، يأتي بشيء يقدمه لها أعداؤها، فهذا لا يتأتى أبداً كما يقول الشاعر:

    وما نيل المطالب بالتمني      ولكن تؤخذ الدنيا غلابا<

    الحياة صراع بين الحق والباطل

    الحياة صراع، والذي لا يملك وسائل القوة والصراع والسباق, يهزم ويصبح في آخر الركب وفي ذيل القافلة, فمن كان على حال سوء يطمع في الانتقال إلى حال حسنة, يجب أن يعرف أن البداية تأتي من عنده هو, أن يغير ما بنفسه فيغير الله تعالى ما به، وهذا يصدق على حال الأمة وعلى حال الفرد.

    أما بالنسبة للأمة فهي قاعدة مطردة, أما بالنسبة للفرد فقد يظهرها الله عز وجل في كثير من الأحيان بشكل أو بآخر, قد تجد إنساناً اليوم يظلم ويعتدي ويأخذ بغير حق, اصبر لا تتعجل الأحداث، لا تقل: ولماذا الله تعالى لم يعاقبه على ما فعل؟! يقول الله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله عز وجل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]}.

    إذاً لا تتعجل، يوماً أو شهراً أو سنة إن الأمور في ميزان الله غير الأمور في ميزاني وميزانك أنت, نحن إذا رأينا الباغي والظالم مكث شهراً أو سنة وما انتقم الله عز وجل منه, استبطأنا الأمر وتعجّلنا، لكن اصبر فمن الممكن أنك تموت وما رأيت النتيجة, ويراها ولدك أو أخوك الأصغر, فكم من إنسان ظالم أو معتدٍ أو منحرف، أو مستهزئ بالدين، أو ساخر بالمؤمنين، أمهل الله له وأملى له, ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر.

    تعجيل العقوبة للعبرة والعظة

    كم من إنسان كان يقوم على تعذيب المسلمين وإيذائهم والزّج بهم في السجون, وإذا استنصروا بالله عز وجل، قال لهم كما قال بعض زبانية التعذيب في أرض الكنانة في وقت من الأوقات, لما رأوا إنساناً يصرخ: يا الله، قالوا: لو جاء الله لجعلناه في هذه الزنـزانة والعياذ بالله وما هي إلا أزمنة قصيرة حتى يأخذهم الله عز وجل بشكل غريب, حتى إن أكبر زبانية التعذيب الذي كان يعذب بعض العلماء والدعاة, كان من ضمن وسائله في التعذيب أنه يمنعهم من الذهاب لقضاء الحاجة, زماناً طويلاً, ودار الدهر دورته, فإذا بهذا الرجل يفقد سلطانه وأبهته ومكانته, وإذا به يصاب بصعوبة التبول حتى إنه يجال به في مستشفيات الدنيا، يصرخ صراخاً شديداً حينما يريد أن يقضي حاجته, ثم مات بهذا المرض, ولما سمع بعض ضحاياه بهذه القصة، وكان في الحرم المكي الشريف خر لله تعالى ساجداً.

    إن الله عز وجل يعجّل لمن يشاء العقوبة في هذه الدنيا, وإن كانت الدنيا ليست دار جزاء وإنما هي دار عمل, وهذا الجزاء الذي يظهره الله عز وجل إنما هو من باب العبرة والعظة, التي يبينها الله جل وعلا لعباده.

    ولقد حشد القرآن الكريم الكثير من الآيات والقصص السابقة، التي تبين أن هذا هو الطريق, فلا تنتظر أبداً أن يكون التغيير بواسطة ملك يهبط من السماء, كلا, ولا بواسطة شيء يخرج من الأرض، إنما التغيير بواسطة الإنسان، فالإنسان هو مدار التغيير بإذن الله جل وعلا, فالله جعل النواميس في هذا الكون خاضعة لتغيير الإنسان، كما قال قتادة رضي الله عنه: [[من الإنسان التغيير، ومن الله تعالى التيسير]] الإنسان لا يمكن أن يغير بنفسه القدر:

    إذا لم يكن عون من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

    فربما يقوم إنسان بسيط تفكيره بسيط، يفتح بقالة أو متجراص متواضعاً وتبدأ أمواله تكثر، فتأتي بعد عشر سنوات ويصبح من أصحاب رءوس الأموال, ثم تجلس معه تتحدث، هل تميز ذلك الإنسان بذكاء عن غيره؟ لا، بماذا تميّز؟ هذا من توفيق الله عز وجل, يهب ذلك لمن يشاء, وقد تجد إنساناً صاحب تفكير وتخطيط، وعنده لجان وعنده مستشارون، وعنده خبرات ودراسات وتحاليل وتقارير وأشياء, ويقوم بمشاريع وفي النهاية تنهار، ويصبح هذا الإنسان منكسراً لا مال له.

    فالأمور لا شك مرتبطة بقضاء الله وقدره, وإذا لم يعن الله العبد فأول ما يجني عليه اجتهاده.

    إذا لم يكن عون من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

    لكن ينبغي أن ندرك أن التغيير يبدأ من الإنسان, لا تتصور أن التغيير يبدأ من المصنع, بعض الإخوة -مثلاً- يقول: إن الطريق إلى تقدم العالم الإسلامي هو الاهتمام بالصناعة نحن لسنا نشك أن العالم الإسلامي لكي يصبح عالماً متقدماً، لابد أن يملك الصناعات سواءً الصناعات الحربية أم غيرها, وما دام يستورد من غيره فلن يتقدم لأن حاجاته بيد عدوه، يفرج عنها متى شاء ويمنعها ويحجبها متى شاء, هذا ليس فيه شك ولا نجادل فيه, لكننا نقول المهم: هو الإنسان, إذا أفلحنا في صناعة الإنسان -إن صح التعبير- في إيجاد الإنسان الفعال المؤثر القوي صاحب الهمة, ثقوا أن الأمور كلها ستتبدل، سيأتي المصنع والمتجر, وسوف تأتي القوة والتنظيم وكل شيء، إذاً ينبغي أن ندرك أنه -كما يقولون- حجر الأساس في موضوع التغيير هو الإنسان.

    1.   

    هذه الأمة خلقت لتبقى

    هذه الأمة التي نحن جزءٌ منها، بلا شك لا نعتبرها، الأمة العربية؛ لأننا لا ندل أو نفخر بعروبتنا, فإن هذه الأسماء لا قيمة لها، كما قال الشاعر:

    خلوا خيوط العنكبوت لمن          هم كالذبابات تطايروا عمياً

    المسلم وطنه بلاد الإسلام وجنسيته الدين, وإن كان عربياً أو غير عربي، فهذه الأمة التي نحن منها أمة الإسلام, خلقت لتبقى, وهذه قضية يجب أن تستقر في نفوسنا, ما خلقت لتؤدي دوراً ثم تنتهي, مثلما هو الحال بالنسبة للأمم الأخرى, خلقت لتبقى حتى آخر الزمن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتبقى أيضاً قوية عزيزة، ويكفيك أن تتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال} فالأمة خلقت لتبقى، ولذلك لا تتصور أن هذه الأمة أمة مؤقتة أو زائلة، بل هي أمة أخرجها الله رحمة للعالمين, أخرجها للعباد يقيمون الحجة على الناس، فهذه الأمة باقية، بعز عزيز أو بذل ذليل، شاءوا أم أبوا.

    تحطم المؤامرات أمام الإسلام

    كم تحطم على صخرة هذه الأمة من مؤامرات؟ الأمة لها ألف وأربعمائة سنة, كم تحطم على صخرتها من مؤامرات! منذ بعث الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤامرات السرية تشتغل، وكل أمة نكبت بالإسلام، صارت تشتغل ضده -مثلاً- اليهود فقدوا موقعهم بالإسلام, كانوا يعتقدون أن يكون النبي منهم، فقدوا موقعهم وصاروا يشتغلون بالمؤامرات، والفرس والمجوس فقدوا مواقعهم وفتح المسلمون بلادهم, وصاروا يتآمرون, والنصارى فتحت بلادهم وصاروا يشتغلون كذلك بالمؤامرات, وهكذا تحالفت كل أمم الدنيا على رغم ما بينها من تفاوت وحرب وصراع, تحالفت ضد الإسلام، وصارت أمواجاً كاسحة.

    لو تذكرت مثلاً مؤامرات الصليبيين: كم من حملة صليبية حاولت أن تكتسح العالم الإسلامي! وجاؤوا في فترة الضعف، وبقوة هائلة رهيبة بمئات الألوف, وأجهزة وأسلحة فتاكة وتحطموا على صخرة الإسلام.

    جاء التتار، أمة متوحشة قاهرة غلابة وأمم هائلة، وتعودوا على البداوة وشظف العيش, وجاؤوا واكتسحوا الدنيا كلها، مثل السيل لا يقف في وجهه شيء, وتحطموا على صخرة الإسلام.

    جاء الاستعمار واحتل بلاد المسلمين، وكان في عهد ضعف وذل للمسلمين, فماذا صنع المسلمون؟ صنعوا البطولات، صحيح أنهم ما قاموا بعمل منظم ضد الاستعمار، وهذه قضية يجب أن نستفيدها من التاريخ، بمعنى أنه يضمن خروج الاستعمار ورجوع حكم الله ورسوله وحكم الإسلام، لكنهم قاموا بعمل بطولي، يشبه تماماً ما يقوم به الإخوة المجاهدون في أفغانستان, بطولات وتضحيات، قتل وقتال, استبسال ومعارك طاحنة, وأخبار مدهشة, وهذا بحد ذاته دليل على أصالة هذه الأمة وبقائها.

    وكما تسمعون وتعلمون أنه في الجزائر -مثلاً- عدد الذين قتلوا لمقاومة الاستعمار الفرنسي, كانوا مليون شهيداً, ولذلك يسمونها بلد المليون شهيد, ونرجو الله أن يكونوا شهداء في سبيله.

    من كان يقوم بحملات التحرير ضد الاستعمار؟ يقودها المشايخ, في الجزائر -مثلاً- جمعية العلماء وغيرها, وفي المغرب الخطابي وغيره, وفي ليبيا عمر المختار, وفي فلسطين عز الدين القسام، وهكذا في بقية البلاد الإسلامية.

    النكبات هي التي تصنع الرجال

    ولا تنظر -يا أخي العزيز- إلى هذه النكبات التي تحل بالأمة، نظرة خاطئة, لا تعتقد أنها هي التي تدمر الأمة, بل أقول من منطلق نظرة قد تكون شخصية, لكن أعتقد أنها صائبة: إن هذه الأزمات والنكبات هي التي تخرج الرجال, والأمة التي تمر بحياة هادئة رتيبة ليس فيها أمر جديد ولا مثير, تجد هذه الأمة كأنها أمة ميتة, لكن إذا حصل أمر يهز الناس، ظهرت حقائق الرجال وبانت المعادن.

    وخذ على سبيل الأمثلة الإمام أحمد -مثلاً- متى ظهر؟ وكيف ظهر؟ ولماذا كسب هذه الشهرة العظيمة والمكانة سواء في عصره أم إلى اليوم؟ إنما ظهر لما واجهت الأمة سيل العقلانيات والفلسفة، وعلم الكلام والمنطق، وتقديس العقل من دون الله عز وجل, فقام الإمام أحمد يدعو إلى العودة إلى الكتاب والسنة والاعتصام بهما, وتصحيح العقيدة، وإخراج هذه اللوثات التي دخلت إلى عقول المسلمين.

    مثال آخر: ابن تيمية -رحمه الله- كيف ظهر ابن تيمية؟ ومتى ظهر؟ صحيح أن الأمة كانت في زمن ضعف وانهيار, لكن كان ظهور ابن تيمية -رحمه الله- في وقت وجد فيه التتر ووجد فيه الضعف, واكتسحت حملات التتر بلاد المسلمين, فظهر ابن تيمية, كيف ظهر ولماذا؟! ظهر في البداية من منطلق الحرقة التي في قلبه -كما سيتضح- كان يحترق من الداخل على واقع الأمة, ومشكلات الأمة ومصائب الأمة, ثم بدأ يحاول أن يحول هذا الاحتراق الداخلي إلى عمل خارجي, ما اكتفى بمجرد الحسرة والألم، بل أدرك أنه لابد أن يقوم بخطوات فعّالة, فصار يقوم ويجمع العلماء ويتحدث معهم، ويثبت السلاطين والحكام ويأمرهم ويقوي عزائمهم، ويحث الناس على القتال وهكذا, حتى استطاع ابن تيمية -رحمه الله- أن يعمل تعبئة كاملة للأمة ضد التتر, وانهزموا بإذن الله عز وجل.

    العز بن عبد السلام -رحمه الله- كيف ظهر ومتى ظهر؟! ظهر في ظروف مشابهة كانت الأمة تعاني فيها من الحملات المختلفة للتتر وغيرهم أيضاً, وتعاني من التمزق والانقسام الداخلي, فكانت أحوج ما تكون إلى بطل، ليس بالضرورة بطل بالسيف, بل بطل باللسان وبالكلمة الجادة الشجاعة الصادقة, فكان العز بن عبد السلام يصعد أعواد المنابر، ويقول كلمة الحق صريحة مدوية, ويأتي هنا وهناك، ويتكلم لدى العام والخاص والكبير والصغير والعالي والنازل بالحق, ويجهر به ويجمع الناس عليه, حتى تحقق نصر الأمة.

