إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع [2]

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    معنى قوله: (فائتوا منه ما استطعتم)

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال عليه الصلاة والسلام: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، الأمر مبني على الاستطاعة، بخلاف النهي فهو للاجتناب، ولِمَ لا يكون الأمر بدون قيد الاستطاعة؟ ولِمَ لا يكون النهي مقيداً بالاستطاعة؟

    قالوا: لأن الترك عدمي: اتركه، يعني: كف عنه وابتعد عنه، بدون قيد ولا شرط، أما المأمور به فقد يكون ذا شروط، وذا جزئيات، وقد تتوافر الشروط كلها، وقد لا تتوافر كلها، فإذا لم تتوافر كل الشروط فيؤتى منه قدر المستطاع، ولا يترك بالمرة.

    فمثلاً: الصلاة مأمور بها، ولها شروط مثل: الطهارة، استقبال القبلة، ستر العورة... وكل هذه من شروط صحة الصلاة، فإذا لم يستطع توفير كل شروط الصلاة، فهل يترك الصلاة أو يفعل من شروطها ما استطاع؟

    يفعل ما استطاع.

    وإذا عُدِم الماء انتقل إلى التيمم، وإذا فَقَدَ الطهورين، فيصلي صلاة عادم الطهورين.

    وإذا لم يكن لديه ما يستر كامل العورة، وعنده ما يستر السوأتين فقط، فهل يترك الستر مرة واحدة أو يستتر بالموجود؟ يستتر بالموجود، حتى قال بعض العلماء: لو أن إنساناً سرقت ثيابه، وليس عنده ثوب يصلي به بالكلية، وبجواره نهر، فليدخل في النهر حتى يستر به عورته، ويقول: ويذكر بعض العلماء كـالنووي وغيره: إذا لم يكن هناك ماء، وهناك طين في الأرض، فهل يدهن نفسه بالطين حتى يستر عورته أم لا؟ لسنا بصدد هذا، وإنما أردنا الإشارة إلى أن الفقهاء ذهبوا إلى اعتبار الاستطاعة.

    وإذا عجز الإنسان عن الصلاة قائماً فليصل قاعداً، وإن عجز عن الجلوس اضطجع، لقوله: (فأتوا منه ما استطعتم)، ولا تسقط الصلاة بالكلية.

    وفي ساحات المعارك عند احتدام القتال لا تسقط الصلاة، بل يصلون بقدر المستطاع، إما جماعة وإما وهم يكرون ويفرون، ولهم أن يصلوا بقلوبهم وألسنتهم، ولا يتقيدون باستقبال القبلة؛ لأنهم ما استطاعوا، والآية الكريمة تقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وأيضاً: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فكل العبادات والأوامر في الشرع مبناها على الاستطاعة، وهذه أمثلة في الصلاة.

    نأتي إلى الزكاة: ليس بلازم على كل شخص أن يعمل ويكتسب ليبلغ عنده النصاب فيزكي، ولكن بحسب استطاعته إن ملك نصاباً وحال عليه الحول زكى، وهل الحكم مبني على الاستطاعة أو على الإلزام؟

    على الاستطاعة.

    وفي الصيام: إذا عجز عن الصيام لسفر أو مرض فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    وفي الحج: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

    وفي الجهاد: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح:17].

    وهكذا جميع العبادات والتكاليف مبناها على الاستطاعة.

    وقوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، كل النواهي مقدور على تركها، وهناك بعض الجزئيات من النواهي لا يتأتى تركها، وجاءت النصوص بالرخصة فيها، مثل الرخصة في أكل الميتة المنهي عنها، وهكذا الرخصة في ارتكاب أخف الضررين، فإذا غص أحد بطعام وليس عنده ما يسيغ به اللقمة إلا الخمر، وقد يموت بسبب حبس الهواء عن رئتيه بسبب اللقمة التي سدت البلعوم، قال الفقهاء: له أن يزيل الغصة عن نفسه ولو بجرعة خمر، لكن لا يشربها للعطش؛ لأن الخمر لا تذهب العطش بل تزيده.

    إذاً: جميع المحرمات مقدور على تركها لا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، لا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ [الأنعام:151]، لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ [الأنعام:151] كل هذه يمكن للإنسان أن يكف عنها، ولا يقع فيها إلا بنوازع الشر، وكان في مقدوره الإنساني وطاقته البشرية أن يكف عنها.

