اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حتى تغيروا ما بأنفسكم للشيخ : سلمان العودة


حتى تغيروا ما بأنفسكم - (للشيخ : سلمان العودة)
لا يحصل للأمة خير ولا شر إلا بسبب عملها وتصرفها -كأمة- وهذه قاعدة شبه مطردة في الفرد أيضاً، ولذلك فإن التغيير من الله سبحانه وتعالى لا يكون إلا بأن تغير الأمة حالها.والأمة المسلمة وجدت لتبقى؛ لأن فيها عوامل للنجاح أعظمها المبدأ الصحيح الذي تفتقده -بشكله الكامل- جميع الأمم والمجتمعات الأخرى، وكذلك فدين هذه الأمة دين عملي؛ يؤدي بها إلى الرقي والتقدم، هذا بالرغم من سلبية الكثير من أفراد هذه الأمة وقلة الرجال الفاعلين فيها.
الشر بسبب الذنب والخير بسبب الطاعة
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.أيها الإخوة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وحياكم الله تعالى في هذه الليلة المباركة، وهي ليلة الخميس، التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول لعام ألف وأربعمائة وإحدى عشرة للهجرة.إن عنوان هذه الكلمة أو المحاضرة: "حتى تغيروا ما بأنفسكم"، وأستغفر الله عز وجل فإنني ما قصدت بهذا العنوان حكاية كلام الله تعالى, وإنما قصدت به عنواناً أنشأته من عند نفسي, واقتبست معنى الآية الكريمة العظيمة فيه, ألا وهي قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].وإنما جعلت العنوان خطاباً (حتى تغيروا) لأني لاحظت أمراً في غاية الخطورة نعانيه نحن المسلمين, ألا وهو أننا في كثير من الأحيان نتحدث عن غيرنا أكثر مما نتحدث عن أنفسنا.نعيب غيرنا، ونحمل المسئولية غيرنا، ونلقي بالتبعة على غيرنا, ونجعل الأسباب من غيرنا, وإذا سمعنا أحداً ينتقد, أو ينصح أو يوجه؛ خيل إلينا أنه يتحدث عن أمة أخرى أو شعب آخر أو أناس آخرين, لكن قلّما يسمع الواحد منا الحديث، وهو يحس أنه هو بذاته وباسمه وشخصيته المخاطب قبل غيره, ولذلك يقل الانتفاع من الكلام، لأن كل واحد يعتقد أنه ليس مخاطباً ولا مقصوداً, فاخترت أن يكون العنوان خطاباً "حتى تغيروا ما بأنفسكم" لدفع هذا المعنى الموجود في نفوسنا.وسوف تكون هذه الكلمة في سبع نقاط أو سبع وقفات، الوقفة الأولى عبارة عن مقدمات لابد منها.
 تعجيل العقوبة للعبرة والعظة
كم من إنسان كان يقوم على تعذيب المسلمين وإيذائهم والزّج بهم في السجون, وإذا استنصروا بالله عز وجل، قال لهم كما قال بعض زبانية التعذيب في أرض الكنانة في وقت من الأوقات, لما رأوا إنساناً يصرخ: يا الله، قالوا: لو جاء الله لجعلناه في هذه الزنـزانة والعياذ بالله وما هي إلا أزمنة قصيرة حتى يأخذهم الله عز وجل بشكل غريب, حتى إن أكبر زبانية التعذيب الذي كان يعذب بعض العلماء والدعاة, كان من ضمن وسائله في التعذيب أنه يمنعهم من الذهاب لقضاء الحاجة, زماناً طويلاً, ودار الدهر دورته, فإذا بهذا الرجل يفقد سلطانه وأبهته ومكانته, وإذا به يصاب بصعوبة التبول حتى إنه يجال به في مستشفيات الدنيا، يصرخ صراخاً شديداً حينما يريد أن يقضي حاجته, ثم مات بهذا المرض, ولما سمع بعض ضحاياه بهذه القصة، وكان في الحرم المكي الشريف خر لله تعالى ساجداً.