    إذاً نصر الأمة ما تحقق على يد السلطان المملوكي أو غيره, إنما تحقق في الواقع على يد العلماء الذين كانوا وراء هذا الانتصار الذي حققته الأمة.

    وقل مثل ذلك في أسماء كثيرة، ظهرت بسبب الأزمات التي حلت بالأمة, وفي ذلك يقول أحد المؤرخين البريطانيين واسمه "أرنولد توينبي " له نظرية في تفسير التاريخ، يسميها: "التحدي والاستجابة" يقول: إن أي مصيبة تنـزل بالأمة هي عبارة عن تحدٍ، هذا التحدي يورث عند الأمة استجابة، يثير في النفوس دوافع معينة، تجعلها تفكر كيف تقدم خدمة لهذا الدين, كيف تخرج من هذه الأزمة؟ فيظهر الرجال حينئذٍ.

    عدم التشاؤم من النكبات

    علينا ألاَّ نتشاءم من هذه المصائب والنكبات والأزمات التي تمر بالأمة, بل علينا أن ندرك أنه هنا يأتي نصر الله عز وجل تماماً كما حصل حين جاءت الأحزاب، قال تعالى: وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22] ولذلك كان المنافقون في غزوة الأحزاب، يقولون: الواحد منا لا يستطيع أن يذهب لقضاء الحاجة, ويقولون: إن بيوتنا عورة, ومحمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول غير هذا، لما اشتدت عليهم الصخرة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وضربها بالمعول، قال: {الله أكبر! فتحت لي كنوز كسرى} ضربها مرة أخرى, قال: {الله أكبر! فتحت لي كنوز قيصر} ضربها مرة ثالثة, فقال: {فتحت لي اليمن وإني أرى قصور صنعاء}.

    إذاً: الواثقون من نصر الله عز وجل -وهم المؤمنون- في أشد الظلام وحلكة الليل, يدركون أنه حينئذٍ يولد الفجر, أشد ما يكون الليل ظلاماً قبيل الفجر، ثم يبزغ الفجر بعد ذلك، وإن كان هذا يذكرني بقضية وهي: أن الأمة وجودها يتفاوت، ولذلك لاحظوا أننا الآن -مع الأسف الشديد- إذا أردنا نضرب الأمثلة, بمن نضرب الأمثلة؟ هل نضرب الأمثلة بفلان الحي الموجود بين أظهرنا؟ قلّما يحدث هذا, وإنما نضرب الأمثلة بالماضين, كأن الأمة تحتاج الآن إلى الرجال, ما كانت الأمة في زمن أحوج منها في هذا الزمن إلى الرجال.

    فنحن الآن -بكل صراحة- ابن تيمية يؤثر في واقعنا أكثر مما يؤثر كثير من طلبة العلم الأحياء, الذين يمشون على أقدامهم.

    يا رُبَّ حيٍّ رخام القبر مسكنه     ورب ميت على أقدامه انتصبا

    إذا جاءتنا مشكلة علمية وجدنا لـابن تيمية رحمه الله سبق فيها, وإذا جاءتنا مشكلة عملية -المشكلة العلمية معقولة، كقضية في الفقه أو في التفسير- لكن حتى مشكلة عملية يمكن أن نستفيد من ابن تيمية أكثر مما نستفيده من غيره.

    مثلاً: هناك طائفة من الطوائف لا نعرف الحكم عليها, هل هذه الطائفة مسلمة أو كافرة؟ داخل في الإسلام أو خارجة منه؟ يجب قتالها أم لا يجب؟ قد نتردد وقد نحتار في ذلك، وقد لا نجد من يعطينا الجواب, لكن إذا رجعنا إلى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين، وجدناه تكلم عن ذلك بكل وضوح, ووضع النقاط على الحروف -كما يقال-.

    وإذا وجدنا مشكلة قائمة أيضاً ربما تختلط عندنا الموازين ونشك ونرتاب، ولا ندري كيف نتصرف، وإذا رجعنا إلى الكلام الذي كتبه ابن تيمية في مثل هذه المناسبة تعجبنا, وقد سبق أنني قرأت على بعض الإخوة في إحدى المناسبات كلاماً ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو فصل طويل يزيد على عشرين صفحة في الفتاوى, تكلم فيه ابن تيمية للأمة بمناسبة غزو التتر, وما أصاب الأمة من رعب وخوف وفزع، حيث بدءوا يرتحلون من الشام, يسافرون خوفاً على أنفسهم وأولادهم, ويأخذون أموالهم، الكبار والصغار والعالم وغير العالم، خوفاً من هذا السيل الذي يخشون أن يكتسحهم, فتكلم ابن تيمية بكلام عظيم، وربط القضية بقضية الأحزاب، وأنا أدعوكم للرجوع تجدون -والله الذي لا إله إلا هو- كأن ابن تيمية يتكلم عن اللحظات التي نعيشها الآن, وقلت في تلك المناسبة أنني اكتشفت الكلام الذي كان يجب أن نقوله، وأن يقوله طلبة العلم للناس في مثل تلك المناسبات, اكتشفته من خلال قراءتي لما كتبه قلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    1.   

    عوامل النجاح في الأمة

    نقطة ثالثة: عوامل النجاح في الأمة وهي تتلخص في جانبين:

    أمتنا تملك الحق

    الجانب الأول: ما يمكن أن يسمى بالجانب النظري أو العقدي, وهو وجود مبدأ صحيح لدى الأمة, يعني وكون الأمة تملك مبدأ صحيحاً تقوم عليه، وهذا نحن المسلمين نملكه بلا شك, الإسلام عقيدة وشريعة, وكل إنسان يشك في صلاحية الإسلام وأنه هو الحق, فهذا ليس لنا معه كلام؛ لأنه بشكّه هذا خرج من دائرة المسلمين, وأصبح منسلخاً عن الأمة, وأصبح في عداد الكافرين.

    إنما نتكلم عمن يؤمنون بهذا الدين وبهذا الإسلام, وأنه الحق من ربهم, فهؤلاء يؤمنون قطعاً لا شك فيه، بأن الأمة تملك -نظرياً- تملك الحق المتمثل في هذا الإسلام.

    ولا شك أن الإسلام الذي هو الحق، يحتاج إلى أن نوضحه للناس, نبلغه للناس, ونـزيل ما تعلق به من خرافات ألصقها به الصوفية أو الشيعة، أو المبتدعة على مختلف مذاهبهم وطوائفهم, هذا جانب آخر.

    إذاً الجانب الأول، أو العام الأول من عوامل النجاح: كون الأمة تملك الحق، وهذا موجود عند المسلمين بخلاف الأمم الأخرى، ليس هناك أمة تملك الحق إلا المسلمين.

    ديننا دين عملي

    الجانب الثاني: الجانب العملي، وهو جانب التطبيق جانب الفاعلية, ما معنى أن يكون المسلمون يملكون الحق ثم يغلبهم غيرهم في أمر دينهم يأمرهم به؟! أضرب مثلاً لذلك: الإسلام دين يحث على العمل ويأمر به, وكما قلت لكم في أول الكلمة: أهل الجنة دخلوها بعملهم وأهل النار دخلوها بعملهم, مع ذلك تجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث صحيح عجيب، يقول: {إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، واستطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها، فليغرسها فله في ذلك أجر} الساعة تقوم الآن, وبيدك نخلة صغيرة تريد أن تغرسها فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: اغرسها فلك بذلك أجر, والحديث صحيح, لأنك مأجور هذا عمل تؤجر عليه، فالإسلام دين العمل.

    مقارنة الإسلام بالأديان الأخرى

    ومع ذلك عندما تقارن المسلمين بأمة أخرى, ودعونا نقارن المسلمين بأمة وثنية, لأن آخر ما يخطر في بالك الوثنية، البوذيون في اليابان ماذا صنعوا؟

    قرأت قصة عن أحد الطلاب المبتعثين إلى الغرب، لنقل ما يسمونه بالتقنية والخبرة الصناعية إلى اليابان, قرأت مقالة له أو قصة له- يقول: لما ذهب إلى بريطانيا وحاول أن يتعلم ما استفاد ورجع, ذهب مرة ثانية إلى ألمانيا وتعلم على يد أحد الأساتذة أو الدكاترة؛ فكان هذا الأستاذ يعلمه كلاماً نظرياً دائماً، يقول: فجلست زمناً طويلاً فهمت كل شيء بعقلي, لكن حين أجلس أمام الآلة أو "الموتور" أحس بأنني أمام لغز لا أعرف شيئاً, وذكر كيف جمع من راتبه واشترى موتوراً وفكه في البيت, ويسهر حتى أنه لا ينام في اليوم والليلة إلا ساعات محدودة, ولا يأكل إلا وجبة واحدة, فظل على هذا سنوات, بعدها استطاع أن يصنع موتوراً, ويعود إلى بلده لا بشهادة دكتوراة لكن بهذه الصناعة، وكانت أخباره تنتقل إلى بلده أولاً بأول, فلما رجع إلى بلده قالوا: إن رئيس الدولة يريد مقابلتك تكريماً لجهدك, قال: لا، ما أستحق، حتى إذا صنعنا أول موتور ياباني صناعة يابانية، في ذلك الوقت أنا آتي إليه! وجلس تسع سنوات حتى أفلح في تكوين مصنع، وكنت أتعجب من كلامه, يقول في ضمن القصة: وأنا بوذي والعمل الذي أقوم به يقرب إلى بوذا، إنه وثني, ومع ذلك يعمل بروح، وأي عمل يقوم به يقربه إلى معبوده ووثنه! أليس المسلمون أولى وأحق بهذه الروح الوثابة التي تدعو إلى العمل والإنتاج؟!

    الصد عن سبيل الله عند عدم التطبيق

    المسلمون الأوائل، أخذوا خير ما عند الأمم الأخرى خلال فترة وجيزة, فكيف يحصل هذا؟! يحصل بسبب الانشطار بين النظرية والتطبيق، عندكم دين صحيح وحق ولا مرية فيه, لكن التطبيق في واد آخر, وربما تكون الأمم الأخرى سبقتكم إلى بعض مميزات هذا الدين, وهذا من وسائل الصد عن سبيل الله عز وجل.

    كثير من الكفار إذا دعوا في بلادهم أسلموا، فإذا جاءوا إلى البلاد الإسلامية ارتدوا والعياذ بالله، وأذكر أنني قرأت قصة منذ ما يزيد على عشر سنين, وكان وقت قراءتي لها هو وقت حدوثها، أن أحد الطلبة الشباب كان في أوروبا، فدعا رجلاً إلى الله عز وجل, وعرض عليه الإسلام، فاسلم وصار يقرأ في الدين حتى امتلأ قلبه إيماناً بالله ورسوله, ولما انتهى هذا الشاب وأراد أن يعود إلى بلاده, قال له ذلك المسلم: أريد أن أعود معك، فرجع معه, ولمّا رجع يقول: جلس فترة ليس عنده عمل, فلاحظ سلبيات، السفور الموجود في أسواقهم أي: في أسواق المسلمين، والتبرج الموجود ومظاهر التخلف الموجودة عند المسلمين وليست موجودة في بلادهم, نظر بعد فترة وجد أنه ضاقت عليه الأسباب, ما وجد بيتاً يسكن فيه, ولا أحد يطعمه, ولا أحد يؤويه.

    بعد ذلك يقول: جاءني يوماً متأثراً حزيناً محمر العينين, يقول لي: أين أبو بكر؟ أين عمر؟ الذي كنت تخدعني بقصص عدله -هكذا يقول له- ألا تعلم أنني منذ أيام لا أجد ما آكل؟ لا أدري أين أسكن؟! أين الإسلام الذي كنت تقول لي؟ أين العدل؟ فكان هذا الشاب يكتب الرسالة بكل حرقة؛ يشتكي فيها هذا الوضع الذي حصل, ويقول: إن الرجل ارتد عن دينه وتخلى والعياذ بالله بهذه الصورة البشعة, فمن الصد عن سبيل الله أننا نملك الحق ولا نطبقه.

    وأذكر أنني قرأت -أيضا- كلمة للأستاذ سعيد شعبان، وهو أحد الكتاب القدامى المصريين -يقول: إنه عقد مؤتمر في أحد البلاد الإفريقية عن الإسلام, وحل الإسلام لمشكلات الحضارة ومشكلات الناس, وتكلم في هذا المؤتمر عدد من العلماء، وحضره عدد من الصحفيين الأوروبيين من الرجال والنساء, يقول استمر المؤتمر أسبوعاً، وبعد نهاية المؤتمر جاءتنى امرأة وناقشتني عما قيل في المؤتمر, وهل هو صحيح أم غير صحيح؟ فقالت لي بعد ذلك: اسمع مني وانقل عني: "إذا كان ما تقولونه لنا في هذا المؤتمر عن الإسلام صحيحاً, فانقل عني أنكم أيها المسلمون مجرمون في حق البشرية كلها, لأنكم تملكون الحق والحل, ثم لا تقدمونه للناس, البشرية تبحث عن هذا الأمر الذي تقولونه لنا في هذا المؤتمر".

