إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث السابع والعشرون

شرح الأربعين النووية - الحديث السابع والعشرونللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح حديث: (البر حسن الخلق)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس رواه مسلم.

    وعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أتيت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك حديث حسن، رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن ].

    يسوق الإمام النووي رحمه الله هذين الحديثين في موضع واحد كحديث واحد لاتحاد موضوعهما، وإن اختلفت الألفاظ والرواة والتخريج، فالأول عن النواس بن سمعان رواه مسلم ، والثاني عن وابصة بن معبد رواه أحمد والدارمي ، وكلا الحديثين صحيح.

    الحديث الأول: عن النواس بن سمعان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك.

    والحديث الثاني: عن وابصة ، وفي بعض الروايات أنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من قومي، وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة عام الوفود، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، وحوله أصحابه، فأخذت أتخطى الرقاب لأدنو منه، فقالوا: دونك يا وابصة ! هذا رسول الله! فقلت: دعوني أصل إليه، فقال: دعوه، فدنوت منه حتى لمست ركبتاي ركبتيه، فقال: يا وابصة ! أخبرك بما جئت تسأل عنه أم تسأل وأخبرك؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! بل أخبرني، فقال: جئت تسأل عن البر والإثم، فقلت: والذي بعثك بالحق! عن هذا جئت أسأل!، وهذه الرواية لها نظير في باب الحج حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في مسجد الخيف فأتاه رجلان: أحدهما من ثقيف، والآخر من الأنصار، فقال الحاضرون: قدّموا هذين فإنهما على سفر، فقال الثقفي للأنصاري: سل، وقال الأنصاري للثقفي: سل، فقال صلى الله عليه وسلم: إن شئتما سألتما، وإن شئتما أخبرتكما عما جئتما تسألان عنه! فقال الأنصاري: بل أخبرنا أنت يا رسول الله! قال: جئت تسأل عن حجك وما لك فيه، وعن خروجك من بيتك تؤم البيت وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت، وطوافك بين الصفا والمروة، وعن وقوفك يوم عرفة، وعن حلقك الشعر، وعن رميك الجمرات، وعن نحرك الهدي ، قال: والذي بعثك بالحق! عن هذا جئنا نسألك يا رسول الله!، فذكر لهما النبي صلى الله عليه وسلم أجر المناسك كلها حتى نهاية الحج، والطواف بالبيت، فقال في آخره: تطوف بالبيت، ويأتي ملك يربض بكفه بين كتفيك، ويقول لك: استقبل عملاً جديداً، فصحيفتك بيضاء نقية.

    فوائد دلائل النبوة

    والأحاديث بهذه الطريقة قد تصدر من النبي صلى الله عليه وسلم؛ تقوية ليقين السائل، وإظهاراً للمعجزة لأحد الحاضرين ممن تكون عنده بعض الشبه، أو عنده بعض الترددات، فيأتي مثل هذا الأسلوب فيذهب ما في نفسه، ويقوى يقينه، ويجعل عند الناظر أو السامع زيادة إيمان ويقين بالله.

    وقد روي: (أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو وأصحابه يأكلون، فقال: أنت محمد بن عبد الله؟ قال: نعم، قال: أنت رسول الله؟ قال: نعم، قال: من يشهد لك أنك رسول الله؟ قال: القصعة التي تأكل منها، فرفع القصعة إلى أذنه فسمعها تسبح الله، وتشهد الشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله! فقال: والله! إنها لتسبح، وإنها لتقول: كذا وكذا! فقال رجل آخر: أسمعنيها يا رسول الله! فقال: سمّعه، فأخذها وسمعها، فقال ثالث: أسمعنيها؛ فقال: لا، يكفي شاهدان، حطها).

    فـوابصة أتى وافداً مع قومه، فصار يزاحم حتى يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أن آداب المجلس تمنع من المزاحمة، ولكن للعاطفة وللشعور أحكام فوق الآداب كما يقولون، وقد ثبت أنه جاء نفر ثلاثة إلى مجلس رسول الله صلى عليه وسلم، فرجل وجد فرجة فجلس، ورجل استحى أن يزاحم الناس فجلس من ورائهم، ورجل لم يجد مكاناً فمشى، فقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى من الله فاستحى الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه).