إن الله عز وجل يعجّل لمن يشاء العقوبة في هذه الدنيا, وإن كانت الدنيا ليست دار جزاء وإنما هي دار عمل, وهذا الجزاء الذي يظهره الله عز وجل إنما هو من باب العبرة والعظة, التي يبينها الله جل وعلا لعباده.ولقد حشد القرآن الكريم الكثير من الآيات والقصص السابقة، التي تبين أن هذا هو الطريق, فلا تنتظر أبداً أن يكون التغيير بواسطة ملك يهبط من السماء, كلا, ولا بواسطة شيء يخرج من الأرض، إنما التغيير بواسطة الإنسان، فالإنسان هو مدار التغيير بإذن الله جل وعلا, فالله جعل النواميس في هذا الكون خاضعة لتغيير الإنسان، كما قال قتادة رضي الله عنه: [[من الإنسان التغيير، ومن الله تعالى التيسير]] الإنسان لا يمكن أن يغير بنفسه القدر:إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده فربما يقوم إنسان بسيط تفكيره بسيط، يفتح بقالة أو متجراص متواضعاً وتبدأ أمواله تكثر، فتأتي بعد عشر سنوات ويصبح من أصحاب رءوس الأموال, ثم تجلس معه تتحدث، هل تميز ذلك الإنسان بذكاء عن غيره؟ لا، بماذا تميّز؟ هذا من توفيق الله عز وجل, يهب ذلك لمن يشاء, وقد تجد إنساناً صاحب تفكير وتخطيط، وعنده لجان وعنده مستشارون، وعنده خبرات ودراسات وتحاليل وتقارير وأشياء, ويقوم بمشاريع وفي النهاية تنهار، ويصبح هذا الإنسان منكسراً لا مال له.فالأمور لا شك مرتبطة بقضاء الله وقدره, وإذا لم يعن الله العبد فأول ما يجني عليه اجتهاده.إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده لكن ينبغي أن ندرك أن التغيير يبدأ من الإنسان, لا تتصور أن التغيير يبدأ من المصنع, بعض الإخوة -مثلاً- يقول: إن الطريق إلى تقدم العالم الإسلامي هو الاهتمام بالصناعة نحن لسنا نشك أن العالم الإسلامي لكي يصبح عالماً متقدماً، لابد أن يملك الصناعات سواءً الصناعات الحربية أم غيرها, وما دام يستورد من غيره فلن يتقدم لأن حاجاته بيد عدوه، يفرج عنها متى شاء ويمنعها ويحجبها متى شاء, هذا ليس فيه شك ولا نجادل فيه, لكننا نقول المهم: هو الإنسان, إذا أفلحنا في صناعة الإنسان -إن صح التعبير- في إيجاد الإنسان الفعال المؤثر القوي صاحب الهمة, ثقوا أن الأمور كلها ستتبدل، سيأتي المصنع والمتجر, وسوف تأتي القوة والتنظيم وكل شيء، إذاً ينبغي أن ندرك أنه -كما يقولون- حجر الأساس في موضوع التغيير هو الإنسان.
هذه الأمة خلقت لتبقى
هذه الأمة التي نحن جزءٌ منها، بلا شك لا نعتبرها، الأمة العربية؛ لأننا لا ندل أو نفخر بعروبتنا, فإن هذه الأسماء لا قيمة لها، كما قال الشاعر:خلوا خيوط العنكبوت لمن هم كالذبابات تطايروا عمياً المسلم وطنه بلاد الإسلام وجنسيته الدين, وإن كان عربياً أو غير عربي، فهذه الأمة التي نحن منها أمة الإسلام, خلقت لتبقى, وهذه قضية يجب أن تستقر في نفوسنا, ما خلقت لتؤدي دوراً ثم تنتهي, مثلما هو الحال بالنسبة للأمم الأخرى, خلقت لتبقى حتى آخر الزمن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتبقى أيضاً قوية عزيزة، ويكفيك أن تتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال} فالأمة خلقت لتبقى، ولذلك لا تتصور أن هذه الأمة أمة مؤقتة أو زائلة، بل هي أمة أخرجها الله رحمة للعالمين, أخرجها للعباد يقيمون الحجة على الناس، فهذه الأمة باقية، بعز عزيز أو بذل ذليل، شاءوا أم أبوا.