    1.   

    السببية سنة في الحياة

    نقطة رابعة: وهي موضوع السبب أو ما يسمى بالسببية.

    لا شك أن الله قادر على تحقيق ما يريد بقوله إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    فالله عز وجل قادر على أن يجعل كل الناس مؤمنين بكلمة كن, وقادر على أن ينصر الإسلام بكلمة كن, ولكن الله عز وجل شاء غير هذا, وجعل الدين للناس يطبقونه من خلال جهدهم وعملهم وتضحيتهم, حتى الرسول صلى الله عليه وسلم -كان مثلاً يحتاج إلى أن يتعب، يخرج من مكة مهاجراً مختفياً, إن الله تعالى قادر على أن يرسل له البراق الذي ذهب به إلى بيت المقدس, ثم صعد به إلى السماء أن يرسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يركب عليه من مكة إلى المدينة، وتكون رحلة هادئة مأمونة ليس فيها خطر, لكن الله عز وجل شاء غير هذا، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وجلس في الغار والمخاوف حوله، ويقف المشركون على رأس الغار، إلى آخر القصة.

    فالله تعالى أراد أن يتحقق الدين من خلال الأسباب, ومعلوم أن الله عز وجل يعين المسلمين بوسائل لا يملكونها كإعانتهم بالملائكة مثلاً, لكن بعد أن يستفرغوا وسائلهم وأسبابهم التي يملكونها، فإذا حصل منهم تقصير بعد ذلك يسدده الله تعالى عن طريق أمور قد لا يستطيعونها هم، فيمدهم بالملائكة والعون، وهزيمة عدوهم بالريح، إلى غير ذلك: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].

    فالله تعالى جعل السببية ناموساً وسنة في هذه الحياة, حتى الدين جعله تعالى منوطاً بجهد الناس

    تنقية الدين من الخرافية

    من الممكن أن يعلق بالدين خرافات كثيرة, ولعلكم سمعتم في بعض المناسبات أن بعض الناس تحول الدين في أذهانهم إلى خرافة كبيرة, بعضهم صاروا يعطون إقطاعات في الجنة ويمنحون صكوك الغفران, مثلما كانت عند النصارى, وقد ذكرت في إحدى المناسبات، كتاباً مكتوباً أو صكاً مكتوباً من قبل أحد شيوخ الطرق الصوفية, يبيع فيه بستاناً في الجنة على أحد الأشخاص في هذه الدنيا، بستان يحده شرقاً جنة عدن، وغرباً جنة المأوى، وشمالاً جنة الفردوس، وجنوباً جنة النعيم, وشهد على ذلك فلان وفلان والله تعالى خير الشاهدين, وتزعم الرواية أن الرجل الذي اشترى البستان في الجنة، لما مات رآه بعض الصالحين, وكان هذا الرجل الميت يقرأ: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً [الأعراف:44] في حس هؤلاء تحول الدين إلى خرافة, فلكي ينقى الدين من الخرافة, لم يجعل الله عز وجل الملائكة ينـزلون ويقولون للناس هذا حق وهذا باطل.

    فاعلية الإنسان

    إذا حصل خلاف بين أهل العلم حتى في مسألة فقهيه أو غير فقهية, فإنه يتم معرفة الصواب، أو معرفة الراجح من المرجوح بجهد الإنسان؛ يبحث حتى يصل إلى النتيجة, وليس هناك ملك يننـزل يشير إلى هذا الإنسان أنه هو المصيب وهذا الإنسان هو المخطئ, لا يكون هذا أبداً فحتى معرفة الصواب من الخطأ وتمييز الخطأ من الصواب، وإبعاد الخرافات التي تعلق بالدين, إنما تتم بجهود الناس أنفسهم وبواسطة الأسباب التي يبذلونها.

    إذاً فالقضية كلها أيها الأحبة تدور على نقطة يمكن أن نعبر عنها بقضية فاعلية الإنسان, أن يكون الإنسان فعّالاً مؤثراً، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل السنن: {خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام} لماذا أصدقها حارث وهمام؟ لأن الإنسان لكي يحقق إنسانيته لا بد أن يكون هماماً, أي صاحب هم وهمة, يفكر أن يعمل كذا وكذا, وكذلك هو حارث صاحب حرث لا يكتفي بالتفكير, بل ينتقل من التفكير إلى العمل, فيرفع هذا ويضع هذا، ويشتغل ويقدم ويؤخر ويعمل ما في وسعه.

    فالإنسان من أبرز خصائصه أنه فعّال مؤثر صاحب قوة وصاحب إرادة, فرجعت المسألة إلى هذا الأمر، ولكن لا معنى حينئذٍ للتمنيات والأحلام المعزولة عن الفعل, فالإنسان لا بد أن يفعل السبب.

    إنسان -مثلاً- يريد الجهاد, هذا الجهاد هم, أولاً: هل عندك هم الجهاد في سبيل الله؟ تقول: والله ما عندي هم للجهاد, هنا نقول: أنت سقطت من أول اختبار, ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم {من لم يغز أو يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق} فهذا يموت على شعبة من النفاق, لأنه حتى الهم غير موجود عنده, ما حدث نفسه بالجهاد, وآخر قال: والله أنا حدثت نفسي بالجهاد وهممت به, نقول: ننتقل إلى السؤال الثاني, أنت نجحت في المرحلة الأولى, وتبقى المرحلة الثانية: هل أعددت للجهاد شيئاً؟ يقول: لا والله ما أعددت شيئاً, مجرد خواطر في النفس, هنا نقول له: كما قال الله عز وجل: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46].

    إذاً كل إنسان يدعي أنه يريد ولا يستعد, فهذا فيه شبه بالمنافقين, يدعون أنهم أرادوا الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم للجهاد، ومع ذلك ما أخذوا الأهبة ولا الاستعداد.

    1.   

    ضرورة إيجاد الإنسان الفعال

    النقطة الخامسة: ما معنى الفاعلية؟ هنا نجد أن الموضوع رجع وعاد إلى مسألة واحدة, وهي: وجود الإنسان الفعال, فلكي نغير ما بالأمة, من تخلف شرعي وديني أو دنيوي, فإن علينا أن نسعى إلى إيجاد الإنسان الفعال المؤثر, فما معنى كون الإنسان فعّالاً؟ معناه أن الإنسان فيه إمكانيات ومواهب وملكات كثيرة, لا بد من استثمار هذه الإمكانيات والملكات والمواهب فيما يرضي الله عز وجل، يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:165].

    نحن نضرب مثالاً مادياً يدركه الجميع, هذا إنسان عنده مائة مليون ريال فزكاة هذا المبلغ هل هي مثل زكاة واحد آخر عنده عشرة آلاف ريال؟ هل مقدار الزكاة واحد؟ قطعاً يختلف، ويتفاوت بحسب كثرة المال وقلته, هذا أمر كل واحد منا يعرفه, وقد يوجد إنسان ما عنده نصاب, فهذا لا تجب عليه الزكاة, هذا مثال مادي.

    لكن عندما ننتقل لمثال آخر معنوي، أكثر الناس يمكن أن يتشكك ويتوقف, هذا إنسان ذكي عبقري مفكر صاحب عقل كبير, وهذا إنسان آخر فيه سذاجة وبساطة وغفلة, هل حسابهم عند الله تعالى واحد يحاسبون بدرجة واحدة؟ لا, كل واحد يحاسب بقدر ما أعطاه الله عز وجل, فالله تعالى يحاسب الذكي بقدر العقل الذي أعطاه, أعطاك الله عقلاً بنسبة (90%), ماذا صنعت به؟ تحاسب على ذلك, واحد آخر أعطي عقلاً بنسبة (60%) يحاسب على ما أعطي.

    مثلما أن صاحب المال الكبير يحاسب بقدر ماله، وصاحب المال القليل يحاسب بقدر ماله, إذاً لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [المائدة:48].

    فكر الآن نحن المجموعة الموجودة بالمسجد لو أدرنا استبياناً، ورقة كل واحد منا يكتب ما هي الأشياء التي يمكن أن يعملها, سنجد أن كل عمل في الدنيا فينا من يحسنه، هذا خطاط, وهذا رسام, وهذا خطيب, وهذا داعية, وهذا حافظ, وهذا عنده قدرة واقعية على ربط العلاقات الاجتماعية مع الناس, وهذا عنده تفكير, وهذا عنده اهتمامات علمية شرعية, وهذا عنده اهتمامات وهذا كاتب وهذا وهذا...

    إذاً كل هذه المواهب وزعها الله تعالى علينا وسوف يحاسبنا عليها قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [المائدة:48] وهي درجات رفع الله بها بعضنا فوق بعض, هذا أحسن منك في الخطابة, وأنت أحسن منه في الكتابة, وثالث أحسن منكما في المال ينفقه في سبيل الله, وهكذا.., وقل مثل ذلك بالنسبة للمجتمع بشكل عام المكون من هؤلاء الأفراد.

    إنسان فعال وآخر غير فعال

    يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [النحل:76], هذا المثل الأول، هذا مثال لإنسان فقد الفاعلية, فما هو فعّال، إنسان سلبي أبكم لا يتكلم, لا يقدر على شيء، مشلول وهو كلٌّ على مولاه, أي أنه عبء على سيده, يحتاج أن يوفر له الطعام والشراب والكساء..إلخ، ولا يأتي بخير، أينما يوجهه لا يأتِ بخير, مثل إنسان لا يفهم، ترسله يشتري لك بضاعة؛ يأتيك بأسوأ ما في السوق وبأغلى ثمن, المرة الثانية لا ترسله إلى هذا العمل, تطلب منه شيئاً آخر يفسده عليك, وهكذا.., وفي الأخير تقول: لا نريد منه شيئاً نسلم منه، لا نريد منه خيراً، من خيره أن يكف شره عنا، هذا مثال لإنسان سلبي لا يقدم شيئاً.

    يقابل ذلك كما قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل:76] هذا الإنسان الإيجابي الفعال المؤثر، الذي هو في كل شيء أو مناسبة أو طلب، يقول أنا لها أنا لها، بقدر ما يستطيع يشارك، يحرص أن يكون شعاره دائما المشاركة, أي مشكلة تنـزل، لا يقول: هذه لا تخصني, بل يشارك فيها بقدر ما يستطيع.

    وهذه القضية قضية الإيجابية، أو كون الإنسان فعالاً، قضية ترجع في الأصل إلى جانب فطري، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل {من أكرم الناس؟ والحديث معروف في الصحيحين، قال: الكريم ابن الكريم, ثم قال: أكرم الناس أتقاهم, قالوا: ليس عن هذا نسألك, قال: فعن معادن العرب تسألوني، قالوا: نعم, قال صلى الله عليه وسلم: تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية؛ خيارهم في الإسلام إذا فقهوا}

    خذ مثالاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه, عمر في الجاهلية كان رجلاً قوياً شديداً, فلما جاء الإسلام بقيت القوة والشدة، لكن بقيت في مجال آخر.

    ومثلاً: الخوف غريزة عند الإنسان, فالإنسان في جاهليته يخاف من الناس, ويخاف من الموت, والمرض, ويخاف من العدو, ويخاف من الجن, والشياطين, لكن إذا اهتدى وآمن؛ فالخوف باقٍ عنده كغريزة, لكن توجه الخوف لجهة أخرى، فصار يخاف من الله عز وجل, ويخاف من عقاب الله بذنوبه, وما أشبه ذلك, ولا يخاف مما سبق, كذلك قوة عمر رضي الله عنه في الجاهلية، صرفت في الإسلام إلى مجالها الطبيعي الصحيح، وخذ مثل ذلك خالد بن الوليد كان شجاعاً.

    وحين تنتقل إلى المجتمع تجد نفس الكلام, المجتمع العربي اختاره الله اختياراً ليكون هو الذي يحمل رسالة الإسلام إلى الناس, لخصائص علمها الله في هذا الشعب كانت تميزه عن غيره, ولذلك فالله عز وجل رد على صنفين من الناس, رد على اليهود الذين كانوا ينتظرون النبوة فيهم, فلما جاءت النبوة في العرب رفضوها وردوها, فالله تعالى رد عليهم وبين أنه أعلم حيث يجعل رسالته، ورد أيضا على العرب الذي انتقدوا بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالذات، حيث قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلا نـزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] كانوا يعتقدون أن يكون المبعوث رجلاً آخر غير الرسول صلى الله عليه وسلم, لأن مقاييسهم مادية، فرد الله على هؤلاء, وهؤلاء وهذه المواصفات الفردية الإنسانية في الفرد وفي المجتمع، الله تبارك أعلم بها والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته.

    الفاعلية حصانة للأمة

    وجود الفاعلية في الأمة، وكون الأمة مكونة من مجموعة أفراد فعالين مؤثرين ليسوا بسلبيين، وجود هذه الفاعلية هو الحصانة للأمة ضد الانهيار, سواء أكان الانهيار داخلياً أم خارجياً, ولذلك يقول أحد المفكرين الغربيين: إن السبب الحقيقي لأي انهيار؛ سبب داخلي وليس خارجياً، ليس علينا أن نلوم الرياح إذا أسقطت شجرة متآكلة نخرة، وإنما علينا أن نلوم الشجرة نفسها.