    ونذكر قصة وفد عبد القيس، وهم من الخليج من نهاية الجزيرة من الشرق أو الشمال الشرقي، يسافرون الشهر والشهرين، فلما وصلوا المدينة، إذا بالوفد سرعان ما نزلوا عن رواحلهم، وتركوها وأسرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما أميرهم أشج عبد القيس يتريث، ويجمع الإبل ويعقلها، ويجمع المتاع ويسفطه، ثم يعمد إلى عيبته فيخرج أحسن ثيابه، ثم يغتسل ويلبس الثياب الطيبة، ثم يمشي على تؤدة بعد أن وصل أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوقت طويل، فيأتي على طمأنينة، فيجد القوم قد اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً أفسح له بجواره، وقال: (إنك امرؤ فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة -فانتهزها فرصة- وقال: يا رسول الله! خلق تخلّقت به أم جبلة جبلني الله عليها؟ قال: بل جبلة جبلك الله عليها، قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يرضي الله ويرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فكان الوفد واحداً، ولكن جلهم ما استطاعوا الصبر؛ لأن قلوبهم جياشة بالعاطفة لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد سفر شهرين، وأحدهم استطاع أن يضبط أعصابه، وأن يتحكم في عاطفته، فأتى بتأنٍ.

    فهذا وابصة يتخطى الناس، وأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات أنه قال: (جئت يا رسول الله! وأنا أريد ألا أدع براً ولا إثماً إلا سألت عنه، فلما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بادره رسول الله فقال: تخبر أم أخبرك أنا؟)، وهذا من المعجزات التي كانت تتجدد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض روايات وابصة أنه قال: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع أصابعه الثلاث -ولم يذكر لنا أحد كيفية جمعها- ودفع بها في صدري وقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس) إلى آخر الحديث، ودفعه في الصدر تنبيه للقلب.

    وهذا الحديث برواياته يدل على مدى شفافية قلب المؤمن، ومدى إشعاع نور الإيمان والبصيرة في قلبه، وهو يرد الإنسان المؤمن حقاً إلى فطرته التي فطره الله عليها، ولذا جاء في الأثر: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله).

    معنى البر

    في هذين الحديثين يبين لنا صلى الله عليه وسلم بكلمتين: (البر حسن الخلق)، (الإثم ما حاك في النفس)، ويقابل صلى الله عليه وسلم بين معنيين متضادين، وكلاهما جمع باباً بجميع فروعه.

    يقولون: البر من أسماء الجنة كما قال الله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وقد يكون اسماً جامعاً لجميع أعمال الخير كما قال الله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان [المائدة:2]، وانظر المقابلة! قالوا: البر ما كان للخلق في التعامل: من اللطف، والمسايرة، والمجاملة، وطلاقة الوجه، واصطناع المعروف، وغير ذلك، والتقوى: ما كان بينك وبين الله، فتجمع بين الأمرين: حسن المعاملة بينك وبين الخلق، وبينك وبين الخالق، أو أن البر أمر إيجابي في فعل المعروف، والتقوى أمر سلبي في اجتناب المحرمات، أي: تعاونوا على فعل المأمورات، وتعاونوا على ترك المنهيات، فبفعل المأمورات تأتون على البر، وبترك المنكرات تأتون على التقوى؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية بترك المعاصي، ويقابلها قوله: ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ [المائدة:2] أي: من الذنوب التي بين الإنسان وبين ربه، والْعُدْوَان [المائدة:2] أي: من الذنوب التي تتعلق بحقوق الآخرين.

    وقال بعض العلماء: البر فضائل الأعمال، وقيل: البر كل ما كان فيه قربة لله من الفرائض والمندوبات والنوافل.

    قال الشاعر ويروى عن عمر :

    أبني إن البر شيء هين وجه طليق وقول لين

    وفي رواية للبيت أخرى:

    أبني إن البر شيء هين فعل جميل وقول لين

    فكلاهما علامة على حسن الخلق.

