إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الهبة العمرى والرقبى [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نهى الشرع عن الرجوع في الهبة أو الهدية أو الصدقة؛ لأنها ليست من الصفات المحمودة، ولما يترتب على إنفاذ الهدية أو الهبة من مصالح محمودة، فهي تزرع المحبة والمودة وتسل السخيمة والبغضاء من النفوس.

    1.   

    شرح حديث: (حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه...)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد فيقول: المصنف رحمه الله: [ وعن عمر قال : (حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم) الحديث متفق عليه ].

    هذا الحديث أعتقد أنه كان ترتيبه الطبيعي مع أحاديث الباب قبل قضية العمرى والرقبى، ولكن له علاقة بالعمرى والرقبى التي كانت موجودة في استرجاعها، فـعمر رضي الله عنه يقول: (حملت على فرس في سبيل الله) بمعنى: أنه وجد إنساناً رغب في الجهاد، ولم يجد ما يبلغه أو ما يركبه فيساعده على القتال، فأعطاه فرساً من عنده يحمله عليه: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً [التوبة:92] ما عندهم شيء يوصلهم، ونعلم قلة الظهر في السابق في غزوة بدر كان الثلاثة والأربعة يتعاقبون على بعير واحد، فلو كانت متوفرة لكان كل واحد ببعيره، فالمسافة ما يقارب مائة وخمسين كيلو، فـعمر رضي الله عنه فعل ذلك من باب الجهاد في سبيل الله بالنفس وبالمال، ثم نظر إلى فرسه عند من كان حمله عليه، (فأضاعه)، وكلمة الضياع تطلق على التلاشي، تقول: ضاع الكتاب .. ضاع القلم .. ضاع الدفتر .. يعني: ليس عندك، فيكون في يدك وتقول: ضاع، يقولون: (ضاع) تصرف إلى معنى : أهمله كأنه ضيعه، أي : قلّت الاستفادة منه بسبب إهماله، والفرس يضيّع ؟ نعم، مئونة الفرس للجهاد في سبيل الله مئونة شاقة، كما قالت أسماء رضي الله عنها عندما لحقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من طريق الغابة، وهي تحمل النوى على رأسها، فلما عرفها أشفق عليها وأناخ راحلته ليردفها خلفه، تقول : تذكرت غيرة الزبير ، فاستحييت وامتنعت، فأخذ مني قفة النوى وحملها عني، ثم قالت : والله ما أرهقني إلا فرس الزبير . خدمته وعلفه وسقيه، والآن نجد بعض الهواة للخيل يجعلون له خادماً وسايساً ومنظفاً.

    يعني: يمكن ثلاثة أشخاص يخدمون الفرس، وهذا للعناية به، والفرس حساس نظيف، يحب النظافة والأناقة والطرب، فيحتاج إلى خدمة، فإذا ما قصر صاحبه فيه أضاعه، والفرس لا يألف المكان غير النظيف، ولا يألف على طول المدة دون أن يغتسل ويغسل، وهكذا كما يقولون: أرقى النباتات النخلة، وأرقى الحيوانات الفرس، فهو أرقى الحيوانات وأذكاها.

    نأتي إلى قول عمر : (فأضاعه) لا شك أن عمر لديه الإمكانيات لعلف الفرس ولخدمته، ولما يتناسب مع مهمته، فلما حمل عليه شخصاً الأصل أنه فقير لا يجد ما يركب عليه، إذا أعطي فرساً أصيلة مخدومة ليس بإمكانياته أن يوفيها حقها.

