إسلام ويب

أسئلة من أمريكاللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ -حفظه الله- عن المشاكل القائمة بين الشباب نتيجة الاختلافات الفقهية، وتكلم عن أقسام الخلاف وأنواعه والواجب فيه، ثم تعرض الشيخ لسؤالٍ حول تعارض العقل مع النقل، وبيَّن وجه الحق في ذلك، وتطرق لمصطلح (الديمقراطية) والفرق بينه وبين الشورى، كما تكلم الشيخ عن مصطلح (الإسلام السياسي) وعلاقة الدين بالسياسة، ثم عرَّج على قضية الحزبية في الجماعات الإسلامية والعمل الإسلامي .

    1.   

    المفاهيم والخلافات الفقهية

    السؤال: كيف نواجه المشكلات القائمة بين بعض المسلمين، بسبب [الخلافات الفقهية] أو ببعض [المفاهيم المكتسبة] مما تؤدي -أحياناً- إلى تبادل التهم بالتشدد أو العكس أو غير ذلك؟

    وكذلك هذا يؤثر على المسلمين الجدد الداخلين في الإسلام سواءً من الغرب أم من غيرهم؟

    الجواب: الخلاف الفقهي -يا أخي- يمكن أن يقسم إلى قسمين أيضاً:-

    القسم الأول: خلاف مبني على اجتهاد في الدليل الشرعي: فهذا مثل الخلاف الذي وقع بين الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وسلف الأمة، وكذلك الخلاف القائم بين المذاهب الفقهية الإسلامية المعروفة، المذاهب الأربعة وغيرها، والخلاف المبني على الاجتهاد في الدليل، مثل: اختلافهم في مسائل الطهارة، والصلاة، والزكاة وفي غيرها، بناءً على وجود أدلة شرعية لكل واحد منهم قد يفهمها بوجهٍ آخر، أو الدليل يصح عند هذا ولا يصح عند هذا، فمثل هذا الخلاف إذا اجتهد الإنسان وسعه إلى الوصول إلى الحق وتحري الصواب، فإنه إن شاء الله على خير -أصاب أم أخطأ- فهو إن شاء الله مأجور ومعذور.

    القسم الثاني: الخلاف المبني على مجرد التقليد، كأن هذا يقلد شخصاً، وهذا يقلد شخصاً آخر، فلا شك أن الأصل أنه مذموم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3] والواجب على المسلم المستطيع أن يتحرى في معرفة الأحكام الشرعية، فإن كان فقيهاً وعالماً تحرى في الأدلة والنظر في الأدلة، والتصحيح والتضعيف والاستنباط، وإن لم يكن كذلك فإنه يتحرى في اختيار القول الذي يأخذ به من الأقوال الفقهية، فلا يأخذ أقوال إنسان مهما كان أصاب أو أخطأ، وسواء أوجد معه دليل أم لم يجد معه دليل، بل على أقل تقدير أن يسأله عن دليله، ويحاول أن يتفهم هذا الدليل بقدر المستطاع.

    وحتى إذا وصل الأمر إلى أن يقلده دون أن يفهم دليله، فهذا المستوى من التقليد لا يبيح له أبداً أن ينتقد الآخرين الذين خالفوه، أي لو فرضنا أن قلنا: إن التقليد ضرورة بالنسبة لفلان من الناس -مثلاً- لأنه لا يستطع إلا التقليد، فبهذه الحالة لا يتعدى الأمر أن هذا المقلد يطالب الآخرين -أيضاً- أن يقلدوا من يقلد، وأن ينتقد الذين يخالفونه في المسلك، أو في الاجتهاد، أو الذين ينظرون في الأدلة، وأيضاً ينبغي أن يكون ذلك كله بعيداً عن التراشق بالتهم والسباب والشتام وغير ذلك، وترديد العبارات التي نسمعها كثيراً من الدوائر الأجنبية، أو من الأجهزة المعادية للإسلام، أن هذا متشدد وهذا غير متشدد، وهذا معتدل وهذا غير معتدل؛ لأن هذا نوع من التمزيق للمسلمين.

    والأخذ بالدليل والنص الشرعي والتحري فيه لا يمكن أن يوصف بأنه تشدد بحال من الأحوال، وربما يكون من أسباب المشكلة هذه في الغالب: ضعف العلم الشرعي وضعف الدعاة القائمين به، وعدم وجود مؤسسات علمية -جامعات مثلاً، أومعاهد- تسعى إلى تعليم المسلمين العلم الشرعي المبني على أصول شرعية، على فهم القرآن وعلى فهم الحديث، وعلى إدراك الأصول الفقهية والقواعد وغير ذلك، فهذه مشكلة موجودة حتى في البلاد الإسلامية نفسها، والجامعات الإسلامية، فضلاً عن البلاد الغربية، والله المستعان

    1.   

    ضوابط خروج المرأة المسلمة

    السؤال: ما ضابط خروج المرأة المسلمة في المجتمعات الكافرة -مثلاً- للدراسة أو الذهاب للأسواق وغير ذلك؟

    الجواب: أولاً: خروج المرأة للحاجة، فتخرج لحاجتها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأزواجه: {قد أُذن ليكن لتخرجن لحوائجكن} فينبغي للمرأة أن يكون خروجها من البيت إذا احتاجت إلى ذلك.

    ثانياً: ثم خروجها ينبغي أن يكون مضبوطاً -أيضاً- بما لا يثير الفتنة، مثلاً: لا تتطيب لخروجها، ولا تتبرج بزينة غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60] والنبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تتطيب المرأة إذا أرادت أن تخرج حتى إلى المسجد للعبادة، فقال:{يخرجن وهن تفلات} يعني غير متطيبات ولا متزينات؛ لأن خروجها بالزينة والطيب، مدعاة للفتنة والإثارة.

    ثالثاً: وكذلك ينبغي أن تتجنب أماكن الرجال ووجودهم وازدحامهم، بقدر المستطاع، فلا تفتن ولا تفتتن.

    والضابط العام في هذا كله: هو درء الفتنة، درء الفتنة عن المرأة نفسها لئلا تفتن نفسها بالآخرين، ودرء الفتنة عن الآخرين لئلا تفتنهم بنفسها، كأن ينظروا إليها أو يظنوا بها سوءاً، أو يضايقوها بأمور ليست مناسبة، ونحن الآن نجد في المجتمعات الغربية، على الرغم من أن هذه المجتمعات أصبح وجود المرأة فيها عادياً معتاداً بين الرجال، وأصبحت المناظر يراها الناس صباحاً ومساءً، في السوق وفي أجهزة الإعلام، وهذا يقلل -بلا شك- من التأثر بها، ومع ذلك تجد أن هناك أرقاماً عالية جداً لمضايقات النساء في دوائر العمل، أو حتى ابتزازهن من قبل القائمين على العمل، من قبل رؤسائهن ومن قبل زملائهن في العمل، حتى في الدوائر العسكرية التي تعد ذات طابع جدي وصارم، فربما أنكم تسمعون وتعرفون أنه حتى في الدوائر العسكرية وجود المرأة أصبح مدعاة لتحرش الرجال بها على نطاق واسع.

    والإسلام حينما وضع للمرأة شروطاً وضوابط؛ من أجل حفظ المرأة عن مثل هذه الأشياء، ومن أجل أن الرجل يكف نفسه، فلا يجد الشيء الذي يستمتع به إلا في البيت، وهذا يعطيه قوة في حسن التعامل مع أهله والعناية بهم والاهتمام، بخلاف ما إذا كان هذا الشيء مباحاً متاحاً له في كل مكان، فإنه لن يجد في بيته أي شيء آخر يعد جديداً في نظره.

    فعلى كل حال المجتمعات التي فيها قدر كبير من التسيب الأخلاقي والانفتاح، واختلاط الرجال بالنساء، يجب على المرأة أن تحرص قدر المستطاع أن تبتعد عن ذلك، وأن يكون خروجها للحاجة وهي غير متطيبة ولا متزينة ولا متبرجة، وحينما تحتاج إلى محادثة الرجال فعليها أن تتمثل قول الله تعالى، في شأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب:32] فتتكلم بكلام ليس فيه خضوع، ولا تكسُّر ولا إغراء بفتنة، ولا همس يدعو إلى الشك والإثارة، بل بكلام واضح محدد في الموضوع الذي تحتاج إليه، هذا أهم ما يحضرني الآن من الضوابط.

    1.   

    مخالفة أحكام الشريعة

    السؤال: نجد من إخواننا المسلمين من يخالف بعض أحكام الشريعة، التي قام الدليل على ثبوتها، بناءً على أن هذه أحكام لا تتمشى مع العقل والذوق، وكأنهم يجعلون العقل حاكماً على النص، فما نصيحتكم لهؤلاء؟ وما المجالات التي يعمل فيها العقل، ويجب ألا يتخطاها؟

    الجواب: ينبغي أن نعلم أولاً: أنه لا يمكن أن يوجد تعارض حقيقي بين العقل والنص، هذا لا يمكن أن يوجد بحال من الأحوال، لأن منـزل النص هو خالق العقل سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك:3] فليس بين ما خلق الله تعالى وهو العقل، وكذلك الكون، وبين ما أنـزل الله تعالى وهو (الوحي) ليس بينهما أي تضارب أو تعارض، بل هما يسيران على سنن الوثاق والوئام دائماً، لكن هذه القضية المجملة يجب أن يؤمن بها المؤمن، ولو لم يستطع أن يطبق كل تفاصيلها؛ لأن الإنسان قد يكون عقله -مثلاً- ناقصاً، فلا يستطيع أن يدرك مغزى النص، وقد يكون فهمه للشرع ناقصاً، فلا يستطيع أن يوفق بينه وبين العقل في مسألة معينة، إنما عليه أن يؤمن بهذه القاعدة الكلية إيماناً مطلقاً، لا يقبل الشك، ثم يجتهد في تطبيقها على تفاصيل الأحكام والأحوال والمسائل، ولذلك من الخطأ الكبير اشتعال خصومة بين العقل وبين النقل الشرعي، ومن الخطأ أن يتحدث المسلمون عن فلان أنه مثلاً فلان العقلاني، وكأن العقل منقصة ينبغي التبرأ منها، أو إن فلاناً نصوصي، وكأن ذلك تنقص له، يعني: أنه يهتم بالنصوص ويلغي دور العقل.

    والأصل أن العقل والنص يسيران جنباً إلى جنب، فالنص -مثلاً- لا يمكن أن يفهم إلا بالعقل، وكلما كان الإنسان أكبر وأوسع عقلاً كان أقدر على فهم النصوص، وأقدر على استيعابها وأقدر على إدراك مغازيها، وأقدر على التوفيق بينها.

    إذاً فالعقل هو الذي يفهم به النص، ويدرك به وتستنبط به الأحكام من مصادرها وأصولها، وكذلك العقل له مجال رحب بتطبيق النص على واقع الحياة، وتنـزيل الأحكام الشرعية على مواضعها، وله دور كبير في استكشاف آفاق المجهول في الحياة، وفي معرفة السنن والنواميس، وفي معرفة النتائج من مقدماتها إلى غير ذلك من المجالات الواسعة.