 عدم التشاؤم من النكبات
علينا ألاَّ نتشاءم من هذه المصائب والنكبات والأزمات التي تمر بالأمة, بل علينا أن ندرك أنه هنا يأتي نصر الله عز وجل تماماً كما حصل حين جاءت الأحزاب، قال تعالى: وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22] ولذلك كان المنافقون في غزوة الأحزاب، يقولون: الواحد منا لا يستطيع أن يذهب لقضاء الحاجة, ويقولون: إن بيوتنا عورة, ومحمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول غير هذا، لما اشتدت عليهم الصخرة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وضربها بالمعول، قال: {الله أكبر! فتحت لي كنوز كسرى} ضربها مرة أخرى, قال: {الله أكبر! فتحت لي كنوز قيصر} ضربها مرة ثالثة, فقال: {فتحت لي اليمن وإني أرى قصور صنعاء}.إذاً: الواثقون من نصر الله عز وجل -وهم المؤمنون- في أشد الظلام وحلكة الليل, يدركون أنه حينئذٍ يولد الفجر, أشد ما يكون الليل ظلاماً قبيل الفجر، ثم يبزغ الفجر بعد ذلك، وإن كان هذا يذكرني بقضية وهي: أن الأمة وجودها يتفاوت، ولذلك لاحظوا أننا الآن -مع الأسف الشديد- إذا أردنا نضرب الأمثلة, بمن نضرب الأمثلة؟ هل نضرب الأمثلة بفلان الحي الموجود بين أظهرنا؟ قلّما يحدث هذا, وإنما نضرب الأمثلة بالماضين, كأن الأمة تحتاج الآن إلى الرجال, ما كانت الأمة في زمن أحوج منها في هذا الزمن إلى الرجال.فنحن الآن -بكل صراحة- ابن تيمية يؤثر في واقعنا أكثر مما يؤثر كثير من طلبة العلم الأحياء, الذين يمشون على أقدامهم.يا رُبَّ حيٍّ رخام القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا إذا جاءتنا مشكلة علمية وجدنا لـابن تيمية رحمه الله سبق فيها, وإذا جاءتنا مشكلة عملية -المشكلة العلمية معقولة، كقضية في الفقه أو في التفسير- لكن حتى مشكلة عملية يمكن أن نستفيد من ابن تيمية أكثر مما نستفيده من غيره.مثلاً: هناك طائفة من الطوائف لا نعرف الحكم عليها, هل هذه الطائفة مسلمة أو كافرة؟ داخل في الإسلام أو خارجة منه؟ يجب قتالها أم لا يجب؟ قد نتردد وقد نحتار في ذلك، وقد لا نجد من يعطينا الجواب, لكن إذا رجعنا إلى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين، وجدناه تكلم عن ذلك بكل وضوح, ووضع النقاط على الحروف -كما يقال-.وإذا وجدنا مشكلة قائمة أيضاً ربما تختلط عندنا الموازين ونشك ونرتاب، ولا ندري كيف نتصرف، وإذا رجعنا إلى الكلام الذي كتبه ابن تيمية في مثل هذه المناسبة تعجبنا, وقد سبق أنني قرأت على بعض الإخوة في إحدى المناسبات كلاماً ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو فصل طويل يزيد على عشرين صفحة في الفتاوى, تكلم فيه ابن تيمية للأمة بمناسبة غزو التتر, وما أصاب الأمة من رعب وخوف وفزع، حيث بدءوا يرتحلون من الشام, يسافرون خوفاً على أنفسهم وأولادهم, ويأخذون أموالهم، الكبار والصغار والعالم وغير العالم، خوفاً من هذا السيل الذي يخشون أن يكتسحهم, فتكلم ابن تيمية بكلام عظيم، وربط القضية بقضية الأحزاب، وأنا أدعوكم للرجوع تجدون -والله الذي لا إله إلا هو- كأن ابن تيمية يتكلم عن اللحظات التي نعيشها الآن, وقلت في تلك المناسبة أنني اكتشفت الكلام الذي كان يجب أن نقوله، وأن يقوله طلبة العلم للناس في مثل تلك المناسبات, اكتشفته من خلال قراءتي لما كتبه قلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
عوامل النجاح في الأمة
نقطة ثالثة: عوامل النجاح في الأمة وهي تتلخص في جانبين:
 الصد عن سبيل الله عند عدم التطبيق
