إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [3]

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    ارتباط العبد بالله تعالى سبب لحفظ الله له

    قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) وهذا محط الرحل، يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن يكون العبد مرتبطاً بربه؛ لأن جميع الكائنات في قبضة يده، وهو المسخر لكل شيء، فإذا سألت حاجة كبيرة أو صغيرة فسل خالقها ومالكها الذي يملك أن يوصلها إليك، وإذا كنت في حاجة إلى طلب المعونة -لأنك لا تستطيع أن تعيش وحدك، ولا تستطيع أن تهيئ لنفسك كل ما تحتاج- فاستعن بالله .

    وقد ذكرنا أن الآية الكريمة في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، جاءت بعد مقدمة تثبت ذلك وتستلزمه، فقوله: (الحمد لله) أي: الثناء بالجميل على الله سبحانه، (رب العالمين) فربوبية العالم ومصلحة العالم راجعة إلى الله، هو الذي خلق، ورزق، ودبر، وربى، فإذا كان هو رب العالمين، فأي شيء تسأله لا يخرج عن عالم من عوالم هذا الكون، فاسألها من رب العالمين، الذي ربوبيته، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، وفي الآخرة هو مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، فأين تذهب ؟ وأين تتوجه ؟ إذا كانت الدنيا لله وحده، كما قال سبحانه: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:83] ، وإذا كنت في الآخرة فمرجعك إلى الله، وله الملك، وله الأمر، كما قال الله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] ، فلا ينبغي لك أن تصرف وجهك عنه سبحانه وتعالى.

    ثم قال: (واعلم أن الأمة) . فقوله: (واعلم) أعاد ذكر العلم مرة أخرى؛ لزيادة التنبيه والتأكيد، (أن الأمة)، جميع الخلق، ويمكن أن نتوسّع في معنى الأمة، فالأمة الجماعة، والأمة الزمن، والأمة الشخص القدوة، ويمكن أن يقال: العالم كله؛ إنسه وجنه وملائكته، فالأمة لو أرادت أن تصيبك بخير أو بشر لن يصلوا إليك إلا بشيء من الخير كتبه الله لك أو من الشر كتبه الله عليك.

    إذاً: المقادير بيد الله، والكائنات في قبضته، والأمر كله راجع إليه، فإذا كان الأمر كذلك فلمن تتوجه؟ لله؛ لأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بخير لن ينفعوك بخير إلا كتبه الله لك، وما قُدر لك لن يخطئك، وإن أرادوك بسوء لن يصلوا بهذا السوء إليك إلا إذا قدّره الله عليك.

    وقوله: (لن يضروك بشيء...) لن هذه أبدية، أي يضرونك بشيء إلا بشيء قد قدره الله عليك، وإذا كان مقدراً عليك فقدر الله ماضٍ، إلا إذا رفع بقضاء آخر، بدعاء أو فعل خير.

    الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، اجتمع عليه أبوه وقومه ومعهم النمرود، على أن يجعلوه في النار ورموه بالمنجنيق، لأنهم عجزوا أن يدنوا من النار ويقتربوا منها لشدة حرها وعلو لهبها، فماذا كانت النتيجة؟

    قال الله: فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ [الصافات:98]، فالمولى سبحانه الذي خلق النار، وسلطانها بيده، وهو الذي أعطاها خاصية الإحراق قال لها: (( كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ))، هل في العالم قوة تستطيع أن تسلب النار خاصيتها؟ لا يمكن، لكن قدرة الله فوق كل شيء.

    قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون وجنوده في البحر

    وفي تاريخ الأنبياء من المعجزات والدلائل ما يقنع العبد بأن كل أمر يأتيه أو يصرف عنه فإنما هو من عند الله، فبعد إبراهيم عليه السلام جاء نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، في وقت فرعون الذي قال الله عنه وعن قومه: يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [الأعراف:141]، وذلك: زيادة وإمعاناً في التنكيل؛ لأن النسوة إذا نشأن بدون رجال يحمونهن، يكن في أيدي العدو إماء وخدماً، ولو كان قتّل الجميع لكان أهون، لكن كان يستحيي النساء حتى يكن خدماً عنده وعند قومه، ويقتّل الأبناء حتى لا يدافعوا عن النساء، وفي تلك اللحظات يولد موسى عليه السلام، وتخاف عليه أمه، قال الله: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7]، إذا خفت عليه فألقيه في البحر، ومن سيأخذه؟ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39]، يا سبحان الله! هي خائفة عليه، وتعطيه لعدوه ؟! قال الله: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، سبحان الله العظيم! طفل رضيع يوضع في التابوت، ويلقى في اليم!! وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص:11]، فقصته أخته، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8] ، يأتيهم عدوهم إلى بيتهم وهو طفل رضيع، وفرعون يتحدى العالم ويقتّل ويذبح، والله يتحداه بطفل رضيع يتربى في حجره، فضلاً عن أن يذبحه. !!

    فنشأ موسى وشب، وكان من أمره مع خصمه ما كان، فقضى عليه، وخرج خائفاً يترقب، ثم رجع إلى فرعون يدعوه إلى الله، وقال: َأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف:105]، فقال: ألم تكن فينا وليداً، وربيناك؟ والآن جئتنا بدعوة، فماذا كانت النتيجة؟ خرج موسى عليه السلام -وهذا محل الشاهد- ببني إسرائيل، وأمره الله أن يسير حيث تسير السحابة في السماء، فإذا بالسحابة تسير به وتوقفه على شاطئ البحر، وإذا بفرعون من ورائه، فكان الموقف شديداً، وقال الذين مع موسى )إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(، البحر أمامنا، والعدو وراءنا، فأين نذهب؟ هل نطير في السماء؟ لا يوجد طيران، هل ننزل في الأرض؟ لا يوجد مغارات ولا شيء، إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، فأجابهم بسرعة بكلمة تزلزل الأرض: (كلا)، لو توجهت إلى جبل لزلزلته، انظر إلى نطقها، ما قال: (لا)، وما قال: (لا تخافوا)، بل قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، وهذه المعية الخاصة، (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، (تعرف إلى الله تجده تجاهك)، قال: ((مَعِيَ رَبِّي ))، وهذه معية النصر والتأييد، فماذا فعل ربه؟ هل أرسل ملائكة لتصد فرعون؟ لا، انظر إلى المعجزة، قال: اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63]، ماذا تفعل هذه العصا؟! ما طولها؟ وما ثقلها؟ وما تأثيرها؟ ليس فيها تيار مغناطيسي، ولا فيها أدوات زائدة، عصا يتوكأ عليها، ويهشُ بها على غنمه، ولكن لا يعلم قدرها إلا الله، فضرب البحر، فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] يا سبحان الله! ماء لجاج تتلاطم أمواجه، ينفلق ويصير كل فرق -أي: طريق- كالطود شامخاً، وبين كل طريق حاجز، وينقسم بنو إسرائيل في تلك الطرق، ويمشون على أرض يابسة ما فيها لجة، فأرضية البحر جفت، فيمشون في قعر البحر، وفتح الله لهم منافذ ليرى بعضهم بعضاً حتى لا يخاف بعضهم على بعض، ويعرفون أن جماعتهم يمشون في نفس الطريق مثلهم، حتى خرجوا كلهم، وبهذه المناسبة نقول: الطغيان يعمي، والظلم يلهي، ففرعون طاغية، قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] فيأتي إلى البحر، وهو يعرف البحر وطبيعته، ويجد موسى الذي كان يطلبه قد انشق له البحر، لكنه دخل ليدركه، لو أنه نظر بعقله لما دخل، لكن الله طمس بصيرته ليقضي أمراً كان مفعولاً، يا فرعون! رأيت البحر قد انفلق وهل في حياتك رأيت البحر انفلق؟! هل سمعت في التاريخ قبل هذا أن البحر انفلق؟! إنك لما رأيت آية عظمى كهذه أفلا ترعوي؟ ألا تنزجر؟ ألا تقف وتفكر؟ موسى الذي تطلبه أراك في تلك العصا الآيات الكبرى، فقد بلعت الحبال والعصي وأنت تنظر.. موسى يدعوك إلى الله.. موسى آمنت به السحرة الذين يعرفون حقيقة السحر، وهذا البحر صار طريقاً له، فهل بقدرة موسى أن يفعل ذلك؟! ألا تعلم أن هذا من عند الله؟! ولكن مادام فرعون متلبساً بطغيانه، فعماه مستمر، فخاض البحر وراء موسى، وحينما كان موسى خارجاً من الشاطئ الثاني؛ كان فرعون وقومه في وسط البحر، فهل بقي البحر كل فرق كالطود أم رجع إلى ما كان عليه؟ رجع البحر وهم في وسط ذلك الطريق، فغرقوا، قال الله: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92]، ماذا فعل فرعون وقومه بموسى؟ ما استطاعوا أن يضروه بشيء؛ لأن الله كتب لموسى النجاة.