    فوجود هذه الفاعلية، كون الواحد منا إيجابياً هذه ضمانة وحصانة ضد الانهيار الداخلي, وهي حصانة ضد الغزو الخارجي, سواء كان غزواً عسكرياً أم غزواً فكرياً, ويعجبني في هذا المجال أن أستشهد بما قاله عمرو بن العاص رضي الله عنه -كما رواه مسلم- لما سمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم {تقوم الساعة والروم أكثر الناس} قال عمرو بن العاص: أما إنهم على ذلك ففيهم خمس خصال، فذكر خصالهم الخمس وأخيراً قال: {وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك} أي: أن الروم فيهم صفة, وهي أن فيهم امتناعاً عن ظلم الملوك, والغريب أن ما وصفهم به عمرو بن العاص موجود الآن كما نلاحظ في بلادهم، الامتناع من ظلم حكامهم وزعمائهم, لأن فيهم فاعلية وفق عقائدهم ومناهجهم ودينهم, في الشر؛ لكنهم فعالين لا تجد واحداً سلبياً يقول: لا أستطيع!

    1.   

    السلبية وأسباب وجودها

    سادساً: لماذا لا نعمل؟ ما سبب فقدان الفاعلية عندنا؟ ودعونا نكون صرحاء، أي واحد منا الآن، لو أتينا بنموذج عشوائي لأي شخص من الشباب الحاضرين, وقلنا ما رأيك بما يجري في الأمة من مصائب ونكبات قريبة أو بعيدة؟ هل لك فيه دور أو سبب؟ يقول: لا، أنا برئ, أنا إن تكلمت لا يسمع لي, وإن قلت لا يسمع قولي, وحتى في بيتي الوالد والوالدة هداهم الله لا يتقبلون مني, زملائي في الفصل يسخرون مني, أصبحت محاصراً وما بقي فقط إلا أن أستعين بالله عز وجل, وإلا في الواقع ليس لي أي دور.

    أسباب وجود السلبية

    لماذا توجد هذه السلبية عندنا؟ هذه مسألة تطول ولكن أذكرها باختصار:

    تحميل الآخرين الأخطاء

    السبب هو: أننا دائماً نؤثر الدفاع عن أنفسنا, وأننا دائما على صواب, وأن نحمل التبعة غيرنا، وأحياناً نحتج بالقدر, وأحياناً نحتج بالماضي, وأحياناً نحتج بالمجتمع, وأحياناً نحتج بالشيطان، أن هذا من فعل الشيطان إلى غير ذلك, وقضية المسئولية هذه تكلمت عنها في محاضرة مستقلة عنوانها: "نحن المسئولون"، يمكن مراجعتها في هذه النقطة.

    إذاً نحن دائما نتبرأ من المسئولية وندافع عن أنفسنا, ونلقي باللوم على غيرنا, أحيانا نلقي باللوم على العلماء, أو على الحكام, المهم أن نخرج نحن من الدائرة أبرياء, وبعد ذلك لا يهمنا من المسئول.

    تهويل الأمور وتضخيمها

    النقطة الثانية التي تجعلنا لا نعمل: هي أننا -أحياناً- نهول الأمر بحيث يبدو أن هذا الأمر وكأنه فوق الحل, عندنا مشكلة فتجد أننا نبالغ في وصف المشكلة وتضخيمها وتعقيدها وتشابكها, حتى يخيل إلينا أن هذه المشكلة ليس لها حل, إلا من عند الله عز وجل، فهي معقدة والبشر لا يملكون حلها, إنما ننتظر الحل من عند الله عز وجل! وهذا ينم عن وجود تشاؤم عند الناس أو عند بعض الناس, يقول الزم بيتك ودع عنك هذه الأمور, وهذه لا حل لها, مشكلة ليس لها من دون الله كاشف.

    إذاً العمل غير مجدٍ ولا فائدة منه, لماذا يقول هذا؟! لأنه لا يريد أن يعمل.

    المسلم -للأسف الشديد- تعود اليوم على الكسل, أي شيء يخلصه من العمل يحرص عليه بكل وسيلة, فمن الوسائل أن يلقي بالتبعة على غيره, ومن الوسائل أن يضخم الأمر حيث يبدو الأمر فوق الحل.

    مثال بسيط -إنسان صار عنده أزمة اقتصادية, وفشل في مشاريع, أو جمع أموالاً في الخير وضاعت عليه… إلخ, المهم تحمل (حمالة) وصار عليه مبالغ طائلة ملايين كثيرة, أراد أن يجمعها وجاء إليك، أنت حينئذٍ تضخم المشكلة عند هذا الإنسان، بحيث أن المبلغ كبير ولا يكفي المبلغ الذي أملكه, إذاً فالموضوع فوق الحل, ادع الله عز وجل، لكن إذا جاء أمر خارق للعادة، أمر غير متصور يحل لك هذه المشكلة، إذا نحن نهول الأمر.

    وقل مثل ذلك في مشاكل الأمة العامة, المشاكل العسكرية, والتخلف الصناعي.. إلخ, نهولها إلى حد أنه ليس لها حل.

    تسهيل الأمور

    ثالثاً: ننتقل بعد ذلك إلى العكس, يأتي واحد ويقول: لا يا إخوان، ليست المشكلة بهذه الخطورة, ولا بهذا التعقيد, ولا بهذه الضخامة, ويبدأ يبين لنا أن المشكلة لها حلول، فإذا استأنسنا مع كلام هذا الإنسان، أخذنا الموضوع إلى الطرف الثاني, تقول: إذاً الموضوع بسيط لا يحتاج حلاً, ما دام أن الموضوع بهذه الصورة, هو أبسط من أن نشتغل فيه.

    إذاً الموضوع إما أن يكون خطيراً لا نستطيع التفكير فيه, وإما تافهاً بحيث لا يحتاج إلى أن نفكر فيه, ولذلك تجد الإنسان متفائلاً أكثر من اللازم أحياناً, تذكر له مصائب الناس ومشاكلهم، يقول: أمة محمد صلى الله عليه وسلم بخير، إذاً الواقع بناءً على ذلك لا يحتاج إلى عمل.

    تعطيل الجهود بالكلام

    المهرب الرابع الذي نهرب إليه أحياناً: هو تعطيل جهود البناء اليومي القريب، بكلمات جوفاء وشعارات كاذبة، نعطل بها حركة التاريخ، بدعوى أننا ننتظر الساعات الخطيرة والمعجزة الكبيرة, نحن مشغولون بالأهم, ولذلك لا نبذل ولا جهوداً صغيرة, لعل المثال الذي ذكرته يصلح أيضاً هنا: فلو كان عندك عشرة ريالات، فممكن أن تساهم في حل مشكلة كبيرة للمسلمين في أي بلد, لكن أنا عندي عشرة والآخر عنده عشرة، كل واحد يقول: عشرة لا تساوي شيئاً, هذه تحتاج إلى أمور كبيرة.

    ونفس الكلام مع كثير من الناس اليوم عندما تحدثه عن منكر موجود في المجتمع, يقول: يا أخي المجتمعات تحتاج إلى حل جذري, هذه لا بد من وجود قوة تقوم على هذه المنكرات وتزيلها، بخطاب أو بمرسوم أو بجرة قلم مثلاً, لكن دعنا من هذا الكلام العام وهذه الأحلام, لماذا لا نحاول إزالة المنكرات بإمكانياتنا البسيطة وبقدر ما نستطيع؟!

    ومثل ذلك: القضية التي يدندن حولها بعض الإخوة أحياناً، عندما يأتي بعض الشباب يتكلمون في قضايا فرعية، منكرات، مثلاً: مثل شاب عنده معصية، إما في طول ثوبه, وإما في شعره, أو سماع الغناء, أو شرب الدخان, المنكرات القريبة الموجودة المتداولة، التي قل من يسلم من بعضها, يأتي إنسان يتكلم في بعض هذه الأشياء, يأتي آخر يقول: يا أخي الأمر أعظم من ذلك، أنت مشغول في هذه الأمور البسيطة.

    والأمر الأعظم من ذلك, إذاً الأمر الأعظم هو قضية الإسلام والمسلمين ومصائبهم ومشاكلهم وبلاياهم، ويبدأ يسرد لك سلسلة من آلام المسلمين.

    نحن لا نعارض، نحن نقول: من لم يتألم لآلام المسلمين فلم يحقق الإسلام الحقيقي, لأن المسلمين كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص, لكن هذا الإنسان الذي صرفك عن الاشتغال بقضية جزئية في وقت محدد, هل دفعك فعلاً إلى الاشتغال بالقضية الكبرى؟ أم شغلك عن هذا الأمر اليسير، ثم جعلك لا تعمل شيئاً، بحجة أنك تفكر بالمعجزة الكبيرة، وأنك مشغول بالأهم.

    التوقف بحجة زمن الفتنة

    خامساً: من المهارب التي نهرب إليها: أننا نتوقف بحجة أن هذه أزمنة الفتن, نحن في أزمنة الفتن، وننسى أن الفتنة نفسها هي ثمرة انحراف في الأمة, وإنما جاءت الفتنة بسبب الانحراف في الأمة، ولذلك ما جاءت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم, ولا في عهد أبي بكر, ولا في عهد عمر , إنما جاءت في عهود المتأخرين، وكلما تقادم الزمان كثرت الفتن.

    إذاً الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، لا تتصور أنها كمطر السوء، العذاب الذي يمطر على الناس من السماء, بل إن الفتن تخرج من واقع الأمة أيضاً، بسبب أخطاء الناس ومعاصيهم وذنوبهم وظلمهم لأنفسهم تأتيهم الفتن, فإذا نظرنا إلى الفتنة ووجدنا أنها أمر حتمي لا بد منه, بحكم أن الأسباب وجدت, لكن لو نظرنا إلى الأسباب، هل الأسباب التي أدت إلى الفتن وهي الذنوب والمعاصي -حتمية- وكان لابد أن نعصي الله عز وجل؟! كلا، كان بإمكاننا أن نطيع الله عز وجل في ظاهرنا وباطننا، على المستوى الفردي والجماعي والرسمي والشعبي، فنسلم من هذه الفتن, لكن وقعنا في المعاصي، فجرتنا إلى هذه الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم.

    الاحتجاج ببعض المفاهيم الخاصة

    وأخيراً: إن بعض الناس يهربون إلى الاحتجاج ببعض المفاهيم الخاطئة, مثلاً يقف بعض الشباب عند قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة} وقوله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه سعد بن أبي وقاص: {إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي} فيقول: يا أخي نؤثر العزلة والخمول، والبعد عن القيل والقال والكلام, تدعوه أن يلقي كلمة، يخطب في الناس، يتحدث ويعلم ويدرس, يقول: لا يا أخي، دع هذه الأشياء, لأنه وجد نصوصاً فسرها تفسيراً خاطئاً وحاول أن يستخدمها في هذا المجال.

    لكنه نسي نصوصاً أخرى تحكم عليه, نسي قول يوسف عليه السلام قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] صاحب موهبة لا توجد عند غيره, يعلن عن نفسه أنا أستطيع أن أفعل كذا.

    ونسي قول عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه -فيما رواه أهل السنن- وهو حديث صحيح {قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي -لأنه يطلب منصباً دينياً ليس منصباً دنيوياً- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً} إذاً لا تأخذ جانباً واحداً أن تؤثر العزلة والخمول وألا يُعْرَفُ الإنسان أبداً، قد يكون في أوقات كثيرة تتطلب أن يشهر الإنسان نفسه, يعلن نفسه ويتكلم ويُعرف, ولا يترتب على ذلك بعض المضار التي يشعر بها في قلبه.

    1.   

    علاج السلبية

    ما هو الحل؟ وهذا هو بيت القصيد، كيف ننتهي من هذه السلبية؟ وكيف نغير هذا الواقع؟

    هناك عدة مراحل وعدة نقاط:

    وضع أقدامنا على الطريق الصحيح:

    أولاً: المطلوب البدء وليس النهاية، هذه قضية يجب أن تكون واضحة في أذهان الشباب، ليس المطلوب أننا ننهي مشاكل المسلمين، لأن مشاكل الأمة لا تنتهي بجرة قلم، إنما المطلوب البداية أو أن نطمئن أننا وضعنا أقدامنا في الطريق الصحيح، وهناك مثل يقول: " رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة ".

    خذ مثالاً: قضية الربا؛ اليوم يقوم عليه اقتصاد العالم كله، فهل تتصور أنت، أن قضية التخلص من الربا تتم بقرار؟! ليس كذلك بالضرورة لكن يكفيني أن أطمئن إلى أن هناك نواة لبنوك شرعية لا ربوية بدأت توجد؛ لأنني أثق حينئذٍ أن البنوك الأخرى ستغلق أبوابها لأنه وجد البديل الصحيح، وكل مسلم لا يمكن أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويترك الحلال إلى الحرام.