    أما المجالات التعبدية، والمجالات الاعتقادية المحضة، فهذه دور العقل أن يفهمها وأن يحتج لها، وليس دوره أن يشطب عليها أو يعترض أو يردها أو ينكرها، ولو أننا أفضينا بالعقل إلى هذا لكررنا الأخطاء التي وقع فيها بعض المنتسبين إلى المذاهب الإسلامية، في فترة مضت، حينما أنهكوا العقل في التعرف على أسماء الله وصفاته، من حيث التكييف ومن حيث الإثبات والنفي إلى غير ذلك، فأضاعوا جهودهم في غير طائل، بل أضاعوا جهودهم في أمر عاد على المسلمين بشيء كبير من الضرر، انهماك في قضايا غيبية لا مجال للعقل في إدراكها، وانشغال العقل عن مجالاته الطبيعية في أمور الحياة التي يمكن أن يثمر فيها، أو حتى في معرفة الجوانب الشرعية التي تعرف بالعقل فعلاً، كما أكدت نماذج من ذلك.

    الجانب الثاني: نقول فيما يتعلق بالنصوص الشرعية: وجود من قد يجهل نصاً، ليس غريباً في هذا العصر أن يوجد من تخفى عليه بعض الأحكام أو كثيراً من الأحكام، فعلينا أن نحرص قدر المستطاع على الصبر على من يكون هذا شأنه، وأن لا نواجه هؤلاء بكثير من التسخط والانـزعاج؛ لأن هذا الزمان (زمان غربة الدين) فالجاهل فيه ليس غريباً، فالغريب فيه أن يوجد العلم، خاصة في المناطق البعيدة والنائية والبلاد التي طال عهد المسلمين فيها بالجهل، وبَعُدَ عهدهم بالنص والعلم والشرع.

    ولاشك أن هذا هو زمان الغربة، وأننا ينبغي أن نصبر على المسلمين، وألا نستغرب أن يجهلوا بعض أحكام الدين، فلا يدعونا هذا -مثلاً- إلى رميهم، أو إلى التسخط عليهم، أو اتهامهم، بل ينبغي أن نحلم عليهم وندرك أن هذا جزء من مدلول الحديث النبوي، الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: وهو حديث صححه جماعة من أهل العلم {إنكم في زمان من ترك عشر ما أمر به هلك، وسيأتي على الناس زمان من عمل بعشر ما أمر به نجا} وعندما نقرأ حديث الغربة مثلاً، نعرف أن جزءاً من الحكمة في الإخبار بهذا الخبر، حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام {وسيعود غريباً كما بدأ} أنه إنما أخبر بذلك حتى يكون الداعي، والعالم، وطالب العلم، والمرشد والمعلم صبوراً على الناس، لا ينفعل أو ينـزعج إذا رأى منهم -مثلاً- مخالفة له، أو إعراضاً أو عدم قبول، أو ما أشبه ذلك، ويفسر ذلك بأن هذا زمان الغربة.

    ولا شك أن من كان عنده علم أوفهم أو دين، أو دعوة في مثل هذه الأوقات، (أوقات الغربة) ينبغي أن يكون عنده مع ذلك طول نفس وسعة صدر، وصبر على الناس، وقدرة على تحمل مخالفتهم له، حتى يستطيع أن يحقق ما يصبو إليه من التعليم دون أن يكون سبباً في مزيد من كثرة الاختلافات بين المسلمين، أو كثرة القيل والقال، أو تباعد النفوس، أو اختلاف القلوب أو ما أشبه ذلك من الآثار والأضرار التي قد تكون عوائق أمام دعوته، بحيث ينظر الناس إليه على أنه سبب في تفريق الكلمة، يظنون هذا لعدم علمهم، بالاختلاف بين المسلمين أو ما أشبه ذلك.

    فعلى الداعي أن يتذرع بمزيد من الحلم والصبر وطول البال، والأناة مع الناس، وكما مدح النبي صلى الله عليه وسلم أشج عبد القيس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى: الحلم والأناة} فنحن أحوج ما نكون، خاصة الذين يحملون الحق، ويحملون المنهج الصحيح، أحوج ما يكون أن يقدموه في قالب من الود والحلم والأناة والصبر، ومغفرة أخطاء الناس، كما قال الله تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43] أما كوني كلما وجدت من الناس تلوماً أو تباطؤاً أو مخالفة لي، أو عدم قبول ما عندي مما أعتقد أنه حق، أشهرت فيهم سلاح النقد والتجريح وما أشبه ذلك من التعيير، وتكلمت عنهم بكثير من التبرم، فإن هذا يدل على نقص عندي، وهو سبب من أسباب عدم قبول الدعوة، أسأل الله تعالى للجميع التوفيق.

    1.   

    الخلافات السياسية

    السؤال: هناك مشكلة تعاني منها المراكز والتجمعات الإسلامية، وهي عن كيفية معالجة الخلافات التي تحدث بين بعض المسلمين بسبب الخلافات السياسية بين حكوماتهم؟

    الجواب: يا أخي ينبغي للمسلم في مثل بلادكم، (البلاد التي تعيشون فيها) أن لا يشعر أنه جاء لهذه البلد، ليتكلم باسم حكومة ينتمي إليها -مثلاً- أو يمثل هذا الحكومة أو تلك، وإنما جاء لهدف محدد، جاء للتأليف، للدراسة، للدعوة، جاء لغرض واضح، وبالتأكيد فهو يقول: إنه لم يستشر في أي موقف من المواقف التي تقوم بها الدولة التي ينتمي إليها مثلاً، وبالتالي فهو غير مسئول عنها، فلا ينبغي أن يحمل أحد مسئولية شيء لم يفعله، ولم يؤخذ رأيه فيه أصلاً.

    وهذا أمر بديهي معروف لدى الجميع، أي منظمة أو أي دائرة أو أي جهة لم تستشر أفرادها ولم تستشر المنسوبين إلى البلد التي تكون منه فيما تفعل وما تترك وما تأخذ وما تقول، ومن تفاوض ومن تصادق ومن تعادي، وماذا تفعل، فلا ينبغي أن نحاسب هؤلاء على ذنب لم يقترفوه، أو شيء لم يقولوه أو لم يوافقوا عليه، كما أنهم هم -أيضاً- لا ينبغي أن يدافعوا عن أشياء ومواقف ليسوا مسئولين عنها، ولم يؤخذ رأيهم فيها.

    ينبغي للمسلمين أن يعدوا وجودهم في هذه البلاد فرصة لتحقيق الإخاء الإسلامي، وفرصة للتعارف، وحينما أقول التعارف (لا أعني التعارف بالأسماء فقط) بل تعارف المواهب، وتعارف الملكات، والإمكانيات التي يستطيع كل مسلم أو مجموعة من المسلمين أن يقوموا بها، وبالتالي التعاون في هذه المجالات وتكامل الجهود الإسلامية، يكمل بعضها بعضاً ويعز بعضها بعضاً، كأن تكون مجالاً لأن يتبنى كل إنسان موقف جماعة بعينها، أو حكومة أو منظمة أو جهة ويدافع عنه، لمجرد أنهم ينتمون إلى البلد الذي هو فيه مثلاً، فينصر قومه وقبيلته بالحق وبالباطل، ويتعصب لذلك، ويتبناه، ويكون هذا سبباً في العداوة، وربما يقاطع هذا المسجد أو هذا المركز أو هذه المجالس؛ لأن الأغلبية التي فيها من مجموعة أخرى، أو من جنسيه أخرى، أو من بلد آخر.

    أنا أقول بصراحة: إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد فلا حول ولا قوة إلا بالله، أنا أخاف أن أقول لا خير فينا، يعني: قد نفسر بعض الأوضاع التي يعيشها المسلمون أنها أوضاع اضطرارية ليس لهم فيها يد، لكن إذا كان هذا الداء انتقل إلى مثل تلك البلاد التي تعيشون فيها، وهي بلاد المسلم فيها حر يستطيع أن يقول ما يشاء، وأن يفعل ما يشاء مما يعتقد أنه حق وصواب، ومع ذلك تجد أن هذا المسلم ينحو المنحى الذي يعد خطأ، يحتاج إلى من يفسره أو يعتذر عنه، ويترك ما يعتقد أنه صواب فهذا أمر محزن فعلاً، أن تنتقل الخلافات (جرثومة الداء) إلى البلاد التي ينبغي أن تكون فرصة للمسلمين حتى يزيلوا الخلافات الموجودة بينهم، وحتى يتعارفوا من خلال مؤتمرات، أو جلسات، أو زيارات، أو ندوات، أو لقاءات تُعقد، تكون سبباً في إزالة هذه الشحناء وبتعارف المسلمين بعضهم ببعض.

    أقول: المسلمون -أيها الأخ الكريم- يؤملون آمالاً كبيرة في الإخوة الموجودين في مثل هذه البلاد، أن يفلحوا في التغلب على الأوضاع المأساوية التي يعيشها المسلم في بلادهم الأكثرية، فإذا كان الداء ينتقل إليكم أنتم، فهذه مشكلة تجعل منا -أحياناً- أن نعيد النظر في تقويمنا لما وصل إليه المسلمون من وعي وإدراك، وأنهم في الواقع يكررون أخطاءهم في كل مكان، ويعيدون الشريط نفسه، ويجترون الآلام من جديد، وأنهم ما زالوا دون المستوى المطلوب، أقول: إذا كان الأمر بهذا الشكل، فهذه نتيجة مؤلمة ولا شك.

    1.   

    تربية أولاد المسلمين في بلاد الكفار

    السؤال: تربية الأولاد هاجس يشغل بال كل مسلم، يعيش في مثل هذه الدولة الكافرة، ما هي النصيحة التي يقدمها الشيخ لمثل هؤلاء؟

    الجواب: تربية الأولاد حتى في البيئات النظيفة والطيبة والمسلمة، تعد مشكلة تحتاج إلى جهد، إذا كانت البيئة سيئة والولد -مثلاً- بنتاً أو ذكراً يواجه في المدرسة اختلاطا وألوناً من الفساد، ويواجهه في الشارع، ويواجهه في جهاز التلفاز، الذي قد يملأ بمشاهد كثيرة من هذا القبيل، فإن الجهد يتضاعف على الأب، فلا بد من جهد يقوم به الأب، ولا بد من تنسيق وتعاون بين الأبوين، بحيث تقوم الأم -أيضاً- التي قد تكون أكثر تفرغاً بدور كبير في هذا المجال.

    ويمكن هذا بطبيعة الحال من خلال: توفير الكتب، وبعض الأشرطة التخصصية للأطفال، وتحفيظهم بعض الأذكار وتربيتهم على الأخلاق الإسلامية التي تناسب مستواهم، كذلك ينبغي أن يكون هناك مجهود جماعي مشترك للمسلمين مثلاً، في هذه الولاية أو في هذه المدينة، أو في هذا المسجد أو المركز، بإيجاد نشاط للأطفال، في تجمع مسائي -مثلاً- أو في أي وقت من الأوقات، أو مدرسة لتعليمهم، والإتيان بهم إلى المسجد، وأن يكون في المسجد مكتبة خاصة للأطفال، وأن يكون هناك برنامج مشترك بينهم، حتى قد يقوموا به فيما بينهم، يكون دور الكبار فيه مجرد الإرشاد والتوجيه، كما أن عليهم أن يتعاملوا مع الأوضاع السيئة التي يشاهدها الأطفال، في تفسيرها لهم وبيان ما فيها من خطأ، وبيان ما فيها من ضرر، حتى يتدرب الطفل منذ صغره على رفض الخطأ، وعلى إدراك الخطأ أيضاً، إدراكه ثم رفضه؛ لأنه من أخطر الأشياء أن يتطبع الطفل مع بعض الأوضاع القائمة ويعتقد أنها صواب، فهو بحاجة دائمة إلى أن يُبين له إلى أن هذا وإن كان موجوداً إلا أنه خطأ، وأن الذين يقومون بهذا الشيء -مثلاً- هم كفار، أناس من الكفار، أو من الفساق، أو حتى هذا العمل وإن فعله مسلم إلا أنه غلط، والواجب أن يفعل المسلم كذا والصواب هو ما يفعله فلان، والطفل بالتدريب والتكرار يمكن أن يفهم ذلك.