    قصة غلام بني إسرائيل مع الساحر والملك

    وكما سخر الله لموسى البحر، وأنجاه من فرعون وقومه، نجد في قصة غلام بني إسرائيل مثل تلك العجائب، فكان بعض الملوك له ساحر يستخدمه أو ينبئه أو يخبره، فكبر هذا الساحر، فقال للملك: ائتني بغلام أعلمه ليكون محلي، فاختار غلاماً، فكان يأتي إلى الساحر فيعلمه، وحينما يرجع إلى أهله يمر براهب في صومعته، فسمع منه كلاماً يغاير كلام الساحر، فإذا بالراهب مؤمن برب وبإله سوى هذا الملك، فأعجبه كلامه، فكان يجلس إليه ثم يذهب إلى الساحر، فكان إذا مكث عند الراهب وجاء إلى الساحر متأخراً يضربه، ويسأله: أين كنت؟ وإذا رجع وجلس عند الراهب وتأخر على أهله ضربوه، وسألوه: أين كنت؟ فشكا ذلك للراهب فقال: إذا سألك الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا سألك أهلك فقل: حبسني الساحر، ففعل ذلك وسلم من الضرب، وذات مرة سمع الراهب يسأل الله باسمه الأعظم، فقال: علمنيه؟ قال: لا ينبغي لك يا ولدي! قال: علمنيه فإني سأتبعك؟ قال: لا تقوى عليه، وفي يوم رجع إلى أهله فوجد دابة حصرت الناس، فأخذ حجراً وقال: اليوم أعلم هل الراهب أصدق أم الساحر؟ اللهم! إن كنت تعلم أن أمر الراهب حقٌ فاقض على تلك الدابة ليسير الناس، ورمى بالحجر، والناس كلهم محصورون، فقتل الله الدابة بالحجر الذي رماه الغلام، فعرف أن الراهب على حق، فذهب وتعلم أسماء الله من الراهب، وكتبها في أوراق، قيل: إنه ألقاها في البحر، فغرقت إلا واحداً، وقيل: ألقاها في النار فاحترقت إلا واحداً، وهو الاسم الأعظم، فجاء إلى الراهب وأخبره، فقال: يا بني! إذا عرفت الاسم الأعظم فإنك ستبتلى، وإذا ابتليت فاصبر، ولا تدلن عليّ أحداً، فذهب الغلام إلى جلساء الملك، فوجد رجلاً أعمى فقال: ألا تؤمن بالله، وأدعو ربي، فيشافيك؟! قال: ألك رب غير الملك؟ قال: نعم، الذي يملك أن يرد عليك بصرك، قال: فإني آمنت بربك فادعه لي، فدعا ربه فرد عليه بصره، وجاء يجلس عند الملك وهو يُبصر، فقال: عجباً، من رد عليك بصرك؟! قال: ربي، قال: وهل لك رب غيري؟ قال: نعم، دلني عليه الغلام، فدعا بالغلام وسأله يا غلام! ألك رب غيري؟ قال: نعم، الذي رد إليه بصره هو ربي، فزجره وقال: إنك غلام صغير، فأتي برجل أبرص وغيره من أصحاب العاهات في مجلس الملك، فدعا الله لهم، فعافاهم الله جميعاً، وأصر الغلام على أن له رباً غيره، وأن الملك مخلوق، فيئس من إرجاعه، فدعا زبانيته وقال: إن قتلته أمام الناس قالوا: هذا قتل غلاماً، فاذهبوا به في قارب في البحر، حتى إذا أبعدتم عن الشاطئ ألقوه في الماء وارجعوا، فذهبوا به، وحينما أرادوا أن يلقوه في الماء قال: اللهم! اكفنيهم بما شئت، فاضطرب القارب وغرقوا كلهم ورجع هو بسلامة الله، فجلس في مجلس الملك، فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله، فجاء بزبانية آخرين وقال: اذهبوا به، وألقوه من شاهق جبل، فذهبوا، فلما علوا القمة، قال: اللهم! اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل واضطرب، يا سبحان الله! البحر يضطرب ويهتز ويبتلعهم، من الذي يقدر أن يهز الجبل؟! من يقدر على هذا؟! هو الله المولى سبحانه، ويأتي الغلام يمشي سالماً إلى الملك، ماذا فعل هذا الملك؟ ماذا فعل أولئك الزبانية؟ والله! لا شيء، وماذا كان يريد الغلام؟ كان يريد أن يعرف الناس أن لهم رباً خالقاً، فجعل نفسه فداء لدعوته فقال: أيها الملك! لا تتعب نفسك، إنك لن تسلط عليّ -غلام يتحدى ملكاً في ملكه وسلطانه- ولكن أدلك على شيء إذا فعلته قتلتني؟ والملك يريد هذا، فقال: نعم، فقال: عليك أن تجمع الناس في صعيد واحد، وتأتي إلى منصة وتضعني، ثم تأخذ سهماً من كنانتي وتضعها في قوس وترميني به وتقول: باسم الله رب هذا الغلام، فإن فعلت ذلك فإني أموت، والملك مغفل؛ لأن الطغيان يعمي، ففعل ما قاله الغلام، ومات الغلام، وجميع من حضر قال: آمنا برب هذا الغلام؛ لأن الملك قال: باسم رب هذا الغلام، فألغى ربوبيته، وهو لا يدري! فآمن جميع الحاضرين، فقام الملك وخد الأخاديد، وأحرق المؤمنين في النار، وهي قصة الأخدود التي وقعت في اليمن.