    مثل آخر: القضايا الإعلامية والمواد الإعلامية، الإعلام في العالم الإسلامي كله، إعلام -بلا شك- ليس على مستوى الإسلام ولا على مستوى المعركة التي يعيشها المسلمون، إذاً كيف التخلص؟ مجرد قرار لا يكفي ولا يحل المشكلة، إذاً القضية تبدأ من خلال خطوات معينة، فأنا حين أطمئن إلى أنني بدأت بتقديم مواد إعلامية صحيحة للناس، أطمئن إلى أنه مع ازدياد هذه المواد واتساعها، تملأ الساحة حتى تغنى عما سواها، وهذا الكلام من الممكن أن يقال على المستوى الرسمي وعلى المستوى الشعبي، بشرط: عدم ربط أحدهما بالآخر، بمعنى أنه لا يجوز أن نرجع مرة أخرى ونضيع القضية بيني أنا وبينك، أنا لا أعمل شيئاً، لماذا تقول: لا أعمل شيئاً؟ أقول لأنه لا توجد فائدة:

    متى يبلغ البنيان يوماً تمامه            إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

    أنا فرد في مجتمع وأنا ترس في آلة، وما دام أن المجتمع كله ضدي! أنا لا أعمل شيئاً، فصرت أجلس وأعلق المسئولية على المجتمع بوسائله وقنواته المختلفة.

    1.   

    خطوات علاج الأمة والرفع من قيمتها

    إن المجتمع من خلال مؤسساته وقنواته ووسائله لا يعمل شيئاً، لماذا لا تعملون؟ لماذا لا تغيرون؟ لماذا لا تعدلون وتصلحون؟ قالوا: والله يا أخي هذه حاجة الناس وهذه رغبة المواطنين، هذه خطابات وهذا كذا، الناس يريدون هذا المنكر أن يبقى.

    إذاً لا يجوز أن تضيع القضية بين الفرد وبين المجتمع، بين الأمة وبين أفرادها ومؤسساتها، بل ينبغي أن نقول: الفرد يجب أن يعمل، والمجتمع بمؤسساته وقنواته وأجهزته التعليمية والإعلامية وغيرها يجب أن يعمل، ولا نربط أحدهما بالآخر، وفي حالة وجود تقصير من أحدهما لا يعذر هذا، ولا يبرر للآخر أنه يقصر فيما عليه، الخطوات تقريباً ست خطوات التي اقترحتها، ومن الممكن أن تساهم في حل هذه المشكلة التي يعانيها المسلمون:

    القناعة بانحراف الواقع

    النقطة الأولى: القناعة بانحراف الواقع، لأن الإنسان الذي يقول عن الواقع: ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم بخير، وأمورنا الآن على ما يرام، هذا ليس فيه فائدة، لأنه لا يغير واقعاً، يرى أنه جيد، هذا بالعكس يقول: الحمد لله عسى أن يبقى الواقع كما هو، إذاً لابد أن يكون الإنسان الذي يفكر بتغيير الواقع، وبتغيير نفسه مقتنعاً أن الواقع منحرف يحتاج إلى تغيير.

    الاقتناع بإمكانية تغيير الواقع

    يلي ذلك نقطة ثانية: وهي أن يكون مقتنعاً بإمكانية تغيير الواقع قد يأتي إنسان يقول لك: الواقع والعياذ بالله فيه كذا وكذا، ويقدم لك تقريراً أسود عن فساد الواقع، مما هو صحيح وليس بصحيح، وقد يكون فيه بعض المبالغات وبعض الحق، ثم بعد ذلك تقول: ماذا تريد أن تعمل؟ يقول لك: أبداً ليس في الإمكان أن أعمل شيئاً، ولا مجال للإصلاح، ولابد أن ننتظر إما عذاباً من السماء أو الساعة أو الدجال …إلخ، فالذي ليس لديه قناعة بإمكانية تغيير الواقع هذا نسقطه من الحساب أيضاً.

    من يغير هذا الواقع

    النقطة الثالثة: القناعة بأن هذا التغيير للواقع يمكن أن يتم على يدي ويدك، وأني أنا وأنت، والثاني والثالث بإذن الله تعالى وعونه نستطيع أن نصنع شيئاً كثيراً، بمعنى: أن بعض الناس مقتنع أن الواقع فاسد -واقع الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها فاسد، ومقتنع أن هذا الواقع للمسلمين يمكن أن يغير، لكنه يقول: ليس أنا ولا أنت يمكن أن نغيره، لكن ننتظر جيلاً قادماً، وقد ذكرت في بعض المناسبات، أن هناك مثلاً عجيباً يقول: "المشكلات التي يعيشها جيلنا الحاضر هي من إنتاج الجيل السابق، وسوف يحلها الجيل اللاحق".

    إذا نحن خرجنا من المسئولية، مشاكلنا هذه موجودة في الماضي، وإن شاء الله تحل في المستقبل، أما نحن فمتفرجون.

    إذا لابد أن يكون عندك قناعة بأن هذا التغيير يمكن أن يتم على يدي ويدك كلٌّ بحسبه، تغير في نفسك أولاً، أول شيء غير في نفسك، حتى يغيروا ما بأنفسهم، غير بيتك، غير الحي الذي أنت فيه، غير البلد الذي تعيش فيه، والتغيير لا يتم في يوم وليلة وتختفي المنكرات، ويكون كل الناس في المساجد يصبحون عباداً وزهاداً صالحين، ليس هذا بالضرورة، هذه أمور بالتدريج والأسباب كما ذكرت من قبل.

    وجود القيادة الربانية

    النقطة الرابعة: ضرورة وجود القيادة الربانية، التي تملك الصدق والشجاعة وتضرب المثل للناس، لأن الناس في الغالب مقلدون، وهذا كلام إلى حد ما حق، الناس مقلدون، فلو سألناك -مثلاً- البيت الذي بنيته على أي أساس فصَّلت البيت، ووضعت تصميمه وتخطيطه؟ ما ابتكرت تخطيطاً من عند نفسك، إنما وجدت الناس يصنعون شيئاً فصنعت مثلهم، الثياب التي تلبسها -سواء الرجل أم المرأة- على أي أساس لبسها، واختار هذا القماش وفَصَّل، إنه لم يبتكر شيئاً من عنده، إنما وجد الناس وفعل مثلهم، فغالبية الناس مقلدون، ولذلك بعضهم يدور حول بعض، وتنتشر بينهم العادات سواء حسنة أم قبيحة.

    فما أحوج الناس خاصة في هذا العصر إلى قيادة ربانية تملك خصالاً من أهمها: الصدق والشجاعة، قد يوجد إنسان صادق لكنه جبان والجبان لا يعمل شيئاً، قال الشاعر:

    يرى الجبناء أن العجز عقل      وتلك سجية الطبع اللئيم

    فالجبان لا يصنع شيئاً لأنه خائف فالناس حينئذٍ يصرفون النظر عنه، والآخر قد يكون شجاعاً، لكنه شجاع بالباطل، فهذا أيضاً لا ينفعنا ولا يغنينا شيئاً.

    إعداد رجل العقيدة

    النقطة الخامسة: إعداد رجل العقيدة، لأن القيادة هذه، تحتاج إلى جمهور وتحتاج إلى جنود وأتباع، فهنا نحتاج إلى رجل العقيدة، ورجل العقيدة باختصار: هو الذي أصبحت العقيدة همه، فإذا استيقظ يعمل من أجل العقيدة، وإذا نام فأحلامه تدور في قضية العقيدة، أصبحت الفكرة همه، تقيمه وتقعده، وهى منطلق حركته ونشاطه، ليست القضية مجرد كلام في مجالس أحاديث، قضية هم، هل أنت تحمل هم الإسلام؟ هل تتقلب على فراشك عند النوم؛ حزناً على ما واقع المسلمين؟ هل كلما فكرت في نفسك في أي حال كنت، وجدت أنك تفكر في أوضاع وأحوال المسلمين في كل مكان؟ أم أن القضية لا تشغل عندك حيزاً من الفراغ.

    ترتيب الأولويات في كل شيء

    النقطة السادسة: قضية ترتيب الأولويات في كل شيء، مثلاً في القضايا الشرعية وغير الشرعية، هناك أمور ضرورية بالدرجة الأولى، تأتي بعدها أمور حاجية وبعدها تحسينية، فلا بد من ترتيب الأولويات، ففي المجال الشرعي مثلاً العناية بتوجيه الهم للأصول الشرعية وبيانها وبيان ما يتعلق بها، لا شك أنه أولى من العناية ببيان الجزئيات والسنن والمكروهات، وهذا لا يغني عن الاشتغال بهذا، تشتغل بهذا وذلك، ولكن تعطى كل شيء بحسبه، هذا لا بد منه في المجال الشرعي.

    وحين تنتقل إلى المجال الدنيوي، تجد الكلام نفسه -فمثلاً- في عالم الصناعات، هل الأمة التي تريد أن تبدأ بالتصنيع، مطلوب منها أن تبدأ بتصنيع -مثلاً- الآلات الموسيقية وأدوات التجميل؟ أم مطلوب منها أن تبدأ بالضروريات بالتصنيع الحربي، التقنية العسكرية، التي تحتاج إليها، في وجودها وقوام حياتها ومدافعة أعدائها؟ لاشك أنها تبدأ بالضروريات، وهناك أشياء حاجية، وهناك أمور تحسينية مخالفة للشرع أصلاً لا يجوز البداءة بها، ولا التفكير بها أصلاً.

    إذاً الأمة التي تبدأ بأمور الترف تكون انتهت من حيث بدأت، وقتلها الترف قبل أن توجد، لأن الترف يوجد في النهاية، لأن الأمة تبدأ قوية وبعد عشر سنين أو مائة سنة أو مائتي سنة يبدأ الترف يدب إليها ثم يقتلها فالترف يكون في النهاية وهو قاتل.

    فما بالك بأمة تبدأ بالترف؟ هذه أمة حكمت على نفسها بالزوال قبل أن توجد، لا يمكن أن تكون البداية بالترف، ولكن لابد من الجدية والأمور الضرورية اللازمة.

    نرجع في النهاية ونقول يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30] وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118]. التغيير يبدأ من عند الإنسان، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئــلة

    دور الفرد

    السؤال: كثير من الشباب مقصر في المسئولية التي على عاتقه، حيث يقول: ما هو دوري؟ وأنا واحد لا أستطيع التغيير، فأرجو توجيه كلمة للشباب؟

    الجواب: هذا هو مجال المحاضرة كلها، أن الإنسان شاباً أو شيخاً، يجب أن يتخلى عن السلبية وإلقاء التبعية على الآخرين، ويترك التنظير ويعمل، إن أي واحد تأتي به، يمكن أن يحل لك مشاكل الناس بالكلام النظري، ويقول كان يجب أن يُفعل كذا وكذا ويحلل أموراً كثيرة، لكن عندما تقول له: ماذا صنعت؟ إنه لم يصنع شيئاً، فلا نريد التنظير.

    نحن الآن مثل قوم يمشون في سفينة؛ فبدأت السفينة تجاذبها الرياح، ذات الشمال مرة وذات اليمين مرة أخرى، والأمواج تلطمها هنا وهناك، فهل يصح حينئذٍ أن يصبح ركبان السفينة يتناقشون ويجادلون: كان المفروض أن نأتي من هنا، وكان المفروض كذا وكذا، وكل واحد يعطينا مخططاً أو خريطة للبحر وطريقه، وما أشبه ذلك، هذا لا يصح، إنما نقول: اعمل ما تستطيع في تهدئة السفينة الآن، وتوجيهها إلى الطريق المستقيم، وإزالة المخاطر التي تعاني منها، وبعد ذلك فكر كما تريد.

    جبهة المجتمع

    السؤال: إن الله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] ألا تعتقد أن سبب البعد عن الحق عند عامة المسلمين، هو عدم تطبيقهم لشرع الله المبني على مبادئ أهل السنة والجماعة؟

    الجواب: هذا هو السبب، لكن السؤال كيف نستطيع أن نوصل المسلمين إلى تطبيق شرع الله عز وجل؟ وإلى الالتزام بمبدأ أهل السنة والجماعة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نشغل أنفسنا به، لأنه انتهينا الآن من القضية، نحن الجميع موافقون -كما قلت في البداية أن أي واحد ليس موافقاً على هذا فهو خارج الإسلام وخارج الدائرة، أي واحد ليس موافقاً على أن الحق منحصر في الإسلام، الحق الشرعي الرباني هو الإسلام، وأن ما عدا الإسلام باطل، الذي لا يعتقد بهذا كافر مرتد بلا خلاف بين المسلمين، إذاً نحن متفقون على أن الإسلام هو الدين الحق، وأن نجاة المسلمين في دنياهم وأخراهم باتباع هذا الدين.

    ننتقل إلى النقطة الثانية كيف نستطيع أن نوصل المسلمين ليكونوا على مستوى الإسلام؟ هذا هو الذي يجب أن نبحث فيه.

    انتقال الصفات الشخصية

    السؤال: يقول: إني أحبك في الله، وأسأله أن يجمعنا في الجنة وإخواننا الحاضرين، ذكرت أن الصفة التي تكون في الشخص في الجاهلية تكون معه في الإسلام، فهل هذا ينطبق على الشاب عندما يكون ملتزماً وغير ملتزم؟

    الجواب: أقصد بذلك الصفات الفطرية الطبيعية، مثل إنسان شجاع في حال جاهليته، كان -مثلاً- يقوم بمغامرات وأعمال وأشياء وأمور كثيرة، فإذا هداه الله عز وجل تجد هذه الصفات غالباً تبقى معه، لكنها تتدين وتصرف إلى المجالات الخيرية.