    قوله: (البر حسن الخلق) يقول علماء النحو: مبتدأ وخبر، ويقول علماء البيان: جملة اسمية إسنادية من باب القصر؛ لأن كلاً منهما معرّف، فالبر معرّف بأل، وحسن الخلق معرّف بالإضافة، وعلماء الكلام يقولون: محمول وموضوع، ويقول علماء البيان: قصر البر في حسن الخلق، وعندهم القصر: حقيقي ومجازي، فمن أي النوعين هذا الحديث؟ هل هو قصر حقيقي أو هو من باب المجاز أو أن المعنى أكثر البر حسن الخلق؟

    حسن الخلق

    يقول بعض العلماء: الشريعة الإسلامية كلها حسن الخلق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهو الوصف الكاشف الذي تميز به سيد الخلق صلى الله عليه وسلم عن جميع الأنبياء في كتاب الله كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، (فهذا الوصف) عنوان كلي على كمال النبي صلى الله عليه وسلم.

    سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت للسائل: أتقرأ القرآن؟! قال: نعم، قالت: كان خلقه القرآن) يعني: كان متأدباً بآداب الكتاب الكريم، فيأخذ أوامره، ويترك نواهيه، ويعمل بآدابه وإرشاداته ونصائحه، والقرآن الكريم يحث على هذا الباب كقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، وقوله: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، فكان خلقه القرآن، فكل ما في القرآن: من تعاليم، وآداب، وتوجيهات؛ كانت خلقه صلى الله عليه وسلم.

    قال صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق)، وقال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فحسن الخلق هو الرسالة المحمدية، قال الله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ [البقرة:177] -الذي هو: حسن الخلق- مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177]، شهادة من الله بأنهم صدقوا في إيمانهم، وصدقوا في أعمالهم، وصدقوا في أقوالهم، فقال: آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177]، فأركان الإيمان كلها في هذا البر، ثم ذكر فروع وأركان الإسلام، ثم ذكر مكارم الأخلاق من الصبر في البأساء والضراء وحين البأس، ثم تأتي شهادة الله لهم بالصدق، فهذه الآية: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة:177] إلى آخر تلك الصفات هي البر، فإذاً: البر حسن الخلق، ولو أخذت كلمة: (حسن الخلق)، وجئت بهذه الآية: (ولكن البر) في الحديث، لحلت محل حسن الخلق، فالبر حسن الخلق، والآية ذكرت الإيمان والعقائد والأعمال الصالحة والأقوال الطيبة ومكارم الأخلاق، فكل هذه الصفات تدخل في الآية، فيكون حسن الخلق عنواناً لكل ما جاءت به الشريعة الإسلامية، ومصداق هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

    وإذا نظر الإنسان فإنه صلته بربه في طاعته وامتثال أوامره، وصلته بالناس في معاملاتهم، وكيف يعامل الناس؟

    قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حسن الخلق يذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجليد، وسوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل).

    ومن حسن الخلق قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263]، فلا ينفعك أن تنفق مثل جبل أحد ذهباً مع المن والإيذاء، قال الله: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264]، ولكن قل كلمة طيبة: الله يوسع علينا وعليك، الله يفتح علينا وما ننساك، الله يكرمنا وإياك، فضل الله واسع، دون مؤاخذة لم يبق في يدي شيء الآن، كلمة طيبة يسمعها منك السائل أو المسكين، وإذا لم يكن في المال سعة فأقل شيء الكلمة الطيبة، والابتسامة، وطلاقة الوجه.

    الخلق الكريم وسط بين رذيلتين

    وكلمة حسن الخلق لا يستطيع الإنسان أن يوفيها حقها، ويقول علماء الأخلاق: كل فضيلة تجدها وسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط، فمكارم الأخلاق هي الفضيلة الوسطى، وهي الصراط المستقيم بين طرفين مذمومين، فمثلاً: كرم المال تجده وسطاً بين التقتير والتبذير، فالشخص الذي ينفق ماله بغير وجه حق يقال: هذا سفيه مضيع ماله، والذي يمسك ماله عن كل وجه حق يقال: هذا بخيل مقتر حتى على نفسه، ولكن الشخص الوسط في نفقاته، هو شخص كريمٌ في محله.