    قصة يوسف عليه الصلاة والسلام ونجاته من كيد إخوته

    فالأمة لو اجتمعت على أن يضروا العبد بشيء لم يكتبه الله عليه لن يضروه، فإخوة يوسف ألقوه في غيابة الجب -أي: في جب بعيد، غائب كل ما فيه- فألقوه فيه إلقاءً، يا سبحان الله! صغير يرتع ويلعب ويرمى في البئر! لم ينزلوه فيه إنزالاً، بل رموه مرياً وإذا به يسلم، ثم كان من أمره أن آتاه الله الملك، ثم جاءه إخوانه يستغفرون عنده، ويطلبون منه العفو، فما استطاعوا أن يضروه بشيء.

    قصة النبي صلى الله عليه وسلم يوم هجرته

    وقد ذكرنا قصة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه حينما أراد الهجرة، وما كان من أمر المشركين حينما تآمروا على قتله، وجمعوا عشرة رجال بسيوفهم على باب بيته، فجاءه جبريل عليه السلام -لأن الله يرعاه- فقال: لا تبت في فراشك الليلة، فنامعلي رضي الله تعالى عنه في برده، وخرج صلى الله عليه وسلم أمامهم وسيوفهم في أيديهم، ولكن الله ألقى عليهم النعاس، وقرأ قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، فيخرج من بين أيديهم فلا يرونه، ويحجبه الله عنهم، ويمعن في إذلالهم فيأخذ التراب من تحت أقدامهم ويذروه على رءوسهم، ثم يتوجه إلى الغار، فيأتون إلى فم الغار، وهم يريدونه حياً أو ميتاً، وجعلوا مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فيقفون على فم الغار، ويقول الصديق : ( يا رسول الله! والله! لو نظر أحدهم إلى أسفل نعليه لأبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: ما بالك باثنين الله ثالثهما؟!)، وقال الله: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وهي مثل كلمة موسى عليه السلام: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي) ولكن -وهنا لطيفة ننبه عليها- موسى عليه السلام قال: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي)، ومحمد صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) فـ(نا) هذه للجمع، ومن هم الجمع الذين في الغار؟ أبو بكر مع رسول الله، فهذا يدل على فضل أبي بكر حينما شركه القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (مَعَنَا)، فموسى كان معه أمة كاملة من بني إسرائيل، وكان معه أخوه ووزيره هارون، فقال القوم: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، وأين يقين القوم من يقين موسى؟ وكان أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق، يقيه بنفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بالك يا أبا بكر !تارة تمشي أمامي، وتارة تمشي من ورائي؟!)، وذلك لما خرجا من البيت في طريقهما إلى الغار، فقال: (يا رسول الله! أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون من ورائك، فقال: أتود لو كان شيئاً أن يكون فيك أنت؟ فقال: نعم، إن أهلك أنا أهلك وحدي، أما أنت فمعك الرسالة) ، فـأبو بكر كان يهتم بالرسالة، فكان جديراً بأن يشارك مع رسول الله في قوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).