    غرس الفسيلة مع قيام الساعة

    السؤال: ذكرت الحديث الصحيح العجيب، أنه عند قيام الساعة {من كانت معه فسيلة فليغرسها} هل هناك تعارض بينه وبين حديث {لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس

    الجواب: سؤال طريف، يقول: كيف نجمع بين الحديث {إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها} مع حديث {أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس} وكأني فهمت أن السائل يقول: لماذا يوجهنا الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه، مع أن الذين تقوم عليهم الساعة هم شرار الناس، وممن لم يفهم الشرع ويلتزم بأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فأقول: إن الحديث {إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة} ليس على ظاهره، أنه سيكون رجل عنده نخلةً يريد أن يغرسها فقامت الساعة، ليس بهذه الصورة، هذه قد لا تحدث والله أعلم، لأن الساعة يسبقها أحوال، مثل طلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك من العلامات التي تجعل الناس ينصرفون عن الدنيا.

    إن المقصود من التمثيل أن الإنسان عليه أن يبذل وسعه بكل حال، مثلاً: قامت ساعتك أنت عند الموت، كل إنسان إذا مات قامت قيامته، فعند الموت إن استطعت أن تعمل خيراً اعمله، لا تقل: والله لا فائدة وفات الأمر، هذا غير صحيح، ولذلك عمر رضي الله عنه في مرضه، جاءه شاب مسبل، فلما ولى قال: [[عليّ بالغلام، فقال: يا ابن أخي ارفع إزارك]] كلمة خير تقولها ولو بقيت خمس دقائق على الموت قلها، كذلك عمر رضي الله عنه قال في مرض الموت: [[وددت أني رأيت في الكلالة رأياً إن رأيتم أن تتبعوه]] فقال له عثمان رضي الله عنه: [[إن نتبع رأيك فهو خير وإن نتبع رأى الشيخ قبلك فنعم الرأي كان]] هذا مثال.

    مثال آخر: قد يعمل إنسان عملاً ويقتنع بأن هذا العمل غير مثمر، لا نقول له: لا تعمل لا توجد فائدة، بل نقول له: اعمل، فلا يمكن أن نقول: إن هناك إنساناً لا فائدة من أمره بالخير، بل نقول: مُره، لأنك إذا أمرته بالكلمة الطيبة أنت أول المستفيدين، سُجِّلَ في سجل حسناتك أجر، وهذا بحد ذاته مكسب، وأمر آخر: صارت عندك مناعة ضد المنكر، لأن الإنسان إذا سكت عن المنكر اليوم؛ قد يفعل المنكر غداً، لكن عندما ينهى عنه، تتولد لديه قناعة ومقاومة على الأقل، فاسلم بنفسك، أمر ثالث: قد يستجيب لأنك لا تعلم الغيب.

    وفي الحديث معانٍ أخرى كبيرة، يستحق الحديث موضوع محاضرة خاصة.

    الاشتغال بالخلافيات

    السؤال: مع هذه الفتن المظلمة الحالكة التي تمر بها الأمة، ألا ترى أن بعض الشباب ما زالوا يتناحرون في مسائل اجتهادية؟

    الجواب: هذا صحيح، فكثير من الشباب يشتغلون في قضايا فرعية جزئية، وأنا لا أنهى عن الاشتغال بها؛ لأنني ممن يشتغلون بها أيضاً، لكنني أنهى عن الإغراق فيها، اعطِ كل ذي حقٍ حقه، المسائل الفرعية الاجتهادية اعطها (10%) لا مانع (15%) بحسبه، واعطي المسائل التي هي أكبر منها نسبة أكبر، وهذا من العدل الذي أمر الله تعالى به ورسوله.

    ترك السلبية في الرحلات

    السؤال: نظراً لكلامك عن السلبية، هنالك شاب إذا دعي للخروج في رحلة مع شباب الحي، اعتذر بأنه لا يجد الدافع الداخلي في نفسه، وأن هذا طبعه وغريزة في عائلته، مع أنه طالب علم ولا تؤثر على طلبة هذه الرحلة، حتى إنه يقول: إنه يكون غير مشغول في وقت الرحلة، فأرجو منكم الحل؟

    الجواب: هذا قد يكون من طبيعته أنه يوجد لديه نوع من الانعزالية، فهذا يُعالج بأمور، منها: الاختلاط، لأن اختلاطه بالناس قد يزيل هذه العزلة أو العقدة الموجودة عنده، ومنها: أن يحاول أن يكون مشاركاً، فإذا خرج مع هؤلاء في الرحلة ربما يحس أنه دائماً ساكت، ولذلك لا يحرص على الخروج مرة أخرى، فنقول حاول أن تشارك، أعد بحثاً معيناً أو كلمة تقرؤها على زملائك بعد الصلوات، تأمرهم بمعروف وتنهاهم عن منكر، تذكرهم بشيء، تشارك حتى في أعمال الطبخ، وتقديم الطعام وما أشبه ذلك من الأعمال التي يحتاجونها؛ حتى تحس بأنك شخص فعال مؤثر، ويدعوك هذا إلى المشاركة الدائمة.

    الظلم عند الأوروبيين

    السؤال: ذكرت أن العالم الأوروبي اليوم لا يقع فيه ظلم للشعوب، فهل هذا دقيق؟

    الجواب: ليس المقصود أنه لا يقع فيه ظلم للشعوب مطلقاً، لكنهم يمتنعون من الظلم العام الغالب، وإلا فالظلم موجود في كل زمان ومكان.

    التقديم بين يدي الله ورسوله

    السؤال: يقول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1] ويقول سبحانه وتعالى لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الحجرات:2] نرجو توضيح كيف تقبل الصحابة رضوان الله عليهم في هذه الآيتين أوامر الله سبحانه وتعالى؟ وكيف حالنا نحن المسلمين مع آيات القرآن في هذا الزمن؟

    الجواب: نعم، لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، المعنى أن المؤمن ما كان له -ذكراً أو أنثى- إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون له الخيرة من أمره، فإن المؤمن من يوم آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فإنه قرر أن تكون الكلمة الأخيرة لله ولرسوله في أي أمر من الأمور، فهذا هو معنى الآية، فليس للإنسان حق أن يختار شيئاً غير ما اختاره الله له في شرعه، وقوله: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجهرِ بَعضكم لبعض [الحجرات:2] هذا أدبٌ أدب الله تبارك وتعالى به المؤمنين مع نبيهم صلى الله عليه وسلم.

    تأخير إنكار بعض المنكرات

    السؤال: أرى كثيراً من الدعاة لم يتفقهوا في الدين، قد يذهبون إلى الأماكن التي فيها منكرات بنية الدعوة، ويقول: من الحكمة ألا ننكر عليهم لئلا ينفروا منا ويكرهوا الدين، وضح ذلك؟

    الجواب: هذه أمور تختلف بحسب الحال المسئول عنها، وبحسب نوعية الفاعل والشخص الذي ذُهِب إليه، فهي تختلف من حالٍ إلى آخر، فإذا ذهب فعلاً بنية الدعوة وإنكار المنكر ثم وجد مجموعة منكرات، وقال: لا يمكن أن أبدأ بها كلها، مثلاً وجدت إنساناً عنده سبعة منكرات، لا يمكن أن أعطيه قائمة بها سبع منكرات، فقد يرد عليك ويقول: أصبحت أنا كلي منكرات ومعاصٍ، إنما رأيت أن أبدأ بمنكر وأتقدم بلطف، واترك الباقي إلى زيارة أخرى، لا حرج في ذلك إن شاء الله.

    أما كونه يقول: والله أريد أن أذهب وأتفسح معه وأتبسم وأتندر معه، وبعد ما أنشئ صداقة وعلاقة، وبعد شهرين أو ثلاثة أو سنتين أو ثلاث، أبدأ تغيير المنكرات، فهذا لا يصح.

    العاطفية تجاه الأحداث

    السؤال: في هذه الفترة التي عادت فيها أجيال المسلمين إلى ربها، ونحن نرى هذه الأمواج والأفواج المسلمة مستقيمة على أمر ربها، وهذا مما يثلج الصدر، لكن هناك ملاحظة سائدة وهي طغيان العاطفة على كثير من الشباب، حيث أن كثيراً منهم تغلبهم العواطف الجياشة، دون الروية والتعقل والاعتماد على منهج الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك أصبح ديدن أعداء الإسلام في كل فترة، كثيراً ما يشغل المسلمين ويجعلهم ينسون المهمات التي يجب معالجتها؟

    الجواب: هذا فعلاً سؤال في محله، نحن المسلمين الآن قد نعمل، لكن كثيراً من الشباب إذا خرج من السلبية وأصبح فعالاً، كان هنا العمل الذي يقوم به ليس عملاً مدروساً مخططاً، ولكنه عمل مرتجل، وعمل قد يكون بطولياً من وجه، لكنه ليس مثمراً من وجه آخر، وأنا أضرب بذلك مثلاً، وقد يكون هذا المثل غريب على كثير من الإخوة: قد يكون من أعظم الأعمال وأجلها التي قام به الشباب المسلم في هذا العصر: قضية الجهاد الأفغاني، عمل جميل يكفيهم فخراً أنهم عشر سنوات يرفعون فيه السلاح، ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، هذا عمل جليل، بطولات، كرامات، جهاد، تضحية، دماء، فهذا العمل بهذا المقياس لا كلام فيه، وفيه إيجابيات لا شك فيها، لكن عندما تنظر إلى أي مدى كان هذا العمل الذي قمنا به عملاً مدروساً مخططاً له؛ ليؤتي ثماره التي تكافئ وتقابل التضحية التي بذلناها، هنا أعتقد أننا إذا أردنا أن نكون صرحاء مع أنفسنا؛ سنجد أن الأمر أقل مما يجب، وقل مثل ذلك في جهود دعوية وفي مشاريع وفي أعمال، لأن أعمالنا عاطفية، أي نركض وراء الحدث ولسنا نسبق الحدث، أقول لا ليس بالضرورة أن نعمل لليوم، بل نعمل لخمس عشرة سنة في المستقبل ولعشرين سنة، الإنسان الذي يريد من الأمور أن تنتهي اليوم لا يفعل شيئاً، لكن إنسان يقول: المشاكل الموجودة موجودة لا أزيلها بيوم وليلة لكن -على الأقل- أستعد لإزالة المشاكل التي سوف تقع بعد عشر سنين وخمس عشرة سنة؛ هذا قد يستيطيع أن يغير من واقع المسلمين الكثير.

    ترك التهور

    السؤال: تتجاذبنا الآراء وتعصف بنا الأفكار، وذلك من جراء الأحداث التي اجتاحت الأمة الإسلامية، ولم نستطع تحديد موقفنا مما حدث، لأننا إن دافعنا عن مقدساتنا وجدنا في ذلك صعوبة، إلى جانب بعض المشاكل والأشياء التي لم تتضح، إلى غير ذلك؟

    الجواب: مثل هذا وهو مسألة تجاذب الآراء، على المؤمن أن يعتصم بالله عز وجل، ويعتصم بالعقل الراجح عند ورود مثل هذه الأشياء المشكلة، ولا تجذبه العاطفة كما سبق في السؤال السابق، فبعض الإخوة يقول: لا أقف مكتوف الأيدي، لا بد أن أقاتل، لا بد أن أقاوم العدو الذي اكتسح بلاد المسلمين، وآخر يقول غير هذا، فأقول: ينبغي للإنسان أن لا يكون ضحية تعجل أو طيش، بل عليه أن يفكر ويدرك أنه ليس له إلا نفسٌ واحدة إن ذهبت لا تعود، فينبغي أن يضعها في موضعها الطبيعي، وأنا أنصح الشباب بالإقبال على العلم الشرعي، ومعرفة واقع المسلمين، والسعي في حله، وجمع الناس على الكتاب والسنة، ونشر المذهب الصحيح، والحرص على التربية، والاشتغال بذلك في البيوت والمدارس والمساجد وحلق العلم وغيرها، وأن يطيلوا النفس في ذلك، فإن هذا هو الطريق إلى عزة المسلمين.

    الاستشهاد بأقوال الغربيين

    السؤال: لاحظت أنك قد استشهدت مراراً بأقوال مفكرين غربيين، فهل من الصواب الاستشهاد بذلك؟

    الجواب: نعم الحكمة ضالة المؤمن، إذا أصاب بعضهم؛ لا بأس أن تستشهد بما قال إن كان حقاً.

