إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [6]

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الترهيب من آفات اللسان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فلا زلنا في حديث معاذ الذي جاء فيه: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: (( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ))[السجدة:] ، حتى بلغ: (( يَعْمَلُونَ))[السجدة:]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم .

    هذا الحديث الطويل الذي بيّن أصول الإسلام، وبيّن الأركان والنوافل وأبواب الخير المتعددة، وشبه فيه الإسلام بالرأس للجسد، والصلاة بالعمود للبيت، والجهاد بالسنام.

    ثم بعد ذلك يقول صلوات الله وسلامه عليه: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟)، ملاك ذلك وامتلاك ذلك: هو الشيء الذي يجمع أطراف الشيء، تقول: امتلكت البيت .. بأي شيءٍ امتلكته؟ بزمامه، بصكه، بمفتاحه.

    فملاك الأمر: قوامه الذي به تجتمع أطرافه كلها، وهنا يقول معاذ : (بلى يا رسول الله)، فيأتي صلى الله عليه وسلم إلى اللسان ويشير إلى لسان نفسه، ويقول: (كف عليك هذا)، وكما يقول البلاغيون وعلماء النحو: اسم الإشارة يعين مسماه، أي: للتعيين والتحديد، وكما يقول علماء الوضع: أسماء الإشارة موضوعة لموضوع خاص، فكلمة (هذا) صالحة لكل ما تشير إليه.

    ولكن لا يستعمل إلا لفرد واحد معيَّن عند الاستعمال، تقول: هذا الرجل .. هذا الكتاب .. هذا العمود .. فتعيَّن هذا العمود دون عمد المسجد كلها، مع أنها صالحة أن تستعمل مع كل عمود على حدة، ولذا كان التعيين بلسانه صلى الله عليه وسلم لأهمية الأمر.

    فوات بعض الأحكام عن بعض الصحابة لا بنقص من مكانتهم

    فيقول معاذ : (وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟!)، كأن معاذاً لم يكن يعرف إجابة هذا السؤال وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ)؛ لكن فات عليه أنه يؤاخذ بما يتكلم به.

    إذاً: لا غرابة أن تفوت بعض الأحكام على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرفها الآخرون، أو لا يعرفونها ويسألون عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت نماذج عديدة من ذلك، ويستدل ابن رجب وابن القيم وغيرهما بهذا الحديث على أن كثيراً من آحاد الأحكام قد تخفى على بعض الصحابة ثم تتبين لهم بعد ذلك بأن لم يكونوا سمعوا فيها خبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يجتهدون في المسألة ويوفقون إلى طبق ما جاء فيه النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكنا نشير إلى نماذج .. من تلك النماذج ما وقع بين عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ، كل هؤلاء في المسجد النبوي الشريف.. اختلف رجلان في هذا المسجد.. إذا وطئ الرجل زوجته ولم ينزل هل عليه غسل أم لا؟

    فقال عثمان : لا غسل عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) وقال الآخر: عليه غسل، فقال عمر لـعلي : ما تقول أنت يا علي في هذه؟ مسألة في كل البيوت وتخفى عليهم، فيقول علي : علام تسألني وتسأل غيري، وبجوارك أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، إرسل إليهن فسلهن.

    فيرسل عمر رضي الله تعالى عنه إلى أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فتقول سلوا عائشة فإنها أعلم بذلك مني. ويسألونها فتقول: كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويغتسل، وقالت: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها ثم جهدها فقد وجب الغسل)، وقالت: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل).

    وجاء الخبر إلى عمر فقال: لا أسمح أحداً يقول: لا غسل، إلا جعلته مثلاً لغيره، فقال ابن كعب على رسلك يا أمير المؤمنين! كنا في بادئ الأمر لا نغتسل إلا من الماء -نزول المني-، ثم عُزِم علينا فيما بعد، يعني أن الذي قال: لا غسل عليه، أخذ بما كان في أول الأمر، والذي قال: عليه الغسل، أخذ بما كان في آخر الأمر، وصاحب المقالة الأولى لم يبلغه الحديث الثاني.

    وأيضاً: فقد جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال: يا ابن عباس ما لي أرى الناس اختلفوا في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم يحج إلا مرة واحدة، قال: وفيم ذلك يا بن أخي؟ قال: بعضهم يقول: أهلّ في مصلاه قبل أن ينصرف، وهناك من يقول: أهلّ حينما ركب راحلته، وهناك من يقول: أهلّ حينما صعد البيداء، ولا أدري من أين أهلّ، قال: يا ابن أخي! أنا أخبرك.