المسلمون الأوائل، أخذوا خير ما عند الأمم الأخرى خلال فترة وجيزة, فكيف يحصل هذا؟! يحصل بسبب الانشطار بين النظرية والتطبيق، عندكم دين صحيح وحق ولا مرية فيه, لكن التطبيق في واد آخر, وربما تكون الأمم الأخرى سبقتكم إلى بعض مميزات هذا الدين, وهذا من وسائل الصد عن سبيل الله عز وجل.كثير من الكفار إذا دعوا في بلادهم أسلموا، فإذا جاءوا إلى البلاد الإسلامية ارتدوا والعياذ بالله، وأذكر أنني قرأت قصة منذ ما يزيد على عشر سنين, وكان وقت قراءتي لها هو وقت حدوثها، أن أحد الطلبة الشباب كان في أوروبا، فدعا رجلاً إلى الله عز وجل, وعرض عليه الإسلام، فاسلم وصار يقرأ في الدين حتى امتلأ قلبه إيماناً بالله ورسوله, ولما انتهى هذا الشاب وأراد أن يعود إلى بلاده, قال له ذلك المسلم: أريد أن أعود معك، فرجع معه, ولمّا رجع يقول: جلس فترة ليس عنده عمل, فلاحظ سلبيات، السفور الموجود في أسواقهم أي: في أسواق المسلمين، والتبرج الموجود ومظاهر التخلف الموجودة عند المسلمين وليست موجودة في بلادهم, نظر بعد فترة وجد أنه ضاقت عليه الأسباب, ما وجد بيتاً يسكن فيه, ولا أحد يطعمه, ولا أحد يؤويه.بعد ذلك يقول: جاءني يوماً متأثراً حزيناً محمر العينين, يقول لي: أين أبو بكر؟ أين عمر؟ الذي كنت تخدعني بقصص عدله -هكذا يقول له- ألا تعلم أنني منذ أيام لا أجد ما آكل؟ لا أدري أين أسكن؟! أين الإسلام الذي كنت تقول لي؟ أين العدل؟ فكان هذا الشاب يكتب الرسالة بكل حرقة؛ يشتكي فيها هذا الوضع الذي حصل, ويقول: إن الرجل ارتد عن دينه وتخلى والعياذ بالله بهذه الصورة البشعة, فمن الصد عن سبيل الله أننا نملك الحق ولا نطبقه.وأذكر أنني قرأت -أيضا- كلمة للأستاذ سعيد شعبان، وهو أحد الكتاب القدامى المصريين -يقول: إنه عقد مؤتمر في أحد البلاد الإفريقية عن الإسلام, وحل الإسلام لمشكلات الحضارة ومشكلات الناس, وتكلم في هذا المؤتمر عدد من العلماء، وحضره عدد من الصحفيين الأوروبيين من الرجال والنساء, يقول استمر المؤتمر أسبوعاً، وبعد نهاية المؤتمر جاءتنى امرأة وناقشتني عما قيل في المؤتمر, وهل هو صحيح أم غير صحيح؟ فقالت لي بعد ذلك: اسمع مني وانقل عني: "إذا كان ما تقولونه لنا في هذا المؤتمر عن الإسلام صحيحاً, فانقل عني أنكم أيها المسلمون مجرمون في حق البشرية كلها, لأنكم تملكون الحق والحل, ثم لا تقدمونه للناس, البشرية تبحث عن هذا الأمر الذي تقولونه لنا في هذا المؤتمر".
السببية سنة في الحياة
نقطة رابعة: وهي موضوع السبب أو ما يسمى بالسببية.لا شك أن الله قادر على تحقيق ما يريد بقوله إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].فالله عز وجل قادر على أن يجعل كل الناس مؤمنين بكلمة كن, وقادر على أن ينصر الإسلام بكلمة كن, ولكن الله عز وجل شاء غير هذا, وجعل الدين للناس يطبقونه من خلال جهدهم وعملهم وتضحيتهم, حتى الرسول صلى الله عليه وسلم -كان مثلاً يحتاج إلى أن يتعب، يخرج من مكة مهاجراً مختفياً, إن الله تعالى قادر على أن يرسل له البراق الذي ذهب به إلى بيت المقدس, ثم صعد به إلى السماء أن يرسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يركب عليه من مكة إلى المدينة، وتكون رحلة هادئة مأمونة ليس فيها خطر, لكن الله عز وجل شاء غير هذا، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وجلس في الغار والمخاوف حوله، ويقف المشركون على رأس الغار، إلى آخر القصة.فالله تعالى أراد أن يتحقق الدين من خلال الأسباب, ومعلوم أن الله عز وجل يعين المسلمين بوسائل لا يملكونها كإعانتهم بالملائكة مثلاً, لكن بعد أن يستفرغوا وسائلهم وأسبابهم التي يملكونها، فإذا حصل منهم تقصير بعد ذلك يسدده الله تعالى عن طريق أمور قد لا يستطيعونها هم، فيمدهم بالملائكة والعون، وهزيمة عدوهم بالريح، إلى غير ذلك: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].فالله تعالى جعل السببية ناموساً وسنة في هذه الحياة, حتى الدين جعله تعالى منوطاً بجهد الناس
 فاعلية الإنسان
إذا حصل خلاف بين أهل العلم حتى في مسألة فقهيه أو غير فقهية, فإنه يتم معرفة الصواب، أو معرفة الراجح من المرجوح بجهد الإنسان؛ يبحث حتى يصل إلى النتيجة, وليس هناك ملك يننـزل يشير إلى هذا الإنسان أنه هو المصيب وهذا الإنسان هو المخطئ, لا يكون هذا أبداً فحتى معرفة الصواب من الخطأ وتمييز الخطأ من الصواب، وإبعاد الخرافات التي تعلق بالدين, إنما تتم بجهود الناس أنفسهم وبواسطة الأسباب التي يبذلونها.