    إذاً: جميع المنهيات مقدور على تركها، وليست جميع الأوامر مقدور على إتيانها؛ لأن لها شروطاً قد يعجز عنها فخفف الشرع فيها، وجعلها بقدر المستطاع.

    انتهى شرح قوله صلى الله عليه وسلم: . (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، ولوالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه كلام جميل جداً على كلمة (فاجتنبوه) عند تفسيره لقوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، فمن أراد أن يتوسع في معنى الاجتناب فليرجع إلى أضواء البيان عند تفسير هذه الآية الكريمة.

    1.   

    كراهة الإكثار من السؤال

    ثم قال صلى الله عليه وسلم : (فإنما أهلك من كان قبلكم: كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، ما مناسبة قوله: (أهلك من كان قبلكم...) مع قوله: (اجتنبوه وافعلوا ما استطعتم)؟ يقولون: سبب ورود الحديث:

    أنه صلى الله عليه وسلم خطب الناس وقال: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟! فسكت عنه، فأعادها الرجل مرة ثانية، ثم أعادها ثالثة، فقال: لا، في العمر مرة، ولو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم فكفرتم، دعوني ما أمرتكم)، أي: الذي أسكت عنه اتركوه (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم)، إذاً: الحديث له سبب، ولذا ذكر ما يتعلق بالسؤال عقب الكلام على الأمر والنهي؛ لأن جواب السؤال سيكون أمراً أو نهياً.

    وقوله: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم)، هل كثرة سؤالهم وحدها أو اختلافهم على أنبيائهم مرتبط بكثرة أسئلتهم؟ يعني: هل نأخذ كثرة أسئلتهم وحدها ونفصلها عما بعدها أم أنها مرتبطة بما بعدها وهو (واختلافهم)؟

    الجملتان مرتبطتان؛ ولذا لا تؤخذ الجزئيات كلمة كلمة، لكن تؤخذ الجملة في إطار كامل.

    إذاً: السؤال إما أن يكون مؤدياً لاختلاف أو يؤدي إلى علم. وبمعنى آخر: السؤال إما يكون استفتساراً للعلم والمعرفة، وإما يكون تعنتاً وتعجيزاً.

    فالأسئلة التعنتية والتعجيزية ليست من شأن أهل الدين، وليست من شأن طلبة العلم، بل كانت سبباً في إهلاك الأمم؛ لأنها أدت إلى اختلاف الأمة مع أنبيائها، أما الأسئلة الإيضاحية لأجل الفتوى أو لأجل التعليم، فهي من منهج التعليم الصحيح.

    السؤال والجواب في القرآن

    قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (إن هذه الأمة أقل الأمم سؤالاً، ما سألت إلا اثني عشر سؤالاً، وكلها جاء الجواب عنها).

    والأسئلة تنقسم إلى قسمين:

    أسئلة تعنت وتعجيز، وأسئلة استفهام لبيان الفتوى في الواقع.

    أما أسئلة التعنت والتحدي فكما بيّن لنا سبحانه أسئلة الأمم مع أنبيائهم، مثل قوم صالح حين سألوه أن يخرج لهم من الجبل ناقة، وهذا السؤال فيه تحدٍ، إذ كيف لجبل أصم أن ينتج ناقة فيها حياة؟! ولو طلبوها من البحر لكان يمكن أن تخرج ناقة من البحر، إذ فيه حيتان وحيوانات، أو من السماء لكان يمكن أن تنزل من السماء، فالله أعلم بخزائنه، لكن طلبوا ناقة من هذا الجبل الأصم! فهذا تحدٍ، ولذا كان هذا التحدي سبب إهلاكهم؛ لأنهم ما صبروا على الناقة فعقروها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا [الشمس:14].

    بنو إسرائيل قالوا لعيسى -وانظر إلى صيغة السؤال الذي يشف على عدم الحياء-: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ [المائدة:112] حسبنا الله ونعم الوكيل! من قال لهم: إن الله لا يستطيع ذلك؟! هو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، ولكن انظر إلى السؤال! فهو محض تحدٍ، والصيغة تدل على عدم الحياء وغياب الأدب، هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:112]، خافوا ربكم! قالوا: لا، نريد أن نأكل، وهذا يشير إلى أنهم لا يؤمنون إلا ببطونهم!!