    والشجاعة وسط بين رذيلتين: بين الجبن والإحجام وبين التهور وعدم التبصر في العواقب، لكن من أقدم حينما يكون للإقدام محل، ويفر ويرجع حينما يكون للفرار محل، فهو الشجاع.

    وكذلك الحلم له موضع، وللسيف موضع، وللتأنيب موضع، فكل مكارم الأخلاق وفضائلها وسط بين طرفين مذمومين، إما إفراط أو تفريط.

    وهذا الحديث في بلاغته مع إيجازه من كبريات الإعجاز في التعبير النبوي، فإنه يجمع التشريع كله في كلمتين متقابلتين: برٌ وإثمٌ.

    طمأنينة النفس

    وقال في حديث وابصة : (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فذكر هذا الميزان، وهذا المقياس، فاطمئنان النفس يدل على حل الشيء، وعدم الطمأنينة بالشيء يدل على الإثم، وجاء في بعض الآثار: (إياك وحزَّاز القلوب، أو حوّاز القلوب)، وحزاز القلوب هو: الشيء الذي يحز في النفس ولا تتحمله، ويورث قلقاً واضطراباً، وحوّاز: من الحوز، أي: الذي يشتمل على القلب ويغلب عليه.

    وقد يشكل هذا الحديث على بعض الناس فيقول: هل نرجع في بيان الحلال والحرام والبر والإثم إلى النفوس؟ وأي تلك النفوس؟ وأي مقياس لها؟

    قال العلماء: لا، لا تنس الحديث الذي تقدم: (إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات)، إذاً: طلب طمأنينة القلب والنفس عند عدم الركون إلى أحد الجانبين، وفيما هو وسط بين الطرفين الواضحين، فالحلال بيّن ليس فيه تردد، والحرام بيّن ليس فيه تردد، ولكن بينهما أمور شفافة دقيقة رقيقة لا تتضح لكل إنسان، فهي مشتبهات متموجة، (لا يعلمهن كثير من الناس) ، فإذا كان الإنسان أمام أمر فلينظر -بإجماع المسلمين- هل فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أم لا؟

    قال الله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً [النساء:65] -أي: ضيقاً- مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]؛ ولهذا كم من موقف كان الحق ثقيلاً على المؤمنين، ولم تطمئن إليه نفوسهم كقوله تعالى: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7]، فهم لم يكونوا يريدون القتال في بدر، بل يريدون الغنيمة، ولكن الله أراد شيئاً آخر، ولذا قال سعد بن معاذ : (يا رسول الله! امض لما أمرك الله، فلعلك خرجت تريد أمراً، والله يريد أمراً غيره، فامض إلى ما أراد الله يا رسول الله!).

    وكانوا في الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج قال: (من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة) فهل بادروا بالتحلل؟ لا، بل وقفوا وقالوا: (يا رسول الله! أي الحل؟! قال: الحل كله، قالوا: أنذهب إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً؟)، كانوا مستنكرين هذا، وأخيراً شرح الله صدورهم وأطاعوا.

    وفي صلح الحديبية ذهب عثمان رضي الله تعالى عنه ليفاوض قريشاً، ويخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء معتمراً، وما جاء مقاتلاً، فتأخر عليهم، وأشيع أنهم قتلوه، فماذا فعل الرسول؟ بايع أصحابه على الموت أو على ألا يفروا، فبايعوا جميعاً، وهي بيعة الرضوان التي كانت تحت الشجرة، وقد ذكرها الله في كتابه، ثم انكشف أن عثمان لم يقتل، وحينما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (بايعوني، أخذ بيده الأخرى، وقال: وهذه عن عثمان)، وهل يبايع عن عثمان وهو ميت، أو فعل ذلك إشعاراً بأن عثمان لم يمت؟

    الله أعلم، ولكن يسر الله سبحانه وتعالى تلك البيعة، وسجل لهم ذلك الفخر والفضل في القرآن.