    إذاً: ضاعت فعز على عمر أن يرى فرسه المدلل، أو يرى فرسه المخدوم المعلوف المتميز مهملاً مضيعاً ولا يؤدي مهمته، والعرب كانت تعنى بالخيل قبيل المعارك بالتضمير. أي : يضمرها، كما عندنا في السباق : (سابق بين الخيل المضمرة من ثنية الوداع إلى الحفياء، وبين الخيل غير المضمرة من الثنية إلى مسجد بني زريق) فالمضمرة شيء وغير المضمرة شيء آخر، وتضمير الخيل: هو أن يعطى العلف متى ما شاء، دائماً يأكل حتى يشبع ببطر، ثم قبل المعركة يؤخذ هذا الفرس ويجلل بالثياب المتينة الصوف، ثم يوضع في غرفة قليلة التهوية؛ ليعرق بلباسه عليه وضيق الغرفة، فيخرج من ضخامة بدنه السيولة، كما يقولون: الماء من داخل الجسم في العرق الذي يخرج ويفرزه، فيحتفظ بقوة عضلاته، ويتخلى عن فضلات جسمه فيما يخرج من أملاح ومياه في العرق.

    فهذه خيل مضمرة. يعني: صارت ضامرة بعدما كانت سمينة متينة.

    أي: صارت نحيفة مع الاحتفاظ بقوتها، فأهل الخيل يعتنون بها إلى حد بعيد، حتى في بعض ضواحي الشرقية، عندهم للفرس الحرة سجل تاريخ، كشهادة ميلاد الإنسان، متى ولدت ؟ ومتى لقحت ؟ ومن الذي لقحها ؟ خيل من عند مِن ؟ وأمها من ؟ وهكذا يؤرخون للفرس تأريخهم للولد، بل الأولاد في البادية ليس عندهم شهادة ميلاد، لكن يحفظون تاريخ ميلاد أولادهم، أما الفرس فيكتبون؛ حتى إذا أرادوا بيعها ينتقل معها سجلها.

    وهكذا عناية العرب بالخيل، فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يتدارك فرسه الذي يعرف أصالته، ولكن هذه الخصيصة التي أكرم بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلهم مدرسة لنا ينقلون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحكام في الصغيرة والكبيرة، هذا عمر يريد أن يشتري فرساً، وما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا؟ قال : لا. لابد أن أذهب فأسأل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أني كنت قد حملت عليها في سبيل الله، هل في شرائي إياها بعد ذلك فيه شيء ؟ وهذه النعمة الكبرى التي امتن الله بها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل قضية النعمان وأمه وأبيه بشير بن سعد في المنحة، قالت : لا. اذهب وأشهد عليه رسول الله، وهكذا كانوا يدخلون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشورة .. في الاستئذان .. في الفتوى، وكان بين ظهرانيهم يجيبهم عن كل ما سألوه عنه، وتجمع ذلك كله وانتقل إلينا تشريعاً للأمة، وأصبح كل من منح ولده دون بقية الأولاد هو بعينه بشير ، وأصبح كل من تصدق بشيء ثم رآه مضيعاً وأراد أن يشتريه هو عمر بن الخطاب في فرسه، وتصبح هذه قواعد عامة وتشريعات للأمة في تلك الأحداث الصغيرة .

    لما سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا قال له؟ قال: (لا. تبتعه) وباع وابتاع وشرى واشترى، كلها ألفاظ تأتي بمعنى البيع والشراء.

    (باع) بمعنى : أعطى السلعة، ابتاع بمعنى : أخذها، شرى كذلك، واشترى، كلاهما بمعنى الإعطاء والأخذ : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف:20] أي : باعوه.

    اشتراه: يعني : أخذه، (لا تأخذه .. لا تشتره .. لا تسترده وإن أعطاكه بدرهم)، وما هذا يا رسول الله ؟ هل هناك من يبيع فرساً بدرهم ؟ ممكن هذا ؟ عمر عظم في نفسه ضياع فرسه الذي يعرف أصالته فنفسه متعلقة به.

    ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن أعطاكه بدرهم) أي: ولو باعك إياه بأقل الأثمان، ليحط من تعلق عمر به، فيقابل شدة تعلق عمر بفرسه بقلة الثمن الذي يمكن أن يبيعه به صاحبه، وهذا أسلوب نبوي كريم يقابل المبالغة بنظيرها، (لا يفل الحديد إلا الحديد).