إذاً فالقضية كلها أيها الأحبة تدور على نقطة يمكن أن نعبر عنها بقضية فاعلية الإنسان, أن يكون الإنسان فعّالاً مؤثراً، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل السنن: {خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام} لماذا أصدقها حارث وهمام؟ لأن الإنسان لكي يحقق إنسانيته لا بد أن يكون هماماً, أي صاحب هم وهمة, يفكر أن يعمل كذا وكذا, وكذلك هو حارث صاحب حرث لا يكتفي بالتفكير, بل ينتقل من التفكير إلى العمل, فيرفع هذا ويضع هذا، ويشتغل ويقدم ويؤخر ويعمل ما في وسعه.فالإنسان من أبرز خصائصه أنه فعّال مؤثر صاحب قوة وصاحب إرادة, فرجعت المسألة إلى هذا الأمر، ولكن لا معنى حينئذٍ للتمنيات والأحلام المعزولة عن الفعل, فالإنسان لا بد أن يفعل السبب.إنسان -مثلاً- يريد الجهاد, هذا الجهاد هم, أولاً: هل عندك هم الجهاد في سبيل الله؟ تقول: والله ما عندي هم للجهاد, هنا نقول: أنت سقطت من أول اختبار, ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم {من لم يغز أو يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق} فهذا يموت على شعبة من النفاق, لأنه حتى الهم غير موجود عنده, ما حدث نفسه بالجهاد, وآخر قال: والله أنا حدثت نفسي بالجهاد وهممت به, نقول: ننتقل إلى السؤال الثاني, أنت نجحت في المرحلة الأولى, وتبقى المرحلة الثانية: هل أعددت للجهاد شيئاً؟ يقول: لا والله ما أعددت شيئاً, مجرد خواطر في النفس, هنا نقول له: كما قال الله عز وجل: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46].إذاً كل إنسان يدعي أنه يريد ولا يستعد, فهذا فيه شبه بالمنافقين, يدعون أنهم أرادوا الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم للجهاد، ومع ذلك ما أخذوا الأهبة ولا الاستعداد.
ضرورة إيجاد الإنسان الفعال
النقطة الخامسة: ما معنى الفاعلية؟ هنا نجد أن الموضوع رجع وعاد إلى مسألة واحدة, وهي: وجود الإنسان الفعال, فلكي نغير ما بالأمة, من تخلف شرعي وديني أو دنيوي, فإن علينا أن نسعى إلى إيجاد الإنسان الفعال المؤثر, فما معنى كون الإنسان فعّالاً؟ معناه أن الإنسان فيه إمكانيات ومواهب وملكات كثيرة, لا بد من استثمار هذه الإمكانيات والملكات والمواهب فيما يرضي الله عز وجل، يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:165].نحن نضرب مثالاً مادياً يدركه الجميع, هذا إنسان عنده مائة مليون ريال فزكاة هذا المبلغ هل هي مثل زكاة واحد آخر عنده عشرة آلاف ريال؟ هل مقدار الزكاة واحد؟ قطعاً يختلف، ويتفاوت بحسب كثرة المال وقلته, هذا أمر كل واحد منا يعرفه, وقد يوجد إنسان ما عنده نصاب, فهذا لا تجب عليه الزكاة, هذا مثال مادي.لكن عندما ننتقل لمثال آخر معنوي، أكثر الناس يمكن أن يتشكك ويتوقف, هذا إنسان ذكي عبقري مفكر صاحب عقل كبير, وهذا إنسان آخر فيه سذاجة وبساطة وغفلة, هل حسابهم عند الله تعالى واحد يحاسبون بدرجة واحدة؟ لا, كل واحد يحاسب بقدر ما أعطاه الله عز وجل, فالله تعالى يحاسب الذكي بقدر العقل الذي أعطاه, أعطاك الله عقلاً بنسبة (90%), ماذا صنعت به؟ تحاسب على ذلك, واحد آخر أعطي عقلاً بنسبة (60%) يحاسب على ما أعطي.مثلما أن صاحب المال الكبير يحاسب بقدر ماله، وصاحب المال القليل يحاسب بقدر ماله, إذاً لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [المائدة:48].فكر الآن نحن المجموعة الموجودة بالمسجد لو أدرنا استبياناً، ورقة كل واحد منا يكتب ما هي الأشياء التي يمكن أن يعملها, سنجد أن كل عمل في الدنيا فينا من يحسنه، هذا خطاط, وهذا رسام, وهذا خطيب, وهذا داعية, وهذا حافظ, وهذا عنده قدرة واقعية على ربط العلاقات الاجتماعية مع الناس, وهذا عنده تفكير, وهذا عنده اهتمامات علمية شرعية, وهذا عنده اهتمامات وهذا كاتب وهذا وهذا...إذاً كل هذه المواهب وزعها الله تعالى علينا وسوف يحاسبنا عليها قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [المائدة:48] وهي درجات رفع الله بها بعضنا فوق بعض, هذا أحسن منك في الخطابة, وأنت أحسن منه في الكتابة, وثالث أحسن منكما في المال ينفقه في سبيل الله, وهكذا.., وقل مثل ذلك بالنسبة للمجتمع بشكل عام المكون من هؤلاء الأفراد.