    والمشركون طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفجر لهم عيوناً، وأن يسير الجبال، وأن يجعل لهم جنات وأنهاراً، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه [الإسراء:90-93]، يا سبحان الله! إلى هذا الحد!

    فأسئلة التحدي كانت سبباً للإهلاك، ورحم الله هذه الأمة فلم يهلكها بسبب تعنتهم في أسئلتهم؛ وذلك لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    وقد أشار القرآن إلى ثلاثة أسئلة تعجيزية، وذلك أن المشركين قالوا لليهود: أنتم أهل كتاب، فأعطونا شيئاً نورده على هذا الرجل نسكته به، فقالوا: سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم عن بعضها وترك بعضها فهو صادق، وإن أجابكم عنها كلها، أو ترك الإجابة عنها كلها فاعرفوا أنه كاذب، وشأنكم به.

    قالوا: سلوه عن فتية في غابر الزمن كان لهم شأن، وسلوه عن الرجل الذي طاف الأرض إلى المشرق والمغرب وكان له شأن، وسلوه عن الروح، فرجعوا فرحين، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك حتى جاء الوحي، وأخبره عن الفتية أصحاب الكهف: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9] إلى آخره القصة، وقال الله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، وذو القرنين هو الذي له شأن في التاريخ الماضي، ولم يقل: يسألونك عن رجل طاف الأرض، ولا: يسألونك عن رجل صفته كذا، لا، وإنما قال جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:83]، انظر كيف الجواب!

    وكل الأسئلة التي جاء في القرآن جوابها، فجوابها مباشر دون تمهل، ولكن هنا قال: .. قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ [الكهف:84]، فأول الجواب من قوله: ( إنا مكنا..) ، ولكن قل لهم وأسمعهم: ( سأتلوا عليكم منه ذكراً )، والتلاوة والذكر لشيء واحد، ولكن المتلو يكون ذكراً للعالمين، وأخبرهم صلى الله عليه وسلم بالوحي عن ذي القرنين بتفصيل ربما لم يكن عند اليهود تفصيله.

    وهذه الأسئلة تبين لنا حقيقة الحكمة في نزول القرآن منجماً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32]، فالكتب الأولى كلها نزلت جملة، فموسى جاء بالألواح وهي مكتوبة كلها، ثم عرضها على بني إسرائيل فامتنعوا من العمل بها حتى نتق الله فوقهم الجبل، قال الله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف:171]، ولولا التهديد بالجبل فوق رءوسهم لما آمنوا، ولكن القرآن يأتي آية آية، يساير حياتهم ويعايشهم في كل ما يطرأ لهم، وكل مشكلة جاءت ينزل بحلها، وكل قضية واجهتهم يأتيهم بتوجيهها، فكانوا يأخذون القرآن آية آية، وحكماً حكماً، فما انتهت فترة الوحي إلا وقد استوعبوا الوحي كله.

    أسئلة الصحابة المذكورة في القرآن

    قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة:222]، والسؤال عن المحيض ليس فيه تعنت، فهو أمر يحتاجون إلى معرفة أحكامه في بيوتهم قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فهذا تعليم لأمور تتعلق بكل زوجين؛ ولذا جاء الجواب مفصلاً، وبعد ذلك لا ينسى أحد من الصحابة حكم المحيض.

    وهكذا في أي أمر اختلفوا فيه أو التبس عليهم يسألون عنه، ويأتي الجواب كقوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:215]، وقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:219]، سؤالان كلاهما عن الإنفاق، أجابهم مرة عن الجزء الذي ينفقونه وهو: العفو، أي: الزائد، وأجابهم مرة عن جهة الإنفاق، وأن أولى من تنفق عليه الوالدين والأقربين.. إلى آخره.

    وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ [طه:105]، هذا مظهر من مظاهر الكون، وآية من الآيات المشاهدة الدالة على قدرة الخالق جل وعلا، فبين قدرته سبحانه فقال: فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:105].