    وهنا لعل إنساناً يكون عنده فضول ويتساءل: هو ما قال له: أعطني الفرس الذي أعطيتك إياه فضيعته، وإنما قال: أشتريه، وذاك الذي أعطي الفرس وضيعه من حقه أن يبيعه في السوق لأي إنسان؛ لأنه ملكه، فإذا كان من حقه أن يبيعه، ومن حق أي إنسان أن يشتريه، فما الذي يمنع عمر وهو صاحبه الأول بأن يكون هو المشتري إذا جئنا إلى المعادلة العقلية؟

    نجد أنه لا فرق بين عمر في كونه يشتريه ممن هو في يده وبين غيره؛ لأنه بيع وشراء، قالوا: لا، هناك فرق؛ كون عمر هو الذي أعطى هذا الشخص وحمله عليه، سيجد صاحب الفرس الجديد أن لـعمر عليه فضل، فعندما يقول صاحب الفرس الذي بيده: بمائة، فيقول عمر : لا، بخمسين، ماذا يقول الذي بيده الفرس؟ يماكس مع عمر، أما لسان حال عمر : أنا ما برحت أعطيتك إياه، فيضطر عند البيع أن يجامل عمر ، وأن يتنازل عن بعض حقه، وهذا ليس من الإنصاف، لكن لو جاء إنسان آخر وقال : بتسعة وتسعين، قال : لا. فله الحق في ذلك ؛ لأن الذي يسوم ليس له علاقة في هذه العين التي تباع .

    الشيء الثاني وهو الأهم: أن هذا الشخص لو باع الفرس لزيد، وأراد عمر أن يشتريه من زيد قيل له : لا. لأن الأصل أنه منك، والمعنى الأساسي في هذا الموضوع: ما الذي جعل عمر يتأسف على ضياع الفرس؟ ارتباطه به في الماضي.

    إذاً : حينما حمل عليه، هل انقطعت علاقته حساً ومعنى ورغبة ورهبة عن الفرس أم حمله وعينه تتطلع فيه؟ حمله وكل ما مر به نظر إليه، حمل عليه وكلما تذكره تذكر ماضيه.

    إذاً: تعلق نفس عمر بالفرس، وهذا يشير كونه تصدق به ؛ لأن المتصدق يتصدق لوجه الله، فينبغي أن يخرج الصدقة من يده ومن قلبه وماله، ولا تكون لها أي علاقة بالمتصدق، فيكون أخرجها من ملكه، وفكره، وحسبانه.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم يقطع على عمر خط الرجعة في أن يفكر أنه كان له فرس لتمضي الهبة لوجه الله خالصة، ويجب أن تنقطع العلائق كلها من هذه الصدقة التي تصدق بها لوجه الله، وبقية الحديث هو الذي جاء فيه : (لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب) إلى آخر الحديث.

    وهنا يسأل بعض العلماء يقول: (العائد) وهل عمر عاد في هبته أم اشتراها؟ اشتراها، ونتيجة الشراء، فإنه لو اشترى الفرس سيكون عاد إليه بأي وسيلة، حتى لو جاء يهديه إليك هدية لا تقبلها؛ لأنه خرج من ذمتك ويدك، اللهم إلا الأمور التي ليست عن طلب ولا عن رغبة، وجرت عادة الناس فيها، كما يذكرون في باب الزكاة والصدقات، جاء رمضان وجاء وقت زكاة الفطرة وأخرجت زكاة فطرتك لجارك، ثم جئت يوم العيد تزور جارك، فقدم لك حسب العادة وحسب ما يقدم للآخرين (الدلة) والتمر، فجئت أنت وصب لك القهوة وقدم إليك التمر، فإذا به تمر زكاتك الذي أعطيته بالأمس، هل تأكل منه بحكم الضيافة أو تقول : لا، العائد في هبته؟

    تأكل منه، وهل عندما تأكل منه يكون هذا عود في صدقتك أم قبول إكرام جارك إليك، سواء كان بتمرك أم بتمر غيرك، فحينئذ لا تكون عائداً في صدقتك.

    1.   

    شرح حديث: (تهادوا تحابوا)

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى بإسناد حسن ].