    وبعد هذا جاء سهيل بن عمرو للمفاوضة، وقبل صلى الله عليه وسلم ما شرطوا عليه، وماذا كان موقف عمر ؟ جاء إلى أبي بكر وقال: (ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! لماذا لا نقاتلهم؟!) فهل كان عمر راضياً بهذه البيعة؟ وهل اطمأنت نفسه لها؟ لا، فهو كان يتطلع لشيء آخر، لكن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: (يا عمر ! إنه رسول الله)، يعني: هو يمشي بوحي من الله، فلا تعترض يا عمر ! ؛ لأنه من عند الله، لكن عمر يأخذه الحماس، ويذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعيد الكرة عليه، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمر ! أنا عبد الله ولن يضيعني الله)، قال عمر : (والله! لم أزل أصوم وأتصدق وأعتق تكفيراً لتلك الكلمة)، ثم أنزل الله سورة الفتح وفيها: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ.. [الفتح:27]، وقال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1]، أي: لا تقدموا الآراء والاقتراحات، فهذا رسول الله، وقد سمى الله هذا الصلح فتحاً مبيناً.

    متى يرجع إلى طمأنينة القلب؟

    إذاً: حينما يكون الأمر فيه نص من كتاب أو سنة رسول الله، فليس لاستفتاء القلب محل، ولا لاستفتاء عالم من العلماء مدخل؛ لأن النص في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي على ذلك، ولكن إذا لم يكن في الأمر نص، من الحوادث التي تتجدد، أو أن النص مجمل، أو يوجد نص آخر يعارضه في الظاهر، ولا تستطيع الجمع بين النصوص، ولا معرفة الراجح، ولا يعرف ذلك إلا النقاد الحذاق من العلماء الذين جعل الله في قلوبهم شفافية، فهنا إذا كنت في أمر خفي لم يطلع عليه أحد، (استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك)، مثلاً: يتخاصم اثنان إلى القاضي، والله يعلم المحق من المبطل، والقاضي بشر قد يخطئ، وقد قال سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر أقضي لكم على نحو ما أسمع، فلعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما سمعت، فمن حكمت له أو قطعت له شيئاً من حق أخيه إنما أقتطع له قطعة من النار!)، فقد يدخل خصمان على الحاكم، وهو لا يعلم الغيب، فيأتي أحدهما بشهود زور، أو بينة مزورة، ويقضي القاضي بظاهر الأمر، والقاضي لا يحكم حتى بعلمه، فيحكم القاضي، والخصمان هما اللذان يعلمان حقيقة الأمر، وهل الحكم حق أم لا، والقاضي معذور في حكمه بالظاهر، فإن: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)، فإذا خرج الخصمان بحكم صدر من القاضي، والمحكوم له يعلم يقيناً في قرارة نفسه أنه مبطل، فهل يحق له أن يأخذ ما حكم به القاضي؟

    لا، وحينها يستفتي نفسه، فهل تطمئن نفسه إلى ما حكم به القاضي؟

    لا والله! فهو يذهب إلى البيت ولا يستقر قراره؛ لأنه أولاً كان ظالماً، والآن هو ظلوم وظلام، أول الأمر كان يظلم نفسه، ويظلم خصمه، والآن ظلم القاضي وظلم الشهود، ولذا يقول العلماء جميعاً ما عدا الأحناف: حكم الحاكم لا يحل حراماً، وعند الأحناف أنه إذا قضى الحاكم فالمحكوم له الظاهر، لكن إذا كان يعلم في حقيقة الأمر أن المال ليس حقه، فكيف نقول حكم الحاكم يحله له؟! والله! لا تهضمها النفس أبداً.

    إذاً: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس).

    ورجوع الإنسان إلى قلبه، على أي ميزان يكون؟

    لا يوجد مقياس مليمتري، ولا ميزان بالدرهم والشعرة والذرة، لا، إنما يرجع في ذلك إلى نور الإيمان في قلب المؤمن، وإلى الفطرة التي فطره الله عليها، والفطرة إن تركت على ما كانت عليه، فهي تهدي إلى الخير، أما إذا اعترتها العوارض، واجتالتها الشياطين، فلا يرجع إليها، وقد جاء في الحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم)، فعند ذلك تأتي الشبهات، ويأتي أكل الحرام، ويغلف هذا القلب، ويطمس هذا النور.