    وخرج صلى الله عليه وسلم من الغار ومشى في الطريق، وأدركهم سراقة في الصحراء، وهم مكشوفون للعيان، فماذا كان من أمره؟ ساخت قوائم فرسه تسيخ، وسقط عنها عدة مرات، وإذا به يطلب الأمان لنفسه، ويكتب له أبو بكر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف بك يا سراقة ! إذا أنت لبست سواري كسرى)، أي: أنت جئت تطاردنا بعد أن رأيتنا خارجين من مكة، فأخبرني حينما ينصر الله دينه، ويعلي كلمته، وينتشر الإسلام، وتقطع رءوس أولئك الظلمة، (كيف بك إذا أنت لبست سواري كسرى؟!)، وكسرى كان اسمه يرعب العرب، وكانوا يخشونه أشد ما يكون، فـسراقة يلبس سواري كسرى، وكسرى يقضى عليه، يقول بعض العلماء: كان يقينه صلى الله عليه وسلم بربه من أعظم اليقين، وهو شخص خارج في الصحراء على تلك الحالة، واثق بوعد ربه، حتى بلغ به اليقين أن يعد سراقة بسواري كسرى، وقد حقق الله ذلك، ففي خلافة عمر رضي الله تعالى عنه فتحت المدائن، وجيء بلباس كسرى، فنظروا أي الرجال أطول ليروا عليه حلة كسرى؟

    فنظروا في جميع الحاضرين فلم يجدوا أطول من سراقة ، فجاء سراقة ولبس الحلة والسوارين، فقال له عمر : انزعها؟ فقال: لا انزع هذا اللباس! قال: لماذا؟ قال: أعطانيها رسول الله عليه الصلاة والسلام حينما خرج مهاجراً ولحقت به، فقال لي: (كيف بك إذا أنت لبست سواري كسرى؟!)، فضحك عمر وقال: هل قال لك: امتلكت، أو قال: (لبست)؟ قال: (لبست)، قال: ها أنت لبستها، فانزعها، وهذا من فقه عمر .

    1.   

    معنى قوله: (واعلم أن النصر مع الصبر)

    هذا الحديث الجليل الذي يقول فيه بعض العلماء: لو قيل: إنه نصف الدين أو الدين كله، لكان حقاً؛ لأنه يربط العبد بربه بدون واسطة.

    ثم قال بعد ذلك: (واعلم أن النصر مع الصبر) ، يعلم الجميع أن الصبر هو أغلى خصلة يمنحها الله للعبد، ويقولون في الإحصائيات: الصبر ذكر في القرآن حوالي سبعين مرة، وجاء في السنة: (الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد)، وفي الحديث: (الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء) ، يقول علماء المنطق: نور مع نور آخر النسبة بينهما التشكيك، كما لو أشعلت عود كبريت في صحراء، وجئت بلمبة ألف شمعة، فهذا نور، وهذا نور، ولكن إذا نظرت وجدت أحدهما ضعيفاً، والآخر قوياً، فالنسبة بينهما التشكيك.