    1.   

    النظام الإسلامي والنظام الديمقراطي

    السؤال: ما الفرق بين النظام الديموقراطي والنظام الإسلامي؟

    وهل يصح قول بعضهم: إن عمر وأبا بكر رضي الله عنهما من زعماء الديمقراطية؟ وما معنى حرية الرأي في الإسلام؟

    الجواب: النظام الديموقراطي في الأصل مأخوذ من كلمة "ديموقراطيك" وهي فيما أعلم كلمة يونانية معناها حكم الشعب،إذاً الديموقراطية يقصد بها حكم الشعب،وفي البيئات التي نشأ فيها هذا المصطلح لم يكن للشريعة مقام ولا وجود أصلاً -لم يكن للنص الإلهي والحكم الإلهي "بمعنى التشريع"، لم يكن له وجود- فكانت هذه الكلمة تنطلق على حكم الشعب في المجالات التشريعية، بمعنى أن الشعب هو الذي له سن الأنظمة والأحكام والقوانين، فالشعب -مثلاً- هو: الذي يحكم بأن هذا الشيء أحلال هو أم حرام، حق أم باطل، خطأ أم صواب، وهو الذي يضع الأنظمة التفصيلية أيضاً في كل شئون الحياة، وكذلك الشعب له حق السلطة التنفيذية والقضائية، بمعنى أن الشعب هو الذي يمارس تنفيذ القوانين، فيكون الشعب هو مصدر التشريع وهو مصدر السلطات، وبناءً عليه لا يكون للشرع حكم أو مرجعية، هذا أصل وجود الديموقراطية.

    وهو كذلك بالنسبة للديموقراطية اللبرالية الغربية، فهي تقوم على أساس علماني لاديني، على أساس عدم دخول الدين في السلطة، ولذلك فإن البرلمانات الغربية والمجالس أياً كان اسمها، هي التي تسن القوانين وتشرع، فمن الممكن أن تخرج -مثلاً- في هذا العام قانوناً فحواه: أن الشذوذ الجنسي مثلاً مباح، فيكون مباحاً كما هو الآن الجدل الدائر في أمريكا وفي غيرها، وهكذا كل الأشياء الأخرى، فهذه الديمقراطية العلمانية اللبرالية تقوم على أساس إقصاء الحكم الإلهي والتشريع الرباني، وإحلال الفرد كما لو كان إلهاً يحكم ويشرع ويأمر وينهى، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31] وهذا لا شك أنه شرك في الألوهية والربوبية وإعطاء حق التشريع لغير الله تعالى، والله تعالى يقول: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21].

    أما المعنى الثاني: الذي يستخدمه بعض الكتاب، فقد يستخدمون مصطلح الديمقراطية نفسه، ويقصدون به المشاركة الشعبية في إدارة دفة الحكم، من خلال انتخاب الشعب بنوابه وممثليه ومن يكونون في دوائر تنفيذ الأمور، دون أن يكون لهم تدخل في التحليل والتحريم، ولا علاقة بالأحكام الشرعية، وفي ظل إقرار الجميع بأن الشريعة، هي شريعة الله، وأن الحكم حكم الله، وأنه لا يحق لأحد فرداً كان أو جماعة أو أمة أن يغير شريعة الله تعالى، لا من خلال اختيار ولا من خلال انتخاب، ولا من خلال تصويت، ولا غير ذلك، بل الجميع مقرون بأن شريعة الله تعالى هي المرجع، كما قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] وبعض الكتاب الذين يتحدثون من منطلق إسلامي، يقصدون هذا المعنى، لا يقصدون المعنى الأول؛ لأن المعنى الأول هو بلا شك يعني منح التشريع لغير الله تعالى كما أسلفت، وهذا شأنه كما اتضح.

    حتى المعنى الثاني لا أرى أبداً استخدام الكلمة، لأن الكلمة غربية أجنبية، لها مصطلح له ظل، وله معنى خاص، واعتبار أن الديموقراطية الغربية هي النظام الإسلامي بلا شك خطأ، لأن الإسلام مستقل بمصطلحاته وعباراته كما هو مستقل بنظمه وأحكامه، فالإسلام جاء بالشورى نعم، فـعمر ومن قبله أبو بكر ومن قبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا أئمة الشورى، والله تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159] وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] ولا شك أن النبي عليه السلام كما قال عنه أبو هريرة [[لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم]] كان يستشيرهم في أمور كثيرة، من أمور الحرب، والسلم والأمن والخوف وغير ذلك، مما هو معروف من هديه وسيرته عليه الصلاة والسلام، والشورى فيها منافع وفوائد عظيمة جداً:

    منها: تدريب الأمة على المشاركة، وألا تحول الأمة إلى قطيع يساق دون أن يكون له رأي.

    ومنها: تدريب الأمة على المواقف والأزمات.

    ومنها: الاشتراك في تحمل التبعات والمسئوليات، وألا يتحملها فرد أو أفراد بأعينهم، ويتحول البقية إلى نائمين في وقت الأمن، ولائمين في وقت المصائب والأزمات، وحصول ضد ما هو متوقع، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة التي ليس هذا مجالاً للحديث عنها.

    فالنظام الإسلامي نظام شوروي، نعم، ولا شك أن من الشورى أن يشترك المسلمون في الاختيار، كما حدث في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فإن عمر رضي الله عنه لم يحدد الخليفة من بعده، بل جعل الأمر في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فترتب على ذلك أنهم فوضوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، في سؤال الناس، فكان يسأل الرجال والنساء حتى العذارى في خدورهن، ويأخذ رأيهم في ذلك؛ وبناءً عليه جعل الأمر في علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، ثم آل الأمر إلى اختيار عثمان بن عفان بالتخصيص، فكان هو الخليفة الراشد الثالث على ما هو معروف تفصيله في التاريخ.

    فالمقصود أن هذا الأمر لا داعي أبداً أن يسميه بعضهم بـالديموقراطية، لأن الإسلام مستقل في أحكامه وشرائعه، كما هو مستقل بمصطلحاته وعباراته، وإطلاق مصطلح أجنبي أو غربي أو حتى في الأصل وثني غير شرعي، على أي حكم من أحكام الشريعة فيه إجحاف بحق الشريعة، وقد يكون فيه نوع من التلبيس.

    والعذر الذي قد يقدمه بعضهم، هو أن هذا المصطلح أصبح مصطلحاً مشهوراً دارجاً عند الناس معروفاً، هنا نقول: إن الإنسان عليه أن يبين من يستخدم هذا المصطلح بعينه، بل يبين أن المصطلح الذي هو الديموقراطية -مثلاً-، إن أريد به المشاركة التي وصفتها -كما سبق- فهذا صحيح وجاء في الإسلام، لكن الإسلام لا يطلق عليه مثل هذا المصطلح، وإن أريد به أن الشعب له حق التشريع والنقض والاعتراض على ما أنـزل الله، فهذا معنى باطلٌ شرعاً، وليس لأحدٍ من الناس حق الاعتراض على ما أنـزل الله تعالى، وحكم وقرر وقضى، والأمر يتطلب مزيداً من التفصيل بلا شك؛ لأنها قضية خطيرة وكبيرة، وهي أحد الإشكاليات التي يكتب فيها المعنيون بالسياسة الشرعية في هذا الزمان، لكن هذه عجالة تناسب ضيق الوقت.

    1.   

    الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة

    السؤال: حمل المسلمون الأوائل دعوة الإسلام عن طريق الجهاد، تحت راية الدولة الإسلامية، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، هل مازال الجهاد هو الطريق الرئيسي لحمل الدعوة؟

    وكيف نحيي هذه الفريضة؟

    الجواب: علينا أن نحدد أولاً: ما هو الجهاد؟

    إذا كان المقصود من الجهاد القتال، فلا شك أن القتال هو شريعة، والجهاد بهذا المعنى شريعة محكمة غير منسوخة، وهو باقٍ إلى قيام الساعة، ولا تزال طائفة من هذه الأمة تقاتل أعداءها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لكن ليس هو الطريق الوحيد، بل هناك الدعوة، والدعوة تسبق القتال بلا شك، ولهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام، القادة من أصحابه كما في حديث بريدة في صحيح مسلم: {إذا لقي عدوه من المشركين أن يدعوه إلى الإسلام أولاً} فالدعوة تسبق القتال.

    ولهذا على المسلمين أن ينشطوا في مجال الدعوة إلى الله، وفي مجال الاستفادة من الفرص الإعلامية المعاصرة، وهي فرص ضخمة جداً بالدعوة إلى الله عز وجل وفي نشر الإسلام، وفي تحريك عقول الآخرين للبحث عن هذا الدين، واكتشافه كما يقولون؛ لأن الكثيرين قد أخفت عليهم وسائل الإعلام، واليهوديـة وصورت الإسلام بأنه دين العنف، ودين سفك الدماء، ودين الإرهاب، ودين التضييق على المرأة، ودين مصادرة حقوق الإنسان إلى غير ذلك، واستخدمت بعض ما يعانيه المسلمون في بلادهم، من تخلفٍ، وضعفٍ وبعدٍ عن الدين، وعدت هذا هو الدين.

    ولا شك أن بين واقع المسلمين وبين حقيقة الدين بونٌ شاسع، ولا يمكن أن يحاكم الدين إلى واقع الناس، مع أن واقع الناس قام على غير أساس الدين، والقائمون على الدين من العلماء والمصلحين، يسعون إلى تقريب هذا الواقع إلى الدين، فالمقصود أن هناك انشطاراً حقيقياً بين واقع المسلمين وبين الإسلام، وهذا قد يحدث إشكالاً عند الكثيرين من البسطاء والعامة الذين لا يمكن أن يفهموا الدين فهماً نظرياً، إلا في ظل واقع عملي يشار إليه، ويقال لهم: هذا هو الإسلام، وهذا هو الدين، لكن مع ذلك ينبغي أن نحرص:

    أولاً: على تكوين الواقع العملي في التجمعات الإسلامية، ولو كانت صوراً مصغرة.

    ثانياً: وكذلك نحرص على شرح الإسلام ودعوتهم إلى اكتشافه، ونشر الكتب المنصفة التي تبين حقيقية الإسلام في أوساطهم، حتى تتم الدعوة.