    حينما قال سعد بن أبي وقاص : (يا رسول الله! سل الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: أطب مطعمك تستجب دعوتك)؛ لأن الجسم ينبت على الطعام، فإذا كان الطعام حلالاً نبت الجسم شفافاً، ليس كالزجاج، ولكن لا يكون كثيفاً بالظلمات، فيكون القلب على فطرته ونوره كما جاء في الحديث.

    مثل نور الإيمان في القلب

    الإيمان في القلب كنور السراج داخل السراج، وكلما أديت العبادة لله كلما ازداد نور السراج، كما ضرب الله مثلاً للنور في قوله: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور:35] أي: زيتها صافٍ معتدل، لا شرقية تسطع فيها الشمس من الصباح، ولا غربية من الزوال إلى الغروب، ولكن بين بين، تأخذ من ضوء الشمس ما يكفيها، ولا تتأثر بحرارتها، فتكون أطيب زيتاً، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35] أي: نور الفطرة، ونور العمل الصالح يذكيان هذا السراج، فإذا أذنب ذنباً نكت فيه نكتة سوداء، فإذا أذنب ذنباً آخر نكت فيه نكتة أخرى، وهكذا حتى يتغلف القلب، كما قال الله: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، ولا يزيل هذا الران، وينقي تلك النكت السوداء إلا حرارة الندم، والتوبة، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

    والقلب حينما يكون على الفطرة وعلى الحالة الأولى، إذا عرض له شيء تكون حساسيته شديدة، وقد يسميها بعض الناس: الحاسة السادسة، ونحن نسميها: حاسة الإيمان، وحاسة اليقين، فنور البصيرة تضيء للعبد طريقه.

    ومن أمثلة الحاسات المعنوية التي لا ندرك كنهها، قصة الصديق رضي الله تعالى عنه عندما جاءه غلامه بطعام، فاستنكر الطعام، طعام يأتيه غلامه به فيستنكر هذا الطعام! ليس فيه مرارة ولا ملوحة ولا حرارة ولا حريف ولا شيء؛ لكن أحس أن فيه شبهة، عنده حساسية حلال وحرام، ليس حساسية حلو ومر وحامض ومالح، بل حساسية حلال وحرام، وجسم الإنسان ليس فيه خلايا الحلال والحرام، لكن فيه خلايا الذوق في طرف اللسان، فيميز الحلو والمر والمالح والحامض وكل شيء بطرف اللسان فقط، لكن الجسم ليس فيه خلايا حلال وحرام، لكن نور الإيمان هو الذي يبصرها، فقال للخادم: من أين هذا الطعام الذي جئتني به؟! انظروا! (الإثم ما حاك في الصدر)، فقال: كنت في الجاهلية تكهنت لرجل ووعدني بكهانتي، ووالله! ما كنت أعرف الكهانة، ولكني نصبت عليه، فلقيني فأعطاني، فاشتريت به هذا الطعام، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، (ونهى عن حلوان الكاهن) ، فكيف ينهى عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم يشتري به لـأبي بكر ؟ فاستقاءه أبو بكر، وأخرجه من بطنه!

    وكذلك عمر لما جاءه غلامه بحليب، فاستنكر طعم هذا الحليب، وقال: من أين هذا؟ فقال: أرسلتني لآتيك بحليب من إبلك، فذهبت فإذا الراعي قد أبعد، فوجدت في طريقي إبل الصدقة، فقلت: احلبوا لي، فحلبوا لي، فهذا حليب من إبل الصدقة، وعمر لا تحل له الصدقة، فوضع أصبعه في جوفه فتقيأ!

    نرجع إلى الحديث، قوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس) الطمأنينة متى يرجع إليها؟ يرجع إليها حينما لا يكون نص في المسألة، أما عند النص فلا.