    قال: (الصلاة نور) وقال: (الصبر ضياء)، الله سبحانه وتعالى لما ذكر الشمس والقمر قال: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس:5]، فأيهما أقوى؟ الشمس أقوى، فالحديث جعل الصبر ضياء، وجعل الصلاة نوراً، والصلاة هي عماد الدين، فكيف يكون الصبر أكثر إشعاعاً، وأكثر إضاءة، وأكثر فعالية في قلب المؤمن؟!

    لأنك لو تأملت في التشريع كله من الأوامر والنواهي، لوجدت قوام ذلك كله على الصبر، قال الله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]، فقدم الصبر وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، لولا الصبر لما توضأ أحد بالماء البارد في الشتاء وخرج من بيته إلى المسجد، ولولا الصبر لما صبر أحد على الحر في القائلة وخرج في الظهيرة إلى المسجد، ولولا الصبر لما صبر أحد على المال والنفس شحيحة، فأخرج جزءًا من المال وهو صنو النفس، ولولا الصبر لما حمل أحد سيفه في يد، والروح في اليد الأخرى، وقاتل الأعداء، ولولا الصبر لما صبر أحد على فعل طاعة، ولا صبر على ترك معصية، (فالصبر من الإيمان كالرأس من الجسد) كما في الحديث، وإذا فصلنا الرأس عن الجسد صار جثة نواريها.

    إذاً: النصر مع الصبر، وقيل لبعض شيوخ العرب: بما غلبتم كذا؟ قال: غلبناهم بالصبر، يقاتلوننا ونقاتلهم، ونفوز عليهم ونتميز بالصبر، وقالوا: (الشجاعة صبر ساعة)، قال الله: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:66]، الصبر معه النصر، ويقول ابن القيم في بعض ما كتبه على هذا الحديث: الصبر على قتال العدو يجلب النصر، والصبر على النفس، يكون بالصبر على هواها، والصبر على مطالبها، والعوام عندهم مثل عجيب يقولون فيه: صبري على نفسي، ولا صبر الناس عليّ، فإذا كنت في فاقة تصبر على نفسك خير من أن تقول: يا فلان! اعمل معروفاً، وأقرضني واصبر عليّ؟ لا، ما دمت تستطيع الصبر فاصبر.

    1.   

    معنى قوله: (وأن الفرج مع الكرب)

    ثم قال هنا صلى الله عليه وسلم: (وأن الفرج مع الكرب)، الكرب هو: شدة الإيلام، وشدة الضيق في حياة الإنسان، لكن كلما اشتد الكرب كلما قرب الفرج، فما السر في هذا؟

    لو تأملنا بعض القضايا لكشف لنا النقاب، فالمولى سبحانه قريب كما قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186]، وقرب الله من عباده قرب خير وعطاء ونصر وعناية، ولكن (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) لو تساءلنا -وكل إنسان جرب في حياته- هل اتجاهك إلى الله في وقت سعتك وغناك وعافيتك كاتجاهك إلى الله في وقت الضيق والحرج والمرض أو هما سواء؟ لا، والله! حينما يكون الإنسان محتاجاً شديد الاحتياج، فليس عنده إعراض عن الله ولا حتى بمقدار شعرة، ولكن حينما يكون في غنى وفي سعة فيمكن أن يطغى كما قال الله: إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

    فتعرفك إلى الله في الرخاء -وأنت لست في ضيق ولا كرب- سبب لأن يعرفك الله في شدتك، وأنت لا تغيب عنه في كلتا الحالتين، ولكن يتعرف إليك بالإجابة.

    إذاً: عند شدة الكرب تكون قوة الإيمان، والإخلاص، وصدق التوجه إلى الله، وربك يحب منك هذا، وهو لا يريد منك شيئاً، فخزائنه ملأى، وعطاؤه كلام، لكن يريد من عبده صدق التوجه إليه، وثق بأنك إذا توجهت إلى الله بصدق فمهما كانت حاجتك فإنه يقضيها، فهو لا يخيب ظن عبده أبداً، وفي الحديث: (إن الله ليستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم يردهما صفراً) لكن لابد أن يكون مطعمه حلالاً، ومشربه حلالاً.