    ثالثاً: وعلينا لكوننا مسلمين، أن نسعى إلى الإستفادة من الفرص الإعلامية الضخمة الموجودة في هذا العصر، عصر ثورة الاتصالات من خلال الكمبيوتر، ومن خلال التلفزة، والإذاعة، والصحافة، إلى غير ذلك من وسائل الاتصال السريعة والحديثة، وأن نستغلها في الدعوة إلى الله عز وجل، وفي إيضاح القضية الإسلامية، فهذا واجب ضخم وعظيمٌ جداً علينا، وهذا لا يعني أن الجهاد بالقتال مؤجل إلى أن تتم الدعوة؛ لأن الدعوة أولاً: ليست واجباً مؤقتاً، بل هي واجبٌ دائم.

    وثانيا: لأن هناك مواقع، وهناك بعض البلاد، وبعض الرقاع تواجه عدواناً وتسلطاً من أعداء الدين، سواء كانوا يهود كما هو الحال في فلسطين، أم نصارى كما هو الحال في بلادٍ كثيرةٍ جداً، كـالفلبين مثلاً، أو السودان، أو عدة مناطق أفريقية أو غيرها، أو كانوا سيخاً أو وثنيين كما هي الحال في كشمير، أو كانوا شيوعيين، أو كانوا مرتدين أيضاً.

    فالمقصود أن هذه المواقع التي يواجه المسلمون فيها تسلطاً من عدوهم، ومصادرة لحقهم في الحياة، وحقهم في العبادة، وحقهم في إقامة شريعة ربهم، أن عليهم واجباً وهو أن يقاوموا عدوهم، وأن يغالبوه كما قال الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:40-42]. فهذا أيضاًَ واجب بإزاء ذلك الواجب.

    وبشكل عام فإن الجهاد ميادينه واسعة، فهناك من يجاهدو في الثغور، وهناك من يجاهد في مجال التعليم، وهناك من يجاهد في مجال الإعلام، وهناك من يجاهد في مجال الدعوة، وهناك من يجاهد في إصلاح أحوال المسلمين، وهناك من يجاهد في مجال دعوة غير المسلمين وشرح القضية الإسلامية لهم، وهكذا مجالات الجهاد واسعة جداً، وهناك من يجاهد أيضاً في مجال الاقتصاد، وهو مجال ضخم وخطير في هذا العصر، وعلى المسلمين أن يعملوا على القيام بهذه الفروض الكفائية، كلٌ بالمجال الذي يشعر بأنه يتقنه ويجيد فيه أكثر من غيره.

    1.   

    موقفنا مما يجري من الأحداث في أفغانستان

    السؤال: فضيلة الشيخ ما موقفنا مما يجري في أفغانستان، وأي الأطراف أولى بالتأييد والدعم؟

    الجواب: الحقيقة الصورة قاتمة ومظلمة، وأنا أتكلم أقول لك عن نفسي وأقول لك عن قطاع عريض، بل عن كل من رأيت من الناس، من عامة وخاصة وطلبة علم ومتعلمين، وغير متعلمين، ومتحمسين لقضية الإسلام وغير متحمسين، كل من لقيت وجدت أنه مستاءٌ جداً مما يجري في أفغانستان، ولا شك أن الوضع سيء ومؤذي، وأنا أعد أن ما يجري نكولٌ عن الجهاد، الذي قام نُشوبه على مدى أربع عشرة سنة هناك، وتحركت همم المسلمين إليه، وكان محط آمالهم على مدى السنين كلها، وكم استنـزف فيه من أموال ومن دماء ومن جهود، ومن دموع، وفي النهاية يتحول الأمر إلى صراع محتدم بين أطراف المجاهدين.

    أقول: إن ضراوة المعركة التي تجري الآن، بكل تأكيد لم تحدث على مدى الأربع عشرة سنة الماضية، يوم كان القتال من الشيوعيين أنفسهم، وقد أصبحنا شماتة لعدونا في الإعلام، وفي المجالس العامة والخاصة، وفي الدوائر وفي غيرها، فمتى يصح الإخوة المجاهدون في أفغانستان، ومتى يثوبوا بإخوانهم الذين تبنوا قضية الجهاد في كل البلاد، ومتى يصبوا إلى رشدهم ويدركوا أن سعي كل طرف لتدمير الطرف الآخر، سعي بغير طائل، وأنه تدمير لأنفسنا بأيدينا، وأن هذا تشبه بأهل الكتاب الذين قال الله عنهم: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر:2] وادعاء أن القضية لن تتوقف بعد، وأن المعركة ما زالت قائمة، ومثل هذا الكلام أنا أقول عن نفسي، الإنسان لا يستطيع أن يتحمل مثل هذا الكلام، نحن نلوم المجاهدين بصراحة جميعاً، وكل الأطراف ولا نجد أن هناك حاجة إلى دراسة أي الطرفين أولى بالدعم، لأن هذا الموضوع موضوع شائك وغير واضح، والقضية متناقضة في الواقع، ولو فرض أن واحداً مثلاً استطاع أن يقول: إن هذا الطرف أو ذاك، فإن هذا الأمر من الصعب أن تدركه الجماهير التي تحمست زماناً طويلاً لقضية أفغانستان.

    وكما نلوم الإخوة في أفغانستان، فإننا نلوم أنفسنا -أيضاً- معشر المسلمين، إذ كيف يستمر القتال الضاري ومن قبله الخلاف السياسي زمناً طويلاً دون أن يكون عند المسلمين آلية عملية قوية لحسم المنازعات، والضغط على الأطراف حتى ترضى وتقبل بالحلول السلمية، والحوار بين الأطراف المختلفة، ولذلك أذكركم أنتم أيها الإخوة بواجبكم؛ لأنكم تستطيعون ما لا يستطيعه المسلمون في بلادهم في كثير من الأحيان، من الضغط على هؤلاء الإخوة، وبعث الرسائل إليهم والعرائض وليوقعها آلاف، أو حتى عشرات الآلاف من المسلمين، تحتج على ما يجري، يذهب وفود مثلاً، تتكلم باسم المسلمين، وتقول للإخوة المجاهدين هناك كفوا، كفى! كنا نريد أن تكون أفغانستان منطلقاً لتحرير المسلمين في الجمهوريات السوفيتية الأخرى، ومنطلقاً للنور وللدعوة، وللعلم، فإذا بنا نفاجأ أن المهاجرين الطاجيك مثلاً في أفغانستان، أصبحوا يعانون أوضاعاً في غاية الصعوبة، بسبب الوضع المتأزم في أفغانستان، وقد يطحنون بين الطرفين المتنازعين، كما هو الحال في قندز وغيرها، فكم هذا الأمر محزن، ومؤسف، وكما قلت لأحد الإخوة سألني أنه أصبح المسلمون حتى مجرد البكاء أحياناً لا يملكونه:-

    وليس البكـا أن تسفح العـين      إنما أحر البكا عين البكاء المولد

    والله تعالى المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأرجو -يا أخي- أن تبلغ إخوانك المسلمين بهذه الوصية لعل الله يجعل في ذلك بعض الحزم.

    1.   

    الدعوة إلى الله في جميع المجالات

    السؤال: بعد توقيفكم يا شيخ لعلكم أن تحدثونا عن المشاريع والأعمال التي تنهمكون فيها؟

    الجواب: ربما تفاصيل الأعمال لا يكون هناك مجال واضح للحديث عنها، لكني أحاول أن أبذل جهدي فيما يتاح لي من خدمة لإخواني المسلمين، ودائماً ينبغي أن نعلم أن الدعوة ليست مجرد كلمة تقال في مسجد أو درس، فهذه الكلمة التي تقال عبر شريط، أو كتاب أو في مجلس عام أو خاص، هذه الكلمة هي دعوى وادعاء، والواقع هو الذي يصدقها أو يكذبها، والموقف هو الذي يصححها أو يخطئها، فعلينا أن نصدق أقوالنا بأفعالنا، بوضوح المبدأ ووضوح الهدف، وعدم الانحراف أوالركون أو الضعف أو المتاجرة بالمبدأ، هذا هو الشيء الأساس الذي ينبغي أن يحرص عليه الداعية؛ لأن الناس يسمعون الداعي يتكلم، فقد يكون كلامه جميلاً، وقد تكون عباراته معسولة، وقد تكون أفكاره جيدة أيضاً، لكن ربما هذا هو كل رصيده، وكم من داعية أو طالب علم أو عالم يخفق في أول اختبار عملي يواجهه في الحياة، فنحن نعد أن ما يقع ويجري فرصة لأن نختبر أنفسنا، ما مدى صبرنا على ما نلقاه في ذات الله تعالى!، ما مدى استعدادنا لتحمل الأذى في سبيل ما نعتقد أنه حق وصواب!

    إن الإنسان تتقلب به الأحوال تقلباً كبيراً، فالإنسان قد تمر به حالة قوة، وقد تمر به حالة ضعف، وقد تمر به حالة صحة، وقد تمر به حالة مرض، حالة غنى حالة فقر، والصورة المثلى التي ذكرها الله تعالى في القرآن، هي صورة ذلك المؤمن الذي هو المؤمن في كل الظروف، ولهذا عاب الله تعالى على أقوام، إذا أوذوا غيروا، كما قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10].

    كما عاب سبحانه على طوائف من الناس، إذا جاءهم الضر آمنوا، وإذا جاءهم الفرج والسعة انحرفوا وابتعدوا، كما قال سبحانه: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65] والمؤمن الحق هو من لا تغيره الشدائد والظروف، ولا تقلبات الأحوال، فهو يتعبد الله تعالى بأنواع العبادة، القوة لها عبادة، والضعف له عبادة، والغنى له عبادة، والفقر له عبادة، والصحة لها عبادة، والغنى له عبادة، والمرض له عبادة، والسفر له عبادة، والإقامة لها عبادة، وكل حال من الأحوال والتقلبات لها عبادة محددة في الشريعة، فالله تعالى يبتلي عباده بما شاء من ذلك، وهذا هو المحك الحقيقي.

    فمن الناس -مثلاً- من قد يندفع بالدعوة ويسير في طريقها، ويلمع نجمه في تيار الاندفاع، والقوة والتقبل والفرص المفتوحة، لكن إذا أصبحت هذه الفرص تتضايق، أصبح يبحث عن الفرص حتى ولو على حساب ما يعتقد، وما يدين به وما يؤمن به.

    ومن الناس من يعد أن هناك قضايا يقف عندها، حتى لو أدى ذلك إلى تفويت بعض الفرص عليه؛ لأنه ليس همه أن يهتبل الفرص ولا همه أن يقف أمام الناس ليتحدث، ولا همه أن يشتهر -مثلاً-، ولا همه أن يتعاطى الناس اسمه، إنما له هدف واضح في الدعوة إلى الله يسعى في تحقيقه بنفسه أو بغيره، ولو يعجز عن التحقيق بسبب شرعي، يعد أنه قد أدى ما عليه وبرئت ساحته، ويلجأ بعد ذلك إلى ما يستطيعه من الوسائل الشرعية، وهو موقن بأنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    وأرجو أن تعفيني من الكلام بالتفصيل بطبيعة الحال، وإن كان الحمد لله أكثر الإخوة يعرف أن هناك مجالاً واسعاً لمزيد من القراءة والاطلاع، الذي يحتاج إليه الإنسان، وقد ينشغل عنه ببعض النشاطات الدعوية، ونحن بحاجة إلى أن نجدد أنفسنا ونجدد عقولنا ونوسع مداركنا باستمرار، ولا نقف عند حد معين، -ككتابة بعض الكتب، أو تصحيح بعض المحاضرات السابقة وإعدادها للطباعة لتطبع، إذا أتيحت فرصة في أي مكان من الأرض-، والحمد لله أبشركم -باختصار- بأنني قطعت شوطاً طيباً، أشعر بأنني لم أكن راضياً عنه إلا أنني أعتقد بأنه أمر جيد، والحمد لله تعالى.