    طرق تغيير الفرد نفسه

    السؤال: كثيرون يعبرون عن محبتهم لي فجزاهم الله خيراً، أحبهم الله تعالى وجعلني الله وإياهم من المتحابين فيه، يقول السائل: كل إنسان عنده معاصٍ وذنوب صغيرة وكبيرة، والكل يسعى نحو الأصلح، ما هي الطرق والوسائل التدريجية المعينة على التغيير دون أن يكون هناك نوازع منفرة، حيث لا يخفى عليكم أن النفس لا ترغب التغيير المفاجئ؟

    الجواب: من أهم الوسائل: أن يصحب الإنسان صحبة طيبين يعينونه على الخير، ومنها: أن الإنسان إذا كانت عنده خصلة طيبة فليعمل على تنميتها، مثلاً قد يكون عندك معصية لكن في المقابل عندك خصلة طيبة، وهي: أنك تحب الإنفاق في سبيل الله، فأنفق في سبيل الله وسارع إلى ذلك، لأن هذه الخصلة الطيبة إذا كبرت وتضخمت، أصبحت كالشجرة التي بسقت فروعها فغطت على غيرها، كذلك الأصحاب الطيبون الصالحون يأمرونك بالمعروف وينهونك عن المنكر ويعينونك على نفسك، فاحرص على صحبتهم.

    إعداد النفس للجهاد

    السؤال: ذكرت قبل قليل أن الإنسان يجب أن يعد نفسه للجهاد، فأنا قد حدثت نفسي بالجهاد لكن لم أعد شيئاً له سواء الدعاء أو الإنفاق بالمال، فهل هذا هو المقصود؟

    الجواب: نعم هذا هو المقصود يجب أن تعد، أولاً: ادعُ لإخوانك المجاهدين، جاهد بمالك إن استطعت، جاهد بالكلمة، جاهد بالدعوة، جاهد بالتربية، جاهد نفسك، جهز نفسك، افترض أنه قامت دعوة صادقة ولو بعد سنين، كن مستعداً لذلك.

    الحفظ في طلب العلم

    السؤال: أنا طالب، لكن لا أحفظ المسائل العلمية إلا نادراً، فهل أترك طلب العلم وأنه لا يصلح لي وألتمس مجالاً غيره؟

    الجواب: لا تترك الطلب، ولا يوجد شيء مستحيل من هذه الأشياء، ليس في هذه الأشياء مستحيل، والإنسان إذا دأب فإنه يحظى بما يريد:

    أًخْلِق بذى الصبر أن يحظى بحاجته       ومدمن القرع للأبواب أن يلجا<

    غياب الوعي

    السؤال: نلاحظ كثيراً من الأوقات في الإعلام العربي، حين يكون هناك قضية لشخصٍ ترى أنه قد أتى بكل تاريخه السابق؟

    الجواب: نعم، هذه من الملاحظات والأخطاء، التي أصبحت الصحافة تتكلم عنها بشكلٍ واضح، والأمة أصلاً حتى أنا وأنت، لماذا ما اكتشفنا الخطأ إلا الآن؟ هذا ينم عن أن الأمة كلها تعيش في حالة غيبوبة، العيوب لا تظهر إلا بالمناسبات وبالأزمات، حتى أنت أيها السائل وأنا، لماذا الخطأ ما ظهر عندنا إلا الآن؟ لأنه ما كان عندنا وعي حقيقي بالواقع في الماضي.

    التعامل مع زملاء غافلين

    السؤال: طالب ملتزم بشريعة الله، ولله الحمد لكن له زملاء يهتمون بالكرة على الرغم مما يمر بالأمة من أزمات وفتن، أرجو أن تبين هل عليّ شيء إذا تركت بينهم وبين ما يشتهون وأعتزلتهم؟

    الجواب: لا ينبغي المبالغة في الاهتمام بالكرة ولا بغيرها، سواء في هذا الظرف أم سواه، بل ينبغي إذا اشتغل الإنسان بهذه الأعمال أن يقتصد فيها، وأن لا تكون الغالبة عليه، فإن غلبة هذه الأشياء على الإنسان مذمومة في الأحوال العادية، فضلاً عن مثل في هذه الظروف، أما أنت فموقعك تقدره أنت بحسب ما ترى، إن رأيت في بقائك مصلحة، تقليل للشر، وتكثير للخير، وجرهم إلى الطيبات؛ فتبقى، وإن رأيت غير هذا فتعمل ما ترى أن فيه مصلحة.

    تقدير الأمور البسيطة بقدرها

    السؤال: قلتم أنه يجب الاهتمام بالمعاصي التي يقال إنها بسيطة، مثل: الدخان والإسبال، لكن بعض الإخوان يجعلون الاهتمام بالأشياء التي هي الحد بين الكفر والإيمان.

    الجواب: أنا أحذر من هذا، أرى أن نعطي كل شيء حقه، لا تقل هذه قشور وتتركها، وأيضاً لا تجعل هذه الأمور هي لب حياتك ودعوتك، وكل جهدك منصب عليها.

    التقاعس عن القيام بالدور المطلوب

    السؤال: ما رأيك بمن لديه قدرات ومواهب، ويستطيع أن يقود الشباب بإذن الله ويتقاعس عن ذلك بحجة أنه ليس أهلاً لذلك؟

    الجواب: هذا ممن قصدتهم بمثل هذا الحديث، وبمثل هذه المحاضرة، وطالما عانت الأمة من مثل هذا الأمر، من هذا الزهد البارد، الزهد العجمي الميت، الذي يؤثر الخمول والعزلة والبعد عن الساحة، بحجة أنه ليس أهلاً وأن هناك من هو أكفأ منه، يا إخواني آن الأوان، ليس بعد هذا شيء، عليك إن كنت شاعراً أن نقرأ قصائدك الجميلة في دواوين، وفي مجلات، وفي جرائد، وإن كنت ناثراً أن نقرأ كلامك الجميل في هذه المجالات، وإن كنت خطيباً أن نسمع صوتك المدوي على أعواد المنابر، وإن كنت داعياً مؤثراً أن نراك وقد قدت جحافل الشباب وجمهورهم إلى الله عز وجل وإلى الدار الآخرة، انـزل فهذا وقتك وهذا أوانك، إذا لم تنـزل الآن فربما يسبقك الركب ويتعداك، وربما يعاقبك الله عز وجل، وهذا والله الذي لا إله إلا هو واقع رأيته بعيني، ربما يعاقبك الله أنك إذا أردت نفسك يوماً من الأيام لا تجد نفسك، فالموهبة الآن يمكنك أن تستخدمها، لكن إذا أهملتها وتريد أن تعود؛ وجدت نفسك وقد تغيرت عليك، أنت الآن خطيب ولم تستفد من هذه الموهبة، فبعد خمس سنوات إذا أردت أن تخطب وجدت أنها قد تغيرت الأمور، وجدت ضعفاً، ثم تخليت وأدركت أن الركب قد فاتك.

    الاشتغال بالفرضيات

    السؤال: أنت قلت: يجب أن لا ننشغل بالأمور الكبيرة عن الصغيرة في الإسلام، فما رأيك في قول أحد الأفاضل والمسلمون يقتتلون حولهم: إذا نبتت للمرأة لحية هل تحلقها؟

    الجواب: على كل حال أقول: لا شك أن المسلمين ينبغي أن يعطوا كل ذي حقٍ حقه، ولا شك أن الاشتغال بالفرضيات غير لائق، خاصة في مثل هذه الظروف التي نعيشها.

    طلب المنصب للدعوة

    السؤال: كيف يمكن أن نجمع بين أن أتولى منصباً أو مركزاً لكي أقوم بالدعوة إلى الله، وبين أن الإنسان إذا طلب منصباً وكل إليه؟

    الجواب: الواقع أن الإنسان إذا طلب الشيء لذاته من أجل الدنيا فإنه يوكل إليه، أما إذا طلبه للآخرة فإنه يؤجر على ذلك، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ما أنكر على عثمان بن أبي العاص لما قال: اجعلني إمام قومي؛ لأنه طلب منصباً دينياً شرعياً لوجه الله عز وجل، ما كان يأخذ راتباً أو أي شيء، أو ينتظر أن يثني الناس عليه، وإنما قصده أن ينال الأجر.

    التنظير بدون عمل

    السؤال: كما نرى ونسمع أن الأمة تمر بأزمات مختلفة، ما رأيكم بمن همه التحدث عنها وليس مقصده الحل والعمل؟

    الجواب: هذه من المشكلات كما قلت في أثناء الكلمة أن كثيراً من الشباب أصبح منظراً، كأنه مفكر كبير أو فيلسوف، يذكر لك الأسباب والأحداث والخلفيات والنتائج والتحاليل، لكن ماذا فعل؟ لا شيء.

    إلقاء المسئولية على الآخرين

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول لن أغير إلا إذا كبرت وصار لي مركز، أو لا أستطيع أن أغير إلا إذا كنت عالماً وكان عندي علم؟

    الجواب: المشكلة أن هذه هي قضيتنا وهذا عيبنا، أنا تكلمت عن هذا، لكن لا أدري ربما بسبب العجلة لأنني استطلت الموضوع، وخشيت أن ينتهي الوقت قبل أن أنتهي؛ فربما ما بينت الأمور بشكل كامل، فهي مشكلتنا الأساسية، أنه عندما تأتي إلى أي مستوى تجده يلقى باللوم على غيره، تأتي مثلاً إلى الشاب المتدين يقول لك: يا أخي هذا على طلبة العلم، تأتي إلى طالب العلم يقول لك: يا أخي هذا على العلماء، تأتي إلى بعض العلماء، يلقي بالمسئولية على من هو أعلم منه، وقد تأتي إلى الأعلم فيلقي بالمسئولية على الحاكم وهكذا، فلم تعد هناك مسئولية إذاً وهذا خطأ، إن كل واحد منا مسئول.

    عدم منع الابن من الذهاب للإعداد

    السؤال: لي ابن يبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة يرغب في الذهاب إلى التدريب في الأفغان، فهل يحق لي منعه من الذهاب؟

    الجواب: أبداً لا تمنعه من الذهاب، ولماذا تمنعه؟ هل تريد أن ينشأ شاباً يخاف من ظله، ويفرق من كل شيء، دعه يتربى على معاني الرجولة والفداء، وإن قتل شهيداً في سبيل الله فهذا خير لك، فالشهيد يشفع لسبعين من أهل بيته.

    دعوة الكفار

    السؤال: أنا أعيش ساعات الدوام الرسمي في مستشفى وهو مقر عملي، لكني لا أتكلم الإنجليزية، فكيف أدعو الكفار إلى دين الله، وهل عليّ دور في دعوة النساء الكافرات، وما رأيكم في أشرطة الكاسيت والفيديو الدينية، أرجو إفادتي؟

    الجواب: نعم يمكن أن تستفيد من الأشرطة في دعوة هؤلاء، وبعض النشرات والمطويات المفيدة التي تطبع وتوزع من خلال مكاتب الجاليات وهي موجودة في عنيزة وغيرها، تدعوهم بواسطتها، كما أنك تدعوهم إلى الله عز وجل بالخلق الحسن، وبالقدوة الحسنة وبالإخلاص في عملك، وأنت مطالب أن تدعو جميع هؤلاء بقدر ما تستطيع.

    التقصير في العبادة بسبب الانشغال بالدعوة

    السؤال: قد يكون للإنسان نشاط في مجالٍ معين ويفيد في مجتمعه، لكن مقابل ذلك يحصل تقصير من ناحية نفسه من ناحية عبادته وزاده الروحي، ومهما حاول التوفيق لا يستطيع فما هو الحل؟

    الجواب: ابذل ما تستطيع في تقويم نفسك، وتزويد نفسك بالزاد الروحي والعبادة، وإذا حصل تقصير، بسبب انشغالك في الدعوة إلى الله وإصلاح أمر الناس، فلا تأسَ على ذلك؛ فإن النفع أو العمل المتعدي أعظم أجراً من العمل اللازم، أي: العمل الذي للناس أعظم أجراً من العمل الذي يخصك، فالذي يشتغل بالتعليم والدعوة والإصلاح أعظم أجراً من الذي يشتغل بالعبادة.

    إلغاء المستحيل

    السؤال: كيف يكون الإنسان فعالاً؟

    الجواب: يكون فعالاً بأن يعمل أي شيء، يلغي من قاموسه كلمة (لا أستطيع) أو كلمة (مستحيل) هذه يضرب عليها، ويضع بدلها كلمة حاول، هكذا يستطيع أن يكون فعالاً.

    مفهوم التضحية

    السؤال: نسمع بالتضحية فما هي؟

    الجواب: التضحية هي أن يبذل الإنسان نفسه أو ماله في سبيل الله عز وجل.

    من أنواع التضحية

    السؤال:كيف يضحى الإنسان؟

    الجواب: يضحي الإنسان بحسب الحال وبحسب ما يملك، قد يضحي بالوقت، قد يضحي بسمعته في سبيل الله عز وجل، ومكانته عند فلان أو علان، وقد يضحي بماله وقد يضحي بنفسه.

    يجود بالنفس إن ضن البخيل بها      والجود بالنفس أقصى غاية الجود<

    الاتجاه إلى العلوم غير الدينية

    السؤال: مع حاجة الأمة إلى ما يغنيها عن أعدائها؛ إلا أن هناك من يصرف الشباب عن العلوم التجريبية، وأنا لا أعلم إلا العلم الشرعي، وأنه لا علم إلا العلم الشرعي؟

    الجواب: هذا من الأخطاء، فالأمة محتاجة إلى كل العلوم المباحة التي تحتاج إليها في دنياها، ويجب أن يتجه من الأمة من تقوم بهم الكفاية.