    أما الذي قال إنه أهل في مصلاه فقد سمع هو ذلك ولم يسمعه غيره، وأما الذي قال إنه أهل حينما استقلت به راحلته فقد سمع ذلك ولم يسمع ما قبله، وأما الذي قال إنه أهلّ حينما استوى على البيداء فقد سمع ذلك ولم يسمع ما قبله، وكلٌ أخبر بما سمع، والكل صادق.

    فهذه مسائل قد تخفى، ومما وقع لـعمر رضي الله تعالى عنه حينما ذهب إلى الشام، وفي طريقه بلغه أن الطاعون وقع بالشام في عمواس، فوقف هل يدخل على الطاعون ومعه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو يرجع عما كان يريد، فاستشار الناس فاختلفوا عليه، يقول ابن عباس: قال لي عمر : ادع من كان هنا من المهاجرين، فجاءوا فسألهم فاختلفوا عليه، فبعضهم يقول: لا تدخل، وبعضهم قال: توكل على الله وادخل، فقال: انفضوا عني، ادع لي من كان هنا من الأنصار، واختلفوا عليه أيضاً، وأخيراً قال: ادع لي مشيخة قريش، فجاءوا فلم يختلف عليه واحد منهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين جئت بوجوه القوم وخيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معك، فلا نرى أن تدخل بهم على الطاعون ونرى أن ترجع، فنادى في القوم: إني مصبح على ظهر.

    فلما سمع القوم المنادي ينادي، سمع عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً تلك المشاورات، قال: ما الأمر؟ فأخبروه بما كان، فقال: عندي في ذلك علم عن رسول الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)، فكبر عمر رضي الله تعالى عنه وحمد الله أنه وافق رأيه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً جاءنا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءنا خبر عن صحابي من أصحاب رسول الله يخالف هذا الحديث، فلا يكون ذلك طعناً في الصحابي، ولا يكون طعناً في الحديث يضعفه، ولكن نقول: هذا الحديث رواه صحابي آخر سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الصحابي الجليل الذي لم يوافق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع بهذا الحديث، ولو سمع لكان أسبق الناس إليه.

    وعلى هذا يحترم العلماء آراء الصحابة والتابعين، ويلتمسون الأعذار لمن لم تبلغه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ونخطو خطوة أخرى إلى الأئمة الأربعة، ونقول لطلبة العلم، ونؤكد عليهم أن يرجعوا ويقرءوا كتاب الإمام ابن تيمية رحمه الله: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، حيث ذكر فيه أسباب الخلاف وجعلها عشرة، ومنها ألا يبلغه الحديث فيكون معذوراً، أو يبلغه ولكن لم يصح سنده عنده، وقد يصح عند غيره، وقد يبلغه ويصح سنده لكن يتعارض مع ما هو أقوى منه عنده، وقد يبلغه ويصح سنده ولا يتعارض عنده ولكن يختلف في فهمه مع الآخرين.

    إذاً: كل هذا من الأعذار التي تكون سبباً في اختلاف الأئمة رحمهم الله في بعض المسائل، وليس ذلك عيباً، وليس ذلك نقصاً، وليس ذلك من باب الفرقة فيما بينهم.

    وهذا معاذ رضي الله تعالى عنه وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أعرف الأمة بالحلال وبالحرام، ومع ذلك لا يعلم بأن الإنسان مؤاخذ بكل ما تكلم به، مع أن في هذه القضية قرآناً يتلى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، الرقيب العتيد يحصي عليه ما يقول ليحاسب بمقتضاه، لا أنه يكتب ولا محاسبة! فالشخص العادي لا يفعل هذا.. صاحب الدكان يأخذ دفتراً ويقيد كل صغيرة وكبيرة حتى يعمل حسابه..

    إذاً: رقيب وعتيد.. هذا كله يدل على أن كل ما يتلفظ به الإنسان أنه يكتب، ولا يكتب إلا للازم الفائدة وهو المحاسبة عليها.

    معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ثكلتك أمك!) نحوه

    ثم نأتي إلى جواب الرسول صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك):

    الثكل هو فقد الولد، كما جاء عن بعض الأعراب (ثكل أرأمها ولداً)، وهي امرأة كان لها ولدان أحدهما فارس شجاع جيد، والآخر عادي مُهمَل، فكان تعنى الأم بالولد النجيب الفارس وتهمل الثاني، فقُتِل الولد النجيب -والمثل موجود في كتب الأدب- فلما قتل النجيب لم يبق إلا ذاك المسكين الضعيف، صارت الأم تحنو على هذا، فقالوا: هنيئاً لك أمك تحنو عليك، قال: ثكل أرأمها ولداً.

    أي: ثكلها بولدها الذي ذهب هو الذي جعلها تعطف علي، وقبل هذا ما كانت تسأل عني.

    وهنا مسألة: من المعروف أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن سباباً ولا لعاناً ولا فاحشاً، فكيف يصدر منه في حق معاذ قوله: (ثكلتك أمك) وهو الذي قال له: (والله إني لأحبك..؟!).

    يقول العلماء: تلك ألفاظ تقال ولا يراد معناها، وإنما هي عبارات تجري على اللسان كضرب المثل، تعبر عن عدم الرضا، وقد جاء أبعد من هذا، فلما كان صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وبعد أن طاف بالبيت سأل عن صفية -وكانت نوبتها- فقالت له عائشة: إنها حائض. فقال (عقرى حلقى -لغة قريش- أحابستنا هي؟ ثم قال: أكنت أفضت -طفت- يوم النحر. قالت: نعم قال: فانفري إذاً).

    فهنا قوله صلى الله عليه وسلم: (عقرى حلقى)، العقر: إصابة بمصيبة، يقولون: عقر الدابة إذا ضرب عرقوبها، والعاقر التي لا ولد لها.

    وهل يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم على زوجة من زوجاته أن تكون عاقراً لا تلد! هذا أكبر عيب في النساء.

    حلقى: يعني حالقة شعر رأسها، والمرأة لا تحلق الشعر إلا في أكبر المصائب، إذاً: هل الرسول يدعو على زوجة من زوجاته بهذه الألفاظ؟

    قال العلماء: إنما هي كلمات تجري على الألسنة دون إرادة معناها.

    كالوالد أو الوالدة عندما يجري على لسانه بالدعاء على ولده إذا غضب عليه ولا يقصد ذلك.

    فهذه أشياء تجري على اللسان غير مرادة، وما هنا كذلك، لكنه يبين عظيم خطر الموقف، لأن هناك لو لم تكن طافت طواف الإفاضة فإنها ستحبسهم أسبوعاً حتى تطهر، والناس كلهم متجمعون ولن ينفر أحد قبل أن ينفر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحصل مشقة على الناس.

    وهنا يستعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نهمل حصائد الألسنة فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ).

    وهل يكب: إذا سقط الشخص على ظهره يقال له: استلقى على قفاه، وإذا سقط على وجهه يقال: انكب على وجهه، وهنا: (وهل يكب) استفهام، لكن من باب الاستنكار، ولذلك قال: (وهل يكب الناس على وجوههم في النار)، ما قال يلقيهم، بل قال: يكبهم على وجوههم، لأنه أشد من الإلقاء، أو قال: (على مناخرهم)، وليس هناك تعارض، لأن المناخر من الوجوه، ولكن ذكر المناخر لأنها موضع الأنفة والكبر، ولذلك قال الله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] فجعل موضع الأنفة والاستكبار أول ما يلامس الأرض ليعبر عن مدى مهانة صاحبه.

    دخول اللسان في أغلب المعاصي

    قوله: (إلا حصائد ألسنتهم) فيه تشبيه كلمات اللسان بالزرع الذي ينبت، فليتأمل كل واحد ماذا زرع؟ لأنه لابد غداً أنه سيحصده، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    يقول العلماء: أخطر حديث فيما يتعلق بنطق اللسان حديث معاذ هذا، ثم أخذوا يفصلون.. بعض العلماء يقول: لا يوجد ذنب ولا توجد معصية إلا ومعها اللسان يتكلم، لكن قد توجد بعض المعاصي بدون اللسان.

    وقالوا: أعظم حصائد اللسان المحرمة الكذب والنميمة والغيبة، وأعظمها عند الله الشرك بالله، كمن دعا غير الله، أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20] ... إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا [النجم:23]، والذي سماها هو اللسان، فاتخاذ الند لله ومع الله من حصائد الألسن، ومعها اعتقاد القلب، لكن اللسان هو الذي يعبر عنه.. إذاً: كل ما في القلب يعبر عنه اللسان.

    إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

    وإن كان هذا يقوله علماء الكلام لقضية أخرى، لكن اللسان ترجمان الإنسان.

    ويقول آخر:

    لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

    فالإنسان نصفان: نصف مع القلب يريد ويرغب، والنصف الثاني مع اللسان الذي يعبر عما يريد القلب ويرغب فيه.

    ولذا الأخبار في هذا الباب طويلة جداً وأجمعها ما جاء في الأحاديث أن كل يوم يصبح الإنسان، تأتي الجوارح وتقول للسان: اتق الله فينا، لأن بك الصلاح وبك الفساد.

    استثناء إبليس لئلا يكون كذاباً

    اللسان يتكلم والجوارح كلها تتحمل التبعة، ولذا جاء: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه).

    فاللسان والقلب مرتبطان، وإذا جئنا إلى قضية الكذب والصدق، نجد بأن كل مخلوقات الله إلا الإنسان بل وذوو المروءة من بني الإنسان أيضاً يتحاشون الكذب، فمن ذلك ما كنا نسمع من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه أنه كان يقول: إبليس يتحاشى الكذب حتى لا تؤخذ عليه غلطة، وذلك حينما قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40]، فقالوا: حينما أقسم بعزة الله ليغوينهم أجمعين، أدرك بأن بعض عباد الله سيفلت منه، فاستثنى وقال: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:40].

    قدمنا سابقاً أن يحيى أو زكريا لقي الشيطان، فقال: أخبرني عن أقسام الناس وتصنيفهم عندك؟ قال: ثلاثة أقسام:

    قسم أنت وإخوانك الرسل، يئسنا منهم، وعجزنا عنهم.

    وقسم استرحنا منهم، لأنهم رهن الإشارة حيثما نشير إليهم يأتوننا، وهم الجهال وصفاتهم كذا وكذا.

    وقسم لم نيأس منهم ولم نطمع فيهم.

    قال: من هؤلاء؟ قال: بقية الناس الذين نحتال عليهم ويقعون في الذنوب ويرتكبون المعاصي، ونكدسها عليهم، ففي لحظة ينتبه الواحد منهم ويستغفر الله فيغفر الله له؛ فلم نيأس منهم لأننا نقدر عليهم، ولم نطمع فيهم لأنهم يستغفرون!

    إذاً: الشيطان مع جهده احترز عن الكذب بالاستثناء بين يدي الله سبحانه.

    نظرة الجاهلية إلى الكذب

    بل من المعلوم أن أصحاب المروءات لا يرون الكذب من شيم الرجال، بل نجد ذلك -أيضاً- حتى عند أهل الجاهلية الذين كانوا على عبادة الأوثان، وخير شاهد على ذلك قصة أبي سفيان حينما كان بين يدي هرقل.

    الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل بكتب إلى الملوك، وممن أرسل إليهم قيصر الروم، فلما جاءه الخطاب وقرأه وفيه: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64]إلى آخره، فقال لوزرائه: إذا جاء وفد من العرب فأخبروني، مع أنه كان عالماً بالنجوم، وقد رأى نجم نبي الختان قد ظهر، فقال: أي الأمم تختتن، قالوا: العرب، قال: إذا جاء وفد من العرب فأخبروني، فلما جاء وفد أبي سفيان وجماعة معه، قال: أنتم من العرب؟

    قالوا: بلى. ..

    جئتم من الحجاز؟

    قالوا: بلى

    أظهر فيكم من يقول إنه نبي؟

    قالوا: بلى.

    قال: من أقرب الناس إليه نسباً فيكم؟

    قالوا: أبو سفيان .

    قال: ادن، واجلسوا أنتم من ورائه، إني سائله أسئلة، فإن صدق فصدقوه وإن كذب فكذبوه.

    فقال: إني سائلك عن هذا الذي ظهر عندكم، أكان أبوه ملكاً؟

    قال: لا،

    قال: أكان في قومه من يدعي النبوة؟

    قال: لا.

    قال: أجربتم عليه كذباً؟

    قال: لا.

    قال: أقاتلتموه؟

    قال: بلى.

    قال: كيف كان القتال بينكم؟

    قال: سجالاً؛ تارة لنا وتارة علينا.

    قال: أخبرني عمن يدخل في هذا الدين، أيخرج منه أحد بعد أن يدخل فيه؟

    قال: لا،

    قال: أيكذب عليكم؟

    قال: لا.