    الأدب المفرد هو للبخاري، وهو من أنفس الكتب في الآداب، يورد أحاديث بر الوالدين وحكم الجوار، والرفق بالضعيف، وأشياء كثيرة في الآداب والأخلاق، كما فعل مالك رحمه الله في الكتاب الجامع في آخر الموطأ، وهكذا بعض العلماء إذا انتهى من تأليفه في باب الفقه والأحكام -حلال وحرام- يأتي بمجموعة من الآداب والذكر، حتى في كتابنا هذا بلوغ المرام، في آخره يأتي باب الذكر والدعاء، ليرقق النفس ويهذبها، ويربط الإنسان بربه في دعائه وفي حاجته، وكذلك البخاري رحمه الله جعل هذا الكتاب في مكارم الأخلاق والآداب، الذي هو الأدب المفرد.

    الهدية سبب في زرع المودة

    وفي هذا الحديث : (تهادوا تحابوا) الهدية من حيث هي سلاح المودة، ومراسيل التعاطف والتقارب والتآلف، وأعتقد أن كلنا يعلم ما فعلت بلقيس مع نبينا سليمان: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [النمل:35] جماعتها يقولون : نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل:33] فنحن مستعدون! قالت: لا، هذا السلاح للمعركة، في وقت الشدة، ولكن الهدية سلاح الحرب الباردة، وسلاح التعاطف والمودة -نجس النبض- وكانت الأمم قديماً في العادات والتقاليد، إذا أرادت أسرة أن تناسب أسرة أخرى وتخطب منها قبل ما تتقدم بالخطبة ويعتذرون بالدراسة، لكنها أعذار جحا كما يقال، ويتعللون بعلل!

    كانوا قبل ما يقدمون على ذلك ويرسلون المراسيل لخطبة الفتاة يرسلون أولاً بهدية إليهم، يقول الكاتب: ولو حزمة ثوم، فهي مجرد هدية، وهم يعلمون أنه ما في هدايا فيما بينهم، فإن قبلوا هديتهم ولو على قلتها معناها تفضلوا أهلاً وسهلاً، فيتقدمون للخطبة، وإذا ردوها وقالوا : نحن عندنا ما نحتاج معناه: كونوا بعيداً لا تقتربوا.

    فكانت الهدية هي عنوان التقارب.

    الهدية إلى الكافر وقبولها منه

    الرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل الرسل بالكتب، وجاء حاطب إلى المقوقس بالإسكندرية رحب به وحصل معه محادثة لطيفة، من ضمن ما كلمه، قال : ألست تقول أن محمداً رسول الله وهو في عنايته وكذا وكذا ؟ قال : بلى، قال: كيف يكون حبيب الله ورسول الله ويتركه لأهل مكة يخرجونه هارباً ليلاً ؟ يعني: لماذا لم يحمه ولم يدافع عنه؟ قال له: أيها الملك! ألست تؤمن بالنصرانية؟ قال: بلى، قال: ألست تقول بأن عيسى ابن الله؟ قال: بلى، قال: كيف أن أباه تركه لليهود يصلبونه ولم يدافع عنه؟ فقال: حكيم جاء من عند حكيم، وهذه الأجوبة المسكتة، والعامة يقولون: إذا أرسلت فأرسل حكيماً.

    فـالمقوقس أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاريتين وحللٍ للبس، وخفاف، وشيئاً من الطيب، وبغلة، وقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا تجد الفقهاء يعتنون بمسألة: الإهداء إلى ومن الكافر: أتهدي إلى الكافر ؟ نعم، أتقبل هدية الكافر ؟ نعم.

    وقد جاء في الإهداء إلى الكافر : عمر رضي الله عنه لما رأى حلة تباع وأعجبته وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : اشترها لتلبسها للوفود، فنظر فيها وردها ثم قال : (إنما يلبس هذا من لا خلاق له) يعني : قماشها فيه شيء من الحرير، ثم بعد فترة أرسل رسول الله إلى عمر حلة من نفس ذلك القماش، فجاء عمر يجري، فيقول: قلت يا رسول الله: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له) وترسل لي بها! معناه: أنا لا خلاق لي، قال : لا يا عمر، أنت أخطأت في المقدمات، ليس معنى إرسالي إياها إليك لتلبسها، ولكن لتتملكها، وألبسها من شئت، فأرسل بها إلى أخيه بمكة وهو على دين قومه.