 الفاعلية حصانة للأمة
وجود الفاعلية في الأمة، وكون الأمة مكونة من مجموعة أفراد فعالين مؤثرين ليسوا بسلبيين، وجود هذه الفاعلية هو الحصانة للأمة ضد الانهيار, سواء أكان الانهيار داخلياً أم خارجياً, ولذلك يقول أحد المفكرين الغربيين: إن السبب الحقيقي لأي انهيار؛ سبب داخلي وليس خارجياً، ليس علينا أن نلوم الرياح إذا أسقطت شجرة متآكلة نخرة، وإنما علينا أن نلوم الشجرة نفسها.فوجود هذه الفاعلية، كون الواحد منا إيجابياً هذه ضمانة وحصانة ضد الانهيار الداخلي, وهي حصانة ضد الغزو الخارجي, سواء كان غزواً عسكرياً أم غزواً فكرياً, ويعجبني في هذا المجال أن أستشهد بما قاله عمرو بن العاص رضي الله عنه -كما رواه مسلم- لما سمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم {تقوم الساعة والروم أكثر الناس} قال عمرو بن العاص: أما إنهم على ذلك ففيهم خمس خصال، فذكر خصالهم الخمس وأخيراً قال: {وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك} أي: أن الروم فيهم صفة, وهي أن فيهم امتناعاً عن ظلم الملوك, والغريب أن ما وصفهم به عمرو بن العاص موجود الآن كما نلاحظ في بلادهم، الامتناع من ظلم حكامهم وزعمائهم, لأن فيهم فاعلية وفق عقائدهم ومناهجهم ودينهم, في الشر؛ لكنهم فعالين لا تجد واحداً سلبياً يقول: لا أستطيع!
السلبية وأسباب وجودها
سادساً: لماذا لا نعمل؟ ما سبب فقدان الفاعلية عندنا؟ ودعونا نكون صرحاء، أي واحد منا الآن، لو أتينا بنموذج عشوائي لأي شخص من الشباب الحاضرين, وقلنا ما رأيك بما يجري في الأمة من مصائب ونكبات قريبة أو بعيدة؟ هل لك فيه دور أو سبب؟ يقول: لا، أنا برئ, أنا إن تكلمت لا يسمع لي, وإن قلت لا يسمع قولي, وحتى في بيتي الوالد والوالدة هداهم الله لا يتقبلون مني, زملائي في الفصل يسخرون مني, أصبحت محاصراً وما بقي فقط إلا أن أستعين بالله عز وجل, وإلا في الواقع ليس لي أي دور.
 الاحتجاج ببعض المفاهيم الخاصة
وأخيراً: إن بعض الناس يهربون إلى الاحتجاج ببعض المفاهيم الخاطئة, مثلاً يقف بعض الشباب عند قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة} وقوله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه سعد بن أبي وقاص: {إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي} فيقول: يا أخي نؤثر العزلة والخمول، والبعد عن القيل والقال والكلام, تدعوه أن يلقي كلمة، يخطب في الناس، يتحدث ويعلم ويدرس, يقول: لا يا أخي، دع هذه الأشياء, لأنه وجد نصوصاً فسرها تفسيراً خاطئاً وحاول أن يستخدمها في هذا المجال.لكنه نسي نصوصاً أخرى تحكم عليه, نسي قول يوسف عليه السلام قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] صاحب موهبة لا توجد عند غيره, يعلن عن نفسه أنا أستطيع أن أفعل كذا.ونسي قول عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه -فيما رواه أهل السنن- وهو حديث صحيح {قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي -لأنه يطلب منصباً دينياً ليس منصباً دنيوياً- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً} إذاً لا تأخذ جانباً واحداً أن تؤثر العزلة والخمول وألا يُعْرَفُ الإنسان أبداً، قد يكون في أوقات كثيرة تتطلب أن يشهر الإنسان نفسه, يعلن نفسه ويتكلم ويُعرف, ولا يترتب على ذلك بعض المضار التي يشعر بها في قلبه.