    ثم قال: سألتك: أكان في آبائه ملك فقلت لا، فلو كان أبوه ملكاً لقلت يطلب ملك أبيه الضائع.

    ثم سألتك: أكان في قومه من يدعي النبوة فقلتَ لا، ولو كان فيهم لقلت: يدعي ما ادعاه غيره.

    وسألتك: أحاربتموه، قلت: بلى والحرب سجال، وهكذا شأن الأنبياء مع الأمم.

    وسألتك: أيخرج أحد ممن دخل في دينه بعد أن دخل فيه فقلتَ لا، وهكذا بشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب.

    وسألتك: أيغدر، قلت لا.

    وسألتك: أيكذب، قلت: لا يكذب. فإذا كان لا يكذب على الناس فلن يكذب على الله.

    ثم قال أبو سفيان: ألا أخبرك بما تعلم أنه يكذب؟

    قال: وما هي؟

    قال: ويزعم لنا أنه أتى مسجدكم هذا، ورجع إلينا في ليلة واحدة، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً في المجيء وشهراً في العودة.

    هذه التي وجدها أبو سفيان.

    ثم قال أبو سفيان بعد أن خرج من قصر الملك: والله ما منعني الكذب عليه بين يدي هرقل إلا أن يؤخذ عني الكذب.

    حينما قال: ألا أخبرك بما تعلم أنه كذَب، وقال: لقد أخبرنا أنه أتى إلى مسجدكم هذا وصلى فيه ورجع من ليلته، هذه أكبر دليل عند أبي سفيان على الكذب، وكان دهقان من دهاقنة بيت المسجد على رأس الملك، قال: نعم وقد علمت تلك الليلة، قال: وما علمك بهذه الليلة.

    أبو سفيان يأتي بالقصة من أجل أن يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب، والله يأتي بالدهقان ليصدق على ما قال أبو سفيان بأنه جاء وصلى ورجع في ليلة.

    فقال له الملك: وما علمك بذلك؟ قال: كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، وفي تلك الليلة غلقت الأبواب إلا باباً واحداً، فعالجته، فدعوت الخدم واجتمعنا عليه فلم نستطع فدعوت النجاجرة، -هكذا يقول ابن كثير في القصة- فدعوت النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن الجدار أو السجاف قد نزل على الباب، والليل مظلم ولا نستطيع أن نفعل شيئاً، فدعه إلى الصباح لنرى من أين أُتِي ونصلحه، فتركته على ما هو عليه، ومن الغد في الصباح بادرت إلى الباب فإذا به كالعادة يقفل ويفتح، ونظرت إلى صخرة عند الباب فإذا بها مخروقة وبها أثر دابة، فعلمت أن هذا لا يكون إلا لنبي!

    والذي يهمنا أن أبا سفيان وهو لا زال على الشرك عدواً للإسلام، يقول: ما كذبت -يعني أحب ما يكون إليه أن يكذب رسول الله عند هرقل يقول: ما منعني أن أكذب على رسول الله إلا خشية أن تؤخذ علي كذبة، فلا يصدقني في خبر بعد ذلك.

    فكيف به بعد إسلامه، وهكذا يُسأل صلى الله عليه وسلم: أيسرق المسلم؟ فيقول: نعم.. أيفعل.. أيفعل.. حتى إذا سئل: أيكذب؟ فقال: لا.

    سبحان الله، والحديث الآخر: (وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.. وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً).

    بشاعة تصوير الكتاب والسنة للغيبة

    وتأتي قضية الغيبة والنميمة، والآثار الكبيرة فيها، يقول تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:12].

    يشبه القرآن الكريم المغتاب بشخص ذهب إلى المقبرة ونبش القبر وأخرج الميت وانهال عليه يأكل من لحمه، وهذه صورة فظيعة، ويا لفظاعتها!

    وصورة قريبة من تلك الصورة حكاها النبي صلى الله عليه وسلم عندما (كان يمشي مع جماعة من الصحابة، فتكلم شخص بكلمة عن شخص غائب، ثم مر صلى الله عليه وسلم بجيفة حمار شائل، فقال: أين المتكلم بكلمة كذا؟ قالوا: هذا هو، قال: انزل فكل من هذه الجيفة، قال: يغفر الله لي ولك، ومن يأكل من هذه؟ قال: للكلمة التي قلتها أشد جيفة من هذه).