    1.   

    تعدد الجماعات الإسلامية وأثرها على الصحوة

    السؤال: كيف يرى الشيخ تعدد الجماعات الإسلامية في الساحة وآثارها على واقع الصحوة؟

    وكيف يمكن تقليص الخلاف بينها؟

    الجواب: التجمع من أجل الدعوة إلى الله تعالى، لا شك أنه داخل في عموم قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] وقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] لكن ينبغي أن يكون هناك أيضاً وحدة للعمل وتقارب، كما أمر الله في قوله سبحانه: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] وقوله وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] فكلما أمكن توحيد العاملين للإسلام، كان هذا ألزم وأوجب.

    فإذا كان هناك مدعاة للاختلاف أو سبب للاختلاف مقبول شرعاً، كأن يكون الاختلاف كما يقال: اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، ومعنى اختلاف التنوع: أن كل إنسان يعمل في مجاله، وكلها مجالات مشروعة، والمسلمون محتاجون إليها، فهذا لا بأس به.

    ومثله -أيضاً- أن يكون الاختلاف ناتجاً عن اختلاف الظروف السياسية، والظروف الاجتماعية من بلد إلى بلد، ومن مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، فهذا أيضاً اختلاف مقبول.

    ومثله أن يكون الاختلاف ناتجاً عن الاختلاف في الاجتهاد فيما يجوز الاجتهاد فيه، في هذه الأُطُر يكون الاختلاف مقبولاً، بشرط ألا يؤدى إلى التفرق؛ لأن الله تعالى نهى عن التفرق قال: وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]؛ فالتفرق منهيٌ عنه مطلقاً، وهو تنافر القلوب واختلافها، وتضاد الجهود وتناقض القوة، بحيث يكون الإنسان كارهاً للآخر، أو ينتقص حقه وحق أُخوته الإسلامية بسبب اختلافٍ معه، أو ما أشبه ذلك من الأسباب والصور التي تكون مذمومة شرعاً، فينبغي أن نفرق بين موضوع الاختلاف الناتج عن أسباب شرعية، وبين الاختلاف الناتج عن الهوى، أو الناتج عن الجهل، وأيضاً يجب أن يفرق بين الاختلاف الذي يكون مصحوباً بحفظ حقوق الأخوة، وحسن الظن وتقديم المساعدة والتعاون على البر والتقوى، وبين اختلاف يكون نتيجتة التناحر والتباغض، وربما يساعد الأخ عدوه على أخيه.

    1.   

    الضغط الجماهيري و أثره على الصحوة

    السؤال: الضغط الجماهيري إلى أي درجة يمكن الاستفادة منه وكيف يمكن تحريك مثل هذه القوة يا شيخ؟

    الجواب: لا شك أن كل مسلم ينبغي أن يستفاد منه بقدر طاقته وشخصه، وليست الواجبات الشرعية مقصورة على فئة معينة، فليست مقصورة على العَالِم، ولا مقصورة على الحاكم، ولا مقصورة على الداعي، وإنما هي شاملة للجميع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر أصحابه بالصدقة: {تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمرة}.

    ففي مجال الصدقة نحن لا نعدها موقوفة على التجار، وإنما نطالب أيضاً متوسط الحال، أو من هو دون المتوسط أن يساهم بقدر جهده، وهكذا كل التكاليف الشرعية، يطالب الإنسان فيها بقدر جهده، وإذا كان هذا في التكاليف الفردية التي تلزم الإنسان، فالتكاليف العامة التي تجب على الأمة كلها إذا حصل فيها تقصير وهي الواجبات الكفائية، كالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وما أشبه ذلك من الواجبات العامة، المنوطة بعنق الأمة كلها.

    وأيضاً يجب على كل إنسان قادر بحسب إمكانياته فيها، والملاحظ أن كثيراً من خصوم الإسلام، سواء أكانوا خصوماً أصليين، كالكفار الأصليين، أم كانوا خصوماً طارئين كالمرتدين والمنافقين وضعاف الإيمان -أيضاً-، يحاولون تحجيم وجود الأمة الإسلامية، عن طريق عزل الشعوب عن أداء دورها، حتى يتخلصوا من إمكانيتها ومن قدراتها، ويجعلوا القضية قضية فئة خاصة؛ لذلك كثيراً ما تجد بأن هذا -مثلاً- توجه إلى فئة بعينها، أو طائفة، أو مجموعة، أو حزب، أو تيار، ويحاول أن يصور للناس هؤلاء بصورة قد تكون مناقضة كثيراً أو قليلاً لواقعهم، حتى يحال بينهم وبين القيام بالأمر نفسه.

    فيصور -مثلاً- أمر التعليم على أن هؤلاء الذين يقومون بالتعليم فئة خاصة، أو الدعوة أو الجهاد، وقد ينتقص من قدرها فيوصف المجاهد بأنه أصولي أو إرهابي مثلاً، ولو كان يجاهد جهاداً شرعياً منضبطاً مدروساً تقتضيه الحال إلى غير ذلك.

    والقصد من ذلك هو عزل الأمة عن قضاياها وإبعادها وتفريغ الأمة من مهمتها العظيمة، وبطبيعة الحال إذا تحقق هذا -لا قدّر الله- فأول الخاسرين هي الأمة نفسها؛ لأنها لم تعد لها قضية تعيش من أجلها.

    ثانياً: القضايا نفسها خسرت، لأن القضية التي لا تكون وراءها أمة تتعب وتبذل في سبيلها، وتتحمس لها، فإن هذه القضية تضعف؛ لأنها عندما تكون قضية أفراد، أو حتى قضية جماعات أو فئات محدودة، فإنها لا تحظى بالنجاح والزخم العظيم والتأثير مثلما إذا كانت قضية الأمة بكل مستوياتها: قضية الأفراد، وقضية الرجال والنساء والكبار والصغار والمتعلمين وغير المتعلمين، فرق كبير بين هذا وهذا.

    والمؤسف أن أعداء الإسلام وخاصة الكفار الأصليين، في الوقت الذي يحاولون عزل الأمة المسلمة عن قضاياها الحقيقية، وشغلها بالأمور التافهة كأمور الرياضة -مثلاً- أو أمور المعاش والركض وراء لقمة العيش، أوالأمور الدنيوية البحتة الصغيرة، وليست الدنيوية المفيدة العظيمة الكبيرة والمؤثرة، ففي الوقت الذي يحاولون فيه تفريغ الأمة من قضاياها، وصرف العامة -عامة المسلمين- عن الاشتغال بهذه الأمور التي هي جزء من الواجب الشرعي العام، كل بحسب ما أعطاه الله تعالى،فإنهم يحترمون شعوبهم ويقدرونها ويعطونها الاهتمام، -كما هو معروف- يعني: يهتمون بها حتى في صغير القضايا، فيستشيرونها في من يولونه الأمر،حتى فيمن يكون عمدة لهذا الحي، أو مسئولاً عن هذا الشارع، أو مديراً لهذا القسم، فضلاً أن يجيدوا أمورهم بالجملة، يستشيرونهم في مثل هذا الأمر، ويعملون باستمرار الاستبيانات والأسئلة التي تكشف ما يسمونه هم (بالرأي العام) ويعتمدون على هذا، ويقيمون وزناً لما يقوم في بلادهم هم، وفي غيرها -أيضاً- من المظاهرات والمسيرات، والإضرابات، والاحتجاجات التي هي نوع من التعبير عن الرأي الشعبي عندهم، ويجسون نبض الشعوب ومدى تفاعلها وتعاطفها مع تلك القضايا، ويقيمون وزناً لذلك كله في بلادهم، بل وأكثر من ذلك أنه لو قتل فرد واحد منهم في أي بلد؛ لأقاموا الدنيا وما أقعدوها، وتكلموا واحتجوا، بل وربما يحصل من جراء ذلك شيء عظيم.

    أمس -مثلاً- نسمع في الأخبار أن أمريكا سحبت آخر قواتها من الصومال، ثمان وعشرين ألف جندي، لماذا؟!

    نتيجة لمقتل عدد قليل من هؤلاء، وهم يقومون بالمهمة التي نذروا أنفسهم لها في أرض الصومال المسلمة.

    أما فيما يتعلق بالمسلمين فهم لا يقيمون لهم وزناً، حتى لو مات منهم لا أقول: مئات، ولا أقول: ألوفاً بل مئات الألوف، كما هو حاصل في البوسنة، أو في طاجكستان، أو في عدد من البلاد العربية وغير العربية، لا يقيمون لذلك وزناً، ولا يتكلمون عن حقوق الإنسان، كأن المسلم ليس إنساناً، أو ليس له حقوق يجب أن يتحدث عنها، وكأن الإنسان عندهم هو فقط ذلك الإنسان الأبيض، أو ذلك الإنسان الأوروبي أو الأمريكي، أو ذلك الإنسان النصراني، حتى إنهم في الوقت الذي يحاولون فيه أن يرفعوا قيمة شعوبهم وأهميتها، ويتحدثون عنها ويعطونها حقها، يحاولون صرف أو تصريف الشعوب الإسلامية من قيمتها وأهميتها، وعدها مجرد أرقام لا وزن لها؛ بل أقول: حتى لا يعدونها مجرد أرقام، فأنت عندما تتساءل عن سكان البلاد الإسلامية، لا تجد أن هناك اهتماماً بتعداد السكان -مثلاً- في تلك البلاد، أو معرفة دقيقة بهم، وقد يكون الفرق أحياناً بين تقدير وتقدير آخر بالملايين؛ لأنهم يعدون هذه أرقاماً ليس لها وزنٌ كبير، سواء أزادوا مليوناً أم نقصوا، بل هم ربما يهمهم أن يكون العدد أنقص مما هو في الواقع.

    لكن يزعجهم -مثلاً- أن تقول التقارير والتقادير: إن عدد سكان المسلمين والمقصود بطبيعة الحال المسلمون الجغرافيون، يكون عددهم مليار ونصف مليار، وهذا يشكل أكثر من خمس سكان الكرة الأرضية، فيعني هذا من التناقض الغريب، الذي يشهده المتأمل اليوم، ولعلي استطردت في هذا الموضوع.

    وفي الوقت نفسه يبقى في سؤالك -لأنه سؤال مهم فعلاً-، يبقى فيه جوانب أخرى ما دمنا نقول: إن المسلم -أي مسلم- يجب أن يكون له دور يؤديه، ويجب ألا يعزل عن قضاياه، نعود إلى أنه من الطبيعي أن يكون للمسلمين قيادات علمية، وشرعية، ودعوية، وإصلاحية، يكون لها خصوصية في العلم والفهم والرأي، كما قال الله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] فذكر الرد إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا إلى شخصه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، والرد إلى أولي الأمر، الذين يعرفون الأشياء ويستنبطونها، ويعرفون النتائج من مقدماتها الطبيعية، فهذا أمر لا اعتراض عليه ولا إشكال فيه.