    وهكذا في بعض سفراته صلى الله عليه وسلم، نزل منزلاً وجاء أعرابي يسوق غنماً، فقال له صلى الله عليه وسلم : هدية أم بيعاً ؟ قال : لا. بل بيع، فاشترى منه شاة، وسأل أصحابه من عنده طعام، وكذا وكذا، وصنعوا طعاماً وأكلوا جميعاً وبقي الباقي في القصعة.

    يهمنا قبول الهدية من المشرك والإهداء إليه ما لم يكن حربياً ؛ لعموم قوله سبحانه : لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] وخاصة إذا كان ذا رحم فلا مانع.

    فالهدية من قديم موجودة متداولة بين الملوك وبين الأشخاص العاديين، وهنا يبين لنا صلى الله عليه وسلم مهمة الهدية بين الناس، وإذا تأملنا جميع التشريعات في الإسلام كالعبادات والتبرعات نجد أن لكل عمل مهمة، مثل الفيتمينات، كل فيتمين له غرض خاص , كذلك هنا الصلاة تنهى عن الفحشاء، والزكاة تطهر وتزكي العبد والمال، والصيام يزيد من التقوى، والحج فيه منافع لهم، وكل هذه العبادات فيها منافع للأمة، وكذلك الهدية.

    وعلمنا بأن قانون الحياة معاوضة، والهدية عوضها إما أن ينتظر مصانعةً، والرسول بين لنا فقال: (تهادوا تحابوا) فالهدية تورث المحبة؛ وجبلت النفوس على حب من يحسن إليها، والهدية من الإحسان، وهذا جزء من حديث: (والله لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) ثم بين صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم).

    والهدية -كما يقولون- تكون بمناسبة وبغير مناسبة، والعامة يقولون : الهدية على قدر مهديها، غترة تلبسها، زميلك في الدراسة سافر في العطلة، وعندما أتى أهدى لك غترة، أو مدير الجامعة سر بنشاطك، وأعجب باستقامتك ومثاليتك في الطلاب، فقدم إليك غترة، فهل غترة زميلك التي جاء بها كغترة مدير الجامعة؟ هي هي! نفس القيمة والمقاس! لكن هذه حق مدير الجامعة! هذه والله أنا ما اشتريتها، بل أهداها لي مدير الجامعة!!

    إذاً: على قدر مهديها ؛ لأنه عندما تذكرك في غيبتك وفكر في أن يهدي إليك.

    إذاً: أنت حاضر في خاطره، ما غبت عنه، ذكرك بالخير في الغيبة.

    إذاً: هذا يورث المحبة (تهادوا تحابو).

    1.   

    شرح حديث: (تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة...)

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة) رواه البزار بإسناد ضعيف].

    الهدية تسل السخيمة، والضغينة كلها وحر في الصدر، حقد.. حسد.. كراهية.. نفرة، موجودة بين إنسان وإنسان، فإذا فوجئت بهدية من شخص تكرهه وفي صدرك منه شيء، فوجئت به يقدم لك عود الأراك، ويقول: تفضل هذا سواك جديد، تجد أن هذا العود اليابس الذي تنظف فيه فاك له أثر في نفسك، يخفف من غليان الصدر وحقده، فإذا به غداً يعطيك قارورة عطر، والله هذه مسحت الماضي وعطرت المكان، وهكذا كلما تداول الناس الهدايا فيما بينهم كانت أدعى لسلامة الصدر، والبادئ هو الأكرم.

    1.   

    شرح حديث: (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)

    وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه ].