    وما هي النفوس التي ينظر في طمأنينتها؟ هي النفوس المؤمنة؛ ولهذا قال في المقابل: (والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وبعض الأشخاص يرتكبون الأعمال السيئة، ولا يستترون من الناس أو فيما بينهم، ولو فعل أحدهم شيئاً من المنكر، وكان معه بعض زملائه الذين على شاكلته، لا يكره أن يطلعوا عليه، حتى أن بعضهم لم يطلع عليه أحد ثم يأتي ويتفاخر بالمعصية عند زملائه عياذاً بالله! فيحكي بعضهم لبعض ماذا كان من أمرهم، يسافر أحدهم إلى بلد ما للمعصية، ويستر الله عليه، ثم يأتي لزملائه وأمثاله فيخبرهم بما صنع، ولا يستحي منهم، وفي الحديث: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فالمسلم يستحي مِن أهل الحياء، ومن أهل المروءة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استح من الله كما تستحي من رجلين من ذوي المروءة من قومك).

    فقوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس) أي: إذا لم يكن في المسألة نص، وترددت المسألة بين الحلال والحرام، فلينظر هل تطمئن النفس بفعل ذلك أم لا؟

    معرفة طمأنينة القلب

    في الرواية الأخيرة أن وابصة قال: وكيف ذلك؟ أي: كيف أعرف أن قلبي قد اطمأن؟ فقال: (ضع يدك على قلبك، فإن القلب يطمئن للحلال، ولا يطمئن للحرام)، والآن عند التحقيق مع المجرم يضع المحقق يده في قلب المتهم مثل الطبيب الذي يكشف عليه، فإذا وجه إليه سؤالاً في صميم الموضوع نبض قلبه بسرعة، وإذا كان السؤال بعيداً عن الموضوع وليس فيه ريبة، فإن النبض معتدل، فيستدل بتغير نبضات القلب مع تغير الأسئلة على حالته النفسية وعلاقته بالجرم، وهذا مذكور في علم الجنايات.

    وهنا نأتي إلى لفتة صغيرة لإخواننا طلبة العلم الذين يجدون في أنفسهم الكفاءة للاجتهاد، ويعرضون عن فهم السلف رحمهم الله، ويستبدون بآرائهم في الفقه والفتوى حينما تكون المسألة لا نص فيها، أو فيها خلاف كثير، فنقول لهم: لا ينبغي لكم هذا، لا سيما في معرض الاستفتاء، فلو قدر أنه اجتمع الأئمة الأربعة وأصحابهم وأنت معهم، وعرضت قضية لا نص فيها، وتردد فيها النظر، فرجعت الفتوى إلى القلب، فأي القلوب أولى أن نأخذ بطمأنينتها؟ قلوب السلف بلا ريب، فلو مرت مسألة ليس فيها نص على سلف الأمة، واجتهدوا فيها وأفتوا، وكانت الفتوى صادرة بما اطمأنت إليه قلوبهم، فإذا عرضت عليك اليوم هذه المسألة، واستفتيت قلبك، وكان لك رأي فيها، ولسلف الأمة ذوي القلوب الحية والقلوب المستنيرة رأي فيها، وخالف رأيك رأيهم فيها، فما هو الحكم؟ وما الذي ترجح؟ وما الذي تعمل؟ هل تأخذ بفتوى قلبك وطمأنينته أو بفتوى أولئك الأخيار الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير؟

    تأخذ بفتوى السلف، فكلنا يعلم بمدى تقواهم، ومدى ورعهم، ومدى علمهم، ومدى فتح الله عليهم، ولو قيس علمنا بأولئك ما وصلنا إلى عشر علمهم وتقواهم، فماذا نفعل؟ هل نضرب بأقوال سلف الأمة عرض الحائط، ويقول القائل: أنا نفسي مطمئنة لهذا؟

    لا، فيجب عليك أن تحتقر نفسك، ولا تتبع هواك؛ لأنه إذا كانت المسألة متوقفة على طمأنينة القلوب، فأولى المقاييس هي: قلوب الصالحين من سلف هذه الأمة، فإذا كان لهم رأي، وأنت لك رأي مغاير لآرائهم، فهل تتهم رأيك أو تتهمهم؟

    فعلى طالب العلم قبل أن يستبد بحكم مسألة أو رأي أن يستنير بأقوال السلف، وينظر ماذا قالوا فيها، وما هي وجهة نظرهم.