    ولا يعني كلامي السابق، أو كلام غيري أن يكون الناس كلهم جميعاً يتعاطون الخطايا على حد سواء، فلا شك أن العَالِم الذي يعرف الأمور، ويعرف الشرع، والأحوال، والمجريات، ويتوقع النتائج، وكذلك مع العلم العقل -أيضاً- لأن العاقل أحياناً حتى لو لم يكن عالماً، فإنه قد يدرك الأمور والنتائج والبدايات والنهايات، ويعرف التصرف المناسب، فلا بد أن هؤلاء لهم مزيد اختصاص واهتمام وشورى، وأيضاً العامة ينبغي أن نستفيد منهم في سقف معلوم وفي إطار معلوم؛ لأن أمورهم لا تنضبط تماماً، وطريقة الاستفادة من عموم المسلمين، طريقة لا بد من حبكها وبسطها؛ لأن الناس في مجملهم لهم إقبال ولهم إدبار ولهم -أحياناً- نبضهم، أحياناً يرتفع وأحياناً ينخفض، وتجاوبهم يقل ويكثر وأوضاعهم تتفاوت، فالقضية تتطلب حنكة وفهم وإدراك، وتحسس لهؤلاء الناس بحيث يعرف الإنسان كيف يستثمرون، ومتى يستثمرون وفي أي موضوع، فلا يعطيهم -مثلاً- فوق ما يقدرون عليه، أو فوق طاقتهم، فإذا فوجئ بأنهم لم يفعلوا أصيب بخيبة أمل، وربما كان الخطأ من عنده هو؛ لأنه انتظر منهم ما لا يقدرون عليه، أو يهملهم ويعد أنهم ليس لهم قيمة وليس لهم أثر ولا اعتبار، ويجب أن يلغوا من الحساب، وهذا خطأ كبير؛ لأن إلغاء مئات الملايين من المسلمين من الحساب ليس بالأمر السهل، بل على النقيض، يجب أن يكون لهم وزن واعتبار، ولهم تأثير في القضايا، وأن يستفاد منهم في مجالات كثيرة.

    أنا ضربت -مثلاً- في أول الحديث بموضوع الإنفاق مثلاً: {تصدق رجل من ديناره } الأول لو طلبت من تاجر والأزمات الإسلامية كثيرة جداً، والحاجة ملحة والاقتصاد يتراجع، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268] كما ذكر الله تعالى، فتجد أن كثيراً من التجار والأثرياء ربما تقلصت أيديهم عن العطاء بعض الشيء، أو تراجعت أو ضعفت، فبدل من أن ينفق مائة ألف، أصبح ينفق خمسين ألفاً.

    لكن لو تصورنا إنفاق العامة في حملة إعلامية لجمع التبرعات منهم، حتى لو أعطى الواحد منهم مبلغاً زهيداً فإن المجموع سيكون ضخماً، وقل مثل ذلك في توعيتهم إعلامياً بقضاياهم، بحيث يعرفون عدوهم من صديقهم، ويعرفون الحق من الباطل في الجملة، ويعرفون الشيء الذي يجب أن يكونوا معه، والشيء الذي يجب أن يكونوا ضده، بل لو لم تظفر من العوام إلا بدعوة صالحة؛ لأنهم لا يعدمون أن يكون فيهم صادق النية، طيب القلب، مستجاب الدعوة، لو أقسم على الله تعالى لأبره، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره} فهذا ليس من المشاهير ولا من المعروفين ولا من الكبار، لأنه لا يؤبه له، ومع ذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، لو سأل الله تعالى بصدق لأجابه الله تعالى، ولو أقسم على الله لأبره.

    1.   

    صحة منهج الداعية

    السؤال: كيف يستطيع الداعية المصلح أن يقدم صحة منهجه؟

    وهل الفصل أو الإيقاف أو السجن يعتبر من دلائل النجاح أو الفشل؟

    الجواب: صدق المنهج يعرف من خلال الأدلة الشرعية، والله سبحانه وتعالى جعل لنا معياراً، وهو الكتاب والسنة والإجماع، فهذا هو المعيار الذي يعرف به صدق المنهج من عدمه، هذا من حيث الجملة، وتفاصيل ذلك لا يعلمها كل أحد، إنما يعرفها من رزقه الله سبحانه وتعالى علماً وفهماً، وأيضاً من آتاه الله تعالى تجرداً وإخلاصاً وسلامة في قلبه، بحيث يكون عنده هوى، يحدوه إلى أن يصحح هذا ويخطأ هذا، ويصوب هنا ولا يصوب هنا، من غير استنارة بالدليل الشرعي، أو أحياناً بأن لا يحس الاستفادة من الدليل الشرعي، فيضع الدليل في غير موضعه، أو يستنبط من النص الشرعي آية أو حديثاً ما لا يدل عليه، إلا بنوع من التحكم ونوع من التعسف لا يقبل، فالمعيار الشرعي هو القواعد الشرعية بالجملة، النصوص الشرعية، المقاصد العامة للشريعة، هذه هي المعايير التي يعرف بها الحق أو الخطأ من الصواب، مع أن الخطأ والصواب في أمر الدعوة وارد، فقد يجتهد الإنسان ويتحرى الصواب ويخطئ، ونحن نعرف -مثلاً- من الفقهاء السابقين، فقهاء الصحابة والتابعين، أنهم اجتهدوا في مسائل كثيرة فقهية، بل هي أخطر من حيث إنها مسائل فيها نصوص شرعية، مسائل: الطهارة والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والجهاد، والطلاق، والزواج، والقضاء، وغيرها، اختلفوا فيها مع وجود النصوص الكثيرة فيها، ولا نشك أن مجمل العلماء والفقهاء كانوا مخلصين يتحرون الصواب ويبحثون عنه، ومع ذلك فقد يوفقون أو لا يوفقون إليه، وهم مأجورون {فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن العاص المتفق عليه.

    إذاً قضية الخطأ في الدعوة واردة، فإذا علمت أن الإنسان اجتهد فهذا خير، ولو أخطأ ينبغي أن أسعى في تصحيحه وتصويبه بقدر المستطاع، فإذا رأيت أن هذا هو الذي وصل إليه وأدى إليه اجتهاده، وهو الذي يدين الله تعالى به، فليس لي أن ألزمه بما عندي، فإنه قد يجوز أن يكون الخطأ عندي أنا، ومن الطبيعي أني أرى ما عندي صواباً، وما عنده خطأ، لكن هذا الذي أراه ليس ديناً ملزماً، لكنه اجتهاد قد يكون صواباً وقد يكون خطأ.

    فالمهم أن المعيار في معرفة ما عليه الداعية أهو خطأ أم صواب، أحق أم باطل، ينبغي أن يكون مرده وإلى الشرع إلى القواعد الشرعية، والنصوص، والمقاصد الشرعية العامة وما أشبه ذلك.

    هناك أمور يختلف الناس في النظر إليها، فمثلاً: نتائج العمل فبعض الناس يحكم على العمل من خلال نتيجته، وهذا الأمر يحتاج الكلام فيه إلى دقة، فليست النتيجة دليلاً قطعياً على الصواب أو الخطأ، فمثلاً النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح {أنه يأتي يوم القيامة النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد}.

    إذاً هناك أنبياء بعثوا وماتوا أو حتى قتلوا، وما استجاب لهم أحد، إذاً قد يوجد دعوة تقوم وتبذل وتستميت وتضحي وفي النهاية ما تحقق شيئاً، فهل نستطيع أن نحكم أن هذا دليل على فشلها؟

    لا، نحن نقول: إن هذه الأمة -الأمة الإسلامية-، أمة معطاءة، قوية تتجدد في التاريخ كما دلت النصوص الشرعية، أمة لا تتوقف عن الإنتاج، ولا تتوقف عن التجدد والتغير نحو الأفضل في الجملة، كما أخبر النبي عليه السلام في حديث أبي هريرة عند أبي داود {إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها} وكما قال عليه الصلاة والسلام: {أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره} وهو حديث حسن، وهناك نصوص كثيرة جداً تدل على أن الخيرية في هذه الأمة باقية إلى قيام الساعة، وإن كانت تتفاوت من زمان إلى آخر، أو من بلد إلى آخر، وتتفاوت من شخص وطائفة إلى شخص وطائفة أخرى.

    فمثلاً: الأمة في الجملة أمة إنتاج وأمة عطاء، وأمة رجوع، يعني: إذا صاح بهم الداعي والصائح انجذبوا إليه، وركضوا وجفلوا وأقبلوا -هذا معلوم بالجملة-، لكنه ليس أمراً قطعياً أن يحدث هذا دائماً وأبداً، وأيضاً حتى هذا الأمر لا يلزم أن تكون نتيجته نصراً حاسماً للدين، أو قيام حكم بشريعة الله تعالى، أو انتصار في معركة جهادية على الكافرين، فهذا ليس بلازم لزوماً قطعياً، فقد يحدث وهو الغالب، أو لا يحدث.

    أمر آخر: هو أن كون الأمة أو الأفراد يصابون في أنفسهم، بأنواع من البلاء والأذى، كالسجن والتشريد من بلادهم، والقتل والأذى والتعسف وألوان الظلم والقهر والاضطهاد، كل هذه الأشياء هي أمور طبيعية من حيث الجملة، لا بد أن تواجه الداعية، بل إني أقول: إنها غالباً تواجه كل داعية يرمى إلى التجديد، سواء أكان داعية إسلامياً، أم حتى لو كان داعية إلى غير الإسلام.

    اقرأ سير الدعاة إلى الشيوعية مثلاً: ماذا لقي؟

    حتى كارل ماركس، أو إنجلز، دعاة كثيرون، وكثيرون جداً من دعاة الفلاسفة ومن دعاة المذاهب الوضعية وغيرهم، كم لاقوا، وكم عانوا، وكم سجنوا، وكم أوذوا؟!

    ونحن نسمع أن هذا سجن ثلاثين سنة، ثم خرج، وهذا سجن أكثر وهذا أقل، وهذا أوذي وهذا طرد، وهذا أخرج من بلده، وهذا أعدم أو قتل، وهم على غير ملة الإسلام، فكيف نتصور أن تغيير الواقع نحو الأفضل إسلامياً، وأن صياغة النص صياغة شرعية، أنها لا تتطلب جهد أو تضحية أو بذلاً أو عناء.

    إذا كنا نطمع في تغير واقع المسلمين، فيجب أن نتوقع أن نلقى ما لقيه قبلنا الدعاة الصالحون المصلحون، وعلى رأسهم سيد الدعاة وإمام الأئمة، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج من بلده، وأوذي، وطُرد، وحاولوا قتله مرات ونصبوا مؤامرات لاغتياله، وقاتلوه في ميدان المعركة، ورموه بسائر التهم، وحاصروه إعلامياً وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:30] فهم حاولوا قتله أو إخراجه من بلده، أومنعه من الخروج من البلد حتى لا تنتشر الدعوة ليحال بينه وبين الناس، فقد حاولوا معه وحاولوا مع غيره من الأنبياء والرسل عليهم السلام، لكن في النهاية تمت كلمة ربك الحسنى عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما صبروا، ودمر الله تعالى ما كان يصنع الكفار وما كانوا يعرشون.