    وقوله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة:217]، وذلك قد وقع بالفعل، وانتهزها المشركون فرصة في الطعن على المسلمين، فقالوا: محمد صلى الله عليه وسلم يدعي أنه يعظم حرمات الله، وهو وأصحابه يقتلون الناس في الأشهر الحرم! قُلْ [البقرة:217] على واقع الحال، واعتراف بالواقع، ولكن بمقارنة قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، ولكن ماذا فعلتم أنتم؟! كفرتم بالله، وصددتم عن سبيل الله، ففعلكم أنتم أشد من خطأ هؤلاء الذين شكوا في كون الشهر دخل أم لا.

    وقوله تبارك وتعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة:219]، هي من المعاملات، كانوا يشربون الخمر، ويقامرون، ومن فاز بالميسر لا يأخذه ويتصدق به على المساكين، وأخذه إياه ليس على وجه حق، وإنما هو أكل لأموال الناس بالباطل عن غير طيب نفس، فالسؤال عن معاملات وأشياء واقعية يعاشرونها وتعايشهم، فجاء الجواب في القرآن عن هذا التساؤل.

    أسئلة الصحابة المذكورة في السنة

    كانت الأسئلة التي سأل عنها صدر هذه الأمة أسئلة فقهية واستيضاحية وتعليمية، فتعلموا بالأسئلة، أما الأشياء التي لا جدوى من السؤال عنها فكانوا يجتنبون الخوض فيها امتثالاً لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، ولم يسألوا عن شيء لم يقع، فلم يسألوا إلا في الواقع، ولكن هل هناك مانع من السؤال عما وقوعه محتمل؟ لا مانع إذا كانت المسألة محتملة الوقوع، ومثال ذلك لما أخبر صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستبتلى بأمراء جور وفساد.. (قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة).

    مثال آخر: أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرسل هدياً إلى الكعبة وهو في المدينة، فسأله سائق الهدي لما أراد أن يتوجه إلى مكة فقال: (يا رسول الله! لو عطب الهدي.. ماذا أفعل به؟) هل نهاه عن سؤاله وقال: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم)؟ لم يقل ذلك صلى الله عليه وسلم؛ لأن عطب هدي في طريق طويل من المدينة إلى مكة محتمل، وهذا من فقه صاحب الهدي، فأجاب بقوله: (انحره واغمس قلادته في دمه، وخل بينه وبين الناس).

    مثال ثالث: في غزوة خيبر أرسل صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله تعالى عنه ليعطيه الراية، وكان قد قال في اليوم السابق: (لأعطين الراية غداً..) إلى آخره، فلما حمل الراية قال له: (انفذ على رسلك، ولا تلتفت، وقاتلهم) فمشى علي قليلاً ثم وقف، ولم يلتفت، ونادى بصوت عالٍ: (يا رسول الله! علام أقاتل القوم؟ قال: على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله.) إلى آخره، فسأل ليتبين، فالسؤال الذي يكون عن معرفة واستفسار حسن، أما التعنت واللجاج في المسألة -حتى ولو كان حقاً- فهو منهي عنه، وتتضح كراهة ذلك في مسألة وقعت للصحابة رضي الله عنها، فإنهم اجتمعوا رضي الله تعالى عنهم وسألوا رسول الله عن ليلة القدر، ودخل البيت، فتلاحى رجلان منهم، وكانوا يريدون أن يعلموا بليلة القدر، والسؤال عنها مطلوب، ومعرفتها بغية كل إنسان، لكن رفع علمها لما حصلت الملاحاة -ولو كانت في الحق-، فخرج عليهم صلى الله عليه وسلم وقال: (كنت أردت أن أنبئكم فتلاحى رجلان؛ فرفعت) أي: رفع تعيينها.

    ومن هنا يقول العلماء: لا ينبغي لطلبة العلم الملاحاة في المسائل الفقهية ولو كانت حقاً، يروى عن مالك رحمه الله أنه قال: (إن من تتبع شواذ المسائل حرم نور العلم ) ، ويقول عمر بن عبد العزيز - كما نقله عنه ابن عبد البر -: (من أراد الله حرمانه من العلم شغله بشواذ المسائل) ، وعمر رضي الله تعالى عنه يقول: (أحرج على كل مسلم أن يحدث بحديث ليس عليه العمل)، ومالك لما أراد هارون الرشيد أن يعلق الموطأ على الكعبة، ويحمل المسلمين جميعاً عليه قال: (لا تفعل؛ إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، ونقلوا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ كل بما وصل إليه، فلا تغير على الناس)، والإسكندري جلس عنده طلابه فتلاحوا عنده فقال: (درنت قلوبكم! قوموا إلى خالد بن حماد فاجلوا قلوبكم عنده، وتعلموا منه الرغائب ونوافل العبادات؛ فإنها ترقق القلب، وتورث المحبة، وتبعد الضغينة).