    : (يا نساء المؤمنات ! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) الفرسن: ما بين الظلفين، والبعض يقول: رجل الغنمة، والآن هي تباع في السوق الواحدة بريالين أو بريال لكنها مستوية كاملة، فإذا كنت تريدين الإهداء إلى جارتك وما عندك شيء إلا فرسن شاة فلا تحتقرينه، وفي بعض الروايات : (ولو ظلفأً محرقاً) الذي هو مقدم الشاة تحرقه من أجل الصوف الذي فيه أو الظلف الغروي الموجود على الحافر ينزل ويبقى اللحم، وهذه من محقرات الأمور، يبين صلى الله عليه وسلم أن على الجارة أن لا تحتقر شيئاً تقدمه لجارتها.

    معناه: أنت أيها الإنسان! إذا أردت أن تهدي لا تحتقر ما عندك، وقدم ما بيدك فإن الكل صغيراً كان أو كبيراً داخل في جنس الهدية.

    ونحن نعلم قصة عائشة في حبة العنب، مرت امرأة مسكينة وهي تأكل حبات عنب، فأعطتها حبة، فأخذتها وظلت تطالع فيها تتعجب من الموازين المادية، فقالت: أتعجبين من هذا! كم فيها من ذرة، والله تعالى يقول : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه [الزلزلة:7] وكذلك التمرة التي شقتها الأم وأعطتها لطفلتيها، ويقول صلى الله عليه وسلم : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) لا أحد يتصدق بتمرة إلا إذا كان ما عنده شيء.

    إذاً: لا يحتقر الإنسان شيئاً يقدمه لصديقه، وبالتالي لا يحتقرن الصديق شيئاً أهدي إليه من صديقه، طالت غيبته ثم جاء على عود أراك، فلا تنظر إلى هذا العود، بل انظر إلى الدوافع، حينما أتى إلى بائع الأراك واشترى باسمك أليست هذه تكفيك؟! كونه عود صغير أو كبير، هذا شيء آخر .

    إذاً: لا تحقرن جارة لجارتها، ولا جارة من جارتها، ولذا جاء في الحديث: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) تطبخين دجاجة أو وصلة لحم املئي القدر ووزعي على الجيران مرقاً.

    على كل: كلما كانت الحياة مبسطة كانت أمورها بسيطة، وكنا نحن من قبل نقدم صحناً أو صحنين ويأكل الإنسان ويشبع والحمد لله، واليوم الحمد لله من أصناف الطعام لا يعلمها إلا الله، نسأل الله أن يرزقنا شكر النعمة، وأن يحفظها علينا، الموالح أصناف والحمضيات أصناف، والخضروات أصناف، وكل هذا، أصبح الإنسان يقدم فخذاً من حيوان أو شاة أو غيرها، ويستقلها! ولكن حينما كانوا يبحثون عن التمرة فلا يجدونها، لو أهدي لأحدهم فرسن شاة لفرح به، وليس المقصود فرسن الشاة بعينه، ولكنه ضرب المثل فلا تحتقر من المعروف شيئاً بأن تقدمه لأخيك.

    يقولون: إن بعض الأمراء أرسل إلى بعض التجار لكي يستلف منه مبلغاً، فذهب إليه الرسول، فقال: نعم، لنذهب إلى البيت فهذا التاجر المطلوب منه مشى ووجد جلدة شاة مرمية في الأرض على طريقه، فأخذها ونتف منها الصوف وهو ماشٍ ثم أخذ الجلد في جيبه، فجعل يغزل هذا الصوف الذي نتفه حتى صنع منه خيطاً طويلاً ووضعه في جيبه، والرسول يتعجب، هذا الذي بعثني إليه الأمير بكذا كذا دينار وهو يلتقط هذه الأشياء في الطريق؟! فلما وصلا البيت قال: أمعك كيس؟ قال: بلى، قال: هاته، فنظر فإذا الكيس مخروق، فأخذ تلك الجلدة ووضعها على هذا الخرق، وأخذ ذلك الصوف الذي غزله وأتى بالمسلة وخيطها، فعجبت حينئذ كيف جمع المال، استفاد منها.

    فهكذا الإنسان لا يحتقر الشيء، والنبي صلى الله عليه وسلم لما وجد شاة ميمونة يجرونها قال: (هلا انتفعتم بإهابها) فلابد من الاستفادة من كل ما يمكن الاستفادة منه.