    فالابتلاء سنة لابد منها، ولهذا يقول الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [العنكبوت:3] وقال كما في حديث ابن عباس في قصة هرقل قال: {كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة} والشافعي رضي الله عنه سئل أيهما أفضل للرجل: أن أو يبتلى؟

    قال: لا حتى يبتلى، فالابتلاء سنة إلهية في أن يبتلى الدعاة في دعوتهم ودينهم، ثم يختار الله تعالى لدينه من يشاء، وقد ينتصر الدين الآن أو بعد عشر أوعشرين سنة، على أيدينا أو على أيدي أبنائنا أو أحفادنا، أو أبناء أحفادنا، هذا أمر غيبي يعلمه الله وإن كنا نتطلع بحكم جبلتنا البشرية، واستعجالنا إلى أن نرى نصر الدين بعيوننا، وتفرح به قلوبنا ونُسَّربه، لكن الله تعالى يفعل ما يشاء، وليس ما نشاء نحن، ويحكم ما يريد وليس ما نريد نحن، والإنسان من طبيعته العجلة، كما في حديث خباب في صحيح البخاري لما قال: {شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: يا رسول الله ألا تدعو لنا! ألا تستغفر لنا! فقال عليه الصلاة والسلام -وكان نائماً فقعد وأحمر وجهه عليه الصلاة والسلام- ثم قال: قد كان الرجل قبلكم يؤتي به -يعني من المسلمين- فيحفر له في الأرض فيوضع فيها، ثم يوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه من عصب،لا يثنيه ذلك عن دينه} يعني: قد ابتلى من قبلكم فلماذا أنتم مستعجلون؟

    ولماذا أنتم قد ثقل الأمر عليكم؟- ثم قال عليه الصلاة والسلام: { والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون } فدين الله تعالى منصور بنا أو بغيرنا، بهذا الجيل أو بالجيل الذي يليه، لكن حتى لو فرضنا أن نصر الدين سيكون بالجيل القادم، فهذا الجيل الذي نحن جزء منه الآن يجب أن يشتغل بإعداد المقدمات، وتهيئة الأسباب والجهاد لتحقيق النصر الإسلامي على كافة المستويات، الإعلامية والدعوية والتعليمية وفي كل مجالات الحياة، بدون استثناء، والأمر بعد ذلك لله ينصر من يشاء.

    إذاً لا نستطيع أن نقول مثلاً: إن مجرد الابتلاء في حد ذاته دليل على صواب دعوة، أو خطئها، لأن الدعوات الصادقة الجادة دعوات الأنبياء يبتلى أصحابها، والدعوات الكاذبة - أيضاً- قد يحدث لها الابتلاء، والدعوات الصادقة الجادة قد تمكن وتنصر، وهذا كله تربطه سنن ونواميس إلهية، والكلام فيها يطول وربما لا يكون من المناسب خاصة مع ضيق الوقت الاسترسال فيها.

    1.   

    حملة تجزئة الدين

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في مصطلح "الإسلام السياسي"، الذي بدأ يوصم به بعض الدعاة إلى الله؟

    الجواب: هذا جزء من الحملة لتجزئة الدين: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر:91] فالإسلام الذي نـزل على الرسول عليه الصلاة والسلام، كان إسلاماً واحداً، ومع أن الإسلام واحداً، إلا أنه كان شاملاً، فبه قام سوق الجهاد، ودعي الناس إلى الله، وأقيمت حلقات التعليم، ونودي إلى الإنفاق في سبيل الله، وجوهد الكفار، وأقيمت الدولة في المدينة، وكانت تدار السياسة والعلاقات بين المسلمين بعضهم ببعض، ومع اليهود والمشركين والفرس والروم، فكان الإسلام كما ذكر الله تعالى في وصف القرآن وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة:48] أي: مهيمناً على الكتب السابقة كلها وناسخاً لها، وحاكماً في الدقيق والجليل من أمور الحياة، ولهذا من الأمور القطعية في الإسلام، التي ليست موضع خلاف، أنه لا يوجد في الدنيا كلها مسألة، إلا ولله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيها حكم، علمه من علمه وجهله من جهله، كما قرر ذلك الفقهاء والأصوليون والعلماء، فكل مسألة في الدنيا سواء أكانت مسألة اقتصادية أم سياسية أم إدارية أم اجتماعية أم إعلامية أم تعليمية أم أي شيء آخر، خاصة أم عامة على مستوى الفرد والجماعة، الرجل والمرأة، والدولة، والحزب والطائفة، فكل مسألة في الدنيا، لله وللرسول فيها حكم.

    هذا الحكم قد يكون تحريماً أو إباحة أو إيجاباً أو استحباباً، أو كراهية، وقد يكون صحة أو فساداً، فالمقصود أن الشريعة الإسلامية مهيمنة، وهذا موضوع اتفاق عند المسلمين، الشرع مهيمن على الحياة كلها، إذاً فالسياسة جزء من الدين، ولو أن قائلاً قال: إن السياسة لا علاقة لها بالدين في الإسلام، لكان بذلك أما جاهلاً فينبغي أن يعلم، أو أن يكون الرجل قد رضي لنفسه ديناً آخر غير الإسلام؛ لأن الإسلام الرباني الذي أنـزله الله تعالى على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يكن مجرد علاقة عبادة في المسجد - مثلاً- بين العبد وربه، هذا نعم كان جزءاً من الدين لا شك فيه، لكن أيضاً كان الإسلام تنظيماً للعلاقات الفردية والجماعية، على مستوى المجتمع المسلم، وعلاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى المحيطة به أيضاً، في مجالات الحياة وشئونها كلها.

    إذاً: لا يمكن أن يكون هناك مسلم عاقل يعرف دينه، ويقول: إن هناك شيئاً لا علاقة له بالدين، الأخلاق -مثلاً- بعضهم يقول: الأخلاق لا علاقة لها بالدين، الفن لا علاقة له بالدين، الإعلام لا علاقة له بالدين، السياسة لا علاقة لها بالدين... الخ.

    إذاً: ماذا بقي للدين؟

    هذه نظرة كهنوتية للإسلام، نظرة كهنوتية بذاتها فربما أخطر القضايا وأشدها حساسية، يكون له طرف فيها بالتعاون مع جهات أخرى ظاهرة أو مستترة، فما أدري لماذا يراد بالمسلمين فقط أن يعزلوا عن هذه الأمور، ويحال بينهم وبينها، وأن يحول ذلك أيضاً إلى قناعة فكرية عند بعضهم؟

    فنحن لا نعرف أن هناك معنى لكلمة إسلام سياسي، إلا إذا كان له مقابل، فما هو المقابل له؟

    هذا نوع من التجزئة للإسلام، ونوع من التمزيق لدين الله عز وجل، وربما ذكرت المقصود منه الإرهاب والتخويف وإعطاء صورة مخيفة، أو صورة غير واقعية؛ لأنهم يريدون أن يقولوا للناس: إن الدين شيء وديع، وهو عبارة عن رقة القلب، والدين مجرد إنسانية، ومجرد عبادة، وذكر، كما يعتقده الصوفية، هكذا يريدون أن يقولوا للناس، وأن هذا الإنسان الذي يتعاطى مع واقع الحياة، أويحاول أن يشارك الناس هموههم أو يحاول أن يصحح، أنه لا يقوم بواجب ديني أو شرعي.

    إذا كان المسلمون يرفضون الغش والخيانة والغدر على المستوى الفردي، فكل الأديان والشرائع ترفض - مثلاً- أن الرجل يخون زوجته، أو يغشها أو يخدعها أو يظلمها أو يؤذيها، وكذلك أن يفعل هذا بأخيه، أو بجاره أو بولده أو بمن يعامله ويشتري منه أو يبيع، إذا كان هذا هو الحكم فيما يتعلق بغش فرد لفرد، فما بالك عندما يتحول الغش إلى غش على مستوى الأمم كلها، بطبيعة الحال: أن الأديان لابد أن تكون أشد حرباً لهذا اللون من الغش، وأشد حرباً عليه، فصحيح أن يكون ذلك بالطرق السلمية، وبالأساليب التي تؤدي إلى النتائج، لكن هذه موضع اجتهاد، لأنها تتفاوت بين عصر وعصر وبيئة وأخرى.

    فأقول: هذا التفريق بين أجزاء الإسلام، هو ما يتعاطاه الصحفيون غالباً، وقد يكون مقصوداً ترويجه بين المسلمين، من أجل إيجاد نوع من الحواجز التي تدمر قوة المسلمين، وتمنع من تضافر الجهود وتآزر القوى في الوصول بالأمة الإسلامية إلى مستواها المنشود.

    1.   

    الحزبية في العمل الإسلامي

    السؤال: فضيلة الشيخ: الحزبية في العمل الإسلامي ظاهرة لا ينكرها منصف، فما هي أسبابها وكيف يمكن الخلاص منها؟

    الجواب: ينبغي أن نقف أولاً عند تعريف الحزبية لنعرف ما هو المقصود بها؛ فإذا قصد بالحزبية التجمع على مبدأ واحد، أو على اجتهاد، فهذا في حد ذاته يدخل في الكلام الذي قلته قبل قليل، لما تكلمت عن الاختلاف.

    وأنه قد يوجد اختلاف محمود، أو على الأقل أنه مقبول، لأنه خلاف ناتج عن اجتهاد في أمور يُقبل الاجتهاد فيها وممن يستطيع الاجتهاد.

    أو أنه اختلاف في أمور ناتجة عن اختلاف الظروف، من بلد إلى بلد ومن بيئة إلى أخرى.

    أو أنه اختلاف تنوع، فأنا -مثلاً- مشغول بنوع من النشاط الشرعي، كالتعليم مثلاً، وأنت مشغول بالدعوة، وثالث مشغول بالإعلام، ورابع مشغول بالاقتصاد... وهكذا، فكل واحد منهمك فيما هو فيه، ففي هذا الحد ليس في الأمر إشكال، وينبغي أن نكون مرنين بقدر المستطاع؛ لأنه من الصعب أن نجمع الناس على آرائنا أو اجتهاداتنا الخاصة مهما كنا نعتقد أنها صواب، وأنها ملزمة، ولا نجاة للمسلمين إلا بها، إنما ينبغي -أيضاً- أن نعطي الآخرين فرصة أن يفكروا مثلنا، وأن يجتهدوا ويعملوا مثلنا، لا نستطيع أن نلزم الناس بآرائنا أبداً، هذا غير ممكن، وحتى لو كان ممكناً، فهو شر وفساد؛ لأن الخير في التنوع الذي يثري الميدان ويوسع الإطار.

    أما إذا كان المقصود بالحزبية التعصب، فلا شك أن هذا مذموم، كالتعصب للمذهب الفقهي فإنه مذموم، كوني حنبلياً أتعصب لمذهب الإمام أحمد -مثلاً- وأجعل الحق محصوراً فيه، وأنفي ما خالفه وأرفضه، وأعد أنه خطأ وباطل، والصواب هو ما ذهب إليه الإمام فقط، فهذا باطل، ومثله لو كنت شافعياً وأعتقد هذا في مذهب الشافعي أو مالكياً أو حنفياً أو أوزاعياً إلى آخره، فكذلك الحال بالنسبة لتنوع الاجتهادات في ميدان الدعوة الإسلامية، خاصة أن العصر الآن عصر مملوء بالتغيرات، وانقلاب في المفاهيم، وتجددت أمور كثيرة، فالعالم - فعلاً- يشهد ثورة في مجال الصناعة، وفي مجال الاتصالات، والمعلومات، وفي مجالات كثيرة جداً، وفي الوقت نفسه تجد أن الكثير من المسلمين لا يستطيعون أن يتعاملوا ويتعاطوا مع هذه القضايا بروح واعية، وروح مدركة، روح تفقه هذه القضايا، وهذه حقيقة إحدى المشكلات التي تواجهها الدعوة الإسلامية، فالتنوع في هذا الإطار مطلوب ولابد منه.