    انظر التشبيه العملي، نلاحظ أنه لما سمع عليه الصلاة والسلام كلام ذلك الرجل سكت عنه، لكن لما رأى تلك الجيفة تكلم تصديقاً لكتاب الله أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا [الحجرات:12] فجعله كمن يأكل من لحم أخيه ميتاً؛ لأن الأخوة تقتضي الحفاظ عليه، والأخوة تمنع من أن تعضه بالفم وهو حي، أو أن تناله بأبسط مكروه، فكيف بأكله ميتاً؟ بل لو كان حياً وبينك وبينه عداوة وقد مات، فلن يبقى للعداوة أثر بعد الموت.

    وأما النميمة -عياذاً بالله- فتوقع بين القوم فتناً، والفتنة أكبر من القتل، فقد تقع بين القبائل حروب تأتي على الأخضر واليابس بسببها، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم).

    صور ونماذج من مزح الصحابة

    وفي المزح قد يبحث الشخص عن كلمة سواء كانت حقاً أم باطلاً ليضحك القوم، أما لو كانت طرفة أدبية، أو نكتة لطيفة، أو كان فيها توجيه، فلا مانع منها، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح مع أصحابه ولا يقول إلا حقاً.

    والصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا أيضاً يمزحون، ومما يروى أن أعرابياً جاء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأناخ راحلته عند باب المسجد، وجاء بعض الصحابة وقالوا: يا نعيمان!! نحن منذ فترة من الزمن ما أكلنا اللحم، قال: فماذا تريدون أن أفعل؟ قالوا: انحر لرجل ضيف عند رسول الله، وسيعطيه الرسول بدلاً عنها من إبل الصدقة، وتكاثروا عليه حتى نحرها، وتقاسموا لحمها، وخرج الرجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد ناقته، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فسأل النبي أصحابه عنها، فأخبروه بأن نعيمان ذبحها وفرق لحمها، فدعاه وقال له: ما الذي حملك على هذا؟ قال: الذين دلوك علي هم الذين حرضوني، فضحك صلى الله عليه وسلم وأعطى الأعرابي ثمن ناقته من عنده.

    لا نقول إن هذا من باب إجازة التسلط على أموال الناس، لا، فالصحابة لم يفعلوا ذلك إلا بمقصد حسن، وبحسن ظن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما إذا كان عن تعد، كما فعل غلمان عندما أخذوا ناقة لرجل من الأعراب، فذبحوها وأكلوها، فلما خرج، قال: من فعل هذا؟ قالوا غلمان حاطب، فلما سئلوا عن علة ذلك، قالوا: كنا جائعين، فغُرم سيدهم قيمة الناقة مثلين، وألزم بالنفقة التي تكفي لغلمانه فلا يجوعون فيعتدوا على أموال الناس.

    ففرق بين هذا الذي جاء عن تقصير، وذاك الذي عن حسن قصد أو عن رغبة فيما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن أمثلة ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ظاهر من زوجاته شهراً، وكان عمر في العالية وجاء زميله الذي كان يقاسمه الأيام، فقد عمر بن الخطاب وجاره لهما بستان في العالية، ولا يستطيعان أن ينزلا معاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسماع الأحاديث، ولا يستطيعان أن يجلسا معاً ويتركا المسجد، فتناوبا، فيجلس هذا في البستان وينزل هذا يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين يأتي في الليل يسمِّعه ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغداً ينزل الآخر، وهكذا يتناوبان.

    فيوم جلس عمر ونزل صاحبه، فلما عاد إليه قال: يا ويح عمر ! قال: ماذا حصل، هل داهم الأعراب المدينة؟ قال: لا، ولكن طلق رسول الله زوجاته. فنزل عمر وبدأ بـحفصة بنته، فقال لها: ما بالك طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لم يطلقني، فقال لها: فأين هو؟ قالت: هو في العلية.

    قال: فماذا حصل؟

    قالت: نساؤه طلبنه النفقة.

    فطعنها عمر في خاصرتها، وقال لها: أغرك أن جارتك أوضأ منك وجهاً، وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    ثم قال: والله لأصعدن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأضحكنه.

    فلما صعد قال: السلام عليك يا رسول الله! فرد عليه السلام.

    فسأله: هل طلقت أزواجك يا رسول الله؟!

    قال: لا. ولكنهن يطلبنني النفقة.