علاج السلبية
ما هو الحل؟ وهذا هو بيت القصيد، كيف ننتهي من هذه السلبية؟ وكيف نغير هذا الواقع؟هناك عدة مراحل وعدة نقاط:وضع أقدامنا على الطريق الصحيح:أولاً: المطلوب البدء وليس النهاية، هذه قضية يجب أن تكون واضحة في أذهان الشباب، ليس المطلوب أننا ننهي مشاكل المسلمين، لأن مشاكل الأمة لا تنتهي بجرة قلم، إنما المطلوب البداية أو أن نطمئن أننا وضعنا أقدامنا في الطريق الصحيح، وهناك مثل يقول: " رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة ".خذ مثالاً: قضية الربا؛ اليوم يقوم عليه اقتصاد العالم كله، فهل تتصور أنت، أن قضية التخلص من الربا تتم بقرار؟! ليس كذلك بالضرورة لكن يكفيني أن أطمئن إلى أن هناك نواة لبنوك شرعية لا ربوية بدأت توجد؛ لأنني أثق حينئذٍ أن البنوك الأخرى ستغلق أبوابها لأنه وجد البديل الصحيح، وكل مسلم لا يمكن أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويترك الحلال إلى الحرام.مثل آخر: القضايا الإعلامية والمواد الإعلامية، الإعلام في العالم الإسلامي كله، إعلام -بلا شك- ليس على مستوى الإسلام ولا على مستوى المعركة التي يعيشها المسلمون، إذاً كيف التخلص؟ مجرد قرار لا يكفي ولا يحل المشكلة، إذاً القضية تبدأ من خلال خطوات معينة، فأنا حين أطمئن إلى أنني بدأت بتقديم مواد إعلامية صحيحة للناس، أطمئن إلى أنه مع ازدياد هذه المواد واتساعها، تملأ الساحة حتى تغنى عما سواها، وهذا الكلام من الممكن أن يقال على المستوى الرسمي وعلى المستوى الشعبي، بشرط: عدم ربط أحدهما بالآخر، بمعنى أنه لا يجوز أن نرجع مرة أخرى ونضيع القضية بيني أنا وبينك، أنا لا أعمل شيئاً، لماذا تقول: لا أعمل شيئاً؟ أقول لأنه لا توجد فائدة:متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم أنا فرد في مجتمع وأنا ترس في آلة، وما دام أن المجتمع كله ضدي! أنا لا أعمل شيئاً، فصرت أجلس وأعلق المسئولية على المجتمع بوسائله وقنواته المختلفة.
 الاحتجاج ببعض المفاهيم الخاصة
وأخيراً: إن بعض الناس يهربون إلى الاحتجاج ببعض المفاهيم الخاطئة, مثلاً يقف بعض الشباب عند قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة} وقوله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه سعد بن أبي وقاص: {إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي} فيقول: يا أخي نؤثر العزلة والخمول، والبعد عن القيل والقال والكلام, تدعوه أن يلقي كلمة، يخطب في الناس، يتحدث ويعلم ويدرس, يقول: لا يا أخي، دع هذه الأشياء, لأنه وجد نصوصاً فسرها تفسيراً خاطئاً وحاول أن يستخدمها في هذا المجال.لكنه نسي نصوصاً أخرى تحكم عليه, نسي قول يوسف عليه السلام قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] صاحب موهبة لا توجد عند غيره, يعلن عن نفسه أنا أستطيع أن أفعل كذا.ونسي قول عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه -فيما رواه أهل السنن- وهو حديث صحيح {قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي -لأنه يطلب منصباً دينياً ليس منصباً دنيوياً- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً} إذاً لا تأخذ جانباً واحداً أن تؤثر العزلة والخمول وألا يُعْرَفُ الإنسان أبداً، قد يكون في أوقات كثيرة تتطلب أن يشهر الإنسان نفسه, يعلن نفسه ويتكلم ويُعرف, ولا يترتب على ذلك بعض المضار التي يشعر بها في قلبه.