    حسن ظن هاجر عليها السلام بربها عز وجل

    أُمنا هاجر عليها السلام جاء بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومعها إسماعيل فوضعهما في وادي مكة كما قال تعالى عنه: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم:37] أي: ولا ماء، وإذا لم يكن عنده زرع ولا ماء، فلا أنيس عنده ولا ونيس، وكان معها سقاء من ماء، وقال: في أمان الله ومشى، فنادته: يا إبراهيم! لمن تدعنا هاهنا؟ قال: لله، قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: فاذهب فلن يضيعنا الله! الله أكبر! نريد بهذا بيان اليقين الذي عندها من أول لحظة، فذهب إبراهيم، وانتهى الماء، وبكى ولدها، وهي امرأة ضعيفة في فلاة، ليس عندها طعام ولا شراب، وبكاء ولدها يحز في قلبها، فماذا تفعل؟ هل تقعد أمامه تبكي؟ لا، بل تقوم وتطلب وتسعى، فذهبت فلم تجد شيئاً، فنظرت إلى مكان مرتفع يكشف ما وراءه، فكان أقرب مرتفع عندها الصفا فصعدت عليه، ونظرت في الجهات الأربع فلم تجد شيئاً، فنظرت إلى مرتفع آخر، فكان من المروة أقرب مرتفع إليها، ومكة تحيط بها الجبال من كل جانب، وهي على جبل أبي قبيس، لكن كيف تترك ولدها وهو في بطن الوادي، فتريد أن تجمع بين الأمرين: رعاية ولدها، وطلب الماء له، فذهبت إلى المروة فتلفتت فلم تجد ماءً، وكانت إذا انصبت قدماها في بطن الوادي أسرعت لترتفع وترى ولدها، والمولى سيغيثها، وهي قد أعلنت قوة التوكل عليه: بقولها: (لن يضيعنا الله)، فتركها المولى تسعى يميناً ويساراً، تصعد الصفا تارة وتصعد المروة تارة؛ وهي في كل مرة عندها أمل في الخلق، فكانت ترجو أن ترى إنساناً يمشي، لكن بعد سبع مرات من السعي، وبعد أن انقطعت آمالها من الخلق؛ وتوجهت بصدق إلى الخالق، فما كان إلا أن جاء جبريل وشق الصخرة، فنبع الماء، ولماذا لم ينزل جبريل من أول مرة؟ لأنه كان في قلبها تعلق بأسباب من الخلق، فتركها الله لتنظر ما يفعله بها الخلق، فجربت فلم تجد شيئاً، فلما يئست من الخلق، وأيقنت فعلاً بأنه لا مغيث لها إلا الخالق، كان توجهها إليه توجهاً صادقاً دون منازعة، ودون مشاحة، ودون مشاركة مع الخلق، فكانت إغاثة الله ليست لها وحدها، بل ولنا إلى اليوم، وإلى ما شاء الله، فهي عين نابعة يشرب منها الحجيج والعالم كله، وماؤها يصل إلى أنحاء المعمورة، ففي كل مكان يوجد ماء زمزم.

    وهكذا النفر الثلاثة الذين من بني إسرائيل، الذين آواهم المبيت إلى الغار، هل كان عندهم رجاء في الخلق؟ نزلت صخرة فسدت عليهم الغار، فهل كانوا يطمعون في أحد من الناس يأتيهم؟ هل كان يعلم بهم أحد؟ لا، أبداً، فهم يئسوا من الخلق من أول لحظة، فماذا قالوا؟ قالوا: ارجعوا إلى ربكم، ولينظر كل منكم ما كان بينه وبين الله من خبيئة سر، فيتوسل إلى الله بها، فحينما قام قائم منهم وقال: كان لي أجير... إلخ، وقام الثاني وقال: كان لي أبوان... إلخ، وقام الثالث وقال: كانت لي ابنة عم أحبها، إلى آخر الحديث، فهل كان قيام أحدهم يشوبه شائبة رياء مع أحد من الخلق؟ لا، والله! لأنهم أيقنوا بالموت، وعلموا يقيناً دون شك أنه لا ينجيهم مما هم فيه سوى الله، فلما حصل هذا اليقين منهم تحركت الصخرة شيئاً فشيئاً، ومن يقدر أن يزحزح الصخرة إلا بأمر الله.