    يقول بعض العوام: الحيوان يعرف البر من الإثم! وذلك بالطمأنينة والقلق، فسمعت من بعض كبار السن يقول: الغنمة تعرف الحلال والحرام، فقلت: كيف هذا؟! قال: هل عندكم غنم؟ قلت: عندنا، قال: وهل الجيران عندهم غنم؟ قلت: عندهم، قال: ارم البرسيم في الشارع، فيجتمع غنم الشارع كله ويأكل منه، وتجد الغنم حق الناس تجري، وغنمكم واقفة، لماذا؟ لأن غنمك تعرف أنه برسيمك، وغنم الجيران تعرف أنها معتدية وليس لها حق فيه، وهذا كلام صحيح.

    قال: حتى القطة إذا كنت تأكل، وجاءت إليك فأعطيتها، فإنها تأكل بجانبك، لكن لو خطفت منك شيئاً، فهي تعرف أنه ليس لها حق فيه، فتشرد بها، لتأكلها بعيداً عنك!!

    إذاً: الحيوان يدرك الحلال من الحرام، والحلال البين ليس فيه استفتاء، والحرام البين ليس فيه استفتاء، ولكن الاستفتاء فيما كان بينهما، وهذه المنزلة والمرتبة -كما يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه-: شفافة جداً ،ومقياسها التحرج، قال عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، فإذا حصل في النفس حزازة، وحصل في النفس احتكاك، والصدر ليس بقادر أن يستريح بها، فاتركها، وإذا تركتها استرحت.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (وكرهت أن يطلع عليه الناس)، هذه مسألة نسبية، ولكن الإنسان من جبلته ألا يمتنع أن يرى الناس منه العمل الحسن، ويكره أن يرى الناس منه العمل السيئ، فهذا الحديث يعتبر مقياساً لشفافية القلوب فيما بينها وبين الله.

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بنواصينا ونواصيكم إلى الحق، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    تنبيه

    روي في بعض الكتب عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه سئل عن السند، وعن الرواية، عن النص، وعن والاجتهاد والتقليد، فقال رحمه الله: إن جاءنا عن الله فنعم، وإن جاءنا عن رسول الله فنعم، وإن جاءنا عن صحابي من أصحاب رسول الله فنعم، لكن إن جاء عن تابعي فهم رجال ونحن رجال، فنقول: كلام حق وصحيح بالنسبة له، فهو توفي سنة مئة وخمسين هجرية، ويوم وفاته هو مولد الشافعي، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..، فـأبو حنيفة كان في وسط القرون الخيرة، فإذا كان الأمر كذلك فله حق أن يقول: الكتاب والسنة والصحابة على العين والرأس، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال، فهو من طبقة أتباع التابعين، وبعض الأحناف يدعي أنه تابعي، وأنه رأى بعض الصحابة، والآخرون يخالفونهم في ذلك، فليكن ما يكون، فإذا قال: هم رجال ونحن رجال، فهو من عصر أولئك الرجال، لكن نحن الآن لا نقول: نحن رجال وهم رجال، قال الشاعر:

    وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس

    كيف تقول الآن: نحن رجال وهم رجال؟! والله! ما أدري أي رجل هذا؟

    أنا أعجب لمن يقول هذا في هذا الوقت الحاضر! أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كانوا يبيتون ليلهم في عبادة يعلمها الله، قيل عن الشافعي : إنه صلى الفجر بوضوء العشاء عند مالك فكيف نقول: هم رجال ونحن رجال؟ والله! هم رجال ونحن عيال! ولو قبلوا أن نكون عيالاً معهم لكانت نعمة كبرى.

    وهذا الموضوع يثير شعور الإنسان؛ لأني أسمع عن أشخاص كثيرين أنهم يتجرءون في هذا الباب، وأنصح كل طالب علم أن يحتاط، وأن يوقر السلف، وأن يعرف قدر نفسه، وما عنده من علم، وأن يستنير بنور السابقين، والله تعالى أعلم.