    قال: والله يا رسول الله! لو رأيت بنت فلان -يعني: زوجة عمر - وهي تقول وتقول إلى أن ذكر أشياء ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقال: ما جئت هنا إلا من طلباتهن كذا وكذا.

    فـعمر رضي الله تعالى عنه تعمد أن يأتي بالأخبار التي تضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه علم أنه غضبان من زوجاته.

    وقد جاء عن عمر أنه لقي رجلاً فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! أريد أن أطلق زوجتي. قال: ولم، قال: لا أحبها، فزجره وقال: ثكلتك أمك، وهل كل البيوت تبنى على المحبة، أين الوفاء وأين المروءة وأين مكارم الأخلاق، وأين وأين.. حتى رجع الرجل.

    ومرة أخرى يأتي إنسان إلى بيت عمر، ثم يرجع من بابه، فيعرف خبره عمر ، فيسأله عن سبب عودته من بابه، فيقول: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت أشتكي زوجتي إليك، وكثرة نزاعها معي، فلما وصلت إلى باب بيتك فإذا بي أسمع زوجك ترفع صوتها عليك، فقلت: إذا كان هذا أمير المؤمنين يصبر على زوجه، فلماذا لا أصبر أنا كذلك. فقال له عمر : وكيف لا أصبر عليها وهي أم ولدي، وفراشي، وحافظة مالي، وطاهية طعامي، ومنظفة ثيابي.

    فهذا هو عمر رضي الله عنه الذي جاء يقول إن زوجتي تقول وتقول، حتى ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: الكلمة التي يقولها الإنسان لا يريد إلا أن يضحك القوم دونما غاية وراء ذلك، هذا هو العبث، أما إذا كان لإصلاح ذات البين أو لتفريج هم إنسان، كأن تجد إنساناً يخنقه الغضب، وتحتبس العبرة في عينه، ومع كلمات هادئة أو كلمات لطيفة، تسرِّي عنه كل الذي يعانيه، فتكون هذه أعظم صدقة منك عليه؛ فهذا لا بأس به.

    وأعظم ما يكون من ذلك: عندما يتكلم الإنسان في العلماء، ولا يلقي لذلك بالاً، بل قد يكون عن قصد وتدبير.

    وكم جاءت الأحاديث أن شر الناس رجل خبب زوجة على زوجها، أو عبداً على سيده، وما ذلك إلا باللسان أو بالكلام.

    ويذكرون أن عمر رضي الله تعالى عنه دخل على أبي بكر فإذا به ممسك طرف لسانه -جاذباً له- وهو يقول: تب إلى الله أوردتني المهالك! قال: مه يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لولاه استرحت.

    فإذا كان الصديق رضي الله تعالى عنه يحاسب لسانه عملياً كما يقولون، فكيف يكون بالآخرين؟

    وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال:- على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)، جعل صلى الله عليه وسلم فيه أعمال اللسان زرعاً، والزرع لا بد له من حصاد، فمن يزرع الشوك لا يحصد إلا الشوك، وعلى هذا يكون التشبيه من حيث العمل ومن حيث النتيجة، وكما ذكر صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج مما رآه عند قوم يحرثون ويبذرون فيطلع ويحصدون في يومهم ثم يعود النبات مرة أخرى، وكلما حصدوا طلع النبات، وذكر أن هذا هو الجهاد في سبيل الله، وأنه ثمرة أو حصاد زرعهم.

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا وإياكم زلات اللسان، وما الغمز ولا اللمز ولا الهمز ولا الاستهزاء ولا السخرية ولا الكذب ولا الغيبة ولا النميمة ولا الفتنة إلا من حصائد اللسان.

    وبعض العلماء يقول: واعجبا! اللسان محبوس وراء أربعة جدران، ومع هذا ينفذ منها، أنت تطبق عليه الفكان بأسنانهما، والشفتان بطرفيهما، ومع ذلك يفلت منهما ويأتي بالكلمات التي لا تليق.

    ويقولون: كل سهام يمكن تداركها إلا سهم اللسان، فإذا نفذت الكلمة من الشفتين لم تستطع أن تستردها.

    نسأل الله تعالى أن يقينا وإياكم شر ألسنتنا، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

    وخير ما نختم به هذا الموضوع قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، يا لسان! قل خيراً فتغنم أو اصمت فتسلم.. لأنك بين أحد أمرين إن كنت متكلماً فلا تتلكم إلا لتغنم، وإلا فاصمت لتسلم.. والله تعالى أعلم.