خطوات علاج الأمة والرفع من قيمتها
إن المجتمع من خلال مؤسساته وقنواته ووسائله لا يعمل شيئاً، لماذا لا تعملون؟ لماذا لا تغيرون؟ لماذا لا تعدلون وتصلحون؟ قالوا: والله يا أخي هذه حاجة الناس وهذه رغبة المواطنين، هذه خطابات وهذا كذا، الناس يريدون هذا المنكر أن يبقى. إذاً لا يجوز أن تضيع القضية بين الفرد وبين المجتمع، بين الأمة وبين أفرادها ومؤسساتها، بل ينبغي أن نقول: الفرد يجب أن يعمل، والمجتمع بمؤسساته وقنواته وأجهزته التعليمية والإعلامية وغيرها يجب أن يعمل، ولا نربط أحدهما بالآخر، وفي حالة وجود تقصير من أحدهما لا يعذر هذا، ولا يبرر للآخر أنه يقصر فيما عليه، الخطوات تقريباً ست خطوات التي اقترحتها، ومن الممكن أن تساهم في حل هذه المشكلة التي يعانيها المسلمون:
 ترتيب الأولويات في كل شيء
النقطة السادسة: قضية ترتيب الأولويات في كل شيء، مثلاً في القضايا الشرعية وغير الشرعية، هناك أمور ضرورية بالدرجة الأولى، تأتي بعدها أمور حاجية وبعدها تحسينية، فلا بد من ترتيب الأولويات، ففي المجال الشرعي مثلاً العناية بتوجيه الهم للأصول الشرعية وبيانها وبيان ما يتعلق بها، لا شك أنه أولى من العناية ببيان الجزئيات والسنن والمكروهات، وهذا لا يغني عن الاشتغال بهذا، تشتغل بهذا وذلك، ولكن تعطى كل شيء بحسبه، هذا لا بد منه في المجال الشرعي.وحين تنتقل إلى المجال الدنيوي، تجد الكلام نفسه -فمثلاً- في عالم الصناعات، هل الأمة التي تريد أن تبدأ بالتصنيع، مطلوب منها أن تبدأ بتصنيع -مثلاً- الآلات الموسيقية وأدوات التجميل؟ أم مطلوب منها أن تبدأ بالضروريات بالتصنيع الحربي، التقنية العسكرية، التي تحتاج إليها، في وجودها وقوام حياتها ومدافعة أعدائها؟ لاشك أنها تبدأ بالضروريات، وهناك أشياء حاجية، وهناك أمور تحسينية مخالفة للشرع أصلاً لا يجوز البداءة بها، ولا التفكير بها أصلاً.إذاً الأمة التي تبدأ بأمور الترف تكون انتهت من حيث بدأت، وقتلها الترف قبل أن توجد، لأن الترف يوجد في النهاية، لأن الأمة تبدأ قوية وبعد عشر سنين أو مائة سنة أو مائتي سنة يبدأ الترف يدب إليها ثم يقتلها فالترف يكون في النهاية وهو قاتل.فما بالك بأمة تبدأ بالترف؟ هذه أمة حكمت على نفسها بالزوال قبل أن توجد، لا يمكن أن تكون البداية بالترف، ولكن لابد من الجدية والأمور الضرورية اللازمة.نرجع في النهاية ونقول يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30] وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118]. التغيير يبدأ من عند الإنسان، والحمد لله رب العالمين.
الأسئــلة

  البداية الصحيحة وترك العجلة
السؤال: أخبركم بما يجول في عقول كثير من الشباب، من الرغبة في الدعوة والجهاد في سبيل الله، لنصرة دين الله، ولكن أين السبيل والطريق؟ والكل ينادي بذلك ويوهمك أنه يسعى إلى تحقيق ذلك، ولكن من يصدق قوله عمله؟ هذا ما يحيرني ويحير كثيراً من الشباب، فما هو الحل السليم لتلك الأعمال، واختيار الطريق الصحيحة؟ الجواب: أعتقد أن سبب هذه الحيرة التي عبر عنها الأخ، يعود إلى قضية موجودة عندنا وهي: أننا متعجلون.المشاكل يا أحبتي، والأمراض الموجودة في الأمة منذ مائة سنة ومائتي سنة، لا تُزَالُ بين يوم وليلة، والنصر لن يأتي بيوم وليلة أبداً، لكن ينبغي أن ترجع إلى السؤال الذي طرحته أثناء المحاضرة، وهو: هل بدأنا أم لا؟ والله لا يؤسفنا، لو لم تأت النتائج إلا بعد خمسين سنة، إذا اقتنعنا أننا بدأنا بداية صحيحة وبتفكير منطقي سليم، وبدأنا بالأمور المهمة وأعطينا كل ذي حقٍ حقه، وكل إنسان عرف دوره، وكانت هناك جهود متظافرة يكمل بعضها بعضاً، بذلك نطمئن.لكن المصيبة إذا كانت أعمالنا كلها عشوائية ارتجالية، مثل ما يقول المثل العامي: (مثل حرث الجمال، يطأ بعضه بعضاً) هذا يهدم ما عمل ذاك، وهذا يقوم ضد هذا، وهذا يعمل بطريقة وهذا يعمل بطريقة أخرى، فالأمور كلها أمور ارتجالية، هذه المشكلة، المهم كيف نبدأ، فإذا بدأنا بعد ذلك لا يضر، فلا تأتي الأمور بيوم وليلة، لا تعتقد أن الفرج يأتي اليوم أو غداً، الأمور بيد الله عز وجل.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حتى تغيروا ما بأنفسكم للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net