    ودائماً نقول لمن جاء للعمرة أو الحج: في كل نسك من أنساك العمرة والحج آية وعبرة ومنهج، فسعيك بين الصفا والمروة تجديد اليقين مع الله، فإذا ناب العبد شيء، توجه إلى الله خالصاً مخلصاً قلبه لله، والله أقرب إليه من حبل الوريد، فلا شيء أقرب من فَرَج الله؛ لأنه يقول للشيء: كن فيكون.

    1.   

    معنى قوله: (وأن مع العسر يسراً)

    وقوله: (وأن مع العسر يسرا)، هو كما قال صلى الله عليه وسلم: (لن يغلب عسر يسرين)، يقول علماء البيان: النكرة إذا تكررت فهي متعددة، والمعرفة إذا تكررت فليست متعددة، قال الله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6] فاليسر هنا متكرر، وهو نكرة، والعسر معرف بأل، فيكون تكراره لا يستوجب تعدده، ولكن اليسر لما كان منكراً كان تكراره يقتضي تعدده، وبهذا يظهر لنا عظمة هذا الحديث، ومدى دلالته وآثاره، نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يملأ قلوبنا يقيناً بالله سبحانه وتعالى.

    1.   

    اليقين بما عند الله سبب لسعادة العبد في الدنيا

    وجاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: والله! لا يكمل ولا يتم يقين العبد حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في يده، ويرد عند العوام مثل يقول: تضرب يدك، وتقسم لغيرك! فلعلها تكون في يدك وتستعصي عليك أو تأخذها في حلقك وتكون غصة وترجع، ولكن ما كان عند الله سوف يأتيك، وعائشة تقول ذلك عن تجربة، وعن عمل، إيمان ويقين، كانت صائمة، وعندها قرص شعير فقط، فجاء مسكين يقول: يا آل بيت محمد! مسكين بالباب، فقالت عائشة لـبريرة : أعطي المسكين، فقالت: ليس عندي ما أعطيه، قالت: أليس عندك شعير؟ قالت: هو قرص واحد لك لتفطري عليه، قالت: أعطي المسكين، وعند الفطور سيرزق الله، فراحت بريرة تمشي خطوة، وترجع خطوة، كيف عند الفطور يرزق الله؟ ما أعجبها هذا الكلام، وفرق بين بريرة وبين عائشة ، فأعطت المسكين وهي كارهة، وجاء المغرب ولم يأت رزق الله، فقامت عائشة تصلي، وقبل أن تفرغ من صلاتها، إذا بقارع يقرع الباب، وفتحت بريرة وأخذت ما أعطيت، ولما سلمت أم المؤمنين، فإذا بشاة بقرامها مشوية، والقرام هو الذي تلف فيه الشاة من العجين، وكل بقايا أجزاء الشاة كاملة، قالت: ما هذا يا بريرة ؟! قالت: رجل أهداه إلينا، والله! ما رأيته يهدي إلينا قبلها قط، تعني: ما هي بحسب العادة، لكن حالة حادثة نادرة، لو كان ممن يهدي كل مرة، لقلنا: على حسب العادة، لكن هذا لم يأت من قبل أبداً، فأيقنت بريرة بما قالت أم المؤمنين، وقالت لها: يا بريرة ! كلي فهذا خير قرصك، والله! لا يكمل يقين العبد حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في يده، فأم المؤمنين كان يقينها فيما عند الله أكثر من قرص الشعير الذي عندها، وهذا الواجب على كل مسلم؛ لأن الذي عند الله محفوظ، والذي في يدك غسؤ محفوظ، والله سبحانه أعلم.

    أسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الإيمان واليقين، وأن يفقهنا في الدين، وأن يرزقنا وإياكم حسن التوكل عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لو توكلتم على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً)، ما عندها زراعة، ولا مستودع، ولا تجارة، ولا شيء، ولكن تتوكل على الله سبحانه وتعالى.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.