    واجب الفرد

    السؤال: نرى في أمتنا الخور والضعف ونرى هذا بأعيننا، ما واجب المسلم بصفته فرداً ليس بيده شيء؟

    الجواب: واجبه أولاً: أن يقتنع أنه ليس بصحيح هذا الكلام، أنه ليس بيده شيء، بل بيده شيء وبيدك أن تعمل، وبيدك أن تدعو، وتفكر، وبيدك أن تحل ما يتعلق بك شخصياً -فأنت جزء من الأمة- وما يتعلق ببيتك وبزملائك، وتبذل ما تستطيع، وإياك إياك أن تكون سلبياً تقول: ليس بيدي شيء.

    النعيم للمؤمن في الدنيا

    السؤال: ذكرت أن النعم والصحة بسبب الطاعات والأعمال الصالحة، فكيف اتفق ذلك مع الآيات التي في سورة الزخرف وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف:33]؟

    الجواب: الكلام في هذا الموضوع يطول، لكنني أقول كما قال الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] وقال: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً [الجن:16] وقال: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] والكلام في هذا الموضوع يطول يحتاج إلى درس خاص، وأعتقد أني سبق وأن تحدثت عن هذا أيضاً.

    بداية التغيير

    السؤال: نريد أن نعرف كيف نكون فعالين في مجتمعنا الإسلامي، ونحب أن نكون دعاة للإسلام؟

    الجواب: هذا السؤال جميل، والله يا إخواني أعظم شيء نفخر به ونفرح هو أن ترد مثل هذه الأسئلة الكثيرة؛ لأن مجرد السؤال يدل على أننا نريد أن نصنع شيئاً، وهذا بحد ذاته بداية طيبة، معناه أننا بدأنا:

    بدأنا نمزق ثوب العدم      ونلطم بالحق وجه السدم

    بدأنا وفينا الأسى والهوان      وفينا الضياع وفينا السقم

    وفينا الكرامة مهجورة      كمحصنة لوثتها التهم

    وفينا وفينا، لكننا بدأنا.

    الاستفادة مما لدى غيرنا

    السؤال: لقد تكلمت عن الحماس الذي أداه ذلك الرجل الياباني، ونحن نشاهد الشعب الياباني لديه حماس عجيب في المنافسات الصناعية، مع ما عملته فيهم الحرب، وأما المسلمون فلا نجد فيهم ذلك مع كثرة الكتب والخطباء والدعاة، فما هو السبب؟

    الجواب: السبب والله تعالى أعلم: أن اليابان الآن أمة فتية، بدأت من الصفر، وبدأت من جديد، مع أنها ضربت بالقنبلة الذرية وحطمت؛ لكنها بدأت بداية جيدة، والآن تنافس في التقدم العلمي والصناعي بشكل جيد، وقد استطاعت، كما قال مالك بن نبي رحمه الله: في البداية أن تكون تلميذاً للتقدم الغربي، أما نحن المسلمين ما استطعنا أن نكون تلميذاً للتقدم الصناعي، وإنما استطعنا أن نكون زبائن، وفرق بين التلميذ والزبون، التلميذ تلميذ اليوم وغداً يصبح مدرساً، ولكن الزبون يظل زبوناً.

    تغلب الأمة على أعدائها عبر التاريخ

    السؤال: ما رأيكم بمن يجلب اليأس بالتخاذل لنفسه وللناس في هذه الأزمة، أرجو أن تناصحونا وتعطونا الحل الناجع لهذا المرض؟

    الجواب: مساكين نحن يا إخوان، نظن أن الأمة أزمتها هي الأزمة التي نعيشها الآن، بل إن الأمة مرت بأزمات كهذه كثيرة، هذا تاريخ الأمة، هذا قدر الأمة منذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في مصاولة ومجاولة ومناولة مع الأعداء، إذا خرجت من معركة دخلت في معركة أخرى، هذا تأريخ أمتنا، ونقول: الأزمة هذه وما سبقها هي بإذن الله تعالى بداية العافية للأمة، لأنها التحدي الذي سوف يثير الاستجابة في نفوسنا، سوف يحرك الأمة إلى أن تفكر كيف تخرج من هذه الأزمات، كيف تحل مشاكلها، كيف تتغلب على أعدائها، كيف تستغني عن أعدائها، وهذه بداية الحل، لكن علينا ألا نيأس.

    متى نستحق النصر

    السؤال: هل نحن بواقعنا المعاصر أهل لنصرة الله عز وجل مع وجود المعاصي جهاراً بيننا؟

    الجواب: لا شك أن الله عز وجل يؤتي النصر من يشاء، ومن يستحق، ومن العجيب: أن الله عز وجل لما ذكر النصر عبر بتعبير لو فكر الإنسان فيه لوجد العجب العجاب، قال الله عز وجل: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40] ثم بيَّن من هم الذين ينصرون الله، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] ونكون أهلاً للنصر إذا علم الله أننا إذا انتصرنا ثبتنا وصبرنا ووفينا، وإلا فقد تجد إنساناً يصوم ويصلي ويدعو، لكن لو نصره الله عز وجل لخان الأمانة، وتراجع وانخذل، فهذا لا يعطيه الله سبحانه وتعالى النصر.

    الدعوة في الأماكن المختلفة

    السؤال: أعيش في بلد معظم سكانه من المسلمين، الذين تجد لديهم حمية للدين، حتى لو لم يؤثروا ذلك، لكن الذين يتقلدون أزمة الأمور في ذلك البلد ينتمون إلى الإسلام اسماً والله أعلم بما يعملون، ويصعب أن يظهر الإنسان دعوته خوفاً من هؤلاء، فما السبيل إلى الدعوة مع مثل هؤلاء؟

    الجواب: إن الإنسان يستطيع أن يدعو في كل مجتمع، وفي أحلك الظروف وأسوأ المجتمعات تستطيع أن تدعو إلى الله عز وجل، لكن عليك أن تفكر بماذا تبدأ وكيف تبدأ وأين تبدأ؟ فكر بهذه الأسئلة.

    التغيير الفعلي

    السؤال: أخي في الله، ألا تعتقد أن من أولويات التغيير في نفوسنا؛ تغيير مراكز القوى في نظرتهم للواقع، وقيادة الشباب للتغيير الفعلي، بدلاً من التسويف والتعليق على شماعة عدم إثارة الفتن؟

    الجواب: نعم هو كما ذكرت بارك الله فيك، نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته.

    وجود أسباب النصر الكافية

    السؤال: نحن أمة فينا التقي المصلح وفينا المفسد، ويوجد بعض الصحوة التي نحن بحاجة إلى إنمائها، السؤال: هل يوجد عندنا أسباب النصر الكافية، علماً أننا بحاجة إلى سنين للدعوة إلى إصلاح الأمور، وابتلينا بحرب على الأبوب؟

    الجواب: لا شك أنه لا توجد أسباب نصر كافية عندنا، لكن يجب أن نسعى إلى تحصيلها.

    وفي الواقع أن الله عز وجل إذا كتب للأمة العز والتمكين؛ فإنه ربما تأتي العافية بأقل مما نتصور، إذا بدأنا بداية صحيحة فإن الله عز وجل يقيض لنا إمكانيات وقوى لا تخطر لنا على بال، لكن المشكلة حتى الآن أننا لم نبدأ بداية صحيحة، أعمالنا كلها أعمال ارتجالية عشوائية غير مدروسة، نعمل لكن أعمالاً مرتجلة.

    مصاحبة الإيذاء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: ما رأيك بالذي يكون لديه حرقة في داخل نفسه، لكن لا يستطيع أن يفعل شيئاً، وإذا فعل شيئاً كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوذي وسكت عن فعله، ماذا يكون دوره إذن؟ أرجو الإجابة!

    الجواب: علينا أن نلغي كلمة: (لا يستطيع أن يعمل شيئاً) هذه يجب أن نلغيها من قواميسنا، هو يستطيع أن يفعل شيئاً، والدليل: أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأوذي وهذا طبيعي، فالذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعتقد أنه لا يؤذى فهو واهم.

    النصر الرخيص

    السؤال: ذكرتم في مقدمة كتاب البشائر، جملة أرجو شرحها وهي نصاً: (النصر الرخيص لا يجئ وإن جاء لا يدوم)؟

    الجواب: نعم النصر الرخيص لا يأتي، أي أن النصر الذي بدون جهد وبدون تحصيلٍ للأسباب، هذا لا يأتي، وإذا جاء فإنه مؤقت لا يدوم ولا يستمر بل يزول.

    تنمية الشعور بهمِّ الإصلاح

    السؤال: كيف نستطيع تنمية الشعور بهم الدعوة الإصلاح؟

    الجواب: أولاً: نم هذا الشعور في نفسك، لأنه إذا نما في نفسك فإنه سوف ينمو في جلسائك بالعدوى، العدوى الطيبة، فالأمور الطيبة تعدي، مثلاً طالب علم في مجالسه وفي حديثه وفي دروسه يحاول أن يضرب على هذا الوتر، يحرك همم الناس وعواطفهم، ثم هم يحركون هذا في غيرهم، وهكذا ينتشر الأمر في الأمة.

    جهاد المنافقين قبل جهاد الكفار

    السؤال: إني أحبك في الله، وأنا شاب أريد أن يرزقني الله الشهادة في سبيله، قد حدثت نفسي بالجهاد، عمري (17) تقريباً، إذا قلت لأهلي عن الجهاد؛ لم يأخذوا كلامي، لأنهم يعتبرون أني صغيراً، والحمد لله دفعت بعض الأموال للمجاهدين؟

    الجواب: أنا أرى أن مجرد الهم في نفسك هذا أمرٌ مما نريد، هذا نريده نحن، نريدك ونريد أمثالك ممن يحبون أن يرزقهم الله الشهادة، لكن ينبغي أن لا يكون همك فقط أن تذهب إلى أفغانستان لتموت هناك، فكر لعل الله أن يرزقك الشهادة -إن شاء الله- بعد ثمانين سنة تقضيها كلها في جهاد المنافقين، جهاد أعداء الله، في نشر العلم والتعليم والدعوة، أليس هذا هو أفضل؟ ما رأيكم أيهما أفضل: أن واحداً يموت وعمره (17) سنة شهيداً، أو أن يموت وعمره (80) سنة شهيداً، بعد ما أمضى ثمانين سنة في الدعوة إلى الله والإصلاح والتعليم وبذل ما يستطيع، لا شك أن الآخر أفضل، فاحرص على أن تكون الثاني وإن كانت الأمور بيد الله تعالى.

    أنواع إعداد العدة

    السؤال: كيف يكون إعداد العدة في الوقت الحاضر؟

    الجواب: العدة في كل شيء، على الأقل الإعداد المعنوي والإعداد النفسي، الإعداد النفسي هذا من العدة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التدرب على إزالة الهيبة والخوف والرهبة، حتى العدة بالعلم والعمل والعبادة والتقوى وكل هذا من العدة، كذلك من العدة تدرب الإنسان على الأسلحة وفنون التسليح.

    أنواع الجهاد

    السؤال: هل الجهاد مقتصر على النفس؟

    الجواب: الجهاد شامل، الجهاد بالنفس، الجهاد بالمال، والجهاد باللسان، كل ذلك من الجهاد.

    البداية الصحيحة وترك العجلة

    السؤال: أخبركم بما يجول في عقول كثير من الشباب، من الرغبة في الدعوة والجهاد في سبيل الله، لنصرة دين الله، ولكن أين السبيل والطريق؟ والكل ينادي بذلك ويوهمك أنه يسعى إلى تحقيق ذلك، ولكن من يصدق قوله عمله؟ هذا ما يحيرني ويحير كثيراً من الشباب، فما هو الحل السليم لتلك الأعمال، واختيار الطريق الصحيحة؟

    الجواب: أعتقد أن سبب هذه الحيرة التي عبر عنها الأخ، يعود إلى قضية موجودة عندنا وهي: أننا متعجلون.

    المشاكل يا أحبتي، والأمراض الموجودة في الأمة منذ مائة سنة ومائتي سنة، لا تُزَالُ بين يوم وليلة، والنصر لن يأتي بيوم وليلة أبداً، لكن ينبغي أن ترجع إلى السؤال الذي طرحته أثناء المحاضرة، وهو: هل بدأنا أم لا؟ والله لا يؤسفنا، لو لم تأت النتائج إلا بعد خمسين سنة، إذا اقتنعنا أننا بدأنا بداية صحيحة وبتفكير منطقي سليم، وبدأنا بالأمور المهمة وأعطينا كل ذي حقٍ حقه، وكل إنسان عرف دوره، وكانت هناك جهود متظافرة يكمل بعضها بعضاً، بذلك نطمئن.

    لكن المصيبة إذا كانت أعمالنا كلها عشوائية ارتجالية، مثل ما يقول المثل العامي: (مثل حرث الجمال، يطأ بعضه بعضاً) هذا يهدم ما عمل ذاك، وهذا يقوم ضد هذا، وهذا يعمل بطريقة وهذا يعمل بطريقة أخرى، فالأمور كلها أمور ارتجالية، هذه المشكلة، المهم كيف نبدأ، فإذا بدأنا بعد ذلك لا يضر، فلا تأتي الأمور بيوم وليلة، لا تعتقد أن الفرج يأتي اليوم أو غداً، الأمور بيد الله عز وجل.

    والحمد لله رب العالمين.