    وفي خلافة عمر رضي الله عنه أقام مأدبة للناس في المسجد بطعام من عنده، وأثناء تناولهم للطعام، جاء مرسول من كردستان أو كذا، فجاء وقال : أين أمير المؤمنين عمر ؟ قالوا: هذا هو، جاءه فسأله عن البلاد، قال : أرضهم وعرة وليست بسهلة، ماؤها وشل، وعدوها بطل، قال : أنا أسألك أم تسجع لي ؟ قال : أخبرني عنها، قال له بأن الله فتحها على المسلمين وأرسلوني بصفاياها إليك - الصفي والمرباع يكون لرئيس القبيلة أو لقائد الجيش، أو له أن يصطفي من عموم الغنيمة ما طاب له دون القسمة، فأرسلوا له ببعض التحف من الغنائم، فقال: أمسكه معك، وبعد العصر نلتقي، ثم قال له: اجلس كل مع الناس، قال: أكلت، ووالله لطعامي الذي في مزودتي للسفر خير مما أمامهم، ثم قال: هلم إلى البيت، فذهب ونادى زوجه أن تأتيه بغدائه، ما كان أكل مع الناس، فجاءته بطعام، فقال له: اجلس فكل، فقال : والله لطعامي الذي في مزودتي للسفر خير مما قدم إليك.

    ماذا نقول في هذا المستوى؟ إنسان مسافر، والزاد الذي في المزودة للسفر أفضل من الطعام الذي يقدم في بيت أمير المؤمنين، وهو صانع مأدبة للناس في المسجد.

    إذاً: تفاوت في الحياة في هذه الأمور، قد تجعل في النظرة للهدية فوارق، ولكن ينبغي ألا يكون ذلك مدعاة لعدم تقدير الهدية، ولا يكون مدعاة لردها لحقارتها، بل يجب أن تكون النفس عالية، والنظر إلى مهديها وظروف الإهداء، وأن يكون لها وقع عند صاحبها.

    ويذكر مالك في الموطأ: أنه كانت امرأة في ذي الحليفة، كل يوم أربعاء تأخذ السُلت وتطبخه في قدر وتأتي بالشعير وتخبزه لطلبة العلم.

    يقول : كنا نعد لذلك اليوم، تعد لماذا ؟ أهي وليمة الملك ؟ السُلت أقل من الشعير، وخبز من الشعير، يوضع عليه قليل من هذا السلت، ويقول : كنا نعد لهذا اليوم، ولكنهم كانوا راضين بحياتهم ومقتنعين.

    فهذه بعض نماذج وأمثلة لما كان عليه بعض السلف، وفي بعض الحالات لعلنا نخفف من هذا التغالي والتنافس في أنواع الموائد والأطعمة، ونسأل الله أن يرزقنا شكر النعمة، وأن يحفظها علينا، وأن يديمها لنا، إنه سميع مجيب!

    1.   

    شرح حديث: (من وهب هبة فهو أحق بها...)

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من وهب هبة فهو أحق بها مالم يثب عليها) رواه الحاكم وصححه، والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله ].

    الهدية المقرونة بالعوض والثواب

    هذه هبة الثواب : (من وهب هبة) عامة في كل ما تقدم (ما لم يثب) خصصت نوع الهبة (فهو أحق بها مالم يثب عليها).

    إذا قدمها لمن هو أعلى منه وينتظر منه المثوبة عليها، فإذا خاب ظنه ما أعطاه شيئاً، يقول : أرجعها وهو أحق بها ؛ لأنه قدمها كسلعة تثمن .. وكسلعة يعوض عليها أكثر من قيمتها، وهذا هو مبدؤه، وعلى هذا دفعها برضاه، فإذا لم يحصل على الثواب، تكون أخذت منه بغير طيب نفس، والإسلام حرم مال الأخ على أخيه إلا بطيب نفس .

    (والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله).

    إما من كلام عمر أو من قوله صلى الله عليه وسلم، كل ذلك من باب التشريع، وعمر ممن أمرنا أن نأخذ عنهم رضوان الله تعالى عليه. وبالله تعالى التوفيق.