    أما التعصب والتحزب والانغلاق على النفس، والنظر إلى الآخرين على أنهم قد شطوا وانحرفوا أو غيروا وبدلوا ثم اتهامهم، ثم كون الإنسان دائماً وأبداً ينصر أصحابه بالحق وبالباطل، ويحاول أن يجعل الفرص لهم إلى آخره، هذه الحقيقة مشكلة، وإن اغتفرناها وسامحنا عنها إلا أننا ينبغي أن نبذل قصارى جهدنا ووسعنا في دعوة الناس إلى التخلص منها بقدر المستطاع، إلى تحقيق مبدأ الأخوة الشرعية، ولا يوجد عصر واجه المسلمون فيه -والله أعلم- من التحديات مثل هذا العصر، تحديات كأمثال الجبال، صعوبات جمَّة، والشعوب المسلمة شعوب مستضعفة، يكثر فيها الجهل والفقر والمرض والتخلف وضعف الوعي والإدراك، والحيلولة بينها وبين دينها، وإنهماكها بالقضايا التافهة أو غير المفيدة، وشغلها بلقمة العيش، هذا أمر أصبح مشاهداً، هل نعتقد أن فئة واحدة أو جماعة أو حزباً بمفرده يستطيع أن يتخلص من هذه العقبات الصعبة، وهذه التحديات القائمة الكبيرة؟!

    لا يمكن هذا!! بل حتى مجموعات لا تستطيع فعل ذلك بسهولة، فضلاً عن أن هناك تحديات خارجية، متمثلة في القوى المتربصة بالإسلام، والكلام في هذا يطول ربما أنه سبق في أكثر من مناسبة أني تحدثت عن هذا الموضوع، وعلى كل حال فلا أحب أن أسترسل معك فيه، خاصة أن الوقت بالنسبة لي، وربما لك أنت أيضاً يضيق.

    فتعدد الجماعات واقع لا مفر منه، وربما يكون التعامل معه من هذا المنطلق، لكن أيضاً ينبغي أن نحس أنفسنا بشكل دائم وصادق وصريح ونخلص لله تعالى أشد الإخلاص، في هذا الجانب وفي غيره، وألا يمنعنا وجود حاجز كمثل كوني من مجموعة أو جماعة أو حزب، لا يمنعني أني أتعاطف مع أذى يصيب مجموعة أخرى من المسلمين؛ لأنهم يختلفون عني أو عنك - مثلاً- في نوع الانتماء، أو في نوع الاجتهاد، أوفي نوع العمل الذي يقومون به، لا! أخوة الإسلام ينبغي أن تكون إطاراً عاماً، يجمع بيننا جميعاً ويوحد الصف، ويجعل النصرة قائمة للمسلم حتى ولو اختلف لونه عن لونك، أو اختلف جنسيته، أو اختلف انتماؤه أو اختلفت طائفته، أو حزبه أو قبليته.

    المهم أنه مسلم، ولو كان مفرطاً، أو مقصراً، أو مخطئاً أو عنده جهل، أو انحراف بل لابد أن أنصره ومن نصره أيضاً أن أصحح خطأه وانحرافه.

    هذا واجب وينبغي أن ندرك أن هذا من أعظم أسرار التخلف الإسلامي، فالعدو ظن أن المسلمين لا يصنعون شيئاً، لماذا؟

    لأنه رأى أنهم لا يتحركون في الأزمات، لأنهم مخدرون من جهة، لكن حتى القِسْم الذي يمكن أن يتحرك يؤثر في تحركه مؤثرات كثيرة، منها: تلك الحواجز التي تحدثت عنها، فإذا استطعنا أن نتجاوزها، فمعنى ذلك أننا سوف ننتقل إلى الهواء الطلق والجو الواسع، والميدان الرحب، وسنستطيع أن نستكمل العلاقات والإمكانيات الإسلامية بشكل جيد، ونفرض وجودنا وهيبتنا على القريب والبعيد. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    المصائب التي حلت بالمسلمين

    السؤال:أقول: ما الواجب الشرعي فيما حل ويحل بالمسلمين من مصائب وعلى رأسها قضية فلسطين؟

    الجواب:الحقيقة - أن المصائب كما يقال:-

    فكنت إذا أصابتني سهام تكسرت النصـال على النصال

    فلو كان سهماً واحداً لاتقيته لكـن سهـم وثـان وثالث

    ما يدري الإنسان عما يتحدث وبما يبدأ، لكن قضية الإخوة في فلسطين من القضايا التي طفت على السطح الآن، يومياً تسمع أخباراً، مثلاً: من آخرها مجزرة الخليل، قتلوا في المسجد وهم يصلون، ثم يحاولون أن يقفزوا على هذه القضية ويتجاوزنها كما لو كانت تاريخاً مضى وانتهى، ولو فرضنا أن هذه المجزرة وقعت في حق اليهود -مثلاً-، أو في حق مجموعة من الأمريكان، أو في حق مجموعة من القوات الدولية، في الصومال أو في سراييفو أو في أي مكان آخر من الأرض، كيف سيحدث؟!

    سوف تتحرك أساطيل وقوى، وتنقلب موازين، وتصدر بيانات حتى البيان الذي أصدروه من المنظمة الدولية، وهو بيان باهت توقفت عدد من الدول الكبرى عند جزء من عبارته وعناصره وفقراته، ورفضت الموافقة عليه، وهو على كل حال لا يقدم ولا يؤخر، كما قال الشاعر:-

    أثخنونا بالجراح ثم قالوا لا تصيحوا     إن في هذا الصياح بعض ما يبغي الجريح

    نعم! المسلمون يضربون، وحتى البكاء والصياح والأنين محظور عليهم، فالمسلم الذي يتحدث عن قضايا الإسلام، وقضايا أمته، إنما هو مجرد حديث، وشكوى، ومجرد بكاء ونياحة،حتى النياحة أصبحت ممنوعة على المسلمين.

    نعم! نحن نعرف أن النياحة التي هي البكاء بصوت، وشق الجيوب وخمش الوجوه والدعاء بدعوى الجاهلية، هذا محرم أصلاً شرعاً، وإنما مقصودي أنه حتى التعبير عن هذه الآلام التي يعاينها المسلمون، وحتى هذا الحق أصبح يستكثر على المسلمين، ولا يراد منهم أن يتحدثوا عن قضاياهم، ولا أن يشتكوا ولا يتباكوا على أوضاعهم المرة، وهذه حقيقة مؤشر على نوع من التردي الذي يراد أن تساق الأمة إليه، لذا قبلت الأمة الهوان والضعة بنفسها، فقضية الإخوة في فلسطين يومياً تسمع، قتلى بالعشرات، بعضهم على يد القوات اليهودية، وبعضهم بأيدي المستوطنين، والبارحة أسمع مستوطناً يقتل سائق شاحنة فلسطيني وهو في سيارته، فقد أصبح الدم المسلم في فلسطين وفي غير فلسطين هو أرخص الدماء على الإطلاق، بل إن كل أحد يجرب حظه مع المسلمين، وهو آمن مطمئن، أن هذه الأمة لا يمكن أن تثأر أو تنتصر، لا، نحن ندرك -فعلاً- أن الأمة والحمد لله، بدأت تعي، وقضية البوسنة من أوضح وأظهر القضايا، تعاطف المسلمون معها بشكل جيد والحمد لله، ولا يزالون من ناحية مادية مالية، ودعوية، وإعلامية، ومن ناحية وجود بعض الضغوط ولو لم تكن بالمستوى المطلوب، لكنه مؤشر، ولذلك تجد أن هناك نوعاً من التحول في السياسة الغربية تجاه قضية البوسنة لا يخفى على المتأمل والمدرك، وهذا التحول هو نوع من الاستجابة للضغوط الإسلامية بالجملة، والضغوط العالمية -أيضاً- وفي الوقت نفسه هو نوع من الالتفاف على القضية بطريقة أخرى، والحيلولة دون قيام دولة إسلامية صرفة في البوسنة، يجعلها دولة فيدرالية أو كونفيدرالية يشترك فيها الكروات، أو حتى الصرب قد يدخلون في هذا التشكيل الجديد، والمقصود من ذلك محاولة ألا تكون دولة إسلامية محضة في قلب أوروبا يهددهم وجودها الإسلامي المتميز.

    أما فيما يتعلق في كيفية التعامل مع قضايا المسلمين، فهي كثيرة جداً كما ذكرت: فمن الملاحظ أن الاختلاف بين المسلمين ألقى بظلاله على تعاونه في هذه القضايا؛ لأن المفروض في الأصل أنه إذا أصيب مسلم في الشرق تجاوب مع مصيبته المسلم في الغرب، فالعدو استطاع أن يقيم الحواجز والسدود بين المسلمين، سواء أكانت تلك الحواجز جغرافية أم سياسية، ثم بنى عليها إثارة العداوات والفتن، فهذا خليجي! وهذا شامي! وهذا مغربي! وهذا مصري! وهذا كذا، وهذا كذا، وهذه الأشياء حاول أن يرسخها ويعمقها، ويكون هناك دور للتباعد بين المسلمين بمقتضى هذه المسميات، ووجد نوع من هذا الذي يمكن أن نسميه نوعاً من التحزب أو التعصب للون أو للجنسية أو للشعب أو للبلد الذي ينتمي إليه الإنسان، وعمق ذلك بحيث أصبح الإنسان لا يتعاطف مع قضايا الشعوب الأخرى.

    فعلى سبيل المثال: الأكراد، لكن كم لهذا الشعب من بلاء في الإسلام، وكم له من أياد بيضاء في التاريخ، يكفيك صلاح الدين الأيوبي وإخوانه في الدولة الأيوبية، كم لهم من أيادٍ بيضاء على الإسلام والمسلمين، وكم لهم من جهاد عظيم، ومن بعدهم العلماء والدعاة والمصلحون، ومع ذلك تجد أن هذا الشعب يباد، وهناك مؤامرة دولية لإبادته وعدم تمكينه من أي لون من ألوان الاستقلال، ومع ذلك تجد أن المسلمين لا يتعاطفون مع قضايا إخوانهم الأكراد، ثم تجد أن الكفار الذين يحرضون المسلمين ظاهراً أو باطناً على القضاء على الأكراد، وعدم تمكينهم من حقوقهم المشروعة، ومن جهة أخرى تجد أن الكفار قد يستقبلون هؤلاء ويعطونهم بعض الفرص، ونتيجة لذلك ربما تجد أن الهدف من ذلك هو تحسين صورة الكافر، وإغراء المسلمين بالإعجاب بهم، في مقابل بغضهم لإخوانهم المسلمين من الجنسيات الأخرى، أو الشعوب الأخرى، بسبب أنه يرى أنهم خذلوه أو تخلوا عنه أو حاربوه أو هم سر بلائه، مع أن هؤلاء هم الذين حاربوه -في الواقع وإنما هم يؤدون دوراً مرسوماً، وربما أوحت إليهم الدوائر الأجنبية، أن يؤدوه ويقوموا به.