    ويقولون: إن المناقشة في العلم -ولو في الحق- قد تؤدي إلى التعالي والحرص على حظ النفس، وكل يريد أن ينتصر لنفسه، فتقع الفرقة والشحناء.

    إذاً: السؤال إن كان للاستفتاء فلا بأس بذلك، أما أن يكون للمناقشة والجدال والتعالي فهذا هو الذي يفرق بين المسلمين، ولقد أدى تعصب بعض أتباع المذاهب إلى تسابهم وتخاصمهم وتهاجرهم، كما دوّن ذلك بعض المتأخرين، ولك أن تعجب من سؤال يتردد عند بعضهم: هل يجوز أن يتزوج شافعي بحنفية؟! إلى هذا الحد! مع أن الأئمة رضوان الله عليهم جميعاً ليسوا متعصبين، قالوا لـأحمد : أتصلي خلف الشافعي وهو لا يتوضأ من لحم الإبل؟ قال: وماذا تراني؟! أأمتنع من الصلاة خلف مالك وخلف أبي ثور وخلف فلان وفلان؟! يعني: إذا اختلفنا في رأي أو في مسألة هل يكون ذلك سبباً لفرقتنا؟! لا. والله!

    خلاف التضاد شر وخلاف الأفهام رحمة

    قوله عليه الصلاة والسلام: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم) أي: الأسئلة التي تؤذي إلى الخلاف؛ ولذا لما حج عثمان رضي الله تعالى عنه وأتم الصلاة في منى، جاء ابن الزبير إلى ابن مسعود وقال: (أرأيت ما فعل الرجل؟! قال: يا ابن أخي! إن صليت في رحلك فاقصر الصلاة، وإن صليت خلفه فأتم الصلاة، ولا تخالفنه فالخلاف شر كله)، وفرق بين مخالفة واختلاف، الاختلاف في الرأي في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها، أو فيها نصوص متعارضة، أو فيها مجال سائغ للنظر، فهذا لا يمكن لإنسان أن يرده، والرسول صلى الله عليه وسلم أقر المختلفين في قضية واحدة في صلاة العصر في بني قريظة، أما مخالفة النص الصحيح الصريح الذي لا معارض له، فهذا مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله.

    إذاً: في هذا الحديث بيان موقف المسلم من الأمر والنهي، والأصوليون يأخذون من هذا الحديث قاعدة للجمع بين المتعارضين، وهي: أيهما نقدم؟ ويتفق العلماء على تقديم جانب الحظر كما ذكر ابن دقيق العيد في قضية تحية المسجد بعد العصر، وأطال النقاش في ذلك، وأورد الأدلة ثم قال: تعارضت الأدلة في الجانبين، وليس لدينا مرجح من تلك النصوص، فنأتي بمرجح من الخارج ألا وهو: إذا تعارض مبيح وحاظر قدمنا جانب الحاظر على المبيح؛ لأن مقتضى الحظر: أن تقع في محظور أقله الكراهية، ومقتضى الطلب: إن لم يكن واجباً فهو مندوب، فلأن تترك مندوباً وتسلم من مكروه أولى من أن ترتكب مكروهاً من أجل تطبيق مندوب، والأصوليون يستدلون بهذا الحديث على هذه المسألة.

    وننصح طلبة العلم خاصة بترك الملاحاة في السؤال، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في الجنة).

    1.   

    لا تكليف بما لا يستطاع

    قوله عليه الصلاة والسلام: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، مأخوذ من قوله سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [التغابن:16]. وهل يوجد تعارض بين الآيتين: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [التغابن:16] والآية الأخرى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]؟ وهل قوله:اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] منسوخة أم لا؟

    يذكر بعض علماء التفسير أن آية اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] منسوخة، وقالوا: لما نزلت: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] ذهب الصحابة يبكون إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقالوا: من الذي يستطيع أن يتقي الله حق تقاته؟!

    فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فنزلت: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [آل عمران:102]، فما فرحوا بشيء مثل فرحهم بهذه الآية، وقالوا: إنها نسخت: حَقَّ تُقَاتِهِ .

    وآخرون يقولون: ما نسخت، وبيان حق تقاته يشير إليه آخر الآية: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، والإسلام أعم من حقيقة التقوى؛ لأن الإسلام أعمال ظاهرية تأتي بعده رتبة أعلى منه وهي: الإيمان، ثم تأتي رتبة أعلى من الإيمان وهي: الإحسان، والتقوى هي رأس مال المسلم، وهي نهاية كل شيء.

    فقالوا: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] هي: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والدوام على هذا الالتزام حتى الموت، كما جاء في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] وقال الصديق رضي الله تعالى عنه: ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] أي: التزموا واستمروا على ذلك حتى ماتوا عليه.

    إذاً: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] القول فيها يدور بين النسخ وبين عدم النسخ، وتفسير حق تقاته بما جاء في آخرها: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    وبهذه المناسبة يقولون: إن ترك المعاصي كلها لا يقوى عليه إلا الصديق ، وفعل المأمور به قد يقدر عليه كل الناس بقدر الطاقة؛ ولذا جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (عجب ربنا لشاب ليست له صبوة!) لأن ترك المعاصي ليس بالأمر الهين.

    ولما سئل أيهما خير: شخص تراوده نفسه لعمل المعاصي فيكف أو شخص لا تراوده نفسه أبداً؟ فأيهما أقوى وأفضل عند الله؟

    قال: الشخص الذي تراوده نفسه ويمنعها أفضل من الشخص الذي لا تراوده نفسه.

    وبهذا نعلم تفسير قوله تعالى: : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف:24] ونعلم وجه الرج على من قال: كيف يهم بها وهو نبي؟!

    وقد أجاب العلماء بأن الهم الموجود عند يوسف عليه السلام هو الدواعي الجبلية في الإنسان، فأي إنسان كان جائعاً ورأى طعاماً، فالنفس بطبيعتها تشتهي هذا الطعام، ولكن يأتي بعد ذلك النظر: هل هو حلال فيأكل منه أو هو حرام -كأن يكون ملكاً لغيره أو محرماً لذاته- فيكف عنه؟ لكن رغبة النفس موجودة، فالقدرة هنا والعفة والتقى أن يكف يده عما ليس له فيه حق.

    ولو كان مريضاً سقيماً ولم يأكل منه لتلك العلة، وقال: أتعفف عن الحرام، وليس الأمر كذلك، وإنما الذي منعه المرض، أما نبي الله يوسف فلو لم يكن لديه ميل فطري، وغريزة الجنس؛ لما كان مكتملاً من الناحية الإنسانية، قال الله: لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24]إذاً: هو كف الهم الجبلي الذي يراود النفس، ولكن عصمه الله، فكف عن الحرام مع وجود الدوافع؛ وهنا تكمن قيمة العفاف وفضله، لا ذلك العجز الذي يريد البعض أن يصفوا به نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: المرأة كانت حريصة غاية الحرص على أن يحصل ما همت به، فغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك، ولكن هو ما هم، ولا حرص أن يفعل، وإنما عرضت عليه خطرات النفس البشرية، ولكنه كف مع وجود الدوافع، والحرص على الفعل قد يكون له حكم الفعل كما في الحديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، ففرق بين من هم وكان همه مجرد خطرات تتردد في النفس، وبين من هم هماً جازماً مؤكداً وما رده إلا العجز والتقصير.

    إذاً: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] على بابها، واتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] أي: التزام الأوامر واجتناب النواهي، ولا يقوى عليه إلا الصديقون -كما قيل- والله تعالى أعلم.

    وأظن أن والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى عليه وعلينا تناول هاتين الآيتين فيما في كتابه: دفع إيهام الاضطراب، وهي من مواضع قصيدة (نظم السيوطي ) فيما يتعلق بالناسخ والمنسوخ، وللشيخ رحمه الله شرح على هذه القصيدة أملاه عليّ.

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل طلبنا للعلم خالصاً لوجه الله، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.